إسلام ويب

شرح قواعد الأصول ومعاقد الفصول [3]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع هو ما يسمى: بالحكم، ويمكن فهمه إما نطقاً، أو استنباطاً، وأركان الحكم ثلاثة: الحكم، والمحكوم فيه، والمحكوم عليه؛ وهو المكلف الذي توفر فيه شرطان: البلوغ والعقل. ومن أقسام الأحكام التكليفية: الواجب، وله أقسام بعدة اعتبارات هي: الواجب من حيث الفعل، ومن حيث وقت الأداء، ومن حيث الفاعل.

    1.   

    الحكم ولوازمه

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه! وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه! ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، وبعد:

    تعريف الحكم

    أحبتي الكرام! وصلنا إلى قول المؤلف في تعريف الحكم: [ أنه قضاء الشارع على المعلوم بأمر ما نطقاً أو استنباطاً ]، والمؤلف حينما قال: (قضاء الشارع)، قلنا: إن المؤلف إنما قال: (قضاء الشارع)، رداً على جمهور الأصوليين الذي عرفوه بأنه: خطاب الشارع، وقلنا: إنه لا مشاحة بين أن يقال: خطاب الشارع أو قضاء الشارع، وما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما: أن الحكم غير الخطاب، فالحكم أثر الخطاب وليس هو الخطاب، فإذا قال الله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43]، فهذا خطاب من الله، لكن ليس حكماً، فالحكم أثر هذا الخطاب الذي هو الأمر به، والذي يقول فيه المؤلف: قضاء الشارع، وقلنا: إن أفضل تعريف هو: خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وإن شئت قل: مقتضى خطاب الشارع، فيكون التعريف تعريفاً جامعاً مانعاً.

    طريقة فهم الحكم من خطاب الشارع

    وقول المؤلف: (نطقاً أو استنباطاً)، يعني: أن دلالة اللفظ في خطاب الشارع، إما أن يفهم الحكم نطقاً، يعني: صراحة كما يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]، هذا نطق، ولا يتطرق إليه احتمال، أو يفهم استنباطاً مثل: قول الصحابة: ( يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في حلال ). فهذا استنباط.

    خذ مثالاً آخر: ما جاء عند أهل السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وفي الغنم في سائمتها )، مفهوم المخالفة أن ليس في الغنم غير السائمة زكاة، فهذا يسمى استنباطاً، وهو من الحكم.

    أركان الحكم والمقصود بالشارع

    المؤلف يقول: [ والحاكم هو الله ]، المؤلف قال في أول أمره: [ في الحكم ولوازمه ]، ولوازم الحكم هي أركانه؛ أي: أركان الحكم، وأركان الحكم ثلاثة: الحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم فيه. فالحاكم يقول المؤلف: [ هو الله سبحانه لا حاكم سواه، والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ ومبين لما حكم الله ]، كما قال تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، وقال تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية:21]، وقال تعالى: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [الشورى:48].

    وذكرنا سابقاً أن إطلاق الشارع يراد به الله سبحانه وتعالى، وبعض الأصوليين يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الشارع، وقلنا: لا مشاحة في ذلك؛ لأن مقصود: أن الرسول صلى الله عليه وسلم شارع هو في معنى التبليغ عنه، كما قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، هذا دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم في معنى الشارع، ومثله قوله: ( ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه )، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقبل قوله، وكما قال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا [النساء:105]، وهذا مثل جبرائيل حينما قال عنه في القرآن إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:40].

    1.   

    المكلف وشروط التكليف

    يقول المؤلف: [والمحكوم عليه]، المحكوم عليه هو: الإنسان المكلف، والمكلف هو من توفرت فيه شروط التكليف، وشروط التكليف هي: البلوغ، والعقل. والتكليف معناه: طلب الفعل أو الترك، أو التخيير بينهما؛ وطلب الفعل سواءً كان جازماً فيه أو غير جازم، فإن كان جازماً فيكون واجباً، وإن كان غير جازم فيكون مستحباً. والترك إما أن يكون جازماً فيكون محرماً، أو غير جازم فيكون مكروهاً هذا بالنسبة لطلب الفعل أو الترك.

    أو التخيير بينهما، وهل التخيير من الأحكام التكليفية؟ في هذه المسألة بحث أصولي طويل، لكننا نقول: الأقرب والله أعلم: أنه من الأحكام التكليفية؛ لأن الشارع قال: ( وسكت عن أشياء فهو عفو فلا تسألوا عنها )، فهذا يدل على أن وجود هذا الأمر في لسان الشارع دليل على مشروعيته، والمشروع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: الواجب، القسم الثاني: المستحب، القسم الثالث: الجائز المشروع، ومعنى الجائز هنا الذي أجازه الشارع، أو وجد وقت التنزيل ولم يأت ما يمنعه أو يستحبه، مثل: النقاب، فالنقاب مشروع؛ لكن المشروعية هنا من باب الجواز، حتى لو كان الجواز تركه أولى، فهذا يسمى من الجائز غير المشروع.

    مثال: الصحابي الذي كان في كل صلاة يقرأ بعد الفاتحة وسورة أخرى، ثم سورة الإخلاص، فذكر الصحابة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( سلوه لم يحبها؟ قال: إنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها، قال: إن حبك إياها أدخلك الجنة )، ومعلوم أن الصحابة لم يفعلوا مثل فعله، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يمنعه، فعدم منع الرسول صلى الله عليه وسلم له يكون جائزاً، وترك الرسول صلى الله عليه وسلم له يكون تركه أفضل فيكون غير مشروع.

