الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن نبينا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج ذات ليلة على أصحابه فوجدهم قد صلوا المغرب منتظرين لصلاة العشاء، فقال صلى الله عليه وسلم لهم: (ما زلتم هاهنا؟ قالوا: ما زلنا هاهنا يا رسول الله! قال: ما زلتم هاهنا؟ قالوا: ما زلنا هاهنا يا رسول الله! قال: ما زلتم هاهنا؟ قالوا: ما زلنا هاهنا يا رسول الله! فنظر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى السماء وإلى النجوم التي فيها وقال: النجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد) .
وأخبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أمته ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، فقال صلى الله عليه وسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة)، ولابد أن يعرف المسلم هذه الفرق، كما ورد عن أمير المؤمنين عمر أنه قال: (تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية)، فإذا نشأ في المسلمين من لا يعرف الجاهلية حكم على المسلمين بالكفر وبالضلال، نتيجة أنه لم يعلم أمور الجاهلية التي كانت فيها، بل تجد كثيراً من الناس قد يصحب فرقة من تلك الفرق التي في حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة)، يصحبون هذه الفرق على أنها بعض العاملين للإسلام، برزوا في جانب وقصروا في جانب آخر! وهذا الفهم فهم رديء، وستتضح الآن أنواع الفرق التي تعددت في الإسلام، والتي ينسحب عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بجلاء، حتى يُقرّ الحق في مكانه، ويحكم على كلٍ بما يستحق.
* نظرة تاريخية في افتراق أمة محمد صلى الله عليه وسلم:
الأمر على ما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فافترقت أمته بعد موته صلى الله عليه وسلم مباشرة، اختلفت أمته بعض الاختلافات الطفيفة، ثم بدأت هذه الاختلافات في الازدياد والاتساع، إلى أن خرج بعض أمة محمد صلى الله عليه وسلم من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر -والعياذ بالله- بعد أن مات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقبل أن يدفن نشأ بعض الخلاف بين الصحابة، أين ندفن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكيف نغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل نجرده كما نجرد موتانا أو نغسله من فوق الثياب؟
فأصابتهم سِنَةٌ فغسلوه من فوق الثياب بعد أن سمعوا المنادي ينادي بذلك، ثم قالوا: أين ندفن رسول الله؟ فاختلفوا، فجاء أبو بكر وحسم مادة النزاع وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنه لم يدفن نبي إلا حيث قبض)، ودفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكانه الذي قبض فيه.
وبعد دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حصل خلاف بين أصحابه على الأمير الذي سيؤمّر عليهم، وعلى الخليفة الذي سيستخلف عليهم، إلى أن انتهى الأمر في سقيفة بني ساعدة بتأمير أبي بكر الصديق واستخلافه خليفة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثم جاء خلاف آخر بين بعض الصحابة، وهو الخلاف في ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم، من سيرث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل لبناته ميراث منه؟
فجاءت فاطمة تطالب بميراثها من رسول الله، وقال أبو بكر : (إني سمعت رسول الله يقول: إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة)، فتخاصمت سيدة نساء أهل الجنة مع سيد شيوخ أهل الجنة، فاطمة مع أبي بكر رضي الله عنهما، وماتت على ذلك بعد ستة أشهر من وفاة أبيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثم جاء بعد ذلك المرتدون فمنعوا الزكاة، وهذا أكبر من الخلافات المتقدمة، وقالوا: قد كنا نعطي المال لمحمد، فمات محمد فلا زكاة، فبدأت حروب الردة، وتخللت حروب الردة -التي شملت مانعي الزكاة والمرتدين- ادعاءات بالنبوة، فادعى مسيلمة الكذاب أنه نبي مرسل من عند الله، وأطلق على نفسه رحمان اليمامة، حتى تسلط عليه أصحاب رسول الله وشردوه وقتلوه، قتله وحشي بن حرب، ورجل آخر من الأنصار.
