إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [17]للشيخ : عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرآن كلام الله لفظاً ومعنى، وهو قديم النوع حادث الآحاد، اتفق على هذا السلف والأئمة، وتوافرت عليه أدلة الكتاب والسنة، ولكن خالف بعض المتأخرين من أتباع المذاهب متأثرين بغيرهم، فزعموه معنى واحداً وكلاماً نفسياً وزعموا أن الموجود عبارة عن كلام، وفي كلام الإمام الطحاوي ما يرد عليهم تصريحاً وتلويحاً.

    1.   

    إثبات كلام الله والرد على المتأخرين المخالفين للسلف

    اتفاق أهل السنة على أن كلام الله غير مخلوق واختلاف المتأخرين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى:

    [وبالجملة فأهل السنة كلهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف متفقون على أن كلام الله غير مخلوق، ولكن بعد ذلك تنازع المتأخرون في أن كلام الله هل هو معنى واحد قائم بالذات، أو أنه حروف وأصوات تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلماً، أو أنه لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وأن نوع الكلام قديم.

    وقد يطلق بعض المعتزلة على القرآن أنه غير مخلوق، ومرادهم أنه غير مختلق مفترىً مكذوب، بل هو حق وصدق.

    ولا ريب أن هذا المعنى منتفٍ باتفاق المسلمين، والنزاع بين أهل القبلة إنما هو في كونه مخلوقاً خلقه الله، أو هو كلامه الذي تكلم به وقام بذاته، وأهل السنة إنما سألوا عن هذا، وإلا فكونه مكذوباً مفترى مما لا ينازع مسلم في بطلانه، ولا شك أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون أن عقلهم دلهم عليه، وإنما يزعمون أنهم تلقوا من الأئمة الشرائع.

    ولو ترك الناس على فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة لم يكن بينهم نزاع، ولكن ألقى الشيطان إلى بعض الناس أغلوطة من أغاليطه فرق بها بينهم وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [البقرة:176]].

    قد تقدم عند سياق اختلاف الأمة في كلام الله أن هناك فرقة قالوا: كلام الله معنىً واحد قائم بذاته، وهذا قول الأشعرية والماتريدية، ولهذا قالوا: إنه معنىً واحد يعبر به بالعبرية فيصير توراة، وبالسريانية فيصير إنجيلاً، وبالعربية فيصير قرآناً، وهو معنىً واحد. وهذا قول باطل، ويقولون أيضاً: إن كلام الله تعالى هو المعنى لا اللفظ، ولهم أدلة ربما يأتي نقاش حولها.

    وهناك قول ثانٍ للمبتدعة أيضاً أن كلام الله حروف وأصوات تكلم بها بعد أن لم يكن متكلماً. وهذا أيضاً خطأ؛ فإن الله تعالى لم يزل موصوفاً بأنه متكلم ويتكلم إذا شاء.

    وقول أهل السنة: إن كلام الله قديم النوع حادث الآحاد، وإنه لم يزل متكلماً ويتكلم إذا شاء، وإن القرآن من كلامه، وإن الكلام صفة مدح ليس هو مخلوق، فليس كلام الله مخلوقاً كما أن صفاته ليست مخلوقة، فليس شيء من صفاته مخلوقاً، فعلمه وقدرته وإرادته وحلمه ورحمته وصفاته الذاتية سمعه وبصره كل ذلك منسوب إليه ومضاف إليه، وليس شيء من ذلك مخلوقاً.

    وهنا ذكر الشارح عن بعض المعتزلة أنهم قد يوافقون ويقولون: نحن نقول: القرآن غير مخلوق، ولا يقولون: القرآن كلام الله، بل يقولون: غير مخلوق، ولكن هذه العبارة يعبرون بها عن معنىً صحيح يوافق عليه كل أحد، وهو أنهم يعنون أنه غير مفترى ولا مختلق ولا مكذوب، أي: أن محمداً لم يكن اختلقه ولا افتراه، وهذا يتسترون به، وإلا فهم يعتقدون أنه كسائر المخلوقات خلقه الله كما خلق سائر المخلوقات.

    فإذا عرفنا مثل هذه الأقوال بقي أن يعتقد كل مسلم بأن القرآن الذي أنزله الله تعالى هو كلامه، وأنه صفة كمال، وأنه معجز بذاته، وأنه ليس بمخلوق ولا شيء من صفات الله مخلوقة، ويعتقد أن أهل السنة مجمعون من عهد السلف والصحابة على أن القرآن كلام الله تكلم به، وأنه من جملة كلامه، وأنزله وحياً، وجعله معجزة لهذا النبي خالدة باقية ما شاء الله أن تبقى، ما دام يعمل به، وهو منزل غير مخلوق، منه بدأ قولاً وإليه يعود، أي: يرفع في آخر الزمان عندما يترك العمل به، هذا قول أهل السنة، ولا عبرة بالأقوال الشاذة المبتدعة التي خالفت هذا القول.

    كلام أبي حنيفة على كلام الله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والذي يدل عليه كلام الطحاوي رحمه الله أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء كيف شاء، وأن نوع كلامه قديم، وكذلك ظاهر كلام الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى في الفقه الأكبر؛ فإنه قال: والقرآن كلام الله في المصاحف مكتوب، وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي صلى الله عليه وسلم وآله منزل، ولفظنا بالقرآن مخلوق وكتابتنا له مخلوقة، وقراءتنا له مخلوقة، والقرآن غير مخلوق.

    وما ذكره الله في القرآن حكاية عن موسى وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعن فرعون وإبليس فإن ذلك كله كلام الله تعالى إخباراً عنهم، وكلام الله غير مخلوق، وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق، والقرآن كلام الله لا كلامهم.

    وسمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى، فلما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو له صفة في الأزل، وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويتكلم لا ككلامنا. انتهى.

    فقوله: ولما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو صفة له في الأزل يعلم منه أنه حين جاء كلمه، لا أنه لم يزل ولا يزال أزلاً وأبداً يقول: يا موسى؛ ويفهم ذلك من قوله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:143]، ففهم منه الرد على من يقول من أصحابه: إنه معنىً واحد قائم بالنص لا يتصور أن يسمع، وإنما يخلق الله الصوت في الهواء، كما قال أبو منصور الماتريدي وغيره.

    وقوله: (الذي هو له صفة في الأزل) رد على من يقول: إنه حدث له وصف الكلام بعد أن لم يكن متكلماً].

