إسلام ويب

فقه العبادات - الصلاة [12]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلاة الكاملة هي التي يأتي بها المكلف على صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون ذلك بالاقتداء به فيما ثبت عنه من صفة التكبير للإحرام، وكيفية رفع اليدين عند التكبير، مع التلفظ بالتكبير وغيره من الأذكار والقراءة بحيث يسمع نفسه، وينظر إلى موضع سجوده, واضعاً يده اليمنى على اليسرى على صدره، ويقرأ أحد أدعية الاستفتاح الثابتة في السنة، ثم يقرأ بسورة الفاتحة في كل ركعة, وهكذا ..

    1.   

    صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى دعاء الاستفتاح

    الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل.

    وبعد:

    فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    إخوتي المشاهدين والمشاهدات! كنا قد شرعنا في درس سابق في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، واليوم في هذه الحلقة -وهي الحلقة الثانية في بيان صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم- نواصل مسائل هذا الباب، وكنا قد توقفنا عند قيام المأموم إذا أراد أن يبدأ في الصلاة والآن نذكر بعض المسائل المتبقية في ذلك.

    وجوب دخول الصلاة بالتكبير

    الشيخ: المسألة الأولى: إذا أراد الإنسان أن يشرع في الصلاة فإن الواجب في حقه أن يكبر، وهذا هو قول عامة أهل العلم، خلافاً لـأبي حنيفة رحمه الله، فإن أبا حنيفة رحمه الله قال: لا يلزم لفظ خاص، بل له أن يتلفظ بكل لفظ يدل على التعظيم لله جل جلاله.

    وأما الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة -وهو قول أكثر أهل العلم- فقالوا: إنه لا يصح إلا أن يكبر، وهذا هو الراجح؛ لما جاء عند الإمام أحمد و الترمذي من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير )، فدل ذلك على أن التكبير هو الأصل، ولا يبدأ في صلاته ولا يشرع ولا يدخل إلا بالتكبير.

    ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ).

    إذا ثبت أن التكبير واجب، فسواء قال: الله أكبر، أو الله الأكبر، فإن ذلك كله نوع تكبير، وهو لا يخالف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان الأفضل ألا يخرج عن قول: الله أكبر، كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو مذهب الشافعي , أعني أن السنة أن يقول: (الله أكبر)، فإن قال: (الله الأكبر) فلا حرج في ذلك، خلافاً للحنابلة والمالكية الذين قالوا: لا يصح إلا أن يقول: (الله أكبر).

    والراجح أن له أن يقول: (الله الأكبر) أو يقول: (الله أكبر)، وإن كان السنة أن يقول ويداوم على قول: (الله أكبر).

    رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام

    الشيخ: إذا ثبت هذا أيها الإخوة! فإن السنة حال التكبير أن يرفع الإنسان رجلاً كان أو امرأة يديه مع التكبير.

    وقد أجمع أهل العلم على أن الإنسان يشرع له أن يرفع يديه حال تكبيرة الإحرام، هذا محل إجماع، وإن كانوا قد اختلفوا فيما سوى ذلك، ومعنى (إجماع) أنه إجماع على مشروعيتها، وذهب الأئمة الأربعة إلى أن ذلك سنة، وبالغ في ذلك بعض الحنابلة و الأوزاعي ، فحُكِي عنهم أن ذلك واجب، والراجح أنه ليس بواجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك، وإنما هو فعل، والقاعدة: أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة لا تدل على الوجوب، إلا أن يأتي أمر يبين ذلك.

    ومما يدل على أن ذلك ليس بواجب أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء صلاته قال: ( فاستقبل القبلة وكبر, ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تطمئن راكعاً.. )، الحديث، وليس فيه رفع اليدين، فدل ذلك على أن رفع اليدين سنة وليس بواجب.

    صور رفع اليدين مع التكبير

    الشيخ: إذا ثبت هذا فإن رفع اليدين مع التكبير لها ثلاث صور:

    الصورة الأولى: أن يرفع يديه مع التكبير، فيكون التكبير مع رفع اليدين، وهذا ثابت في الصحيح من حديث ابن عمر ، فإنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه حين يكبر، حتى يجعلهما حذو منكبيه )، فهذا يدل على أن الرفع مع التكبير، بحيث يكون انتهاء الرفع مع انتهاء التكبير.

