إسلام ويب

بداية المجتهد - كتاب الحج [5]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أول أركان الحج والعمرة: الإحرام، وله أحكام ومستحبات، منها: الاغتسال والتلبية، ويستمر في التلبية حتى يصل إلى بيت الله ثم يطوف به، وللطواف أحكام تخصه مذكورة في كتب الفقهاء.

    1.   

    الإحرام بالحج

    الغسل للإحرام

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، وبعد:

    أحبتي في الله! إن كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد مسائله كثيرة، وخاصةً أن كتاب الحج مسائله دقيقة، وفيه من الآثار والأدلة ما يحتاج إلى مدارستها وبيان عللها ما لا نستطيع أن نقف عليه في هذا الوقت القصير؛ ولهذا سوف أذكر أهم المسائل، وهناك بعض الإشكالات، أو بعض النقولات، أو بعض التفصيلات التي يذكرها ابن رشد رحمه الله بحاجة إلى توقف، ولكن ما لا يدرك كله، لا يترك جله.

    أقول مستعيناً بربي سبحانه: في قول المؤلف: [ القول في الإحرام ]، وذكر الغسل للإحرام.

    والغسل للإحرام الأقرب فيه والله تبارك وتعالى أعلم هو قول جمهور الفقهاء: أنه مستحب، ولا يصح في الباب حديث في استحبابه، إلا أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة حينما قال لها كما في الصحيحين: (انقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج )، وفي رواية: ( واغتسلي وأهلي بالحج )، ولما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس حينما نفست بـمحمد بن أبي بكر بالشجرة، قال: مرها فلتغتسل ولتستثفر، ولتهل بالحج )، وأما حديث عبد الله بن يعقوب المدني عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن خارجة عن أبيه زيد : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل )، فهذا حديث ضعيف.

    قال ابن القطان : أجهدت نفسي في أن أعرف عبد الله بن يعقوب المدني فلم أعرفه، وكذا عبد الرحمن بن أبي الزناد ضعيف.

    ولا ينوب عن الاغتسال التيمم خلافاً للمذهب، وقد رجح ابن قدامة : أنه لا يستحب التيمم؛ لأن المقصود من الاغتسال هو التنظف لا رفع الحدث، ولو أردنا رفع الحدث لقلنا بدل الاغتسال التيمم.

    نية الإحرام

    ثم إن المؤلف رحمه الله ذكر مسألة أخرى قال: [واتفقوا على أن الإحرام لا يكون إلا بنية].

    وهذه مسألة: هل يصح الدخول في النسك بالنية فقط كما هو مذهب مالك و الشافعي و أحمد ، أم لا بد فيه من التلبية كما هو مذهب أبي حنيفة ، أو لا بد فيه مع النية من التلبية أو سوق الهدي كما هو اختيار أبي العباس بن تيمية رحمه الله؟

    الراجح والله تبارك وتعالى أعلم أنه يكفي للدخول في النسك النية، لما جاء في الصحيحين من حديث عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ).

    والمقصود بالنية: هي نية الدخول في النسك، لا نية أن يحج أو يعتمر؛ لأنه من حين خروجه من منزله إلى الحج هو مريد للحج، وعلى هذا فالمراد بالنية هي نية الدخول في النسك.

    صورة المسألة: شخص ركب الطائرة، ولبس ثياب الإحرام، ونيته أنه إذا أعلن عن محاذاة الميقات فسوف يدخل في النسك، بحيث يمتنع مما يمتنع منه المحرم من تقليم الأظفار، وغير ذلك، فهل نقول: هو من حين ركوبه الطائرة، بل من حين خروجه من منزله هو داخل في النسك؟ أو مريد للحج والعمرة؟ الجواب: هو مريد للحج والعمرة وليس داخلاً في النسك، وحينئذ فالنية المراد بها نية الدخول في النسك.

    1.   

    التلبية

    صيغة التلبية

    وأما حديث: ( إن جبريل أتاني فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية )، كما رواه خلاد بن السائب عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا الحديث في سنده خلاد بن السائب قيل: إنه مجهول، ولو صح فهذا محمول على استحباب رفع الصوت لا أصل وجوب التلبية.

    واتفق العلماء: على أن التلبية المشروعة هي ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبي، يقول: ( لبيك اللهم لبيك، ليبك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ).