    ومثل ذلك: صلاة الجنازة على الغائب، فالرسول صلى الله عليه وسلم صلى على الغائب، على النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وترك وداوم على الترك، فتكون المداومة على الترك مشروعة، وفعله مرة يسمى جائزاً غير مشروع، وعلى هذا: فلو طلب من الإمام أن يصلي صلاة الغائب فله أن فيفعل ولا يقال: إنها بدعة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يفعل البدعة بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام.

    وهذا الباب أشار إليه ابن تيمية في المجلد الثاني من مجموع الفتاوى، والأمثلة فيه كثيرة، مثل: صيام يوم عرفة في عرفة، فلم يرد فيه نهي صحيح، وحديث: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفة )، هذا حديث رواه مهدي الهجري عن أبي هريرة وهو ضعيف؛ مهدي الهجري ضعيف، والرسول صلى الله عليه وسلم أفطر، ففطره فعل، ولو صام كما فعل بعض الصحابة -كما فعل عمر وغيره- نقول: هو جائز، ولكن المشروع عدم الصيام، فيكون الصيام جائزاً غير مشروع، هذا ما يتعلق بالتكليف.

    ومن شروط التكليف: البلوغ، والبلوغ له أمارات: منها ما هو مجمع عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، فالمجمع عليه واحد: وهو الاحتلام للرجل والمرأة، والحيض للمرأة أمر مجمع عليه. الأمر الثاني: إنبات الشعر الخشن حول قبل الرجل والمرأة، وهذا مختلف فيه، ولكن الأقرب والله أعلم: أنه علامة من علامات البلوغ؛ لما جاء عند أهل السنن: (أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما حكم في بني قريظة أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذريتهم قال عروة القرظي من بني قريظة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يكشف على عوراتنا، فمن أنبت منا قتله، ومن لم ينبت لم يقتله)، فدل ذلك على أن من أنبت دخل في حكم المقاتلة؛ وهم الذين بلغوا، وهذا أقرب، والله أعلم.

    وأما مسألة خمس عشرة سنة، فهذا قول الحنابلة والشافعية، وذهب أبو حنيفة إلى ثمان عشرة سنة، وهو قول لبعض أهل الظاهر، وقال ابن عمر : ( عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة سنة؛ فلم يجزني، ثم عرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة سنة؛ فأجازني )، قال عمر بن عبد العزيز : يصلح هذا أن يكون حداً بين الكبير والصغير، وهذا اجتهاد من عمر بن عبد العزيز ، والأقرب: هما العلامتان السابق ذكرهما.

    وعليه: فالصغير غير مكلف، فلا يعاقب، ولكن لو عمل فإنه يثاب على عمله، حتى إن الصبي المسلم لو ارتد، قال العلماء: إنه إذا بلغ استتيب ثلاثاً فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه يمكن أن تكون الردة من الصبي.

    أما العقل فقد اتفق العلماء أيضاً على أنه شرط للتكليف، والبلوغ والعقل دليله: ما رواه أبو داود و الترمذي من حديث علي بن أبي طالب : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ ).

    1.   

    الواجب وأقسامه

    يقول المؤلف: [ والأحكام قسمان: تكليفية وهي خمسة ].

    الأحكام التكليفية هذا القسم الأول. وأحكام وضعية وهي القسم الثاني. تكليفية تكون متعلقة بأفعال المكلفين، ووضعية لا علاقة بوجودها في أفعال المكلفين، والوضعية كالشرط، والسبب، والصحة، والفساد، والرخصة، والعزيمة، فهذه في غير مقدور المكلف -كما سوف يأتي بيانه- فدخول الوقت، واستقبال القبلة في الصلاة لستا من فعل المكلف، لكنها جعلت أمارات، متى وجدت ثبت الحكم التكليفي، وهو وجوب الصلاة.‏

    تعريف الواجب

    يقول المؤلف: [ وهي خمسة: واجب يقتضي الثواب على الفعل، والعقاب على الترك ].

    المؤلف يلحظ المتأمل لاختياراته أنه لا يعتمد اختيار بعض الأقوال التي قل فيها النقد والاعتراض عليها، هو لا يهتم، متى ما كان النقد والاعتراض قوياً عمل به، مثلما قلنا في خطاب الشارع، حيث قال: (قضاء الشارع)، أما إذا كان يسيراً، أو مبنياً على أصل، مثل قول الأصوليين: إن الدليل إنما هو في الأمر القطعي، ولا يقال في أصول الفقه دليل؛ لأنه يدخله الاستحسان والقياس وهو مختلف فيه، ولهذا قالوا: طرق الفقه الإجمالية لا يعول عليها، وليس بخاف عليه الإيراد.

    ولهذا قال: [ تكليفية وهي خمسة ]، ثم ذكر الواجب وعرفه بحكمه؛ يثاب فاعله ويعاقب تاركه، وهو يعلم الإيرادات الحاصلة هنا، ولكنه رحمه الله أراد أن يعطي طالب العلم تصوراً للمسألة، إذ أن التصور بالمثال أقرب من التصور بالماهية، مثال ذلك: واحد جاء يدرس العربية، فقلت: فلان نائم، قال: ما معنى نائم؟ فأشرت له إلى شخص من الحضور نائم فقلت: نائم، فهنا عرف ما معنى النوم هذا تعريف بالمثال؛ لكن لو قال: ما النوم؟ فقلت له: سلطان يعتري المرء، متى ما هجم عليه أقفل جفونه، واسترخى عضلاته، حتى إنه لا يستطيع أن يقاوم جسده، لقال: لو أنه ما فسره لكان أولى، ولهذا أحياناً تعريف الماهية يصعب فهمها، ولهذا قال بعضهم: إن عدم تعريف الضحك والنوم أولى من تعريفه. ومثل قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، فلم يجب الشارع عن الروح؛ لأن فيها من الماهية التي يصعب بيانها، ويكفي حضور الإنسان ومعرفته إخراج روحه.