    الصورة الثانية: أن يرفع يديه ثم يكبر، فيقول: (الله أكبر)، فيكون انتهاء التكبير تالياً لانتهاء الرفع، وهذا ثابت أيضاً في صحيح مسلم من حديث ابن عمر أنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكون حذو منكبيه ثم يكبر )، فهذا يدل على أن رفع اليدين كان قبل التكبير.

    وذهب بعض أهل العلم إلى صورة ثالثة: وهي أن يكبر ثم يرفع يديه, واستدلوا على ذلك بما جاء في الصحيحين عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث قال: ( كان إذا وقف في الصلاة كبر ثم رفع يديه )، ولكن هذا الحديث تكلم فيه أهل العلم وقالوا: ليس في هذا دلالة واضحة، بل جاء في بعض الروايات أن مالك بن الحويرث ( كان يرفع يديه ثم يكبر, وحدث أن رسول الله كان يفعل هذا )، فلعل ذلك اختصار من بعض الرواة، والله أعلم.

    وعلى هذا فالسنة في صورتين: إما أن يرفع مع التكبير، أو يرفع يديه ثم يكبر، أما أن يكبر ثم يرفع يديه فإن الأحاديث الواردة في هذا ليست بظاهرة، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

    مقدار رفع اليدين مع التكبير

    الشيخ: من المسائل: في التكبير أن رفع اليدين في التكبير له موضعان: إما أن يكبر حذو منكبيه كما هو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، أو يرفع إلى فروع أذنيه، كما هو مذهب أبي حنيفة ، فالصحيح أن كليهما سنة.

    أما التكبير حذو المنكبين فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حين يكبر حتى تكونا حذو منكبيه ).

    ومما يدل على الرفع إلى فروع الأذنين ما ثبت في الصحيحين من حديث مالك بن الحويرث : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حتى تكونا إلى فروع أذنيه ).

    وفي حديث وائل بن حجر عند أهل السنن قال: ( حتى رأيت إبهاميه قريباً من أذنيه ).

    وما يفعله العامة أيها الإخوة! في حال التكبير بأن يضعوا الإبهامين خلف الأذنين ثم يقولوا: الله أكبر، فهذا ليس من السنة، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما الذي ورد أن تكون إبهاماه قرينتي أذنيه, أي: قريب منهما أما ما يفعله العامة هكذا فهذا ليس من السنة، والله أعلم.

    صفة التلفظ بالتكبير وقدر الواجب من ذلك

    الشيخ: إذا ثبت هذا أيها الإخوة! فإن المصلي إذا كبر فإن الواجب على الإمام والمنفرد أن يسمعوا أنفسهم، ولو حرك شفتيه في التكبير أجزأ كما هو مذهب مالك ، واختيار أبي العباس بن تيمية ، فلا يلزم أن يسمعوا أنفسهم إذا حركوا شفتيهم.

    فالواجب في حق كل مصل إذا كبر أن يحرك شفتيه، وأما من غير تحريك الشفتين فلا يسمى قولاً إلا بالتقييد، كما قال الله تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة:8].

    أما ما يفعله بعض العامة حينما يسكت ولا يحرك شفتيه ويقرأ فهذه ليست قراءة، وإذا كبر سكت، وهذا ليس تكبيراً، فلا بد أن يسمع نفسه، فإذا قال الشارع: (فليقل: الله أكبر)، أو (فكبر)، فهذا لا بد فيه من أن يسمع نفسه، وأقل الدرجات أن يحرك شفتيه؛ لأن تحريك الشفتين نوع من القول، كما هو مذهب مالك واختيار أبي العباس بن تيمية رحمهم الله تعالى.

    أما الإمام فإنه يزيد أمراً آخر، وهو أن الإمام يجب عليه أن يجهر؛ لأجل أن يسمع المأمومين، وإلا فما فائدة أن يتابع المأموم إمامه وهو لا يسمع ما يقول، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ( إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه )، فهذا يدل على أنه يحب ألا نختلف عليه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهذا الراجح.