    وهل يجب على المحرم أن يلازم هذه التلبية ولا يزيد عليها؟

    نقول: الأقرب والله تبارك وتعالى أعلم أنه إن زاد غير هذه التلبية بأن يقول: ( لبيك ذي المعارج )، أو يقول: ( لبيك حقاً حقاً، تعبداً ورقاً )، كما ثبت عند الطبراني من حديث أنس ، أو غير ذلك مما جاء عن بعض الصحابة، فهذا دليل على الجواز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمعهم يلبون بغير ما لبى وزادوا، قال جابر : ( فكان الناس يهلون بما يهلون به، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته )، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم سمعهم يزيدون على ذلك ولم ينكر، وعدم الإنكار دليل على الجواز.

    وهل لازم النبي صلى الله عليه وسلم تلبيته فقط؟

    الأقرب والله أعلم أنه كان عليه الصلاة السلام يسبح ويحمد الله سبحانه وتعالى إذا علا نشزاً أو هبط وادياً، كما جاء في صحيح البخاري من حديث أنس قال: ( حتى إذا استوت به ناقته بالبيداء سبح وحمد الله وكبر، ثم قال: لبيك عمرةً وحجاً )، ومن المعلوم كما سبق معنا: أن إهلال النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان من عند المسجد، ثم استقلت به ناقته في البيداء فأهل مرةً ثانية، فكونه بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام يسبح ويحمد الله دليل على أنه يشرك أو يخالط مع تلبيته التسبيح والتحميد.

    تلبية المرأة

    وأجمع أهل العلم خلافاً لـابن حزم على أن المرأة تلبي، ولكنها لا يشرع لها أن ترفع صوتها بالتلبية؛ لأن المرأة المقصود منها الإتيان بالسنة من غير رفع الصوت، وقد ذكر ابن أبي شيبة في مصنفه: ( أن معاوية رضي الله عنه سمع تلبيةً بعد أداء الحج، قال: ما هذا؟ فقالوا: عائشة رضي الله عنها أهلت بالعمرة، فقالت عائشة: ما يريد منا معاوية أن نترك شيئاً كنا نصنعه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم )، فقال ابن حزم : فهذا دليل على أن معاوية سمع تلبية عائشة ، وهذا ليس بصحيح، لأن معاوية إنما سأل واستفصل عن هذه التلبية من أين جاءت، فقالوا: من عائشة ، وقد كانت عائشة تحج وتعتمر ومعها حجزة من الرجال، كما روى سعيد بن منصور عن عطاء قال: رأيت عائشة تطوف حجزة بين الرجال، فجاءت جارية فقالت: يا أم المؤمنين! تعالي بنا نمس الحجر، قالت: إليك عني.

    وهذا يدل على أن التلبية هنا إنما كانت من الذين حجوا مع عائشة رضي الله عن صحابة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه.

    مواطن التلبية

    إلا أن أهل العلم استحبوا في التلبية أن تذكر في أربعة مواطن، كما روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عبد الرحمن بن سابط قال: كانوا -يعني بذلك الصحابة، وقد سمع من بعض الصحابة- يستحبون التلبية في أربعة مواطن: بعد دبر الصلوات، وإذا التقت الركاب -أو قال: الرفاق- وإذا علوا نشزاً، أو هبطوا وادياً.

    وهنا يستحب للإنسان بعد الصلاة إذا قال: ( أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام )، أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، يقولها مرتين أو مرة أو ثلاثاً أو أربعاً، ثم بعد ذلك يأتي ببقية أذكار أدبار الصلاة.

    وقت التلبية

    المسألة الأخرى: قال المؤلف: [واستحب العلماء أن يكون ابتداء المحرم بالتلبية بإثر صلاة يصليها، فكان مالك يستحب ذلك بأثر نافلة لما روي من مرسله عن هشام بن عروة عن أبيه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مسجد ذي الحليفة ركعتين، فإذا استوت به راحلته أهل ) ].

    هذا الحديث أصله رواه البخاري و مسلم من حديث سالم عن ابن عمر ، وإهلال النبي صلى الله عليه وسلم الأصح كما قلنا إنه عندما استوت به ناقته من عند المسجد أهل، أما بعد الصلاة فهذا حديث يرويه خصيف بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وهو حديث ضعيف، فإن خصيفاً هذا ضعفه يحيى بن معين و أحمد بن حنبل وغيرهما.

    وعلى هذا فالأقرب: أن التلبية إنما يقولها المرء إذا ركب السيارة، أو ركب دابته وهو في الميقات متوجهاً إلى مكة، يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ثم يشرع بالتلبية فيقول: لبيك عمرة إن كان متمتعاً، أو لبيك حجاً إن كان مفرداً، أو لبيك عمرةً وحجاً إن كان قارناً، ثم يقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).