    فالمؤلف قال: [واجب يقتضي الثواب على الفعل، والعقاب على الترك]، هناك إيرادات على تعريف المؤلف منها: قالوا: إن قوله: (والعقاب على الترك)، الأولى أن يقول المؤلف: واستحقاق العقاب؛ لأن من الواجبات ما لا يلزم من تركه العقاب، قلنا لهم: مثل ماذا؟ قالوا: مثل ترك بر الوالدين، فهو ذنب وترك واجب؛ لكن ليس فيه عقاب، قلنا: العقوبة تنقسم إلى قسمين -هذا الرد عليهم-:

    عقوبة مقدرة، وعقوبة مفوضة -يعني: غير مقدرة- فالمقدرة يصح عليها اعتراضكم؛ لكن المؤلف لم يرد العقوبة المقدرة هنا، إنما أراد العقوبة الغير مقدرة، فلو أن والداً ذهب إلى القاضي فقال: إن ولدي يعقني؛ جاز للقاضي أن يعزر الابن؛ لأن التعزير هو التأديب على معصية غير مقدرة في الشرع.

    ثانياً: إن المؤلف حينما قال: [ يقتضي الثواب على الفعل، والعقاب على الترك ]، لم يقصد العقاب الدنيوي؛ بدليل أنه أحياناً يفعل الواجب فيثاب، لكن ليس ثواباً دنيوياً، فالمقصود من العقاب والثواب الأخروي، وهذا أولى، فالمؤلف رحمه الله ذكر تعريفاً بالمثال، وبعضهم عرفه -وهو أحسن التعاريف للواجب- بأنه: ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً، فيخرج ما كان طلباً غير جازم، ومن الأمثلة على ذلك: قال عليه الصلاة والسلام: ( هلّا أخذتم إهابها فدبغتموه )، قوله: (هلّا)، هذا طلب من الشارع، لكنه طلب غير جازم؛ فليس بواجب. مثال آخر: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [المائدة:2]، الأمر هنا طلب لكن ليس جازماً؛ لأن الأمر هنا بعد الحظر؛ فيعود إلى ما كان عليه قبل الحظر.

    ومثله أيضاً: ( إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه )، طلب غير جازم؛ لأنه علل العلة فقال: ( فإن في أحد جناحيه داء ).

    أقسام الواجب من حيث المطلوب فعله

    يقول المؤلف: [وينقسم من حيث الفعل إلى معين]، يعني: الواجب من حيثيات، القسم الأول: من حيث طلب فعله؛ أو من حيث المطلوب فهو ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: معين، والقسم الثاني: مبهم، يعني: غير معين، المعين: عرفه المؤلف بقوله: [ لا يقوم غيره مقامه كالصلاة والصوم ونحوهما ]، مثاله: في رمضان يقول الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، فالصيام معين، فلو جاء واحد يقول: الله يقول: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، فأنا والله لو صمت ما سأتقي الله؛ لكن لو أنام ولا تكون نفسي ضائقة البال، ولو آكل فسأكثر من قراءة القرآن والصلاة، ويقع في قلبي من التقوى والخشوع ما لا يقع في الصيام، نقول: لا؛ لأن الصيام هنا لا يقوم غيره مقامه؛ فهو معين، ومثله لو جاء وقت الصلاة؛ فيجب أن تصلي، لذلك قال أبو بكر لـعمر وهو محتضر: واعلم يا عمر ! أن لله حقاً في الليل لا يقبله في النهار، وحقاً في النهار لا يقبله في الليل، فهذا معنى المعين. والمعين معناه: أن الشارع لم يجعل للعبد اختياراً في تعيين الواجب؛ فلم يجعل التعيين في اختيار المكلف.

    القسم الثاني: المبهم، يعني: غير معين، والمؤلف لم يذكر إلا صورة واحدة، قال: [ وإلى مبهم في أقسام محصورة يجزئ واحد منها كخصال الكفارة ]، لكن الأقرب أن نقول: ومبهم: إما في أقسام محصورة، وإما في غيرها.

    فمثلاً: صلة الأرحام واجب مبهم. إما أن تصلهم بالزيارة، وإما أن تصلهم بالمال، وإما بالكلام، وإما بحفظهم والدعاء لهم، وأن تكون ردءاً لهم، فهذا مبهم، ولكنه غير محصور.

    فالقسم الثاني: مبهم في أجزاء محصورة، مثل قوله تعالى في فدية الأذى: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196]، (أو) هنا للتخيير، فوجود (أو) لا تدل على أني لا يلزمني أن أفعل هذا؛ لأن الله يقول: فَفِدْيَةٌ [البقرة:196]، يعني: يجب أن تفعل الفدية، ولكن هذه الفدية مبهمة محصورة بثلاثة أمور: صيام، صدقة، نسك؛ صيام ثلاثة أيام، أو تطعم ستة مساكين -لكل مسكين نصف صاع- أو أن تذبح شاة.

    والواجب الغير محصور مثل صلة الرحم. وهذه الأجزاء أو التقسيمات إنما وضعت لتدريب طالب العلم على تقسيمه للمسائل، وتبسيط العلم له.

    أقسام الواجب من حيث وقت أدائه

    القسم الثاني من أقسام الواجب [ومن حيث الوقت]، وقت أداء الواجب، فهو ينقسم إلى قسمين: يقول المؤلف: [ إلى مضيق ]، ومعنى مضيق: أن العبد لا يجد سعةً يؤخر فيها الفعل الذي قدره الله سبحانه وتعالى؛ يعني: ضيق على العبد بوقت يجب عليه أن يفعل الذي قدر من الشارع فعله فيه.