    وذهب بعض أهل العلم إلى عدم استحباب ذلك، ولم يعرف ذلك إلا في عهد بني أمية، فإنهم كانوا يسرون بالتكبير.

    والراجح أن ذلك واجب، وقد روى البخاري من حديث أبي سعيد : ( أنه كان يجهر التكبير حين يرفع رأسه من السجود، وحين يسجد، وحين يقوم، وحين يركع, قال: كان رسول اله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك ).

    ومما يدل على الجهر بالتكبير ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي موسى رضي الله عنه, كما روى حطان الرقاشي قال: ( كنا نصلي خلف أبي موسى رضي الله عنه، حتى إذا كبر قال رجل: أقرت الصلاة بالبر والزكاة، فلما سلم أبو موسى قال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأرم القوم، فقال: أيكم القائل كلمة كذا؟ فأرم القوم، ثم قال: أيكم القائل: أقرت الصلاة بالبر والزكاة؟ فأرم القوم، فقال أبو موسى : لعلك يا حطان قلتها؟ قال: ما قلتها، ولقد رهبت أن تبكعني بها، فقال رجل من القوم: أنا قلتها ولم أرد بها إلا الخير، فقال أبو موسى : أما يعلم أحدكم إذا صلى كيف يصلي؟ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبين لنا صلاتنا، وقال: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، وليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر )، وهذا يدل على أن الإمام إنما يكبر بالجهر، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

    السنة للإمام أن يسمع بالقراءة من خلفه

    الشيخ: إذا ثبت هذا فإنه يسن للإمام أن يسمع من خلفه قراءته أحياناً إذا كان ذلك في الصلاة السرية.

    وأما في الجهرية فإن الراجح والله أعلم أن جهر الإمام في الجهرية سنة، كما هو مذهب جمهور أهل العلم خلافاً لـأبي حنيفة ، فإن أبا حنيفة قال: إن الجهر في حال الجهر واجب، والإسرار في حال الصلاة السرية واجب.

    والراجح هو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة أن ذلك على سبيل الاستحباب؛ لأن ذلك فعل فعله النبي صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على الاستحباب.

    وأما قولنا: (أحياناً)، فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع الصحابة أحياناً في صلاتي الظهر والعصر، ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وكان يسمعنا الآية أحياناً )، وهذا يدل على أن الإمام يشرع له أحياناً أن يجهر ببعض الآيات القرآنية ليسمع من خلفه قراءته، كما هو مذهب الحنابلة والشافعية ومن وافقهم.

    السنة للمأموم أن يخافت بقراءته حتى لا يؤذي غيره

    الشيخ: وأما المأموم فإن السنة في حقه أن يخافت، ولا يشرع له أن يرفع صوته حتى لا يخالج الإمام، ولهذا جاء عند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن، فسمع بعض الصحابة يقرأ، فقال: إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ )، قال الزهري : فانتهى الناس عن القراءة خلف الإمام، وهذا في الجهرية.

    وأما في السرية فالسنة أيضاً المخافتة، ولكن لو رفع فإنه جائز لكن تركه أفضل؛ وذلك لما جاء في صحيح مسلم من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الظهر بأصحابه، فلما سلم قال: أيكم الذي قرأ خلفي بـ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله، ولم أرد بها إلا الخير، فقال: قد علمت أن بعضكم خالجنيها ).

    وهذا يدل على أن السنة عدم الرفع، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم كما عند الإمام أحمد و ابن ماجه : ( أيها الناس! كلكم يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة )، فهذا يدل على أن السنة ألا يرفع المأموم القراءة ولا التكبير، ولا التسبيح، ولا غير ذلك، وربما شغل من بجانبه، وإنني لألاحظ أن بعض الناس أحياناً يجهر وهو لا يشعر أنه مأموم، فتجد أنه يقول: الله أكبر، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:2-5]، فيزعج من بجانبه، وهذا ليس من السنة.