    نقل هنا كلام أبي حنيفة ؛ لأن الشارح حنفي المذهب، والمصنف الذي هو الطحاوي حنفي أيضاً، والعقيدة مشهورة عند الحنفية، ولكن أكثر المتأخرين من الحنفية مالوا في باب الاعتقاد فيما يتعلق بالأسماء والصفات، وفيما يتعلق بالإيمان، وفيما يتعلق بالقرآن، وانحرفوا بسبب من قرءوا عليه من الأشاعرة ونحوهم، ولكن الشارح رحمه الله كان على عقيدة سلفية تلقاها عن مشايخه الذين اخلصوا له في التعليم فحسن اعتقاده، فاحتج على أهل ذلك المذهب بأقوال من يحترمونهم.

    فهذا الطحاوي رحمه الله حنفي، وكلامه واضح في أن الرب سبحانه وتعالى لم يزل متكلماً إذا شاء، وهذا أبو حنيفة صريح قوله في إثبات صفة الكلام لله سبحانه وتعالى، وفي الاستدلال على ذلك بأن الله كلم موسى، وأن موسى سمع كلام الله منه إليه، قال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164]، وقال: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:143]، وقال: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف:144].

    وكذلك ناداه وناجاه: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [مريم:52]، والنداء لا يكون إلا بكلام، والمناجاة التي هي كلام خفي بين اثنين لا تكون إلا بكلام، وكل ذلك استدل به أبو حنيفة على أن الله تعالى هو الذي تكلم بهذا القرآن، وأنه لم يزل متكلماً ويكلم من يشاء، واستدل أيضاً بأن ما في القرآن من حكاية كلام الأمم أو كلام الرسل أو غيرهم هو عين كلام الله.

    فنحن نقول: قال الله تعالى عن فرعون: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا [غافر:36-37]، فهذا كلام الله حكاه عن فرعون.

    كذلك نقول: قال الله تعالى عن إبليس: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص:82-83]، وقال تعالى عنه: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف:16]، هذا كلام الله حكاه عن إبليس.

    وكلام إبليس، وكلام فرعون، وكلام قوم نوح لنوح في قولهم: قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [هود:32]، وكذلك بقية الأمم كلامهم مخلوق؛ لأن الإنسان بجميع حركاته مخلوق، فالإنسان بجسمه مخلوق، وحركاته مخلوقة لله الذي خلقه وخلق حركاته، وكلماته أيضاً مخلوقة، فالله الذي يحرك شفتيه ويحرك لسانه، فهو الذي أنطقه بذلك كما أنطق في الآخرة الجلود والأيدي والأرجل ونحو ذلك.

    فالإنسان بجميع ما ينسب إليه مخلوق، وأما الرب تعالى بجميع صفاته فإنه ليس بمخلوق، بل صفاته كلها مضافة إليه من ذاته، ولا يجوز القول بأن شيئاً من صفاته مخلوق، ولا أنه حادث بعد أن لم يكن.

    وقد تقدم أن صفاته قديمة، لكن يقال: إن كلامه قديم النوع حادث الآحاد، أي: أنه لم يزل متكلماً ويتكلم إذا شاء.

    قبول ما جاء في كلام المعتزلة من حق

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبالجمة فكل ما تحتج به المعتزلة مما يدل على أنه كلام متعلق بمشيئته وقدرته، وأنه يتكلم إذا شاء وأنه يتكلم شيئاً بعد شيء، فهو حق يجب قبوله، وما يقوله من يقول: إن كلام الله قائم بذاته، وإنه صفة له، والصفة لا تقوم إلا بالموصوف، فهو حق يجب قبوله والقول به، فيجب الأخذ بما في قول كل من الطائفتين من الصواب والعدول عما يرده الشرع والعقل من قول كل منها.

    فإذا قالوا لنا فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به قلنا: هذا القول مجمل، ومن أنكر قبلكم قيام الحوادث -بهذا المعنى- به تعالى من الأئمة؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك، ونصوص الأئمة أيضاً مع صريح العقل].

    يعني: أننا نقبل ما جاءوا به من الحق ونرد الباقي، فإذا قالوا: إن كلام الله تعالى صفة قائمة بذاته. قلنا: هذا صحيح، ولكن قولهم: إنه معنىً واحد، هذا لا نوافقهم عليه، وذلك لأن فيه ذكر الجنة وفيه ذكر النار، فعلى أنه معنىً واحد لا يكون بين آية الوعد والوعيد فرق، وكذلك فيه ذكر العذاب وفيه ذكر الرحمة، وإذا كان معنىً واحداً لم يكن بين هذه الآية وهذه الآية فرق.

    فإذاً لا يوافقون على قولهم: إنه معنىً واحد، ولكن يوافقون على أنه قائم بذاته، كما أن سائر الصفات قائمة بالموصوف، فلا تعقل صفة إلا وهي قائمة بالموصوف، فالبياض لابد أن يكون قائماً بشيء أبيض، ولا يوجد منفصلاً، ولا ينتزع البياض من الثوب ويقبض عليه ويقال: هذا البياض انتزع، وكذلك الحمرة -مثلاً- والسواد لابد أن تقوم بشيء يوصف بأنه أبيض أو أسود أو أحمر، فكذلك الصفات، فالسمع لابد أن يقوم بمن يسمع، والكلام لابد أن يقوم بمن يتكلم ولا يقوم بذاته.

    فإذاً الصفات نوافق في أنها قائمة بذاته، ولكن نرفض قولهم: إننا إذا قلنا إنه يتكلم وإنه يعلم ويقدر يكون ذلك سبباً لكون الحوادث تقوم به. وهذه أكبر شبهة يتشبثون بها، فيرمون أهل السنة بأنهم يقولون إن الحوادث تقوم بذات الله. على معتقدهم أن الله تعالى قائم بذاته وبأفعاله، وأنه لا يحدث منه شيء بعد أن لم يكن، وهذا خطأ، بل الله تعالى يحدث ما يشاء، فيسمع ما يحدث بعد أن لم يكن حادثاً، يسمع الأصوات التي حدثت بعد أن لم تحدث، ويرى الأشخاص الذين تجدد خلقهم بعد أن لم يكن متجدداً.

    والرؤية جنسها قديم وهي حادثة، فيقال: بصر الله تعالى وصفته بأنه يرى قديم، ولكن هذا الإبصار حادث، ولا يلزم قيام الحوادث بذات الله.

    اختلاف ما جاءت به الرسل عما عليه المبتدعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا شك أن الرسل الذين خاطبوا الناس وأخبروهم أن الله قال ونادى وناجى ويقول، لم يفهموهم أن هذه مخلوقات منفصلة عنه، بل الذي أفهموهم إياه أن الله نفسه هو الذي تكلم، والكلام قائم به لا بغيره، وأنه هو الذي تكلم به وقاله، كما قالت عائشة رضي الله عنها في حديث الإفك: ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بوحي يتلى.