    يقول المؤلف في تعريفه: [وهو ما تعين له وقت لا يزيد على فعله، كصوم رمضان]، فصوم رمضان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يجب أن تعبد الله بالصيام في هذا الوقت، فهو واجب مضيق. بخلاف الصلوات الخمس فليست واجباً مضيقاً، ومثله: زكاة الفطر ليست واجباً مضيقاً؛ لأنه يجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين؛ لكن قد تكون واجباً مضيقاً إذا كانت زكاة الفطر بعد الفجر وقبل الصلاة في حال الخروج قبل قيام الإمام؛ هذا ربما يكون فيه نوع من عدم التصور؛ لكن من الأمثلة على ذلك: حضور صلاة الجمعة، إذا كان في البلد جمعة واحدة، فحضرت صلاة الجمعة، والإمام الآن يصلي كبر، فالآن يجب عليك أن تصلي صلاة الجمعة؛ لأنه واجب مضيق، ولو كان عليك صلاة الفجر مثلاً لم تصلها؛ فنقول: قدم صلاة الجمعة؛ لأنه واجب مضيق.

    ومثله: ما لو أخر الإنسان الصلاة، حتى ما بقي على خروج وقتها إلا بمقدار الأركان التي هي فيها، فلو أخر صلاة العصر حتى بقي أربع ركعات، فيكون هذا واجباً مضيقاً في حق العبد، ومثل ذلك: الترتيب واجب في الصلاة، فشخص نام الساعة الحادية عشرة ضحى، ولم يستفق من نومه إلا قبل خروج وقت العصر بمقدار ما يتوضأ ويصلي أربع ركعات، فيقدم العصر؛ لأن صلاة العصر واجب مضيق؛ لأنه لو صلى الظهر لصلى الظهر والعصر في غير وقتها، فلو صلى العصر لصلاها في وقتها، والظهر يصليها بعد ذلك.

    يقول المؤلف: [وإلى موسع وهو ما كان وقته المعين يزيد على فعله كصوم رمضان].

    الله سبحانه وتعالى حينما أمرك أن تفعل عبادة، مثل: زكاة الفطر، فلك أن تفعلها من غروب الشمس ليلة الثامن والعشرين، والتاسع والعشرين، وليلة الثلاثين إن تم الهلال، وصبيحة ثلاثين، وليلة العيد إلى قبيل صلاة العيد من يوم العيد، فهذا واجب موسع.

    كذلك الصلاة: إذا أذن المؤذن للصلاة، فأداء الصلاة موسع؛ لأن وقت أدائها موسع؛ لكن وقت وجوبها عليك على قول الحنابلة والشافعية: من حين الدخول، فوقت الأداء غير وقت الوجوب، فيوجد فرق: وقت الأداء غير وقت الوجوب. مثال: شخص فقير ولم يحج، وقبل أن يموت بخمس دقائق جاءه إرث؛ فملك خمسين ألف ريال ثم مات، فلا يستطيع أن يؤدي العبادة، لكن وقت الوجوب ثبت في حقه، فهو واجب عليه أن يخرج من تركته للحج، لكنه ما يجب عليه أن يؤدي العبادة وهو مريض.

    يقول المؤلف: [ فهو مخير ]، يعني: في الموسع، [ في الإتيان به في أحد أجزائه ]، هذا قول جمهور الفقهاء خلافاً لبعض الأحناف، فإنهم قالوا: يجب عليها أن يؤديها في آخر الوقت، وأول الوقت ليس وقت وجوب، والصحيح: أنه مخير في أن يؤديها في أي وقت، ولكن قول المؤلف: [ هو مخير في الإتيان به ] يعني: في العبادة بأحد أجزائه، وإن كان بعض الوقت أفضل من بعض بدليل خارجي، فصلاة الظهر مثلاً في الصيف مخير العبد أن يفعلها من أذان الظهر إلى قبل أذان العصر، لكن الأفضل في وقت اشتداد الحر أن يبرد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( إن شدة الحر من فيح جهنم )، والمراد من قول المؤلف: (مخير)، يعني: مخير في عدم الوجوب، وإن كان الأفضل أن يؤديها أي الظهر في آخر وقتها إذا كان في وقت حر، وفي غير الظهر يصليها في أول وقتها.

    ما الذي نستفيده من الواجب الموسع؟

    يقول المؤلف: [ فلو أخر ومات قبل ضيق الوقت لم يعص؛ لجواز التأخير، بخلاف ما بعده ]، مثل: شباب قاعدين، والمسجد يبعد عنهم كيلو مثلاً، فلا يلزمهم الصلاة في المسجد إذا كانوا في بيت ولا يسمعون النداء، فقالوا: خلينا نصلي الظهر، قالوا: انتظروا نتناقش، فجلسوا حتى قريب العصر، يعني: قبل أذان العصر بنصف ساعة، فمات أحدهم بسكتة قلبية، نقول: لا يأثم؛ لأن تأخيره هنا من غير عزم على الترك؛ لأنه مات -لكن العلماء قالوا: إلا أن يكون رجلاً يغلب على ظنه أنه سوف يموت، مثل: من حكم عليه بالقصاص- فلو أخر ومات قبل ضيق الوقت؛ لم يعص، قال: لجواز التأخير؛ لأنه واجب موسع.

    أقسام الواجب من حيث المخاطب

    المؤلف يقول: [ ومن حيث الفاعل إلى فرض غيره، وهو ما لا تدخله النيابة مع القدرة وعدم الحاجة ]، يعني: القسم الثالث ينقسم الواجب من حيث المخاطبين به -يعني: الفاعلين- إلى قسمين: إما أن يكون واجباً معيناً على الفاعل، وإما أن يكون غير معين على الفاعل، والمعين على الفاعل يسمى: الواجب العيني، والغير معين المقصود به وجود الفعل، ويسمى واجباً كفائياً.