    نعم الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: (أيكم القائل؟) دليل على أن الصحابة لم يكونوا يجهرون، ولما جهر أحدهم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك قد خالجه, يعني: خالطه في قراءته، فدل ذلك على أن السنة هو عدم الجهر، ولو في بعض آية في حق المأموم، وإن كان ذلك يدل على الجواز لكن السنة تركه، فإنه يؤذي المصلين، وقد قال صلى الله عليه وسلم كما عند الإمام أحمد و ابن ماجه : ( كلكم يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة )، فما بالك إذا كان ذلك بذكر؟

    فينبغي للمأموم أن يراعي عدم الجهر، وأن يسمع نفسه فقط، وألا يؤذي من بجانبه برفع صوته، ولهذا ربما تتأذى إذا كنت بجانب شخص يتكلم وهو لا يشعر، فيقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، ثم إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم، والمبالغة في هذا ليس من السنة، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

    ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحفظ عنه أنه كان يرفع صوته حال الركوع ولا حال السجود، إنما كان لأجل أن يخبر الصحابة في ذلك، ولهذا كان الصحابة لا يعلمون كم يسبح في ركوعه ولا في سجوده، وإنما عرفوه قياساً، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

    وضع اليد اليمنى على اليسرى حال القيام في الصلاة

    الشيخ: إذا ثبت هذا أيها الإخوة! فإن المأموم أو الإمام إذا كبر ورفع يديه فكيف يضع يديه بعد التكبير؟ نقول: طريقة وضع اليدين بعضهما على بعض لها حالان:

    الحال الأولى: حال الوضع، وحال الوضع هي أن يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى، ومما يدل على ذلك ما رواه البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي : ( كان الناس يؤمرون إذا قام أحدهم في الصلاة أن يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى ).

    وأما ما يفعله بعضهم, حيث يحلق بالخنصر مع الإبهام فهذا ليس من السنة، ولم يرد فيه شيء، ولا ينبغي للإنسان أن يتكلف إلا ما جاء فيه نص شرعي.

    ومما ورد أيضاً: أن يضع يده اليمنى على كفه اليسرى؛ لما جاء في صحيح مسلم من حديث وائل قال: ( فوضع يده اليمنى على كفه اليسرى ).

    النوع الثاني: القبض، والقبض جاء في حديث وائل بن حجر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع يده اليمنى على يده اليسرى والرسغ والساعد ).

    والرسغ هو العظم المتوسط بين الكوع والكرسوع, وللفائدة فقد قال بعضهم نظماً:

    وعظم يلي الإبهام كوع وما يلي لخنصره الكرسوع والرسغ ما وسط

    ولهذا يقال: فلان لا يعرف كوعه من كرسوعه! فالكوع هو العظم الذي يلي إبهام اليد.

    وأما الكرسوع فهو العظم الذي يلي الخنصر.

    وأما البوع: فهو العظم الذي يلي إبهام الرجل, قال بعضهم:

    وعظم يلي إبهام رجل ملقب ببوع فخذ بالعلم واحذر من الغلط

    فهذه فائدة يذكرها العلماء رحمهم الله في هذا الباب، على هذا فإن القبض أن يضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد.

    ومن السنة أيضاً أن يضعها -هكذا- كما جاء أيضاً في حديث أنه أخذ بكفه اليمنى ووضعها على الذراع اليسرى لازقاً بالكوع، فهذا أيضاً ثابت في السنة، كما ثبت ذلك عند ابن عساكر بسند صحيح في تاريخ دمشق، عن أبي زياد مولى آل دراج، قال: (إن نسيت فلا أنسى أن أبا بكر رضي الله عنه رأيته قائماً يصلي آخذاً بكفه اليمنى على ذراعه اليسرى لاصقاً -أو لازقاً- بالكوع)، وهذا يدل على أن هذا من السنة، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

    مكان وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة حال القيام

    الشيخ: المسألة الثانية: إذا وضع يديه فهل توضعان على الصدر أم تحت السرة أم فوق السرة؟

    الجواب: اختلف العلماء في هذا:

    فذهب الحنابلة والحنفية إلى أن السنة أن تكون اليدان تحت السرة، واستدلوا بما جاء عند أهل السنن من حديث علي بن أبي طالب أنه قال: ( من السنة أن يضع يده اليمنى على اليسرى تحت سرته )، وهذا الحديث لا يفرح به؛ فإن في سنده رجلاً يقال له: عبد الرحمن الواسطي ، وليس هو بذاك الحديث؛ ولهذا فالحديث ضعيف.

    وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يضعهما على صدره، وهذا هو قول بعض المتأخرين من مشايخنا الفضلاء، أما الجمهور فإنهم يقولون: يضعهما فوق سرته، ويطلقون أحياناً فيقولون على الصدر، ولا يقصدون بالصدر أعلى الصدر، بل إن الإمام أحمد في المذهب عنده أن وضع اليدين على الصدر مكروه، وأنكر ذلك كما ذكر ابن مفلح عنه، والمذهب أن ذلك مكروه، ولا يصح حديث في وضع اليدين على الصدر.

    وأما الحديث الوارد عن وائل بن حجر : ( أنه وضع يديه على صدره )، فإنه حديث منقطع، يرويه عبد الجبار بن وائل عن أبيه وهو لم يسمع من أبيه.

    وأحسن شيء في الباب ما رواه طاوس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فإن السنة عدم وضع اليدين على الصدر، ومما يدل على عدم السنية في هذا هو ما جاء في صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي : ( كان الناس يؤمرون أن يضع أحدهم إذا قام إلى الصلاة يده اليمنى على ذراعه اليسرى ).

    أنا أسأل سؤالاً: إذا وضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى، فهل يمكن أن يضعهما على صدره؟

    الجواب: لا يمكن, والسنة أن تكون في وضع طبيعي، أو فوق السرة هذا هو المعروف، وهو الذي لا يتكلف فيه الإنسان، ومما يدل على هذا أن الإنسان إنما وضع يديه لأجل أنه ذل بين يدي عزيز، ولهذا سئل المنذر بن مهاجر عن ذلك وهو من الصحابة فقال بذلك، وليس له إسناد صحيح، ولكن أشار إليه ابن المنذر في الأوسط، وهو نص الإمام أحمد ، فقد سأله إسحاق الكوسج عن ذلك فقال: (ذل بين يدي عزيز)، والذليل هو الذي يأتي بحركات عفوية، أو يأتي بحركات فيها نوع من التذلل والخشوع, وهذا هو الظاهر, أعني: القول الثالث: أنها فوق السرة، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

    وعلى هذا فالأحاديث الواردة بالوضع تحت السرة أحاديث ضعيفة، والأحاديث الواردة على الصدر ضعيفة، والأقرب أنه يضعها فوق السرة لأن حديث سهل بن سعد الساعدي : ( كان الناس يؤمرون أن يضع أحدهم إذا قام إلى الصلاة يده اليمنى على ذارعه اليسرى، والرسغ والساعد )، هذه هي الحالة الطبيعية في هذا، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

    موضع نظر المصلي

    الشيخ: ومن المسائل أيها الإخوة: أين يضع الإنسان بصره حال قيامه؟

    بعض أهل العلم فصل في ذلك فقال: حال القيام والركوع شيء، وحال التشهد شيء آخر، فقالوا: أما حال التشهد فإن السنة أن ينظر ببصره إلى إصبعه؛ لأنه يرفع إصبعه.

    قالوا: ومما يدل على ذلك ما رواه محمد بن عجلان ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد للتشهد جعل كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة ولم يجاوز بصره إشارته )، يعني: ينظر إليها، وهذا الحديث صححه بعض المتأخرين من أهل العلم، في حين أن الحافظ أبا عمر بن عبد البر ضعفه، وقال: إن محمد بن عجلان تفرد بهذه الرواية.

    ولعل قول أبي عمر بن عبد البر هو الأصح؛ وذلك لأن الليث بن سعد ، و أبي خالد الأحمر روياه عن محمد بن عجلان ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه من غير هذه الزيادة، وخالف محمد بن عجلان سفيان بن عيينة و زياد بن سعد ، وغيرهم كثر رووه عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن عبد الله بن الزبير دون ذكر هذه الزيادة، وقد رواها مسلم في صحيحه، بدون هذه الزيادة، فدل على أن زيادة (لم يجاوز بصره إشارته)، ضعيفة، ولو صحت فلا حرج على الإنسان في أن يعمل بها.

    والذي يظهر لي والله أعلم أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم كيف يضع بصره في أي موضع.