    ولو كان المراد من ذلك كله خلاف مفهومه لوجب بيانه؛ إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولا يعرف في لغة ولا عقل قائل متكلم لا يقوم به القول والكلام، وإن زعموا أنهم فروا من ذلك حذراً من التشبيه فلا يثبتوا صفةً غيره؛ فإنهم إذا قالوا: يعلم لا كعلمنا، قلنا: ويتكلم لا كتكلمنا. وكذلك سائر الصفات، وهل يعقل قادر لا تقوم به القدرة، أو حي لا تقوم به الحياة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر).

    فهل يقول عاقل: إنه صلى الله عليه وسلم عاذ بمخلوق؟! بل هذا كقوله: (أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك)، وكقوله: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر)، وكقوله: (وأعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا)، كل هذه من صفات الله تعالى، وهذه المعاني مبسوطة في مواضعها، وإنما أشير إليها هنا إشارة].

    يتكلم هنا على قولهم: إنكم تقولون: إن الحوادث تقوم بذات الله. وهذا تنقص لله؛ حيث جعلتم صفاته حادثة، أو جعلتم الحوادث تقوم به، وذلك لأن أخص الصفات عند المعتزلة هي صفة القدم، فهذه أخص ما يصفون الله بها، فيمتنعون عن إثبات شيء متجدد، فيقولون: إذا أثبتنا أن الله يتكلم الآن صار الكلام متجدداً، وصار قائماً بالذات، وإذا أثبتنا أنه يعلم صار هذا العلم جديداً بعد أن لم يكن موجوداً.

    فيرد عليهم بأنه لا تعقل صفة قائمة بذاتها، بل لابد أن تكون الصفة قائمة بالموصوف، فلا تقوم صفة بغير موصوف أبداً.

    ويوجد في هذه الأزمنة شيء قد يتعلقون به، ولكن لا تعلق لهم بذلك، وذلك في الأشرطة التي تحفظ الكلام أو تسجله، ومعلوم أنها لا تنطق بنفسها وإنما تحفظ كلاماً قد تكلم به إنسان فتعيده بلهجته، فيقال: هذا صوت فلان وهذا كلام فلان تكلم به وحفظ! فيقال: هذا الكلام قام بهذا الشريط بعد أن قام بالمتكلم، فالكلام صدر من متكلم ولم يكن الكلام صدر من غير متكلم.

    وكذلك الأشرطة الضوئية أو الأفلام التي تسجل الأشخاص والحركات إذا رئي فيها شخص قيل: هذا فلان وهذه حركته، ولا يقال: إن هذه الحركة قامت بنفسها.

    أو إنه ليس هناك متحرك؛ إذ لا تكون حركة إلا من متحرك، ولا يكون سمع إلا من سميع، ولا يكون قول إلا من قائل، فلهذا يعرف أن كلام الله ليس بمخلوق.

    ومن الأدلة على ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام استعاذ بكلام الله في قوله: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما أجد وأحاذر)، وكذلك قوله: (أعوذ بعزة الله) (أعوذ بعظمة الله) كل ذلك استعاذة بصفة من صفات الله، لا يلزم منه أنه استعاذ بمخلوق، فعرف بذلك أن هذه الصفات قائمة بالموصوف لا يمكن أن تنفصل بنفسها، ولا يمكن أن يوجد كلام إلا من متكلم قام به ذلك الكلام.

    ولا يقال: إن قولهم: تقوم به الحوادث فيه محذور، بل يقال: هو الذي يفعل هذه الأشياء وتحدث بعد أن لم تكن حادثة، ولكن هو عالم بذلك كله قبل أن يوجد، فهو عالم بما سيحدث، ولا يقال: حدث له علم تجدد، وهو أيضاً عالم بما تكلم به وسوف يتكلم، ولا يقال: حدث له كلام بمعنى أنه لم يكن يعلمه، بل هو عالم بكل شيء، فعرف بذلك أن هذا لا متمسك لهم فيه.

    مخالفة متأخري الحنفية في كلام الله لما عليه السلف

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكثير من متأخري الحنفية على أنه معنى واحد، والتعدد والتكثر والتجزؤ والتبعض حاصل في الدلالات لا في المدلول، وهذه العبارة مخلوقة، وسميت كلام الله لدلالتها عليه وتأديه بها، فإن عبر بالعربية فهو قرآن، وإن عبر بالعبرية فهو توراة، فاختلفت العبارات لا الكلام.

    قالوا: وتسمى هذه العبارات كلام الله مجازاً.

    وهذا الكلام فاسد؛ فإن لازمه أن معنى قوله: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32] هو معنى قوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43]، ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، ومعنى سورة الإخلاص هو معنى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1]، وكلما تأمل الإنسان هذا القول تبين له فساده، وعلم أنه مخالف لكلام السلف].

    المؤلف حنفي، ولكن هو ممن وفقه الله لأخذ العلم عن مشايخ اعتقدوا عقيدة سلفية فتلقى تلك العقيدة عنهم، وتأثر بشيخه عماد الدين بن كثير صحاب التفسير رحمه الله، وابن كثير تأثر بـابن تيمية حيث إنه قرأ عليه فصلحت عقيدته وأصلح غيره، ولهذا ينقل الشارح كثيراً عن ابن تيمية وعن تلميذه ابن القيم وإن لم يصرح بالنقل عنهما؛ وذلك لأنه لو نقل عنهما بالصراحة لنبذ كلامه لكون كثير من الحنفية لا يقبلونهما لأسباب.

    أولاً: لأنهما من الحنابلة.

    وثانياً: لأنهما في نظر أكثر المتأخرين قد ارتكبا خطأً كبيراً بإظهار هذه العقيدة التي ليس عليها أحد في زمانهما.

    فالشارح يحكي أن الحنفية يقولون بهذه المقالة التي ذكر، فاعتقادهم أن كلام الله معنىً واحد ليس متعدداً.

    ورد عليهم بأن هذا القول قول فاسد، حيث جعلوه معنىً واحداً إن عبر عنه بالعربية فهو القرآن أو بالعبرية فهو التوراة أو بالسريانية فهو الإنجيل كما يقولون، وإلا فهو معنىً واحد، فيرد عليهم بأن هذا فيه إبطال لما تضمنه القرآن، وعلى قولهم تكون آية الكرسي مثل آية الدين، وهل يقول هذا عاقل؟ وهل يقول عاقل إن سورة تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [المسد:1] كصورة الإخلاص قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، فهل المعنى الذي في هذه هو المعنى الذي في هذه؟ وكل عاقل يعرف أن هذه لها مدلول وهذه لها مدلول، وهكذا آية الرحمة غير آية العذاب، وآية ذكر الجنة غير آية ذكر النار، فالذي يتأمل هذه المقالة يعلم بعدها عن الصواب، ومع ذلك فقد قال بها جموع كثيرة، وجمع غفير انخدع بذلك واعتقد أنه هو القول الصواب، وتلقوه عن مشايخهم.