    فالمعين: الذي يجب على العبد فعله، ولا تدخله النيابة مع القدرة على الأداء، مثل: شخص مليء وقادر بماله وبدنه ولم يحج، قال: والله يا أخي! ما أنا بحاج، أريد أن أعطي عشرة يحجون عني، لا يصح؛ لأنه واجب بعينه، يجب أن تفعله، فلا تدخله النيابة مع القدرة، لكنه لو كان مريضاً ولا يستطيع أن يركب السيارة، ولا يزاحم ونحوه؛ فإنه يجوز له أن ينيب غيره؛ لأنه حينئذ أصبح عاجزاً.

    قال المؤلف: [ كالعبادات الخمس ]، العبادات الخمس واجبة وجوباً عينياً.

    قال المؤلف: [ وفرض كفاية وهو: ما يسقطه فعل البعض مع القدرة وعدم الحاجة ]، يعني: أننا ننظر في الفرض الكفائي إلى أصل الفعل متى وجد الفعل فالحمد لله، وإذا لم يوجد الفعل؛ صار واجباً على العباد فعله، مثَّل المؤلف هنا في الفرض الكفائي فقال: [ كالعيد ]، والعيد عند الجمهور واجب وجوباً كفائياً، والقول الثاني في المسألة: أن صلاة العيد مستحبة، وهي رواية عند الإمام أحمد ، والقول الثالث: وهو رواية عند الإمام أحمد اختارها أبو العباس بن تيمية : أن صلاة العيد واجبة وجوباً عينياً؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث جرير : ( من استقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وذبح ذبيحتنا؛ فهو المسلم )، قالوا: والصلاة هنا هي صلاة العيد، وقالوا: ( إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الحيض وذوات الخدور اللاتي لم يكن يعتدن الخروج بالخروج )؛ فدل ذلك على أن من اعتاد الخروج أنه يجب عليه الخروج.

    قال: [ والجنازة ] صلاة الجنارة، كما جاء أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( صلوا على صاحبكم )، فمتى وجد من يقوم به فيكفي؛ لأن القصد: الصلاة على الجنازة، وليس أن تصلوا، ومثل: ( حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته؛ فسلم عليه )، فهذا السلام فرض كفائي، فإذا لم يوجد أحد يسلم عليه إلا أنت وجب عليك فرض عين؛ لكن لو كان هناك مجموعة فسلم عليهم واحد فيكفي.

    المؤلف يقول: [ والغرض منه ]، يعني: من الواجب الكفائي، [ وجود الفعل في الجملة ]، وعلى هذا صار الجهاد في سبيل الله واجباً وجوباً كفائياً؛ لأن القصد وجد، وما يحصل من نقص ليس نقصاً في الأجساد، إنما هو نقص في المال أو الإعانة المادية أو الإعلامية.

    يقول المؤلف: [فلو تركه الكل أثموا لفوات الغرض]، هذا قول عند العلماء: أن الواجب الكفائي إذا لم يفعل أثم الجميع، والقول الثاني في المسألة: أنه لا يأثم إلا من توافر فيه أمران: من علم بترك الفعل، مثل: شخص مريض ولم تعلم به ولا أحد زاره، هل تأثم وأنت ما علمت؟ لا، لا بد من شرط العلم بالواجب. الثاني: ألا يكون معذوراً في الترك؛ لأن الله يقول سبحانه: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ [التوبة:91].

    فبين أن الذين لا يجدون ليس عليهم حرج، ومثل قوله تعالى: غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95]، في الجهاد، فبين أن أولي الضرر معذورون معفو عنهم، حتى لو ترك القادرون الفعل؛ فإن الذي يأثم من توافر فيه شرطان: شرط العلم، وشرط القدرة على الأداء، وعلى هذا فقول المؤلف: (أثموا)، محل نظر، والأقرب أن نقول: أثم من كان عالماً بالفعل، قادراً عليه، مثل: مريض ويوجد أطباء، ويوجد طلاب علم، ويوجد عوام، هذا المريض أزف على الموت، فهل يجب على طلاب العلم أن يعالجوه بحضور الأطباء؟ نقول: لا، يجب على الطبيب أن يعالجه، ويجب على طالب العلم أن يحضه، ويجب على التجار أن يساندوا بالمال، فصار وجوب هؤلاء الكفائي متنوعاً؛ هذا بعمله، وهذا بدعوته، وهذا بماله.

    ولهذا وجود العنوسة، ووجود البطالة في المجتمع، ربما يأثم الجميع فيها كل بحسبه، فالذي يغالي في أسعار تجهيز العريسين ليعود على العريسين بالضرر، ربما يتحمل خلل وجود العنوسة، والذي يبالغ في الإيجار على العريسين ممن كان غير قادر، ربما يتحمل شيئاً من ذلك، ولو تكاتفت الجهود، وعلم كل أنه مسؤول عن هذا الأمر لصلح الحال، واطمأن البال، وكثر الأولاد، وارتفع صيت وكعب الإسلام.

    الآن انتهى المؤلف من تقسيمات الواجب الثلاثة.

    ما لا يتم الواجب إلا به وأقسامه

    ثم شرع رحمه الله إلى مسألة أصولية؛ قال: [ وما لا يتم الواجب إلا به ]، يعني: أن هذا الواجب لا يتم إلا بأمرين: يقول المؤلف: [ إما غير مقدور للمكلف، كالقدرة واليد في الكتابة ].

    مثال ذلك: العبد أحياناً يكون غير قادر على المشي إلى الحج، وليس عنده ما يحمله إلى الحج، فيكون غير واجب عليه أن يحج؛ لأنه غير قادر على الركوب، فليس عنده ما يسميه الفقهاء الاستطاعة، ليس عنده الزاد والراحلة، لكنه لو كان من جيران الحرم ويستطيع أن يمشي في الحج وجب عليه أن يحج؛ فلهذا قالوا: إما أن يكون ما لا يتم الواجب إلا به: غير مقدور، أو مقدوراً.