    ولم يثبت أنه يضعه موضع السجود، فإن الحديث الذي وارد في ذلك كما رواه الحاكم من حديث عائشة رضي الله عنها أنه يضع بصره موضع السجود؛ لقولها رضي الله عنها: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما دخل البيت لم يخْلُف بصره موضع سجوده )، فهذا الحديث ضعيف، كما أشار إلى ذلك غير واحد من أهل العلم، فقد أعله أبو حاتم الرازي ، وقال: لا يصح في الباب شيء، وهذا هو الراجح والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

    وعلى هذا فالإنسان يضع بصره إن شاء إلى موضع سجوده، وإن شاء أمامه خاصةً إذا كانت أمامه الكعبة، وإن شاء على حسب خشوعه، فالعبرة بالخشوع.

    وبعضهم يقول: يضعه استقبال القبلة، قالوا: ومما يدل على ذلك ما جاء في صحيح البخاري و مسلم من حديث البراء قال: ( كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه من الركوع لم نزل قياماً ننتظره حتى نراه قد وضع جبهته على الأرض )، قالوا: فهذا يدل على أنهم كانوا ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومما يدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صلوا كما رأيتموني أصلي )، والذي يظهر والله أعلم أن الإنسان يبحث عن مكان الخشوع، فإن كان خشوعه هكذا أفضل فعل، وإن كان خشوعه حال السجود فعل، وإن كان يريد أن يطأطئ رأسه فكل ذلك على حسب خشوعه.

    تغميض العينين حال الصلاة

    الشيخ: بعض أهل العلم قالوا: يكره تغميض العينين، وقد ذكرنا هذه المسألة، وقلنا: لا يصح حديث في تغميض العينين، وإن كان نقل عن عائشة أن ذلك من فعل المجوس.

    والذي يظهر والله أعلم أن ذلك إذا كان لعارض فلا حرج، وأما إذا كان عن قصد من الإنسان فالأفضل ألا يفعل، لكن ليس ثمة كراهة؛ لأن الكراهة حكم شرعي لا تثبت إلا بدليل شرعي، وإن كان بعض أهل العلم كره ذلك كما نقل الحافظ ابن القيم في زاد المعاد كلام أهل العلم في هذه المسألة.

    والذي يظهر والله أعلم أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في هذا الباب، والله أعلم.

    1.   

    السنة في دعاء الاستفتاح في الصلاة

    الشيخ: إذا ثبت هذا أيها الإخوة! فإن السنة في حق الجميع أن يشرعوا في دعاء الاستفتاح.

    وما حكم دعاء الاستفتاح؟

    الجواب: دعاء الاستفتاح سنة، وهذا هو قول الأئمة الأربعة. وزعم بعض أهل الظاهر أن ذلك واجب، والصحيح أن ذلك سنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك في حديث صحيح.

    ولكن ما السنة في دعاء الاستفتاح؟ يعني: ماذا يقول في دعاء الاستفتاح؟

    ذهب الحنابلة إلى أنه يقول: ( سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك ).

    قال الإمام أحمد : السنة أن يقول في دعاء الاستفتاح هكذا، وأنا قلت: إن دعاء الاستفتاح سنة، ونقل عن مالك أنه كره ذلك، ولكن الرواية الثانية عنه موافقة للجمهور، وهذا هو الظن بـأبي عبد الله رحمه الله، كما نقل ذلك عنه ابن هبيرة .

    لكن مع ذلك نقول: إن الحنابلة قالوا: يستحب للإنسان أن يدعو بدعاء الاستفتاح فيقول: ( سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك )، وهذا الحديث لا يصح مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما ضعفه غير واحد من أهل العلم، وقد جاء من حديث عائشة مرفوعاً، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، والصواب وقفه على عمر ، كما ذكر ذلك ابن خزيمة وغيره.

    والإمام أحمد يقول: يستحب أن يستفتح بدعاء عمر ، فإنه قال ذلك على ملئ من الصحابة، وهذا هو اختيار أيضاً أبي حنيفة .

    وذهب الشافعي رحمه الله إلى أن السنة أن يقول ما جاء في صحيح مسلم من حديث علي بن أبي طالب : ( وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين.. )، الحديث، والمعروف أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله في صلاة الليل.