    مكان إهلال أهل مكة بالتلبية

    المسألة الأخرى: يقول المؤلف: [ولا خلاف عندهم أن المكي لا يهل إلا من جوف مكة إذا كان حاجاً].

    نفي الخلاف هنا محل نظر، والأقرب والله أعلم هو قول جمهور أهل العلم: إن الحاج إذا أهل بالحج فإنما يهل من مكانه من بيته، لا يلزم أن يهل من جوف مكة، ثم إن الاستدلال بجوف مكة لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والراجح والله أعلم الذي ثبت عنه: أن المكي يهل من منزله، أو من مكة، أو من الحرم، أو من الأبطح.

    ودليله: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( حتى أهل مكة يهلون منها ).

    يقول المؤلف: [وأما إذا كان معتمراً؛ فإنهم أجمعوا على أنه يلزمه أن يخرج إلى الحل، ثم يحرم منه ليجمع بين الحل والحرم].

    أهل مكة ومن كان حكمه كحكم أهل مكة ممن اعتمر وبقي في مكة، أو جاز له أن يدخل مكة من غير حج أو عمرة، كما هو مذهب الشافعي ورواية عند الإمام أحمد كأهل الشرط، أو الأطباء الذين لم يأخذوا عمرة وبقوا في منى، ثم سمح لهم أن يأخذوا حجةً مثلاً؛ فإنهم يهلون من مكة.

    لكنهم لو أرادوا العمرة؛ فإنهم يخرجون إلى الحل كعرفة، أو التنعيم، أو الشرائع أي مكان من الحل، المهم أن يخرجوا من منطقة الحرم كي يجمعوا في طوافهم بين الحل والحرم، وهنا يقول ابن رشد : [ إجماعاً ]، والواقع أنه ليس في المسألة إجماع، فإن بعض أهل العلم، ونسبه بعضهم إلى البخاري ، وهو قول الشوكاني والشيخ الألباني : على أنه يهل من الحرم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( حتى أهل مكة يهلون منها ممن أراد الحج والعمرة )، هكذا قالوا.

    والأقرب -والله أعلم- مذهب عامة أهل العلم أن المكي وكذا من كان دونه، أو من كان حكمه كحكم أهل مكة عليه أن يخرج من الحرم إلى الحل، لما جاء في الصحيح ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم، وأمرها أن تأخذ عمرة، وقال: إن أجرك على قدر نصبك )، ومن المعلوم أن عائشة حكمها هنا كحكم أهل مكة.

    وقت انتهاء التلبية

    المسألة الأخرى: متى يقطع المحرم التلبية؟ في ذلك خلاف؛ ذهب جمهور الفقهاء إلى أن المحرم يقطع التلبية -يعني بذلك الحاج- إذا رمى جمرة العقبة، خلافاً لـمالك فإنه قال: يقطع التلبية إذا زاغت الشمس، قال مالك : وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا، فهذا يسمى عمل أهل المدينة، وجاءنا حديث في الصحيحين من حديث ابن عباس عن الفضل : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة )، ولكن مالكاً لم يأخذ به؛ لأنه مخالف لعمل أهل المدينة.

    والراجح هو قول الجمهور أن الحاج يقطع التلبية إذا رمى جمرة العقبة، ليشرع بعد ذلك بالتكبير.

    ومتى يقطع التلبية هل من شروعه في أول حصاة أم في آخر حصاة؟ ذهب ابن خزيمة ، وبعض أهل الحديث، ونسب إلى الإمام أحمد رحمه الله أنه يقطع التلبية مع آخر حصاة، وهو مذهب الألباني رحمه الله، واستدلوا على ذلك بما رواه ابن أبي شيبة من طريق سفيان بن عيينة عن عامر بن شقيق عن أبي وائل عن ابن مسعود ، وهو رواية ضعيفة، لأن عامر بن شقيق فيه ضعف.

    الحديث الآخر: رواه ابن خزيمة عن ابن عباس ، وفي سنده حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن الفضل قال: ( أفضت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى آخر حصاة )، وهذه الرواية فيها ضعف وإن استدل بها ابن خزيمة لوجهين:

    أولاً: إن الفضل بن عباس لم يكن أفاض مع النبي صلى الله عليه وسلم من عرفات، إنما الذي أفاض معه أسامة بن زيد ، و الفضل إنما أفاض معه من جمع إلى منى.

