إسلام ويب

تفسير سورة الأنبياء [76-79]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكر الله لنا قصص الأنبياء عليهم السلام، تسلية لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فذكر قصة نوح مع قومه، وكيف أهلكهم الله بالغرق عندما كذبوه، ثم ذكر قصة داود وسليمان وحكمهما في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له...)

    قال تعالى: وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الأنبياء:76].

    أي: يا محمد! كما ذكرنا لك إبراهيم جدك، وإسحاق عمك، ويعقوب ابن عمك، ولوطاً، اذكر كذلك نوحاً؛ فإنه كان كذلك من عباد الله الصالحين، ومن المصطفين الأخيار.

    قوله: وَنُوحًا [الأنبياء:76] أي: اذكر نوحاً، وتصور حاله.

    وكل هذا أوحى الله به إلى نبيه ليثبت به فؤاده؛ لما لاقاه من قومه من جحود وعناد وكفران، فهو يقول له: لست بدعاً من الرسل، وقد سبق أن الرسل قبلك أوذوا وظلموا، وتمرد عليهم أقوامهم وأتباعهم، ومع ذلك صبروا وصمدوا فكانت العاقبة لهم، وكان الخسران لعدوهم، كذلك اصبر فإن العاقبة لك كما كانت للأنبياء قبلك، وإن أعداءك سيسحقون، ولكن لا بد من الصبر.

    وهكذا الله أمر نبيه وأمر أتباعه كذلك؛ ولذلك ذكر الصبر عشرات المرات في القرآن الكريم، وخصه الله بسورة العصر التي قال عنها الإمام الشافعي : لو عمل بها المسلم لكفته.

    وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].

    الصبر في الدعوة، والصبر في العبادة، والصبر في ترك المنكرات، والصبر على المأوى والشدائد إلى لقاء الله، فمن صبر نصر، وكانت العاقبة له.

    قال تعالى: وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ [الأنبياء:76] اذكر نوحاً إذ نادى أي: نادانا وتضرع إلينا، ودعانا لنصرته.

    إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ [الأنبياء:76] أي: قبل هؤلاء جميعاً، إذ نوح هو الأب الثاني للبشر بعد آدم، إذ الطوفان قد عم كل الأرض فأصبح من على وجه الأرض بعد نوح أولاد له، وللقلة القليلة التي آمنت معه وركبت السفينة، فكان بينه وبين آدم -زعموا- ألف سنة، وليس هناك شيء يؤكد ذلك من كتاب الله أو سنة رسوله، وقد قيل: إن إدريس سبقه، ولكن الجماهير على أن إدريس كان بعده.

    قوله: وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ [الأنبياء:76] أي: من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط، وكان أقدمهم وجوداً وحياة وعصراً.

    فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ [الأنبياء:76] أي: أجبناه لرغبته، وهو ينادي ويضرع إلينا، ولمكان النداء والدعاء ولمكانة الضراعة، استجيب له؛ لأن نوحاً كانت نبوءته في قومه أفضل النبوءات على الإطلاق، لبث في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولقي من الشدائد والعظائم والإيذاء ما لم ينله أحد من الأنبياء قط؛ لأنه طال الزمن وهو صامد صمود الجبال.

    وبعد هذه المدة الطويلة ما عاد يستطيع الصبر أكثر؛ فأخذ يدعو على قومه أن ينجيه الله منهم، وأن ينتقم منهم، فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:26-27] نادى: يا رب! إني مغلوب فانتصر، وإذا بالله الكريم يستجيب له بعد المدة الطويلة.

    وهكذا أدب الدعوة، أن الإنسان عندما ينادي ربه ويدعوه لا يقول: لم يستجب لي؛ لأنه مضت سنة أو سنتان أو شهر أو شهران ولم يستجب، فيستجاب لك إن قدر لك ذلك، وكان في صالحك، وقد تكون الاستجابة ليست في صالحك، ولكن الأمر يكون حسب إرادة الله في الوقت المناسب، وفي الأصلح لك.

    وهكذا رأينا يوسف بعده، بعد أن تآمر عليه إخوته، وبعد أن بيع عبداً وقذف به في بئر، وبعد أن اتهم بما اتهم، وبعد أن رمي في السجن سنوات، بعد كل ذلك بأربعين سنة استجاب الله له فيما بشره به في الرؤيا الصالحة: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:4] ففهمها أبوه يعقوب وقال: يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:5] .