    والذي يظهر والله أعلم أن للإنسان أن يقول كل ما ورد، إلا أن السنة ألا يجمع بينها، خلافاً لـأبي يوسف ، و ابن هبيرة ، فإنهما قالا: يجمع بينها، فيقول: (وجهت وجهي)، و(اللهم باعد بيني وبين خطاياي)، أو (وجهت وجهي) و(سبحانك اللهم)، وهذا لم يرد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا حديث رواه البيهقي ، وهو حديث منكر.

    والصواب في هذا هو ما اختاره أبو العباس بن تيمية رحمه الله، وأشار إليه الحافظ ابن رجب في القاعدة الثانية عشرة، عندما قال: العبادات الواردة على وجوه متنوعة هل يختار منها أحدها على سبيل الاستحباب ويجوز الآخر، أم يجمع بينها، أم يفعل هذا تارة وهذا تارة؟ والأفضل هو اختيار تقي الدين أبي العباس بن تيمية ، أنه يفعل هذا تارة وهذا تارة, وهذا أظهر، لكن لا بد أن تكون الأحاديث ثابتة.

    وقد صح عند البخاري و مسلم من حديث أبي هريرة أنه قال: ( يا رسول الله! أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، اللهم نقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ).

    وجاء في حديث آخر: ( الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، قال: لقد رأيت بضعاً وعشرين ملكاً يبتدرونها أيهم يرفعها ).

    وجاء في حديث آخر: ( اللهم برب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) كما رواه مسلم في صحيحه، وقد تكلم في هذا الحديث بسبب رواية عكرمة بن عمار ، والصحيح أن هذا الحديث صحيح؛ لأن هذا واضح أنه خرج من مشكاة النبوة، وقد رواه مسلم في صحيحه.

    وعلى هذا فإن الإنسان يقول هذا تارة، وهذا تارة، وإن كان بعضهم يقول: ما ورد في صلاة الليل يقال في صلاة الليل، وما ورد في صلاة الفريضة يقال في صلاة الفريضة، لكنه إن قاله في صلاة الليل فلا حرج؛ لأن ما ثبت في الفرض جاز في النفل، وما ثبت في النفل جاز في الفرض، والله أعلم.

    وعلى هذا فالذي يظهر والله أعلم هو أن أبا العباس بن تيمية اختار أن الإنسان يفعل هذا تارة، وهذا تارة، وهذا تارة، وهذا أفضل.

    ثم ذكر رحمه الله، قال: ولأنه إذا فعل هذا تارة، وهذا تارة، فإن ذلك يكون فيه ثلاث فوائد:

    الفائدة الأولى: أن ذلك أقرب إلى الاقتداء بالسنة.

    الثاني: ولأن ذلك خشية أن تهجر السنة، فإن الإنسان أحياناً إذا ترك السنة فإنك لو فعلت مرة ثانية قيل: فعلت البدعة، فلأجل عدم هجر السنة فإن السنة إحياؤها، ( من سن في الإسلام سنةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده, لا ينقص ذلك من أجورهم شيء ).

    الثالث: ولأن ذلك أدعى لحضور القلب؛ فإن الإنسان إذا كان قد عود لسانه أن يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك)، فتجد أنه يقولها ويشرع في الفاتحة وهو لم يتدبر ولم يشعر، لكنه إذا كان يقول هذا مرة، وهذا مرة فإن ذلك أدعى لحضور القلب.

    1.   

    السكتات المشروعة للإمام في الصلاة

    الشيخ: ومن مسألة: ما هي السكتات الثابتة في حق الإمام؟

    الجواب: الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر في الصلاة الجهرية خاصة سكت ما بين التكبير والقراءة، بأن يدعو دعاء الاستفتاح؛ وذلك لقول أبي هريرة كما في الصحيحين: ( أرأيت سكوتك ما بين التكبير والقراءة ما كنت تقول؟ ). هذه السكتة الأولى.