    ثانياً: الرواية الثانية رواية الصحيحين: ( فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة )، وأما زيادة: ( حتى رمى آخر حصاة )، فإن الحافظ البيهقي رحمه الله أنكرها وقال: وليس في الروايات المشهورة عن ابن عباس عن الفضل بن عباس هذه الزيادة، ثم قال: وتكبيره عليه الصلاة والسلام مع كل حصاة؛ كالدلالة على قطعه التلبية في أول حصاة، القول الثاني: أنه يقطع التلبية مع أول حصاة، وهذا هو الراجح، والله تبارك وتعالى أعلم.

    و ابن أبي شيبة روى حديثاً آخر، وهو يرويه من طريق سفيان بن عيينة عن عامر بن شقيق عن أبي وائل عن ابن مسعود : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى قطع التلبية مع أول حصاة )، عكس حديث ابن خزيمة ، وهذه الزيادة أيضاً ضعيفة، فإن في سندها عامر بن شقيق .

    فعندنا حديثان: ( مع أول حصاة )، في سنده عامر بن شقيق ، وعندنا حديث آخر: ( مع آخر حصاة )، حديث ابن خزيمة ، وكلا الحديثين ضعيف، وأصح شيء في الباب حديث الفضل : ( لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة )، وظاهره أنه يقطع التلبية مع أول حصاة.

    أما في العمرة فإن المحرم يقطع التلبية إذا مس الركن، لما جاء عند الترمذي من حديث ابن عباس مرفوعاً وموقوفاً: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقطع المحرم التلبية إذا مس الركن )، وفي سنده محمد بن أبي ليلى ، والصواب أنه موقوف على ابن عباس ، وهو الراجح.

    وأما حديث البخاري أن ابن عمر كان إذا رأى بيوت مكة قطع التلبية أو أمسك عن التلبية، فإنما هذا فهم فهمه ابن عمر كما يقول الجمهور رحمهم الله، وإلا فإن المعروف: أن المحرم بالعمرة لا يقطع التلبية إلا إذا مس الحجر، يعني شرع في الطواف.

    1.   

    الطواف

    صفة الطواف ومس الحجر وتقبيله

    المؤلف يقول: [ القول في الطواف بالبيت، والكلام في الطواف؛ في صفته، وشروطه، وحكمه في الوجوب أو الندب، وفي أعداده ].

    ثم قال: [ والجمهور مجمعون على أن صفة كل طواف واجباً كان أو غير واجب أن يبتدئ من الحجر الأسود، فإن استطاع أن يقبله؛ قبله ].

    لما جاء في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الحجر فاستلمه وقبله )، الحديث في صحيح مسلم من حديث جابر ، فإن شق عليه التقبيل، فإن كان معه شيء يمس به الحجر كالمحجن أو العصا؛ فإنه يمسه ثم يقبل الحجر؛ لما في صحيح مسلم من حديث عامر بن الطفيل قال: ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر بمحجنه ويقبله )، يعني يقبل الحجر.

    فإن شق ذلك عليه أشار إليه، قال جابر : ( فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته، فإذا حاذى الحجر أشار إليه وكبر )، وبعضهم يقول: يشير ويقبل يده، وهذا خطأ، إنما التقبيل بمسه، فإن مسه بيده قبل يده، أما إذا لم يمس الحجر؛ فلا يقبل يده، هذه ثلاث سنن.

    وهل يشرع أن يسجد على الحجر؟

    جاء عند الحاكم من حديث ابن عباس عن عمر أنه قال: : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الحجر ويسجد عليه، فذرفت عيناه، قال: فرآني فقال: يا عمر ! هنا تسكب العبرات )، وهذا الحديث ضعيف، ولا يصح حديث في سجوده عليه الصلاة والسلام على الحجر، والمعروف هو التقبيل فحسب، والسنة أحق أن تتبع.

    كيفية الطواف

    يقول المؤلف: [ ثم يجعل البيت على يساره ويمضي على يمينه ].

    ذهب عامة الفقهاء خلافاً لـأبي حنيفة إلى أن من شروط صحة الطواف أن يطوف مبتدئاً من يمينه، جاعلاً البيت عن يساره، فلو طاف منكساً لم يصح طوافه، خلافاً لـأبي حنيفة حيث يقول: لأن الله يقول: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29]، فسواء طاف من عن يمينه أو عن شماله؛ فإنه يصدق عليه أنه طاف.

    وأما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فغاية ما يقال في استحبابه، ولا يخالف ظاهر الآية؛ لأن مخالفة الحديث الغير متواتر للآية يعد نسخاً، والسنة لا تنسخ القرآن، هكذا في أصول أبي حنيفة .