    وشبهتهم التي اعتمدوا عليها هو خوفهم من أن يقولوا: إن الله متكلم، واعتقادهم أن الكلام لا يصدر إلى من ذات، وأنه يحدث، وأن الله منزه عن أن تقوم به الحوادث، وقد عرفت بطلان هذه المقالة.

    رد قول من يقول: إن القرآن عبارة عن كلام الله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والحق أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن من كلام الله حقيقة، وكلام الله تعالى لا يتناهى؛ فإنه لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء كيف شاء، ولا يزال كذلك، قال تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف:109]، وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان:27]، ولو كان ما في المصحف عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله لما حرم على الجنب والمحدث مسه، ولو كان ما يقرؤه القارئ ليس كلام الله لما حرم على الجنب قراءته.

    بل كلام الله محفوظ في الصدور، مقروء بالألسن، مكتوب في المصاحف، كما قال أبو حنيفة في الفقه الأكبر، وهو الذي في هذه المواضع كلها حقيقة، وإذا قيل: المكتوب في المصحف كلام الله فهو منه معنى صحيح حقيقي، وإذا قيل: فيه خط فلان وكتابته فهم منه معنىً صحيح حقيقي، وإذا قيل: فيه مداد قد كتب به، فهم منه معنىً صحيح حقيقي، وإذا قيل: المداد في المصحف، كانت الظرفية فيه غير الظرفية المفهومة من قول القائل: فيه السماوات والأرض، وفيه محمد وعيسى ونحو ذلك، وهذان المعنيان مغايران لمعنى قول القائل: فيه كلام الله ومن لم يتنبه للفروق بين هذه المعاني ضل ولم يهتد للصواب].

    ينبه على أن كتب الله تعالى متضمنة لكلامه، وكل كتاب منها محتو على معاني غير المعاني التي في الكتب الأخرى، فالتوراة فيها أحكام، والإنجيل فيه أحكام أخرى، ولهذا قال عيسى: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران:50]، فجاء بالتخفيف عن بني إسرائيل في أشياء قد حرمت في التوراة، وكذلك الزبور فيه مواعظ وفيه أذكار وفيه تنبيهات وفيه تذكير، وكذلك القرآن فيه أحكام -كما هو معروف- وفيه أوامر ونواه، وفيه قصص وأمثال ونحو ذلك.

    فإذاً كيف يقول عاقل: إن المعنى الذي في التوراة هو المعنى الذي في الإنجيل، وهو المعنى الذي في الزبور، وهو المعنى الذي في القرآن، وأن هذا عين هذا إلا أنها اختلفت العبارة، فهذا عربي وهذا عبري وهذا سرياني؟

    ونقول: هذا من أبعد البعيد، ومن أمحل المحال.

    ثم ذكر أيضاً أن القرآن معروف أنه لا يمسه إلا المطهرون، وعلى قول هؤلاء الأشاعرة ونحوهم أنه عبارة، بمعنى أنه تعبير غير كلام الله، كأن الذي عبر به إما جبريل وإما محمدٌ أو غيرهما، فجعلوا كلام الله المعنى، وهما عبرا عنه بمنزلة المترجم الذي ينقل الكلام من لغة إلى لغة.

    وأنت إذا سمعت إنساناً ينقل الكلام من العربية إلى الأوروبية تقول: هذا تعبير فلان المترجم، فعلى قولهم: القرآن تعبير محمد أو تعبير جبريل لا أنه نفس كلام الله، فإنه إذا كان تعبيراً لغير الله لم يكن له حرمة، وعلى هذا يجوز أن يقرأه الجنب، ويجوز أن تقرأه الحائض، ويجوز أن يمس المصحف من هو محدث ولو حدثاً أكبر؛ لأنه ليس فيه كلام الله، إنما فيه عبارة أو حكاية أو ترجمة لكلام الله، وأما الحروف والألفاظ فليست هي كلام الله، إذاً لا يبقى له حرمة، وهذا خطأ.

    والمسلمون مجتمعون على أنهم يقولون: هذا كلام الله، وهذا المصحف فيه كلام الله. فقولهم: فيه كلام الله معناه أنه مكتوب فيه، وإذا قالوا: في هذا المصحف مداد فالمعنى حبر كتب به، مداد أسود، ومداد أحمر، فالمراد أن المداد مخلوق؛ لأنه كتب به، ولكن المكتوب هو كلام الله، وأما المداد الذي كتب به فهو مخلوق، ولهذا يقول القحطاني في نونيته:

    ومدادنا والرق مخلوقان.

    يعني: إن حبرنا والصحيفة مخلوقان، وأما الكلام فإنه ليس بمخلوق.

    ويقول الشارح: أنت تقول: في هذا القرآن السماوات والأرض والأمم. أي: أن ذلك مكتوب فيه، فموجود فيه ذكر السماوات، ولكن إذا قلت: فيه مداد وفيه حبر وفيه أوراق كان لك مقصد، وإذا قلت: في هذا المصحف السماوات والأرض والجنة والنار صدقت في أنها موجودة، أي: مكتوبة فيه، وإذا قلت: فيه كلام الله صدقت؛ لأنه مكتوب فيه كلام الله الذي كتب فيه.

    فالحاصل أن اعتقاد المسلمين أنه كلام الله ينفي ويبطل ما يقول هؤلاء المبتدعة من أن القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم عبارة أو حكاية عن كلام الله لا أنه عين كلام الله.

    وقد كتب شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله في ذلك رسالة عندما استقدم بعض الأشاعرة للتدريس في هذه البلاد، وكأنهم أرادوا إظهار معتقدهم من أن القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله، فألف في ذلك رسالة طبعت ونشرت، وهي أيضاً موجودة في مجموع رسائله، قراءتها تبين منهج أهل السنة والرد على من يقول: إن القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله لا أنه نص أو غير كلام الله.

    بل نحن نقول: هو كلام الله حروفه ومعانيه، ليس كلامه الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف.

    الفرق بين القراءة والمقروء في استعمال لفظ القرآن يبطل من جعل كلام الله معنى واحداً

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك الفرق بين القراءة التي هي فعل القارئ والمقروء الذي هو قول الباري، ومن لم يهتد له فهو ضال أيضاً، ولو أن إنساناً وجد في ورقة مكتوباً: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) من خط كاتب معروف لقال: هذا من كلام لبيد حقيقة، وهذا خط فلان حقيقة، وهذا (كل شيء) حقيقة، وهذا خبر حقيقة، ولا تشتبه هذه الحقيقة بالأخرى.

    والقرآن في الأصل مصدر، فتارة يذكر ويراد به القراءة، قال تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، وقال صلى الله عليه وسلم: (زينوا القرآن بأصواتكم).