    المؤلف هنا جعل غير المقدور: إما أن يكون سعياً إلى أداء العبادة، وإما أن يكون بذات الإنسان، مثال: لو أن شخصاً يريد أن يحج، ولكنه يخاف من قطاع الطريق، هذه القدرة ليست متعلقة بذاته، بل القدرة في أمر خارج وهو أمن الطريق، فهو يقول: أمن الطريق غير مقدور عليه، فالمؤلف قال: [ كالقدرة واليد في الكتابة ]، أي: كتابة القلم، ما يستطيع إنسان أن يكتب إلا باليد، ولكننا الآن وجدنا ورأينا من يكتب برجله، ولكن المؤلف ذكر هذا على سبيل الغالب.

    قال: [ واستكمال عدد الجمعة فلا حكم له ]، مثال ذلك: قرية شخص وعمه وولد عمه يبلغون من العدد -على القول بأن عدد الجمعة الواجب أربعون- ثلاثين، فلا يجب أن نقول للقرية الثانية: تعالوا معنا، أنتم مائة تعالوا فاسكنوا عندنا حتى نكون أربعين، فاستكمال العدد لا يجب، فهو غير مقدور عليه، لكنهم لو أنجبوا حتى بلغ عددهم أربعين؛ وجب عليهم صلاة الجمعة.

    يقول المؤلف: [ وإما مقدور، كالسعي إلى الجمعة، وصوم جزء من الليل، وغسل جزء من الرأس ، فهو واجب؛ لتوقف التمام عليه ]، يقول المؤلف هنا: ما لا يتم الواجب إلا به، إما أن يكون قادراً على فعله، أو يكون غير قادر على فعله، فإن كان غير قادر على فعله؛ فإنه غير مكلف، مثل: شخص غرق في الماء، هذا الرجل يجيد السباحة، لكنه موثوق لا يستطيع أن ينقذه، فنقول: إنقاذ الغريق هذا لا بد له من واحد يحسن السباحة، وأنت تحسن السباحة، لكنك غير قادر لوجود الوثاق، فأنت غير واجب عليك، هذا يسمى: غير مقدور.

    أما ما كان قادراً عليه فنقول: يجب عليك أن تمسح الرأس، ومسح الرأس يتضمن جزءاً منه؛ فيجب عليك أن تمسحه، قال: [ وغسل جزء من الرأس ]، وهذا بناءً على أن مسح جزء من الرأس كاف في الوجوب، والقول الثاني وهو قول مالك و أحمد : أنه يجب تعميم الرأس.

    1.   

    ما لا يتم ترك الحرام إلا به

    يقول المؤلف: [ فلو اشتبهت أخته بأجنبية، أو ميتة بمذكاة؛ وجب الكف تحرجاً عن مواقعة الحرام، فلو وطئ واحدة أو أكل فصادف المباح لم يكن مواقعاً للحرام باطناً، لكن ظاهراً لفعل ما ليس له ].

    لا يجوز أن يعقد الأخ على الأخت وإنما يجوز أن يعقد على الأجنبية، لكن لو اشتبهت عليه أخته بأجنبية، فلا يجوز له أن يعقد حتى يأتي طرف مرجح خارجي، حتى لو قال: أريد أن أعقد ولا أستمتع؛ لأن وجود العقد ابتداءً على الأخت حرام، وقل مثل ذلك في الميتة والمذكاة؛ لأنه لا يتم الواجب -وهو ترك الأكل من الميتة- إلا بترك الطرفين كليهما: الميتة والمذكاة، فحينئذ نقول: يجب أن تترك الميتة والمذكاة.

    إذن: المؤلف رحمه الله يقول: [ فمن اشتبهت أخته بأجنبية، أو ميتة بمذكاة وجب الكف ]؛ أي: وجب عليه أن يتركهما جمعياً؛ لأن ترك الأخت لا يتم إلا بترك الأجنبية التي لا يعلم أيهما، ولو فعل وعقد على إحداهما، أو أكل من إحدى الطرفين الميتة أو المذكاة، فوقع الأكل على المباح، التي هي المذكاة، قال العلماء رحمهم الله: لم يكن مواقعاً للحرام، ولكنه يأثم حين لم يقتد بالمأمور وهو الترك مطلقاً، ولهذا جاء في الأثر: ( من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ ولو أصاب )؛ لأن اجتهاده من غير علم يعد خطأً، فتفسيره الذي أصاب فيه يعد درباً من الخطأ، وإن كان أصل التفسير صحيحاً.

    1.   

    الأسئلة

    هناك بعض الأسئلة عن الدرس.

    تعقب قول المؤلف في تعريف الواجب: والعقاب على الترك

    السؤال: هل ممكن أن تعيدوا تعقبنا على من قال: والأولى أن يقول المؤلف: ويستحق العقاب على الترك؟

    الجواب: بعض العلماء -كما في شرح الكوكب المنير لـابن النجار - تعقبوا على من قال: [ والعقاب على الترك ]، قالوا: الأولى أن يقال: واستحقاق العقاب على الترك، يعني: المستحق للعقاب، ولو لم يوجد عقاب، كأنهم قالوا: إن ترك الإنسان هذا الأمر؛ فهو مستحق للعقاب، فيما لو كان ثمة عقاب، أما أن يقول: والعقاب على الترك، وليس ثمة عقاب، قالوا: فهذا مدخل على هذا التعريف.

    لكن نقول: إن قول المؤلف: [ والعقاب على الترك ]، من قال لكم: إن ترك بر الوالدين -كما مثلوا- ليس فيه عقاب؟ بل فيه عقاب، ولكن العقوبات تنقسم إلى قسمين:

    الأول: مقدرة كالحدود، وغير مقدرة وهي المفوضة والتي فيها التعزير، هذا واحد.