    والراجح والله أعلم أن الواجب والشرط أن يطوف المرء من عن يمينه لا عن يساره، فإذا حاذى الحجر، اتجه من جهة يمينه متوجهاً إلى جهة الحجر والمقام.

    ويستحب له أن يجعل البيت عن يساره، ولا ينبغي له أن يترك ذلك إلا لعذر، والعذر زحام، أو معه صبي، أو معه نساء يقوم بشئونهن، فلا حرج في ذلك، خلافاً للجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة حيث رأوا أنه من شرط الطواف أن يجعل البيت عن يساره في كل شوط، وهذا مما يشق ويعسر.

    ومما يدل على عدم الوجوب أمور:

    الدليل الأول: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على ناقته )، ومن المعلوم أن الذي يركب الناقة لا يكون كمن يمشي، فإن الناقة تقف وتأخذ ذات اليمين وتأخذ ذات الشمال، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرجع حتى يثبت أنه جعل الكعبة عن يساره، هذا دليل.

    الدليل الثاني: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رفعت إليه امرأة صبياً وقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر )، ومن المعلوم أن الصبي إنما يحمل في العادة على الكتف، أو بين اليدين، ولم يكن يصنع به مثل الكبير، وإذا قيل: هذا دليل على الجواز للحاجة، قيل: إذاً ليس بواجب، ولكن هو مستحب، مثلما قلنا في الركوب أن السنة المشي، ولا ينبغي الركوب إلا لحاجة وإلا كره، كذلك نقول هنا.

    الدليل الثالث: ما ثبت عن سعيد بن منصور في سننه، قال عطاء : رأيت عائشة تطوف حجزة بين الرجال، والغالب أن الرجال الذين كانوا يطوفون مع عائشة وهم الحجزة، كانوا يطوفون مع عائشة : وبعضهم لم يجعل الكعبة عن يساره في الغالب، هذا الذي يظن من حيث واقع الحال، والله تبارك وتعالى أعلم.

    الرمل في الطواف

    ثم قال المؤلف: [ واختلفوا في حكم الرمل في الثلاثة الأشواط الأول للقادم هل هو سنة أو فضيلة؟ ].

    فائدة: المالكية والحنفية في بعض أصولهم -خاصةً في مسائل الحج- يقسمون الحج من حيث الوجوب وعدمه إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: واجب ويقصدون به الركن، أو الواجب الذي يتأكد تأكيداً شديداً حتى قال بعضهم: الواجب الذي لا يصح معه إلا أن يفعله.

    القسم الثاني: السنة، ويقصدون بالسنة: الواجب الذي يجبره بدم، فأنتم تقرءون كلام ابن رشد يقول: سنة يجبره بدم، وهذا بناء على أصول المالكية.

    القسم الثالث: التطوع، ويقصد به كما في مصطلح الحنابلة والشافعية السنة.

    على هذا التقسيم نلاحظ أن بعض الباحثين وبعض طلاب العلم أحياناً يذكرون بعض المسائل، ويهونون منها بحجة أن مالكاً يقول بسنيتها، و مالك إنما يقول بسنيتها مع وجوب جبرها بدم، يعني: أنها واجبة، كما قال في ترك التلبية، وقال في المبيت بمنى: سنة يجبرها بدم، ويقصد بذلك الواجبات التي لم تثبت بدليل قطعي، هذه فائدة لأجل أننا سوف نذكر هذا التقسيم كثيراً.

    الرمل الأقرب فيه -والله أعلم- وهو مذهب الجمهور من الشافعية والحنابلة والحنفية أنه سنة في الأشواط الثلاثة، أما الأشواط الأربعة الأخرى فالسنة فيها المشي، فإذا طاف الشوط الأول ولم يرمل استحب له أن يرمل في الثاني والثالث، وإن نسي في الشوط الأول والثاني استحب له أن يرمل في الثالث، فإن نسي فلم يرمل في الأول والثاني والثالث، هل نقول له: يقضيها في الرابع والخامس والسادس؟

    نقول: الجمهور على أن الرابع والخامس والسادس والسابع يستحب فيها المشي.

    وذهب مالك إلى خلاف ذلك، والراجح هو مذهب الجمهور؛ لقول جابر : ( فرمل ثلاثة أشواط من الركن حتى انتهى إليه )، وكذا قال ابن عمر وغيرهما.