ثم جاء أيضاً طليحة الأسدي وادعى النبوة أيضاً، فأُرسل إليه خالد بن الوليد، ففر من خالد بعد هزيمته إلى الشام، ثم بعد ذلك أسلم وحسن إسلامه، وكان يقاتل كأشد القتال مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيهم ضد الفرس وضد الروم.
ثم حفظ الله أمة محمد عليه الصلاة والسلام بـعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فدفع الله به الخلاف، ثم قتل عمر بعد سنوات من استخلافه، فولي عثمان الخلافة، فازدادت أمور المؤمنين سوءاً، وازدادت الخلافات واتسعت رقعتها، وأدى هذا الخلاف إلى مصرع ومقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو يتلو كتاب الله عز وجل، ذبح بأيدي أقوام يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله! وبدأت الفرق في الانتشار، فظهرت فرقة الخوارج التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصلها لما جاءه رجل فقال له: يا محمد! اعدل، فوالله! إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه يخرج من ضئضئ هذا أقوامٌ تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية).
ثم جاءت فرقة القدرية التي نفت القدر، فقالوا: لا قدر، ليس هناك شيء مقدر.
ثم ظهرت فرقة الشيعة، ومنهم فرقة السبئية على وجه الخصوص، والذي نحن بصدده اليوم هو الحديث عن فرقة الشيعة على وجه الإجمال، فشرح أحوالهم يطول، وبدعهم تميت القلب، ولكنه شيء أردنا تبيينه إحقاقاً للحق وإظهاراً لباطل المبطلين كما قال الله سبحانه وتعالى: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55].
* أصول فرق الشيعة إجمالاً:
فرقة الشيعة تنقسم إلى أربع فرق على وجه الإجمال، تنقسم إلى: الزيدية، وإلى الكيسانية، وإلى الإمامية، وإلى الغلاة أو الغالية، وهي أكفرهم على الإطلاق وسيأتي سبب ذلك.
أخفهم فرقة الزيدية، وفرقة الزيدية انقسمت إلى ثلاث فرق: الجارودية، والسليمانية، والبترية، هذه ثلاث فرق من فرق الزيدية، ثم انقسمت الكيسانية إلى فرقتين:
فرقة تقول في محمد بن علي بن أبي طالب الذي هو محمد ابن الحنفية إنه حي يرزق بجبل يسمى جبل رضوى، عن يمينه نمر، وعن يساره أسد، تحدثه الملائكة ليلاً ونهاراً، لا يموت ولن يموت، حتى ينزل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلأت ظلماً وجوراً.
والفرقة الثانية من الكيسانية قالوا: إن محمد بن علي بن أبي طالب كان إماماً في عصره، ولكنه قد مات، وهو الذي كان يستحق الإمامة.
أما فرقة الإمامية فتنقسم إلى خمس عشرة فرقة، منها: الإثنا عشرية التي عليها إيران الآن، ومنها الموسوية، ومنها الشيطانية اتباع رجل يدعى بشيطان الطاق، وكان ينكر كثيراً من آيات الله عز وجل، ومنها الكاملية، ومنها الناووسية، ومنها الباقرية، والمحمدية، إلى إكمال خمس عشرة فرقة، هذه هي فرق الإمامية.
أما الغلاة فأخرجهم عدد كبير من العلماء من دائرة المسلمين، فلا يعدون في الفرق، ولا يبعد عن هؤلاء المتقدمين أن يكون بعضهم خارجاً عن طوائف أهل الإسلام.
لما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبراً
وفرقة ألهت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي المحمدية، وفرقة ألهت آدم عليه الصلاة والسلام وقالوا: إن الألوهية انتقلت من آدم إلى الأنبياء، فآدم إله، ونوح إله، وتسلسلت الألوهية إلى أن وصلت إلى محمد عليه الصلاة والسلام، وبعد أن مات انتقلت الألوهية إلى علي بن أبي طالب، ومنه إلى الحسن، ومن الحسن إلى الحسين، إلى أن انتهت إلى جعفر بن محمد الذي يطلقون عليه جعفر الصادق.