    الثانية: أن يسكت سكوتاً يسيراً ما بين القراءة والتكبير قبل الركوع، فهذا وإن كان حديث عمران بن حصين و سمرة بن جندب الوارد فيه ضعيفاً، لكن هذا هو المحفوظ عن الصحابة, أنهم لم يروا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلط ويجمع بين التكبير والقراءة كما يفعل بعض الأئمة، فإن بعض الأئمة يقول: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النساء:17]، الله أكبر، وهذا خطأ، فلا يجمع بين هذا وهذا؛ لأنه يخشى أن يظن أن: (الله أكبر) من القرآن، فينبغي له أن يقول: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النساء:17] ثم يسكت، ثم يقول: الله أكبر.

    أما سكوت الإمام بعد قراءة الفاتحة لأجل أن يقرأ المأموم الفاتحة فهذا جاء فيه حديث عمران بن حصين ، وفي سنده انقطاع، فإن الحسن البصري لم يسمع من عمران ، وكذلك عن سمرة بن جندب ، يرويه عنه الحسن البصري وهو لم يسمع منه هذا الحديث، وإن كان الصحيح أن الحسن البصري سمع من سمرة حديث العقيقة وبعض الأحاديث، إلا أن هذا الحديث تكلم فيه أهل العلم، وقالوا: إن الحسن لم يسمعه من سمرة ، وكذلك في سنده بعض الكلام، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

    فالراجح كما قال أبو العباس بن تيمية : أنه لم يثبت حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في سكوت الإمام لأجل أن يقرأ المأموم الفاتحة، وعليه فسكوت الإمام الطويل في هذا ليس من السنة، والله أعلم.

    وأيضاً ليس من السنة إذا قال الإمام: وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]. آمين، أن يشرع في القراءة مباشرة، بل يسكت بحيث يرتد إليه نفسه كما هو الظاهر من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حكم قراءة الفاتحة في الصلاة

    الشيخ: إذا ثبت هذا أيها الإخوة! فإن الإمام إذا قرأ دعاء الاستفتاح فإنه يشرع له أن يقرأ الفاتحة، وهذه القراءة ركن في حق الإمام والمنفرد، وهل هي ركن في كل ركعة أم في ركعة واحدة أم ليست بركن؟

    ذهب عامة أهل العلم إلى أنه يجب على الإمام أن يقرأ الفاتحة، خلافاً لـأبي حنيفة في قول عنده، فإنه قال: إن ذلك على سبيل الاستحباب؛ لأن الله يقول: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ [المزمل:20].

    قال: وأما الحديث الوارد: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )، فإن هذا يعد نسخاً للآية, فأبو حنيفة يرى أن تقييد ظاهر القرآن بأحاديث الآحاد نسخ، والمتواتر لا ينسخه إلا متواتر مثله، هذه قاعدة عند أبي حنيفة رحمه الله، وغفر الله لنا وله، ولأجل هذا يرى أن تقرأ ما شئت، فإن ذلك يصح.

    ويوجد قول عند الحنفية: أنه لو قرأ الفاتحة مرة واحدة في أي ركعة جاز.

    والذي يظهر والله أعلم أن الواجب أن يقرأ الفاتحة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )، وهذا الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, وجاء عند الإمام أحمد وغيره من حديث عبادة بن الصامت ، وبعضهم يضعفه، ولكن الأقرب أن الحديث حسن كما رجحه البخاري و البيهقي وغيرهما، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

    إذا ثبت أن قراءة الفاتحة واجبة فإن أهل العلم اختلفوا: هل هي واجبة في كل ركعة أم مرة واحدة؟ والظاهر هو مذهب الجمهور من المالكية والحنابلة والشافعية أنه يقرؤها في كل ركعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )، والركعة الواحدة تعد صلاة, بدليل صلاة الوتر. فيجب على الإمام والمنفرد أن يقرأا الفاتحة في كل ركعة، وهي ركن على الراجح من أقوال أهل العلم كما مر معنا.

    1.   

    خاتمة البرنامج

    لعلنا نكتفي بهذا, ونكمل في حلقة أخرى مسائل الفاتحة في تشديداتها وغير ذلك.

    وفي هذا كفاية إن شاء الله وغنية، واستسمحكم العذر أيها الإخوة! فإن الوقت قد داهمنا، وإن شاء الله سوف نكمل مسائل هذا الباب في حلقات قادمة.

    وإلى ذلكم الحين نستودعكم الله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010250466

    عدد مرات الحفظ

    721902749