    إذا ثبت هذا، فمتى يشرع الرمل؟

    الأقرب والله تبارك وتعالى أعلم أن الرمل يشرع في أول طواف يقدمه الحاج أو المعتمر وهو محرم، فلو جاء معتمراً ودخل البيت فإنه يشرع له الرمل، لكن لا يشرع له بعد ذلك إذا طاف طواف الإفاضة.

    المفرد والقارن إذا جاءا البيت ليطوفا طواف القدوم هل يشرع لهما الرمل؟ نعم، المفرد والقارن إذا لم يأتيا البيت إلا بعد عرفة، وقد جاءا وهما محرمان بعد عرفة، ولم يرميا، ولم يحلقا أو يقصرا، فهل يشرع لهما الرمل؟ نعم يشرع لهما الرمل، ولعل هذا أظهر، والله تبارك وتعالى أعلم.

    فنقول: يشرع الرمل في أول طواف يقدمه الحاج البيت وهو محرم.

    وكذلك الاضطباع، والاضطباع: هو أن يخرج كتفه الأيمن ويغطي الأيسر، ولا يشرع الاضطباع إلا في الطواف الذي فيه رمل، إذاً: فيشرع الاضطباع في أول طواف يقدمه الحاج أو المعتمر البيت وهو محرم.

    وقال الشافعي : يشرع الرمل والاضطباع في أول طواف قبل التعريف، يعني قبل عرفة، فعلى هذا: يشرع الاضطباع للمعتمر المتمتع أو المفرد أو القارن إذا جاء مكة قبل عرفة، وأما بعد عرفة فلا، قال: لأنهما سوف يأتيان البيت وعليهما ثيابهما.

    ولكنا نقول: ربما يأتيان البيت قبل أن يرميا، وقبل أن يقصرا أو يحلقا.

    تقبيل الحجر الأسود أثناء الطواف

    المسألة الأخرى: يقول المؤلف: [ وكذلك أجمعوا على أن تقبيل الحجر الأسود خاصة من سنن الطواف إن قدر ].

    في هذا فائدة: وهي أن أهل العلم لم يروا استحباب استلام الحجر الأسود إلا في الطواف أو بعد الطواف، وأما أن يأتي الحجر الأسود من غير طواف، كما يفعله الناس الآن؛ فإن هذا لا يشرع، فنقول: لا يشرع مس الحجر أو تقبيله إلا في الطواف أو بعد الطواف.

    أما في الطواف فللأحاديث الواردة في هذا، وأما بعد الطواف فلما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر الطويل قال: ( ثم أتى المقام فقال: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، فصلى ركعتين يقرأ في الركعة الأولى: بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، والثانية بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، فلما سلم أتى الركن فاستلمه، ثم أتى الصفا، ثم دخل من باب الصفا )، فهذا يدل على أنه بعد الطواف لا بأس أن يستلمه أيضاً.

    إعادة الطواف أكثر من مرة ثم صلاة ركعتين لكل طواف

    المسألة الأخرى: هل يشرع أو يجوز للإنسان إذا أراد أن يأخذ أكثر من أسبوع، هل له أن يجمع أسبوعاً ثم أسبوعاً ثم أسبوعاً، ثم يصلي بعد ذلك ركعتين، وركعتين، وركعتين؟ أم السنة أن يطوف أسبوعاً ثم يصلي ركعتين، فإن شاء أخذ أسبوعاً آخر فصلى ركعتين؟ بعبارة أخرى: هل يجوز أن يجمع الأسابيع في الطواف، ثم بعد ذلك يصلي ركعتين لكل أسبوع؟ أم السنة أنه يتسنن ركعتين بعد كل أسبوع، فلا يجمع بينها؟

    ذهب الجمهور، كما قال المؤلف: إلى أن السنة أن يصلي ركعتين بعد كل أسبوع، ولا يشرع له أن يجمع الأسابيع ثم يصلي ركعتين ركعتين، وقد روى البخاري معلقاً بصيغة الجزم عن محمد بن شهاب الزهري أنه قال: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى خلف المقام ركعتين ).

    وذهب بعض أهل العلم إلى أن السنة أن يصلي ركعتين عقب كل أسبوع، وإن جمع بينهما جاز من غير استحباب، لما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تصنع ذلك، وهذا القول أظهر، لأننا نقول: إن الصحابة لا يفعلون البدعة، يقول ابن تيمية : وكل فعل فعله الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين ولم ينكر على أحد منهم؛ فليس ببدعة، ولعل هذا منها.

    نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3011514700

    عدد مرات الحفظ

    722154136