    وهكذا كل نبي له قصة مع قومه، وقد عرضها الله بالتوالي منجمة خلال ثلاث وعشرين سنة على عبده وحبيبه محمد صلوات الله وسلامه عليه؛ ليتأسى بذلك، وليتعزى بذلك، وليجد قوة في تجديد طاقاته على الدعوة والصبر على إيذاء قومه، وأن النهاية له بالنصر والغلبة على الأعداء، تثبيتاً للدعاة من أتباعه فيما مضى، وفيما حضر، وفيما هو آت إلى يوم القيامة، وهذه فائدة التاريخ، أنه يثبت القلوب ويعطي الإنسان قوة، ويجعله يعيش مع أقوام بينه وبينهم آلاف السنين، فيرى ما أدركوه وما قاسوه، وماذا جرى لهم.

    وكانت النتيجة: أن نصرهم الله، وفازوا بالربح، وفازوا بالرحمة، وآب أعداؤهم بالذل والخسران المبين.

    فقوله: وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ [الأنبياء:76] أي: نادى قبل هؤلاء الأنبياء، فاستجبنا له، فأجابه الله في دعائه وندائه عندما صبر عليهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فأغرقهم أجمعين، ودمرهم أجمعين وكأنههم لم يكونوا.

    وابتدأ نوح حياة جديدة بين هذه القلة الصالحة من أتباعه، وهكذا تجددت الدنيا، وتكاثر الأولاد والذرية، وخلد نوح كما خلد الأنبياء قبله وبعده.

    قوله: فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الأنبياء:76] نجاه مع أهله وأتباعه، وخرج عن أهله وولده؛ لأنه كان عمله غير صالح، وأبى إلا الإصرار على الكفر حتى وقت الطوفان، ونزول الأمطار من السماء، وتفجير الأرض، ودعاه أبوه: اركب معنا! أي: آمن لتركب معنا قال: سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ [هود:43].

    يرى البلاء بعينيه ويسمعه بأذنه، ويأبى إلا الإصرار وهكذا الخذلان عندما تطبع القلوب باللعنة والطرد من الرحمة، وحتى لا يعتمد الإنسان على أبيه وجده وحسبه ونسبه، فهذا ابن نبي عاش معه هذه المدة الطويلة، ولكنه ما استطاع أن ينفعه بقليل ولا بكثير.

    وهكذا كان يقول نبينا عليه الصلاة والسلام، وينادي زوجاته وأحفاده، وينادي بني هاشم: إياكم أن تأتوني تحملون على أكتافكم البعير والناقة وكذا وكذا، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، فلا ينفع مع الشرك شيء، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    فإن كانت هناك منفعة ففي الدنيا، بحيث يدعو النبي أو يدعو الصالح للإنسان الفاجر مادام حياً، فقد يستجاب له فيؤمن وتسبقه الهداية، كما دعا النبي عليه الصلاة والسلام ورجا من الله فقال: (اللهم اهد أحب العمرين إليك) فاستجاب الله دعاءه في عمر بن الخطاب ؛ لأن عمر حتى في شدة كفره لم يستهزئ ولا سخر.

    أما المستهزئون الذين قال الله عنهم لنبيه: إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر:95] لقد قال ابن تيمية : ما استهزأ أحد برسول الله في حياته أو بعد مماته إلا وختم الله له بسوء الخاتمة، لا تنفعه دعواه، ولا ينفعه شيء من عمله، لا صدقات ولا غيرها.

    فاستجاب الله دعوة نبينا في عمر بن الخطاب لأنه يكن من المستهزئين، وختم على أبي جهل بسوء الخاتمة والقتل والذل في بدر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا...)

    تحمل نوح هذه المدة ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثم ما استطاع أن يصبر، فرفع يده إلى ربه يدعو على هؤلاء؛ فاستجاب الله دعاءه، وانتقم منهم، فقال تعالى: وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [الأنبياء:77].

    استجاب الله لنوح بعد هذه المدة القرون الطويلة، فأنجاه وأهله من سوء قومه وفجورهم وفسوقهم وأركبهم السفينة هو وأهله، ثم قال الله بعد ذلك: وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ [الأنبياء:77] تم النصر المؤبد المؤزر بأن ذل الأعداء فغرقوا، وانتصر نوح وفاز وكان مصيره (فأنجيناه).