وخرجت طائفة تسمى الخطابية بلا حياء من الله ولا من البشر، في جموع غفيرة في زمنهم، وملئوا شوارع الكوفة قائلين: لبيك جعفراً! لبيك جعفراً! مكان: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، فقالوا: لبيك جعفراً! لبيك جعفراً! فهذا قول ثالث عند الشيعة في أمر الألوهية، فريق يدعي أن عليـاً هو الإله، وفريق يدعي أن محمداً هو الإله، وفريق يدعي أن الألوهية تسلسلت من آدم عليه الصلاة والسلام إلى الأنبياء إلى أن انتهت إلى جعفر بن محمد الذي هو جعفر الصادق بن محمد الباقر، وخرجوا ملبيين يقولون: لبيك جعفراً! لبيك جعفراً! وهؤلاء طائفة من الخطابية.
وفريق آخر ادعوا ألوهيات أُخر، وقد ادعى النبوة من يسمى أبو منصور العجلي حيث قال: إنه صعد إلى الرب، وأن الرب مسح على رأسه، فنزل من عند الرب يحل للناس الحرام ويحرم عليهم الحلال، ويأمرهم بإتيان المحارم وتزوج الأخوات والأمهات والبنات، زاعماً أن ربه أمره بذلك، وأحل لهم الدم والميتة ولحم الخنزير، وإذا سُئل عن الدم في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة:3] قال: إنها أسماء أشخاص!
كان هذا الرجل يلقب بالكسف ويكنى بـأبي منصور العجلي، وأتباعه يتلون قوله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور:44]، ويتهكمون على من خالفهم ويقولون: هذا هو الكسف الذي سقط من السماء ليبشر الناس!
وطوائف أُخر ادعت لها أرباباً غير الله سبحانه وتعالى، كفرقة الكيسانية التي تبعت المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي ادعى -أول ما خرج- نصرة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه غاضب لظلم بني أمية لهم، فلما تبعه جمع غفير ادعى النبوة، فلما تبعه جمع غفير ادعى الإلهية! إلى أن قتل إلى غير رحمة الله عز وجل، لعنه الله.
لهم موقف خطير من ملائكة الرحمن، فهم يتهمون جبريل عليه الصلاة والسلام أنه قد خان؛ لأنه نزل بالرسالة على محمد صلى الله عليه وسلم، وفي الأصل أنها كانت لـعلي، والتمست فرقة منهم له المعاذير، وقالت: إن جبريل معذور، وهذه الفرقة الأخيرة التي التمست لجبريل المعاذير سميت الغرابية، لماذا سميت الغرابية؟ لأنهم قالوا: إن محمداً كان أشبه بـعلي من الغراب بالغراب، فلذلك أخطأ جبريل وهو معذور، ولعنته سائر فرق الشيعة!
وخفي على هؤلاء العميان -عميان البصر والبصيرة- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول الرسالة عليه كان ابن أربعين سنة، وعلي صبي صغير رضي الله عنه، ورسول الله صلى عليه وسلم كان أبيض، وكان إلى الطول أقرب منه إلى القصر، أما علي بن أبي طالب فكان إلى القصر أقرب منه إلى الطول، ورسول الله كان له شعر، وعلي كان أصلع، ولم يكن له إلا شعرات في آخر رأسه رضي الله عنه، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن أبجراً، وعلي بن أبي طالب كان أبجراً رضي الله عنه، أي: له كرش كما يسميه الناس، هذه صفات علي، فهل يخفى على جبريل الأمين صلى الله عليه وسلم حتى يخطئ في النزول؟ ثم هل يقره ربه على هذا الخطأ؟
الله سبحانه وصفه بالأمين كما قال عز وجل: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:193-195]، فالفرقة الغرابية جاءوا يوجهون هذا القول فوقعوا في كفر آخر! فلم يلعنوا جبريل؛ لأنه أخطأ، والخطأ مرفوع ما دام الشخص مجتهداً، ووقعوا في كفر آخر وهو تكذيب آيات الله سبحانه وتعالى، فهذا موقفهم من الملائكة.