    وتارة يذكر ويراد به المقروء، قال تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98]، وقال تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204]، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف)، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على كل من المعنيين المذكورين.

    فالحقائق لها وجود عيني وذهني ولفظي، ولكن الأعيان تعلم ثم تذكر ثم تكتب، فكتابتها في المصحف هي المرتبة الرابعة، وأما الكلام فإنه ليس بينه وبين المصحف واسطة، بل هو الذي يكتب بلا واسطة ذهن ولا لسان].

    معلوم أن هناك فرقاً بين القراءة والقارئ، أو بين القراءة والمقروء، فيكون عندنا قارئ وقراءة ومقروء، فالقارئ هو الإنسان الذي حرك شفتيه ولسانه، والقراءة هي الصوت الذي سمعناه، والمقروء هو الكلام الذي نطق به، فحركات لسانه وشفتيه مخلوقة، ولكن المقروء الذي قرأه ليس بمخلوق، ولهذا يقول العلماء إذا عرفوا ذلك: الصوت صوت القارئ والقول قول الباري.

    فالصوت الذي تسمعه تضيفه إلى القارئ فتقول: هذه قراءة بصوت القارئ فلان، ولكن اللفظ -الكلام- المقروء الذي قرأه تقول عنه: هذا كلام الله، وسمعت كلام الله بصوت القارئ فلان الذي قراءته وصوته حسن، وفيه خشوع وفيه تذلل.

    وتأتي القراءة بمعنى (المقروء) وتأتي كلمة (القرآن) بمعنى (القراءة) واستدل الشارح على ذلك بقوله تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، فهنا المراد القراءة، وقراءة صلاة الفجر، أي: القراءة التي تقرأ في صلاة الفجر مشهودة تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، فعبر عن القراءة بالقرآن.

    وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (زينوا القرآن بأصواتكم)، المراد القراءة، فهنا فسر أو عبر بالقرآن عن القراءة.

    وأحياناً تستعمل كلمة (القرآن) ويراد بها (المقروء) أي: الكلام الذي يقرأ وهو كلام الله، كما في الآيات الأخرى، كقوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الأعراف:204] وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [طه:114].

    وقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة:16-17]. يعني: قراءته.

    فإذا عرفنا أنه حيثما قرئ وحيثما كتب فهو كلام الله نقول: إن كلام الله تعالى هو المعنى المكتوب في المصاحف المسموع بالآذان المقروء بالألسن.

    ونقول أيضاً: إن كل هذه التصرفات لا تخرجه عن كونه كلام الله. ونقول: إن المخلوق من ذلك هو ما للآدميين، فالأوراق مخلوقة، والمداد الذي يكتب به مخلوق، والأيدي التي كتبت أو الحروف التي يطبع بها مخلوقة، ولكن نفس الكلام غير مخلوق بل هو كلام الله تعالى، وكل ما يضاف إلى الله فليس بمخلوق.

    فالحاصل أنه كيفما كتب وكيفما قرئ لن يخرج عن كونه كلام الله تكلم به حقيقة، ويمثل لذلك بأن كل من سمع كلاماً نسبه إلى صاحبه ونسبه إلى من تكلم به، فإذا سمع شعراً من شعر لبيد -مثلاً- قال: هذا كلام لبيد . ولبيد أحد الشعراء المشهورين، وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم كلمته هذه فقال: (أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)، فإذا رأيت ورقة مكتوباً فيها شطر هذا البيت قلت: هذا كلام لبيد حقيقة، وهذا خط فلان حقيقة، وهذا كلمة (كل شيء) فـ(كل شيء) موجودة في هذه الورقة حقيقة، والثلاث الحقائق لا تنافي بينها، حقيقة وحقيقة وحقيقة.

    فإذاً إذا سمعت في الإذاعة صوت قارئ من القراء قلت: هذا كلام الله حقيقة، وهذه إذاعة القرآن حقيقة، وهذه سورة القصص حقيقة، ولا تنافي بين هذه الحقائق، فكلام الله وقراءة فلان وإذاعة القرآن وما أشبه ذلك الجميع تقول فيه: إنه حقيقة، ولا تخالف بين الحقائق.

    فإذاً كيف يدعون أنه لا يمكن أن يكون القرآن يعبر به عن شيئين ما دمنا نعرف أنه يعبر به عن القراءة في قوله: (زينوا القرآن بأصواتكم)، يعني: القراءة، ويعبر به عن المقروء لقوله: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]! وكلا التعبيرين لا ينافي الآخر؛ فكذلك بقية الحقائق.

    الفرق بين كون القرآن في زبر الأولين وفي كتاب مكنون

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والفرق بين قوله: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ [الشعراء:196]، أو فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ [الطور:3]، أو فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج:22]، أو فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة:78] واضح.

    فقوله عن القرآن: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ [الشعراء:196] أي: ذكره ووصفه والإخبار عنه.

    كما أن محمداً مكتوب عندهم في القرآن، وأنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم لم ينزله على غيره أصلاً، ولهذا قال: (في الزبر) ولم يقل: في الصحف. ولا في الرق؛ لأن الزبر جمع زبور، والزبر هو الكتابة والجمع، فقوله: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ [الشعراء:196] أي: مزبور الأولين، ففي نفس اللفظ واشتقاقه ما يبين المعنى المراد، ويبين كمال بيان القرآن وخلوصه من اللبس، وهذا مثل قوله: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ [الأعراف:157] أي: ذكره.

    بخلاف قوله: فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ [الطور:3] ولَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج:22] وكِتَابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة:78]؛ لأن العامل في الظروف إما أن يكون من الأفعال العامة مثل: الكون والاستقرار والحصول ونحو ذلك، أو يقدر (مكتوب في كتاب) أو (في رق).

    والكتاب تارة يذكر ويراد به محل الكتابة، وتارة يذكر ويراد به الكلام المكتوب، ويجب التفريق بين كتابة الكلام في الكتاب وكتابة الأعيان الموجودة في الخارج فيه؛ فإن تلك إنما يكتب ذكرها، وكلما تدبر الإنسان هذا المعنى وضح له الفرق].

    هذا وصفٌ القرآن بمثل هذه الأشياء، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ [الشعراء:196] فما معنى كون القرآن في زبر الأولين؟ هل المعنى أنه أنزل على الأولين؟

    ليس كذلك، فما أنزل إلا على نبينا صلى الله عليه وسلم، إذاً هو مذكور في زبر الأولين، والزبر هي الصحف واحدها زبور، أي: ذكر هذا القرآن ومدحه موجود في تلك الصحف التي أنزلت على الأنبياء السابقين، فهذا معنى كونه (في زبر الأولين)، مثل أن تقول: محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة، أي: مذكور في التوراة. وفي الإنجيل، أي: مذكور اسمه أو وصفه أو نبوته، كما قال تعالى: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ [الأعراف:157]، يعني: ذكره وصفته واسمه ونبوته وآياته ومعجزاته، فالذين قرءوا التوراة يعرفون وصفه، كما قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:146].