    المعنى الثاني: أن قوله: [ والعقاب على الترك ]، لا يلزم فيه أن يكون العقاب الدنيوي، بل هو العقاب الأخروي، بدليل أن الثواب على الواجب في الغالب لا يكون إلا ثواباً أخروياً، لكن حينما نقول: فلان يعاقب، إن لم يعاقب فهذا فضل من الله، فمثلاً: الآن لو قتل شخص يعاقب؛ لكن كون الورثة يعفون؛ لا يعني أنه لا يعاقب، فكون القول استحقاقاً ليدخل الأمرين، نقول: لا مشاحة؛ لكن يجوز أن يكون العقاب ويقصد به الأمر الأخروي، أو كما قلنا: إن العقوبة إما مقدرة أو غير مقدرة.

    الفرق بين وقت وجوب الصلاة ووقت أدائها

    السؤال: كيف يكون الفرق في وقت الصلاة من حيث الوجوب ومن حيث الأداء؟

    الجواب: ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالآن الصلاة لا تجب إلا بدخول الوقت، ودخول الوقت وجوب للصلاة فنقول: ما لا يتم الوجوب -الذي هو دخول الوقت- إلا به فليس بواجب؛ لأن دخول الوقت ليس من المكلف، إنما هو من الشارع، الذي هو خطاب الوضع، لكن ما لا يتم الواجب إلا به فيكون واجباً، إذا كانت مناداة الناس للصلاة لا يعلمون إلا بالأذان، فيجب على الناس أن يؤذنوا للصلاة، هذا وقت الصلاة، وقت الصلاة: وجوب دخول الوقت، أما الأداء فيجب على الإنسان أن يؤديها بعد دخول الوقت.

    فدخول الوقت وجوب، وأداؤها بعد دخول الوقت واجب، وهذا هو الفرق.

    اشتراط العزم على فعل الصلاة لمن أخرها قبل ضيق الوقت

    السؤال: إذا أخر وقت الصلاة قبل ضيق الوقت ومات، لم يعد عاصياً، السؤال: هل نشترط أن يكون عازماً على الفعل؟

    الجواب: الأولى أن نقول: بشرط ألا يكون عازماً على الترك؛ لكن إن كان عازماً على الفعل فإنه يثاب على هذه النية، والله أعلم.

    1.   

    توضيح تقسيم ما لا يتم الواجب إلا به

    السؤال: لم نفهم مسألة: ما لا يتم الواجب إلا به، كيف قسمه: إلى مقدور وغير مقدور؟

    الجواب: الآن يا إخوان! الصلاة واجبة، ولا تتم الصلاة إلا بالقيام والركوع، ولدينا شخص ما يستطع أن يركع ولا يقوم، هل ركوعه وقيامه واجب عليه؟ نقول: غير مقدور عليه، فلا يجب عليه، هذا المراد من قول المؤلف: [ إما غير مقدور للمكلف ]، يعني: ما ليس للعبد فعل فيه، مثل: أن الله أوجب صلاة الجمعة إذا بلغ عدد القرية أربعين، فلو كانت قرية بعيدة نائية عدد أفرادها ثلاثون، لا يجب عليهم أن يصلوا الجمعة؛ لأنه غير مقدور على استكمال أربعين، لكنهم لو كانوا مجموعة فيجب عليهم أن يؤذنوا؛ لأن الأذان مقدور عليه، إلا إذا كانوا لا يتكلمون، مثل الصم والبكم فليس عليهم أذان.

    الخلاف في حكم الخوارج

    السؤال: قول علي بن أبي طالب في الخوارج عندما قالوا: هل هم كفار؟ قال: من الكفر فروا، قالوا: إذن منافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهم يذكرون الله كثيراً، قالوا: فما هم يا أمير المؤمنين؟ قال: إخواننا بغوا علينا، السؤال: هل نفهم أن الخوارج ليسوا بكفار؟

    الجواب: الخوارج اختلف العلماء فيهم؛ فذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخوارج ليسوا بكفار، واستدلوا على ذلك: بأنهم أجمعوا على أن شهادة الكافر ورواية الكافر لا تقبل، وفي البخاري و مسلم أحاديث لبعض لخوارج كـعمران بن حطان وغيرهم، ومع ذلك قبلت، وهذا الأقرب والله أعلم.

    وذهب البخاري رحمه الله إلى أن الخوارج كفار؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية )، وهذا من باب سرعة تغير اعتقاداتهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( يخرجون من الدين )، الذي هو الدين الكامل الواجب، وإن كان أصل الاعتقاد عندهم، والقول الأول كما قلنا قول الجمهور، وهو قول علي بن أبي طالب وجمهور الصحابة.

    توجيه معنى قوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة)

    السؤال: يقول: قال تعالى: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة:36]، هل هذا يعني: أنه فرض عين أم فرض كفاية؟

    الجواب: الله سبحانه وتعالى عندما قال: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة:36]، لم يرد في هذه الآية عامة المشركين، ولكن هذا يسميه العلماء: عام مخصوص، فالمشركون الذين يجب قتالهم هم الحربيون، الذين ليس بينهم وبين المسلمين عهد، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاتل قريشاً في زمن، ولم يقاتلهم في زمن -حينما وجد العهد بينه وبينهم في صلح الحديبية- وقاتل اليهود وأجلى بني النضير، وقتل مقاتلة قريظة، وأبقى قينقاع، وكلهم كفار.