فضلاً عن إثباتهم التحريف الباطل، وادعائهم الكاذب بتحريف القرآن، وتأويلهم آيات القرآن على حسب ما يريدون، فأولوا الجبت والطاغوت بـأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وأولوا البقرة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67] بأن البقرة هي عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا موقفهم من كتاب الله سبحانه وتعالى.
وجاء نبي آخر عندهم يسمى بـعمير التبان، يقولون في عمير التبان: إنه كان إذا مسك التبن تحول له ذهباً، فعبدوه وألهوه من دون الله عز وجل، وكل فرقة ادعت نبياً يتبع من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويفسرون قوله تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40] بأنه زينة النبيين؛ لأن الخاتم هو ما يتزين به، ويوردون على ذلك شبهاً مثل حديث: (إن مثلي ومثل الأنبياء قبلي كاللبنة أو كجدار نظر الناس إلى حسنه فرءوا الجدار طيباً إلا موطن لبنة فأنا اللبنة) فيقولون: إن محمداً عليه الصلاة والسلام هو خاتم النبيين أي: زينة النبيين، وليس معناه: أنه لا نبي بعده، وقد كذبوا الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه لا نبي بعدي)، وقوله أيضاً: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، فهذه دعواهم في مسائل الرسالات.
ومن عقائدهم الزائغة أيضاً القول بفناء الجنة والنار، فيقولون: إن الجنة ستأتي عليها أزمنة وتنتهي هي وأهلها ومن فيها، وإن النار سيأتي عليها وقت تنتهي هي وأهلها ومن فيها!
كفروا أبا بكر كما كفروا عثمان بن عفان، كما كفروا وانتهكوا عرض عمر بن الخطاب أيما انتهاك، فضلاً عن تكفير سائر الصحابة، كـعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان هذا موقفهم من أصحاب رسول الله، وما زال هذا هو موقفهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا.
فإذا كان هذا هو موقفهم من الصحابة، فهذا تدمير لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعها؛ لأن الصحابة هم الذين نقلوا لنا سنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليس هذا فحسب بل هم الذين نقلوا لنا القرآن، هم الذين جمعوا القرآن من الرقاق ومن الصحف ومن الجلود فأثبتوه ورسموه على هذا النحو الميسر، الذي قال الله فيه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] فإن طعنوا في أصحاب رسول الله فقد طعنوا في كتاب الله، وطعنوا في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثم لما طعنوا في سنة رسول الله، بدءوا في افتراء أحاديث على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وتقولوا أقاويل تؤيد باطلهم، مثل حديث: (أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى) فيقولون: إن أهل البيت كالسفينة لابد أن تركبها وإلا فإنك ستهلك، ويفترون على رسول الله عليه الصلاة والسلام الكذب ويقولون: (لما خلق الله الجنة ماتت ميتة فأنشأ الله لها الحسن في ركن والحسين في ركن فثبتاها) ويقولون: قال رسول الله: (خلقت أنا وعلي بن أبي طالب وزكريا ويحيى من طينة واحدة وعجينة واحدة)، ويقولون عن علي بن أبي طالب: (أنا الصديق من أبى فقد كفر)، ويفترون عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في علي : (علي خير البشر من أبى فقد كفر) أي: من حاول تفضيل أبا بكر أو عمر على علي بن أبي طالب فقد كفر عندهم، وخرج من دين الإسلام.
هذا هو موقفهم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولله الحمد أن كتبهم غير مسندة، وليست متصلة الأسانيد إلى رسول الله، إنما يقول قائلهم: بلغنا عن أجدادنا، بلغنا عن آبائنا، من الذي أبلغهم؟ الله أعلم، لم يذكر، فهي كلها أكاذيب، وكلها بلاغات لا تثبت بحال عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فهم في هذا سلكوا مسلكاً غلبوا فيه اليهود والنصارى، فاليهود إذا ذكرت لهم حبراً من أحبارهم، أو النصارى إذا ذكرت لهم حوارياً من حواريي عيسى وقروه وبجلوه، أما هؤلاء فطعنوا في أصحاب نبيهم الذين هاجروا وتبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، الذين تصدقوا بكل أموالهم لله عز وجل، الذين آثروا الآخرة على الدنيا، وآثروا ما عند الله على الزوجات، وعلى البنات والبنين، وعلى الضيعات، وعلى سائر من في الأراض، آثروا إرضاء رب العالمين على كل أحد.