    فالقرآن في زبر الأولين معناه أنه مذكور فيها ذكره وليس نفس القرآن، ومحمد في كتب الأولين ذكره.

    أما قول الله تعالى: فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج:22]، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة:78]، فهذا معناه: أن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ.

    وذلك لأن الرب سبحانه لما خلق الخلق أمر القلم فجرى بما هو كائن، وكتب الكلام الذي تكلم به في ذلك اللوح المحفوظ الذي يسمى (أم الكتاب) ويسمى (الإمام) فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12]، ويسمى (الكتاب المكنون) فالقرآن في الكتاب المكنون الذي هو اللوح المحفوظ، أي: مكتوب فيه سوره وآياته وحروفه وكلماته، وموجود في اللوح المحفوظ، وموجود في الكتاب المكنون الذي قال تعالى عنه: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79]، والذي هو تنزيل من رب العالمين، فلا فرق بين هذا وبين هذا.

    وليس كما يدعون أنه لم يكن موجوداً ثم خلق، أي: خلقه الله كما خلق الإنسان، وكما خلق سائر المخلوقات، ولو كان كذلك لما سماه تنزيلاً، والله قد أخبر بأنه منزل وبأنه تنزيل، ولم يذكر أنه مخلوق ولا أنه خلقه، ولو كان مخلوقاً لذكره في موضع واحد حتى يحمل عليه بقية الأماكن الذي فيها ذكر التنزيل.

    سماع كلام الله تعالى وتبليغه وما يفهم من ذلك

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحقيقة كلام الله تعالى الخارجية هي ما يسمع منه أو من المبلغ عنه، فإذا سمعه السامع علمه وحفظه، فكلام الله مسموع له معلوم محفوظ، فإذا قاله السامع فهو مقروء له متلو، فإن كتبه فهو مكتوب له مرسوم، وهو حقيقة في هذه الوجوه كلها لا يصح نفيه، والمجاز يصح نفيه، فلا يجوز أن يقال: ليس في المصحف كلام الله، ولا ما قرأ القارئ كلام الله.

    وقد قال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6]، وهو لا يسمع كلام الله من الله وإنما يسمعه من مبلغ عن الله، والآية تدل على فساد قول من قال: إن المسموع عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله، فإنه تعالى قال: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6]، ولم يقل: حتى يسمع ما هو عبارة عن كلام الله.

    والأصل الحقيقة، ومن قال إن المكتوب في المصاحف عبارة عن كلام الله أو حكاية كلام الله وليس فيها كلام الله، فقد خالف الكتاب والسنة وسلف الأمة، وكفى بذلك ضلالاً].

    في هذا الكلام بيان أن كلام الله تعالى هو الحروف والمعاني وأن الله تكلم به حقيقة، ولكن بلغه رسوله، فكلم به الرسول الملكي، ونزل به الملك على الرسول البشري، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في كيفية نزول الوحي في قوله: (أحياناً يأتيني الملك في صورة رجل فيكلمني فأعي ما يقول) يعني أن من الوحي ما يكون نزوله عليه أن يتمثل له الملك في صورة رجل.

    ومعلوم أن كلام الله تعالى مسموع بالآذان، ولهذا قال تعالى في هذه الآية من سورة التوبة: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6]، وقال تعالى: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [الفتح:15]، فصرح بأنه كلام الله.

    وفي آيات أخرى التصريح بذلك، قال تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة:78]، فـ(الكتاب) يعني: الكتابة ( إلا أماني ) أي: تلاوة دون فهم، وعبر بذلك عن القراءة، ثم قال: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79].

    والحاصل أن سماع كلام الله ممكن، ولكن هل المراد أنه يسمع كلام الله من الله؟

    لا. بل المراد ممن يقرؤه عليه ويخبره بأنه كلام الله، إنما الذي سمع كلام الله وصرح بأنه سمعه موسى عليه السلام، كما قال تعالى: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف:144]، وقال: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:143]، فأخبر الله بأن موسى سمع كلام الله منه إليه، وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم لما أسري به كلمه الله منه إليه.

    فكل ذلك يفيد أن كلام الله تعالى مسموع، والمسموع هو هذا الصوت الذي نسمعه من القارئ، ومعلوم أننا لا نقول: إن الصوت هو صوت الله، تعالى الله، وإنما نقول: المتكلَم به هو كلام الله، والذي أسمعنا إياه هو هذا القارئ، فسمعنا كلام الله من هذا القارئ، فهذا الفرق في السماع بين القراءة والقارئ، بين المقروء والقارئ.

    رد الطحاوي على من زعم أن القرآن معنى واحد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكلام الطحاوي رحمه الله يرد قول من قال: إنه معنى واحد لا يتصور سماعه منه، وإن المسموع المنزل المقروء والمكتوب ليس كلام الله وإنما هو عبارة عنه، فإن الطحاوي رحمه الله يقول: (كلام الله منه بدأ)، وكذلك قال غيره من السلف، ويقولون: منه بدأ وإليه يعود.

    وإنما قالوا: (منه بدأ) لأن الجهمية من المعتزلة وغيرهم كانوا يقولون: إنه خلق الكلام في محل فبدأ الكلام من ذلك المحل، فقال السلف: (منه بدأ) أي: هو المتكلم به فمنه بدأ لا من بعض المخلوقات، كما قال تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الزمر:1]، وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [السجدة:13]، قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النحل:102].

    ومعنى قولهم: (وإليه يعود) أنه يرفع من الصدور والمصاحف فلا يبقى في الصدور منه آية ولا في المصاحف، كما جاء ذلك في عدة آثار].

    قولهم: (منه بدأ وإليه يعود) صريح في رد قول المعتزلة الذين ادعوا أنه خلقه، وأن الذي تكلم به البشر فلا يكون كلام الله، إنما يكون كلام ذلك الذي ابتدأ الكلام منه، وإذا كان مخلوقاً فمعناه أن الله تعالى خلقه في غيره، وإذا خلقه غيره كان ذلك الغير هو الذي ابتدأ منه، وهو أول من تكلم به.

    فإذاً السلف أصدق في قولهم في نص القرآن: إنه كلام الله، منه بدأ وإليه يعود، أي: ابتدأ الكلام من الله تعالى فهو الذي تكلم به، ويقول العلماء أيضاً -بل والبلغاء- إن الكلام إنما يضاف إلى من قاله ابتداء لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً، فالذي ابتدأ -مثلاً- رسالة وكتبها من إنشائه ثم أعطاها قارئاً يقرؤها يقال: هذه من كتابة أو من إنشاء زيد وسمعناها من عمرو، فالقارئ إنما بلغ، والمبتدئ بالكلام هو الذي أنشأ.