    فدل ذلك على أن المشركين هنا عام مخصوص، ليس كل المشركين، بل المشرك الحربي الذي أعلن الحرب بينه وبين المسلم، أو بين الإمام الذي له منعة وله سلطان، هذا هو معنى الآية، بدليل: أن من المشركين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من هم تحت حلف معه، فبنو خزاعة -وهم كفار- حلفاء للرسول صلى الله عليه وسلم، وبنو بكر -وهم كفار- حلفاء لقريش، فقتل ونهب بعض بني بكر أموال بني خزاعة، وتعاونت قريش مع حلفائهم على بني خزاعة، فذهب أحدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كفار، فأنشد أبيات الشعر، يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: النصرة النصرة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( قد أجبت قد أجبت )، ثم خرج عليه الصلاة والسلام فيما يسمى بغزوة الفتح، وأما القتال فقد قلنا: إنه فرض كفاية.

    أقسام النساء الكوافر في الحرب

    السؤال: ما المقصود بتترس الكفار بالنساء؟

    الجواب: النساء في الحرب تنقسم إلى أقسام: إما أن تكون مع الجيش تقاتل؛ فهذه حكمها حكم المقاتلين، الثاني: ألا تكون مع الجيش، وهذه تكون مغنماً إذا انتصر المسلمون، ولا يجوز قتلها، القسم الثالث: إذا تترس أعداء الدين بالنساء والصبيان، ولا يستطيع المسلمون أن يستأصلوا شرهم إلا بقتل تلك النساء فإنه يجوز، كما ذكر ذلك العلماء.

    الزواج بالخادمة وعلاقته بالمتعة

    السؤال: هل يجوز الزواج من الخادمة بقصد تجنب الحرام من النظر وغيره؟ وهل يدخل في المتعة؟

    الجواب: هذه مسائل: الزواج من الخادمة في أصل الشرع جائز، إذا تزوج الرجل المرأة زواجاً شرعياً من وليها الشرعي ومأذون أنكحة، لكن أحياناً من باب ضبط الأمور، وعدم إدخال بعض الناس على بعض الولايات وبعض المسائل لا بد من الإذن في ذلك لأمور وسياسة شرعية ومصالح.

    فلو أن إنساناً تزوج مثل هذه ثم أنجبت، فأولاده أين يكونون؟ وإلى من ينتسبون؟ فلا يمكن أن يضع لهم حافظة فلوس أو شهادة ميلاد؛ لأن الزوجة تزوجها من غير أمر، قد يقول قائل: ولو صار، نقول: سوف تضع أولادك في حافظة نقوذ زوجتك الأولى، ويحدث ضرر كبير، والأضرار في هذا كثيرة جداً جداً، وأنصح الإخوة ألا يتعجلوا في مثل ذلك، وأن يعلموا أن من المصالح من يعلمها اليوم، ومن المصالح من لا يعرفها إلا في ضحى الغد كما يقال.

    أما هل يدخل في المتعة؟ فلا يدخل في المتعة، إلا إذا قال لها: أريد أن أتزوجك ما دمت عندي الآن، تجلسين عندي سنتين، أستمتع بك ثم أفارقك. هذا لا يجوز؛ لأنه متعة.

    الزواج بنية الطلاق

    السؤال: هل يجوز الزواج بنية الطلاق؟

    الجواب: الزواج بنية الطلاق ذكر ابن عبد البر في التمهيد: أن جمهور فقهاء الأمصار، ولم يخالف في ذلك إلا الأوزاعي ، أنهم يرون الزواج بنية الطلاق، وذكرها أبو محمد بن قدامة ، وذكرها ابن تيمية رحمه الله، وأما أحمد فله روايتان: رواية: بأنها أخية المتعة، ورواية بأنها جائزة.

    لكن ما هو الزواج الذي بنية الطلاق الذي جوزه الجمهور، أو جوزه شيخنا عبد العزيز بن باز ؟

    الزواج بنية الطلاق الذي جوزه الجمهور: هو أن يتزوج الرجل المرأة، ولم يكن ثمة عرف قائم أن الرجل سوف يتزوج المرأة ثم يطلقها؛ كأن تكون المرأة عالمة أنه تزوجها لا لأجل الاستمرار، ولكن لأجل المتعة، ولهذا لو قال أحد الذين يسافرون أحياناً لمثل ذلك: أريد أن أذهب بك إلى هذه البلاد. لأبت.

    وأحياناً يقول وليها: كم تجلس في هذه الدولة؟ فإذا قال: لا، أنا ما أنا بجالس، أنا سآخذها معي، قال: لا، ما أريدك تأخذها معك، فهذا يدل على أن ولي المرأة، أو المرأة يعلمون أنه المتعة. والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، فإذا كان ثمة عرف أن هذا الرجل سوف يتزوج هذه المرأة التي تعلم أنه لن يستمر معها، وكذا وليها؛ فهذا زواج متعة؛ لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، أما أن يتزوج الرجل المرأة ويضع لها منزلاً، أو يذهب بها، وتستمر معه وهي زوجته، فإذا بدا له طلقها فهذا هو عمل المسلمين في السابق، وعمل التجار أيضاً.

    ومثله: أن يذهب الراوي إلى الشيخ في البلد الآخر، فيجلس معه السنة أوالسنتين ويتزوج، فإن رغب بزوجته ذهب بها إلى بلده، أو طلقها.

    أما أن يكون هناك عرف قائم في بلد وكما يقولون: خطَّابات وخُطَّاب هم الذين يديرون هذه العملية، حتى يقول أحدهم وقد ذهب إلى بلد معين، وتزوج هذه المرأة ثم طلقها ثم رجع إلى بلده، فقال لزميليه: خذ رقم هذه الخطيبة ورقم هذه الزوجة، ثم ذهب الرجل الآخر، وعلم وقال: والله! جيدة، ثم نصحه الموظف الثالث، فدارت المرأة على هؤلاء، فهذا هو المتعة، وهذا هو الحرام، وإن أفتاك الناس وأفتوك.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين! وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010245856

    عدد مرات الحفظ

    721901606