فهذا موقف الشيعة من الحكومات، لا يقرون لأي حكومة بالإسلام إلا حكومة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد حكومة رسول الله حكومة علي بن أبي طالب .
ومن ثم ناصبوا المسلمين العداء على مدار الزمان والمكان، فمنهم نصير الدين الطوسي ، وليس نصيراً للدين بل نصير الشرك والإلحاد، كان يأتي بأبيات وقصائد للخليفة العباسي أثناء خلافته، ولما دخل هولاكو بلاد المسلمين كان في استقباله نصير الشرك والإلحاد الطوسي مع ابن العلقمي ، ومع ابن أبي الحديد اليد اليمنى لـابن العلقمي الوزير الشيعي الباطني الخائن، الذي أسلم زمام الخلافة العباسية لـهولاكو ، وجاء هولاكو بمن معه من المغول والتتار فاكتسحوا بلاد المسلمين وذبحوا الأبناء، وذبحوا البنات، وذبحوا الرجال، كما يُفعل الآن -بل أشد- بالمسلمين في بلاد البوسنة والهرسك، كانت المرأة من المغول ومن التتار تأتي إلى عشرين رجل أو إلى خمسين رجل وتقول لهم: ناموا فينامون، وتقول لهم: ابقوا على حالكم، فيبقون، وتذهب وتأتي بالسكين فتذبحهم جميعاً عن آخرهم ولا يتحرك منهم متحرك، وكان السبب في هذا كله نصير الشرك والإلحاد الطوسي ذلك الشيعي مع ابن العلقمي الوزير الرافضي، الذي كان يتستر بمبدأ التقية، ويتظاهر بأنه محسن إلى بني العباس، وبجانبه أيضاً ابن أبي الحديد .
هذه بعض مواقفهم المخزية في الإسلام والمسلمين، والحكومات المسلمة. كانوا يتسترون بمبدأ التقية، فإذا جاء العدو وتمكنوا من المسلمين مزقوا أهل السنة كل ممزق، وشتتوهم كل تشتيت، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
اختلفوا فيه أيما اختلاف، وضلوا فيه أيما ضلال، وكفر بعضهم بعضاً غاية التكفير بسبب الخلاف في ذلكم المهدي المنتظر ، فقالت فرقة من فرق الإمامية -ومنها الاثنا عشرية التي في إيران حالياً-: إن المهدي المنتظر هو محمد بن الحسن الذي ينتهي نسبه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقالوا: إن محمد بن الحسن هذا دخل السرداب، وسيخرج ليعيد العدل والقسط إلى البلاد وعلى العباد، بعد أن ملئت ظلماً وجوراً، وسينتصر من كل من آذى آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيعيد ويحيي الذين ظلموا آل بيت رسول الله، فيمزق شملهم ويفرق جمعهم.
ويقف على سردابه الإيرانيون الآن، يلطمون الخدود ويشقون الجيوب، رجالاً ونساءً وأطفالاً قائلين: يا محمد ! يا مهدي ! اخرج فقد ملئت الأرض ظلماً وجوراً، ويبكون وتسيل الدموع على خدودهم انتظاراً لهذا المهدي المنتظر ، وفي الحقيقة أنه شخصية لا وجود لها من الأصل، لأن أبا هذه الشخصية المزعومة كان عقيماً، لا يولد له ولد، وأثبت ذلك العلويون الذين ينتهي نسبهم إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فهم يسطرون أنسابهم أباً عن جدٍ إلى رسول الله، فسطروا في الحسن هذا أنه لم يولد له، ولكن لكي تبقى الإمامة ادعوا أن أمه -أم محمد - ولدت ولداً وأخبأته عن الناس، فاختفى في السرداب، وكانت الأموال تجمع له، فيأخذها الذين على أبواب السرداب، فاختلفوا فيما بينهم، فجاء رجل اسمه محمد بن نصير وأراد أن يكون هو محمد بن الحسن ليتقاضى الأموال، فرفضوا ذلك رفضاً شديداً، فانفصل هو بفرقة سماها النصيرة لرفضهم أن يكون هو الخليفة، وأن يكون هو البواب على السرداب، قالوا: وكان على السرداب رجل زيات، له دكان، فكان على الأموال التي تأتي للسرداب، فانشق هو عليهم وأنشأ فرقة أخرى تسمى النصيرة، وأصبح له أتباع ألهوه كما ألهت فرق الشيعة غيره.