    فهكذا نقول: سمعنا كلام الله من قراءة فلان.

    وقد ورد في الأحاديث أن القرآن في آخر الزمان يرفع، وذلك عندما يقل العمل به، فعندما لا يبقى أحد يعمل به يرفع من الصدور وينسخ من المصاحف فتصبح المصاحف بيضاء ليس فيها شيء، وذلك علامة على انقضاء الدنيا وقرب زوالها، وذلك عندما يهان كلام الله ولا يبقى من يعمل به، وهذا معنى قولهم: (وإليه يعود) أي: يرد إليه سبحانه ويرفع من هذه الحياة، ولا شك أن رفعه مصيبة كبيرة، ولكن الذين يرفع من بين أيديهم لا يشعرون بالمصيبة، بل لا يهمهم، بل ربما يهينونه كما في بعض الدول، ففي بعض الدول هناك بعض الملاحدة والزنادقة والشيوعية والمنافقين يدوسون كلام الله بأحذيتهم -تعالى الله-، وعليهم ما يستحقونه من عقاب الله!

    فإذا انتشر هذا الكفر في الأرض وأطبق على البلاد كلها ولم يبق أحد يعرف حرمة كلام الله تعالى، عند ذلك يرفع هذا القرآن ولا يبقى منه حرف، وهذه منذرات أو أمارات على قرب انقضاء الحياة الدنيا، لكن نحن في هذه الحياة مازلنا نرى من يعظمه ويحترمه ويقرؤه ويتلوه، وإننا نؤمل خيراً إن شاء الله.

    معنى أن القرآن بدأ من الله بلا كيفية قولاً

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (بلا كيفية) أي: لا تعرف كيفية تكلمه به (قولاً) ليس بالمجاز، (وأنزله على رسوله وحياً) أي: أنزله إليه على لسان الملك فسمعه الملك جبرائيل من الله، وسمعه الرسول صلى الله عليه وسلم من الملك وقرأه على الناس، قال تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا [الإسراء:106]، وقال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:193-195]، وفي ذلك إثبات صفة العلو لله تعالى].

    يقول بعض العلماء: إنه تتبع ذكر القرآن فوجد ذكره في هذا المصحف في أكثر من خمسين موضعاً، وغالباً يذكر بلفظ الإنزال والتنزيل، ولم يذكر بلفظ (الخلق) وذكر بلفظ (الجعل) في قوله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف:3]، ولكن فسر الجعل بأنه التصيير، يعني: صيرناه عربياً، حيث إنه أنزل على قوم من العرب ليفهموه وليعلموه لمن بعدهم أو لغيرهم.

    فهذا القرآن ذكر بلفظ الإنزال كقوله تعالى: تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [غافر:2] ، تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [فصلت:2] ، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الزمر:1]، مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ [الأنعام:114]، تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42]، وكل ذلك دليل على أنه منزل من الله، واستدلوا بذلك أيضاً على صفة العلو؛ لأن النزول لا يكون إلا من فوق.

    فالقرآن منزل من الله تعالى، والله تعالى فوق سماواته كما يشاء والقرآن نزل منه، والذي نزل به هو الملك، والذي نزل عليه هو الرسول، وكذلك الرسل قبله أنزلت عليهم هذه الكتب التي هي مضمنة للشرائع التي شرعت لهم، فالتنزيل يدل على أنه نزل بعد أن كان تكلم الله تعالى به وكتبه في اللوح المحفوظ وأمر به الملك فأنزله على رسوله فأصبح متلواً مقروءاً مكتوباً، ولم يخرج بذلك كله عن كونه كلام الله سبحانه وتعالى.

    اختلاف إنزال القرآن عن إنزال المخلوقات المعبر به في القرآن

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أورد على ذلك أن إنزال القرآن نظير إنزال المطر، وإنزاله الحديد، وإنزال ثمانية أزوج من الأنعام.

    والجواب أن إنزال القرآن فيه مذكور أنه إنزال من الله، قال تعالى: حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [غافر:1-2]، وقال تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الزمر:1]، وقال تعالى: تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [فصلت:2]، وقال تعالى: تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42]، وقال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان:3-5]، وقال تعالى: فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [القصص:49]، وقال تعالى: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [الأنعام:114]، وقال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النحل:102].

    وإنزال المطر مقيد بأنه منزل من السماء، قال تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، والسماء العلو.

    وقد جاء في مكان آخر أنه منزل من المزن، والمزن السحاب، وفي مكان آخر أنه منزل من المعصرات، وإنزال الحديد والأنعام مطلق، فكيف يشبه هذا الإنزال بهذا الإنزال؟

    فالحديد إنما يكون من المعادن التي في الجبال وهي عالية على الأرض، وقد قيل: إنه كلما كان معدنه أعلى كان حديدة أجود، والأنعام تخلق بالتوالد المستلزم إنزال الذكور الماء من أصلابها إلى أرحام الإناث، ولهذا يقال: أنزل ولم ينزل.

    ثم الأجنة تنزل من بطون الأمهات إلى وجه الأرض، ومن المعلوم أن الأنعام تعلو فحولها إناثها عند الوطء، وينزل ماء الفحل من علو إلى رحم الأنثى، وتلقي ولدها عند الولادة من علو إلى سفل، وعلى هذا فيحتمل قوله: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ [الزمر:6] وجهين:

    أحدهما: أن تكون ( من ) لبيان الجنس.

    الثاني: أن تكون ( من ) لابتداء الغاية.

    وهذان الوجهان يحتملان في قوله: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا [الشورى:11]،].

    ذكر الشارح هذا الاعتراض على آيات التنزيل التي وصف الله بها القرآن، فالله تعالى كلما ذكر القرآن ذكره بلفظ الإنزال ولم يذكره بلفظ الخلق، فلم يقل: (خلقنا القرآن)، وإنما يقول: (أنزلنا) ثم يزيد على ذلك أنه منزل من الله أو من عند الله، ولا شك أن هذا يدل على الاختصاص.

    وكلمة الإنزال تعرف العرب أن معناها لا يكون إلا من الأعلى، فإذا قيل: أنزله فالمعنى: جاء به من بعد أن كان رفيعاً. تقول: أنزلت الدلو في البئر أو نزلته إذا دليته من أعلى إلى أسفل، وتقول: نزل فلان من السطح ومن الجبل ومن ظهر المركوب الذي هو راكبه، أي: نزل منه بعد أن كان مرتفعاً.