    قوله: وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ [الأنبياء:77] أي: منعناه من القوم، و(من) حرف جر، وحروف الجر ينوب بعضها عن بعض، ويمكن أن تفسر: وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ [الأنبياء:77] أي: على القوم، والمعنى واحد.

    قوله: وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأنبياء:77] أي: قوم نوح الذين كذبوا بآيات الله، وسخروا من نوح وهو يصنع السفينة، وكانوا يقولون له: أنت في صحراء لا بحر فيها، فلمن تصنع السفينة؟! فيمرون مستهزئين فيجيبهم: أنا أهزأ بكم كما تهزءون، ويظهر أنه اشتغل السفينة زمناً طويلاً، وكان نجاراً.

    قال تعالى: وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأنبياء:77] بقدرة الله ومعجزة لرسله على ما يريد جل جلاله.

    قوله: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ [الأنبياء:77] أي: كانوا قوم منكر وفجور وفسوق، كانوا عصاة.

    فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [الأنبياء:77] أي: كانت النتيجة أن غرقوا وماتوا خنقاً وغرقاً فخسروا دنياهم وآخرتهم؛ لأنه لا يغرق إلا المشرك.

    أما الذي آمن بربه وآمن بنوح نبيه فقد ركب مع نوح في السفينة، وأنجاه الله وأنقذه وملَّكه بعد ذلك الدنيا جميعها وقال الله عنه: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود:40] لم يتجاوزوا به العشرات، قيل: سبعون، وقيل: أقل، فكانت الدنيا كلها في ملك هؤلاء، وإن كان الماء قد أغرق كل شيء فأغرق القصور، والأرض، والنبات، وفاضت المياه إلى أن غمرت الجبال، وقد أركب معه من كل شيء زوجين ذكراً وأنثى، آمن به رجال ونساء فتوالدوا بعد ذلك، وأصعد معه الحيوانات من كل نوعٍ ذكراً وأنثى؛ لتتجدد الحياة مرة أخرى بعد الغرق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى:(وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث...)

    قال تعالى: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ [الأنبياء:78].

    أي: يا محمد، كذلك كان فيمن ذكر لك من الأنبياء داود وولده سليمان النبيان الجليلان، واختص سليمان بالنبوة والملك الذي لم يكن لأحد من بعده.

    اذكر هذين النبيين الجليلين خاصة حال كونهم يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ [الأنبياء:78] أي: يا محمد! اذكر داود وسليمان إذ أخذا يحكمان في الحرث كلاً على حدة، وكلاً بحكم جديد: إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ [الأنبياء:78] والنفش: الرعي ليلاً، والمعنى: اذكر داود عندما جاءه مزارع يشتكي إليه، وقد أتى بمن رعت غنمه في أرضه.

    قوله: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ [الأنبياء:78]، والقصة: بينما كان داود جالس إذ جاءه رجلان مدعٍ ومدعى عليه، يقول المدعي: هذا رجل ترك غنمه في الليل سائمة، فدخلت إلى مزرعتي وأتت على جميع ما فيها، وكان الذي فيها حسب رأي بعض المفسرين الكرم، وكانت قد نضجت وتدلت منها عناقيد العنب.

    وقال قوم: هذه لا تسمى زراعة والله ذكر الحرث، فإذاً كان قمحاً وشعيراً وعلى هذا أكثر المفسرين، وإلى هذا نميل.

    قوله: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ [الأنبياء:78] والنفش: ترك الغنم ليلاً دون راعٍ، فدخلت إلى مزرعته فأتت على جميع ما فيها، وجد الغنم فقبضها وبحث عن صاحبها، فجاء فذهب يشتكيه إلى داود.

    وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ [الأنبياء:78] أي: كنا حاضرين، فلا تخفى عليه جل جلاله خافية، فقد رأى حكم داود وسمعه ورأى حكم سليمان وهو يحكم بخلاف حكم أبيه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ففهمناها سليمان...)

    قال تعالى: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ [الأنبياء:79].

    بماذا حكم داود؟

    قال: تعطي الغنم هذا الذي أكلت حرثه مقابل الخسارة التي خسرها في أرضه، والغنم كانت هي البديل والثمن، وكان سليمان ابن أحد عشر عاماً، فخرج المدعي والمدعى عليه على الولد وكان في باب محكمة أبيه، فسألهما عن حكم نبي الله داود ؟ قالا: حكم أن الغنم لصاحب المزرعة مقابل خسارته قال: لو حكم بغير هذا كان أرفق له.

    فبلغت أباه هذه الكلمة فأرسل خلفه قال: بحق النبوة والبنوة -وكان نبياً- ما هذا الأرفق في الحكم الذي هو خلاف حكمي؟ قال: لو استحكمت لحكمت بغير هذا قال: بماذا تحكم؟ قال: أحكم بأن الغنم يأخذها من رعي زرعه، فتبقى عنده يستفيد من صوفها وألبانها ومن نسلها ومنافعها، وتسلم الأرض التي أكل زرعها لصاحب الغنم فيعتني بها ويجدد كرمها وزراعتها إلى أن يتم الزرع ويعود كما كان، ثم تعود المزرعة إلى صاحب الأرض، وتعود الغنم لصاحبها.

    وإذ بداود يقول: الحكم ما حكم، ورجع عن حكمه إلى حكم ولده، وهذا معنى قوله تعالى: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ [الأنبياء:79] حكم داود وحكم سليمان، ولكن الله تعالى أثنى على حكم الولد سليمان وجعله هو الفهم، وأن الله هو الذي ألهمه هذا الفهم، ولكنه لم يعد لحكم داود ، وقال بعد ذلك: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:79] أثنى على سليمان وداود، ولم يعنف داود ولم يرد حكمه، وأخبر أنه قد أتاهم من الحكمة والنبوءة ومن العلم معاً، ولكنه قال: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ [الأنبياء:79].

    وهنا وقفات:

    أولاً: حكم سليمان وحكم داود في قضية واحدة كانا متغيرين، وهنا قال علماؤنا وفقهاؤنا: هل الحق يتعدد أو لا يتعدد؟ الجمهور على أن الحق واحد لا يتعدد، واحتجوا بهذه الآية مع غيرها، ودعنا نبقى مع الآية.

    الله أثنى عليهم معاً؟ نعم، ولكن جعل فهم الحكم للولد سليمان، وليس للأب، وأثنى على الأب وأنه آتاه الحكم؛ لأن داود حكم باجتهاده ولم يأل أن يحكم إلا بما أداه إليه اجتهاده، والمجتهد بعد بذله الجهد مأجور مثاب حتى مع خطئه، وهنا اختلف علماء الكلام أيجتهد النبي أو لا يجتهد؟ وإذا اجتهد هل يخطئ أو لا يخطئ؟

    فحكم سليمان حكماً، وحكم داود حكماً، ونقضه سليمان، وعاد داود إلى حكم ولده، ولا شك أنه لو كان الحكم الذي حكم به داود عن وحي لما قال الله: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ [الأنبياء:79] ولكان داود قد نفذ وحياً، وبما أن الله قال (ففهمناها سليمان) ولم يقل إنه فهمها داود كان ذلك دليلاً على أن داود حكم باجتهاده.

    وهل النبي المجتهد يخطئ؟

    نعم يخطئ، ولكن الفرق بينه وبين غيره: أن خطأ النبي في الاجتهاد لا يقره الله عليه، كما فعل ربنا، حيث قال عن الولد سيلمان: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ [الأنبياء:79] وفي ضمن ذلك أن داود لم يوفق للحكم، لكن مع ذلك هو مثاب مأجور؛ لأنه بذل من نفسه الجهد بما يستطيع.

    الوقفة الثالثة: هل للحاكم أن يعود في الحكم بعد أن ظهر خطأ ما حكم به في الأول؟ إن كان لا يزال هو الحاكم فله أن يرجع إلى الحق، والرجوع للحق فضيلة، أما إذا مات القاضي أو عزل فالقاضي الذي يأتي بعده لا حق له في نقض الحكم إن كان مبنياً على الاجتهاد، أما إن كان اجتهاده مخالفاً لنص من كتاب أو سنة فلا حرمة لهذا الحكم.

    أما إن كان عن اجتهاد بلا نص، فحكمه يبقى كما هو ولا رجوع فيه إلا من القاضي نفسه إذا بقي في الحكم، يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحاح: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)، وليس الأجر على الخطأ هيهات! وإنما الأجر على الاجتهاد: الأول له أجران: أجر في الاجتهاد وأجر في الإصابة التي وفق إليها.

    والثاني له أجر على اجتهاده: أما الحق فلم يوفق إليه، ولكنه لا يلام؛ لأنه بذل جهده، ومقدار قدرته، فهو مأجور على ما بذل من نفسه بالوصول إلى الحق حسب اجتهاده، وفي شريعتنا ما يؤكد هذا بقصتين كلتيهما في الصحيح حدثتا في الاجتهاد المختلف من الأصحاب في الحياة النبوية:

    القصة الأولى: كان هناك صحابيان في فلاة من الأرض، فدخل وقت الصلاة، فبحثا عن الماء فلما يجدا، فتيمما وصليا قبل خروج الوقت، ثم وجدا الماء فتوضأ أحدهما وأعاد الصلاة، أما الثاني فلم يصل قال: أنا قد صليت والفريضة لا تكرر مرتين في اليوم ولا في الوقت، فقال عليه الصلاة والسلام لمن لم يعد الصلاة: (أصبت السنة) وقال للآخر: (لك الأجر مرتين) من المخطئ ومن المصيب؟

    لا شك أن المصيب من قال له رسول الله عليه الصلاة والسلام: (أصبت السنة) ولم يقل للآخر: (أصبت السنة) وإنما قال له: (لك أجرك مرتين) لأنه صلى صلاتين، الصلاة الأولى أجر عليها وأداها، وهي الفريضة، والصلاة الثانية كانت اجتهاداً، فله أجر الاجتهاد.

    أما المصيب فله الأجر مضاعفاً، أجر الفريضة وأجر إصابته السنة، وإن كان اجتهاده سلبياً، ولكنه اجتهاد على أي حال، فله أجر بالاجتهاد، وأجر بإصابة الحق.

    القصة الثانية: لما انتهى النبي عليه الصلاة والسلام من غزوة الأحزاب جاءه جبريل ودخل عليه فقال له: أنزعت لأمة الحرب؟! أما نحن فلم ننزعها -يعني: الملائكة- وإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يدعو النفير إلى يهود بني قريظة الذين جاءوا من خلفه يريدون أن يحاربوه من الداخل مع غطفان وقريش.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) وكان هذا بعد الظهر، وإذا بالقوم بعضهم أدركته الصلاة فصلى في الطريق قبل الوصول إلى بني قريظة، وبعضهم لم يصل الصلاة إلا في بني قريظة، وبعضهم ما صلاها إلا بعد المغرب.

    فحضر رسول الله عليه الصلاة والسلام ولم يعنف أحداً، لا من صلى في الطريق ولا من أخر الصلاة إلى بني قريظة، وأقر اجتهادهم جميعاً.

    وهذا يعني أن الحق يتعدد، والحقيقة أنه لا يتعدد، والأجر لا يكون على الخطأ وإنما يكون على الاجتهاد، وسكوت النبي عليه الصلاة والسلام دليل على أن كل واحد من هؤلاء الذين اختلفوا اجتهد وبذل جهده، فلا يعنف بل يشكر ويثاب.

    وفي هذه القصة كيف فهم القوم النص؟ وهذا اجتهاد في فهم النص لا في النص، فالبعض فهم من قول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) أن معناه أن يبذل كل ممكن ليصل إلى بني قريظة في أسرع وقت، فصلوا في الطريق مسرعين، وآخرون كانوا ظاهريين مثل الظاهرية، فقالوا: لا نصلي الصلاة إلا في بني قريظة حتى ولو وصلنا وقت الفجر.

    وقد قال ابن حزم بعدهم في القرن الخامس: لو كنت حياً ولم أصل إلى بني قريظة إلا بعد سنة لما صليتها إلا بعد سنة، لشدة تمسكه بالظاهر، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يعنف أحداً، والمحق هو من صلاها في الطريق واستعجل بها؛ لأنه كسب شيئين، أطاع النبي عليه الصلاة والسلام في الإسراع إلى بني قريظة، ولم يؤخر العصر عن وقتها، ولم يأت أمر بذلك، بل صلاة العصر مشدد فيها جداً، والعصر هي الصلاة الوسطى كما في صحيح مسلم ، وقال عنها النبي عليه الصلاة والسلام: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) وقال عنها النبي عليه الصلاة والسلام: (من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله) وهذا تهديد ووعيد.

    ومن هنا كان المجتهد في فهم النص أو فيما لا نص فيه مثاباً على كل حال، فالمصيب له أجران، والمخطئ له أجر مقابل الاجتهاد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046037062

    عدد مرات الحفظ

    733289094