هذا هو موقفهم من المهدي، وتقدم أن فرقة منهم تقول: إنه محمد ابن الحنفية، وهو حي الآن بجبل رضوى، عن يمينه أسد وعن يساره نمر وتحدثه الملائكة، وفرقة قالت: إنه محمد بن الحسن الذي ينتهي نسبه إلى علي بن أبي طالب ، وفرقة ثالثة قالوا: إن المهدي هو جعفر بن محمد الملقب بـالصادق، وهو الذي سيأتي ويعيد للناس العدل.
ألا يا صاح فاخبرني بما قد جاء في المتعة
ومن قال حلال هي كمن قد قال بالرجعة
لها زوجان في طهرٍ وفي طهرٍ لها سبعة
فالمرأة تقابل الرجل وترتضيه فيعطيها مالاً، كما يفعل هذا الآن سفلة العراق وسفلة لبنان وسفلة إيران، يلتقي الرجل بالمرأة فيزني بها ويعطيها دراهم معدودة، ويفتتح المحل بهذا في الصباح الباكر حتى يبارك له بزعمه في رزقه من أول نهاره، فهذه من عقائدهم، وقد حرم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نكاح المتعة عام خيبر إلى الأبد.
ومنهم طائفة الإسماعيلية، وهي إحدى طوائف الإمامية، وقد تقدم أن الإمامية خمس عشرة فرقة، والإسماعيلية فرقة منهم، ماذا تقول تلك الإسماعيلية؟ تقول بعض فرقها -وهم في اليمن قرب نجران-: إن الصلوات خمسين صلاة في اليوم والليلة؛ لأن الله افترضها كذلك، فعند كل فريضة عشر صلوات، وقبل أن تنتهي أنت من صلاة الظهر سيكون أحدهم قد صلى العشر الصلوات المكتوبة عليه بزعمه.
وفرقة قالت: لا، ليست هي بخمس صلوات ولا بخمسين، إنها تسع عشرة صلاة في اليوم والليلة، وعلى ذلك يصلون تسع عشرة صلاة في اليوم والليلة، وكل هذه من الأباطيل والترهات.
فضلاً عن ذلك افتراؤهم على أهل السنة والجماعة، إذ يقولون: إن من قال: آمين في الصلاة بطلت صلاته؛ لأن آمين عندهم كلام، والصلاة إذا تكلم فيها الشخص فقد بطلت صلاته، وإذا اُبتلي شيعي بأهل سنة بجواره وأحب أن يتقيهم وجاءت الصلاة وجاء التأمين فيها قال: آمِّينَ، مشدداً لها على أنها آية من قوله تعالى: وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ [المائدة:2] أي: ولا قاصدين البيت الحرام، ويقول فريق منهم: إن الضم يبطل الصلاة، والضم هو وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في الصلاة، وهذه ليست بشيءٍ بجانب الطامات الكبرى في مسائل العقائد، ومسائل دعاء غير الله، ومسائل تلك القباب والمشاهد التي فُعلت للخميني بعد موته، وكانت قبل الخميني تفعل لهم كي يطاف بها ويتبرك بها، ويترك بيت الله العتيق، ويترك توحيد الله عز وجل، فإذا طاف طائف منهم بالبيت دعا واستغاث بـعلي والحسن والحسين عند بيت الله الذي أمر الله أن ينقى ويطهر من الشرك كما قال الله سبحانه وتعالى: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة:125] .