    فلما كان الإنزال من العلو فالقرآن كذلك نازل من العلو، نازل من السماء، نازل من الله تعالى، منزل من ربك، فهذا حقيقة ما ذكر الله عن القرآن.

    وليس مثل إنزال المطر، فإنزال المطر مقيد بأنه من السماء، أو بأنه من المزن، أو بأنه من المعصرات ونحوها، وإن كان الله هو الذي أنشأه وخلقه فيها، وإنزال الحديد معناه خلقه وإيجاده ولكن أوجده في علو ثم نزل إلى سفل، فالمعادن والمناجم عادة تكون في جوف الأرض، فهي مخلوقة في الجبال ثم تذوب وتنزل إلى جوف الأرض أو نحو ذلك، وكذلك قد يعثر عليها وهي في رءوس الجبال فينزلونها من الجبال، ولا شك أن ذلك كله إنزال حقيقي، فهو إنزال، ولكن لم يقل: إنه من عند الله، فحصل بذلك الفرق الكبير بين إنزالها وإنزال القرآن.

    إثبات الطحاوي أن القرآن كلام الله حقيقة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً) الإشارة إلى ما ذكره من التكلم على الوجه المذكور وإنزاله، أي: هذا قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهم السلف الصالح، وأن هذا حق وصدق.

    وقوله: (وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية) رده على المعتزلة وغيرهم بهذا القول ظاهر، وفي قوله: (بالحقيقة) رد على من قال: إنه معنى واحد قام بذات الله لم يسمع منه، وإنما هو الكلام النفساني؛ لأنه لا يقال لمن قام به الكلام النفساني ولم يتكلم به: إن هذا كلام حقيقة، وإلا للزم أن يكون الأخرس متكلماً، ولزم ألا يكون الذي في المصحف عند الإطلاق هو القرآن ولا كلام الله، ولكن عبارة عنه ليست هي كلام الله.

    كما لو أشار أخرس إلى شخص بإشارة فهم بها مقصوده، فكتب ذلك الشخص عبارته على المعنى الذي أوحاه إليه ذلك الأخرس، فالمكتوب هو عبارة ذلك الشخص عند ذلك المعنى.

    وهذا المثل مطابق غاية المطابقة لما يقولونه، وإن كان الله تعالى لا يسميه أحد أخرس، لكن عندهم أن الملك فهم منه معنىً قائماً بنفسه لم يسمع منه حرفاً ولا صوتاً، بل فهم معنىً مجرداً ثم عبر عنه، فهو الذي أحدث نظم القرآن وتأليفه العربي، أو أن الله خلق في بعض الأجسام كالهواء الذي هو دون الملك هذه العبارة.

    ويقال لمن قال إنه معنى واحد: هل سمع موسى عليه السلام جميع المعنى أو بعضه؟ فإن قال: سمعه كله فقد زعم أنه سمع جميع كلام الله، وفساد هذا ظاهر، وإن قال بعضه فقد قال: يتبعض، وكذلك كل من كلمه الله أو أنزل إليه شيئاً من كلامه.

    ولما قال تعالى للملائكة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30]، ولما قال لهم: اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة:34] وأمثال ذلك، هل هذا جميع كلامه أو بعضه؟ فإن قال: إنه جميعه، فهذا مكابرة، وإن قال: بعضه، فقد اعترف بتعدده].

    قوله في المتن: (وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة)، أكده بقوله: (حقيقة) ليبين أن عقيدة أهل السنة أن القرآن كلام الله حقيقة حروفه ومعانيه ليس أحدهما فقط، وفي ذلك رد على طائفتين:

    الطائفة الأولى: الذين قالوا إنه مخلوق، وهم المعتزلة الذين ورثوا الجهمية؛ فإنهم قالوا: إنه خلقه كما خلق السماوات والأرض والإنسان والحركات ونحوها.

    الطائفة الثانية: الذين زعموا أن كلام الله هو المعنى ليس هو اللفظ، وعلى زعمهم لا يكون الله متكلماً، وإنما هذا الذي نقرؤه عبارة أو حكاية أو ترجمة لكلام الله، والذي عبر به هو الملك كأنه ألهمه إلهاماً، فالملك في زعمهم ألهم إلهاماً فعبر عما ألهم، وأنزل إلى الرسل ذلك المعنى، فهو الذي صاغ هذه العبارة، وعلى هذا نقول: إنه كلام الملك لأنه الذي صاغه، فهو كلام جبريل أو كلام الرسل، لا أنه كلام الله.

    ولا شك أن هذا فيه إبطال النصوص، كقوله تعالى: وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ [البقرة:75]، وقوله: فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6]، وقوله: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [الفتح:15]، وقوله: لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ [الأنعام:115]، وقوله: مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان:27]، وأشباه ذلك كثير.

    ولو كان كذلك لكان الله تعالى موصوفاً بأنه لا يتكلم -تعالى الله عن قولهم- ويلزم على ذلك أن يكون ناقصاً؛ لأن عدم القدرة على الكلام نقص في حق كل عاقل، فكل عاقل يرى أن الكلام ميزة وأن نفيه نقيصة، وهؤلاء قد وصفوا الرب تعالى بالنقيصة.

    ثم أجاب عليهم الشارح، فقال: أنتم تقولون: إن موسى سمع كلام الله، ولكنه لم يسمع إلا المعنى. فهل سمع جميع ما ينسب إلى الله من الكلام أو سمع بعضه؟ وإذا قلتم: سمع بعضه. فلابد أن يكون ذلك الذي سمعه سماعاً حقيقاً، لا أنه معنوي، ونقول بعد ذلك: إن الله تعالى كلم بعض خلقه، فقال تعالى: وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا [الأعراف:22]، وقال تعالى: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [البقرة:36] أخبر تعالى أنه كلم هؤلاء، ولا شك أن هذا صريح في أنه كلام مسموع، وأنه ليس هو كلام الله كله؛ لأن كلام الله تعالى لا يحصى، ودليله قول الله تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي [الكهف:109]، وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان:27].

    فكلام الله لا نهاية له، فلو قدر أن أشجار الأرض كلها من أول ما خلقت الدنيا إلى نهايتها كلها أقلام، والبحار مع سعتها ومعها سبعة أمثالها من البحار انقلبت حبراً يكتب به، فكتب بذلك الحبر وبتلك الأقلام لتكسرت الأقلام، ولنفدت البحار قبل أن يفنى كلام الله.

    هذا مفاد هذه الآيات، فإذاً كيف يقال: إن كلام الله له نهاية، وإنه هو المعنى فقط؟! هذا لا شك أنه تنقص للرب سبحانه وتعالى، وهكذا أيضاً وصفه بأنه لا يتكلم وأن الكلام إنما هو عبارة أو حكاية عنه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016916548

    عدد مرات الحفظ

    723872753