ومنهم فرقة يقال لهم: المكارمة أو البهرة، يأتون من بلاد الهند الزائغة إلى بلاد اليمن، ويتعرى إمامهم تماماً، كما ولدته أمه، ويُحمل على عرش له ثمانية أرجل، ويحمله ثمانية، ويقبلونه في كل جزء في جسمه قائلين تاليين: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17] .
من يرضى أن يسمع من يسب أبا بكر الصديق؟ هل يرضي مسلم أن يؤتى بتفسير ابن كثير ويرمى على الأرض ويقال: هذا ابن كثير لا يفهم شيئاً، اتركوا ابن كثير وابن قليل؟ هل يرضي مسلم أن يسمع هذا الكلام يا عباد الله؟! ويضع يده في يد شيعي بغيض يطعن في أصحاب رسول الله!
كيف تكون بجانبه وقد طعن في سلفك الصالح، أبي بكر وعمر وعثمان وسائر أصحاب رسول الله باستثناء خمسة أو ما يقاربهم؟ الله عز وجل قال في كتابه الكريم: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر:10] أي: أن حال المؤمن الذي جاء من بعد الصحابة أنه دائماً يقول: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر:10]، فيأتي شيعي بغيض ويطعن فيهم ويلعنهم ويكفرهم، كيف نتعاون -يا عبد الله- مع من يخالف كتاب الله ويكذبه صراحة؟ هل هذا البغيض خير لك من الصديق أبي بكر ؟ : (إن من أحب قوماً حشر معهم) كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قال الله سبحانه وتعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18]، فهل سيسخط عليهم بعد أن رضي عنهم؟ وهل سيخون أبو بكر بعد تزكية الله له؟ هل ورد لنا أن أبا بكر قد خان -يا عباد الله- بعد أن رضي الله عنه؟! قال الله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100]، ألم يكن أبو بكر من السابقين الأولين يا عباد الله؟! ألم يكن عمر من السابقين الأولين؟ ألم يعطِ أبو بكر ماله كله لرسول الله؟ ألم يهاجر أبو بكر من بلده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تاركاً بيته؟ وفيه يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: (لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت
كيف بك يا عبد الله! تسمع طعناً في صحابي كـعمر الذي فتح الله على يديه الفتوحات، ودخل الناس على يديه في دين الله أفواجاً، ويأتي بغيض سخيف يثني على أبي لؤلؤة المجوسي قاتل عمر بن الخطاب ويوقره ويقول: إنه بطل من الأبطال؛ لأنه قتل عمر بن الخطاب؟ كيف تضع يدك في يد زنديق مثل هذا الزنديق يا عبد الله؟!
فالولاء والحب والبغض يجب أن يكون في الله: (فإن من أحب قوماً حشر معهم)، من أحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام حشر معهم، ومن أحب المجوس، من أحب أبا لؤلؤة المجوسي، ومن أحب أتباع الزيغ والضلال حشر معهم يا عباد الله!، فاتقوا الله ربكم، وذبوا عن أعراض أصحاب نبيكم كما تذبون عن أعراض آبائكم وأعراض أجدادكم، قولوا: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر:10]، قولوا: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18]، رضي الله عنهم أجمعين وحشرنا الله مع صحابة نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام، حشرنا الله معهم جميعاً في أعلى جنة الخلد، وقاتل الله الشيعة الملحدين الذين يذمون أصحاب النبي الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
الجواب: الحديث ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخذ علياً وفاطمة والحسن والحسين وطرح عليهم الكساء، وهو حديث الكساء المشهور، وقال: (اللهم إن هؤلاء أهلي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)، ولكن لا يمنع أن يدخل فيهم غيرهم، فإن الله سبحانه وتعالى قال: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:32-33] فدخل نساء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في معنى الآل، وقال عليه الصلاة والسلام: (إنا آل محمد لا نأكل الصدقة)، فآل رسول الله منهم الحسن ومنهم الحسين ومنهم علي ومنهم فاطمة ومنهم أزواجه، ومنهم بنو العباس وغيرهم ممن حرمت عليهم الصدقة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر