إسلام ويب

شرح زاد المستقنع باب القطع في السرقة [2]للشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجب قطع يد الطرّار الذي يقطع الجيوب ويأخذ منها المال، ويشترط في المال المسروق أن يكون مالاً محترماً، ولا تقطع يد من سرق آلات لهو أو خمر مع التفصيل في ذلك. ومقدار نصاب المال الذي تقطع فيه يد السارق ربع دينار من ذهب أو ثلاثة دراهم من فضة، أو ما يعادل قيمة أحدهما، مع خلاف بين أهل العلم في ذلك.

    1.   

    حكم قطع يد الطرار

    بسم الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ويقطع الطرّار الذي يبط الجيب أو نحوه ويأخذ منه]:

    ما زال المصنف رحمه الله يتكلم على صور يتحقق بها مفهوم السرقة، ومن ذلك قوله: (ويقطع الطرّار الذي يبط الجيب) ففي بعض صور السرقة: يقدم السارق على قطع الجيب: إما بالسكين، أو بالموس، أو بالشفرة، فالطرّار هو: الذي يسرق من الجيب، والسرق من الجيب له صورتان:

    الصورة الأولى: أن يدخل يده فيستلّ المال الموجود في داخل الجيب.

    الصورة الثانية: أن يقطع الجيب من أسفله أو من جنبه، ثم يستل المال منه.

    فمن أهل العلم من قال: أن الذي يبطّ الجيوب -أي: يقطع الجيوب- لا تقطع يده، ويرون أن القطع لا يكون إلا إذا كان في حرز، وكان صاحب الحرز منتبهاً -يعني: عينه على الحرز- ومن هنا قالوا: إن من نام في المسجد، ورداؤه تحته، أنه ينبغي اشتراط كون الرداء تحت الجسم، أو تحت الرأس، فإذا استله من تحت الرأس فقد استله من حافظ، وحينئذٍ قالوا: إنه إذا كان الرجل في غفلة واستل المال منه بدون أن يعلم فإن يده لا تقطع؛ لأن المال في الجيب ليس في حرز عند من يقول بعدم القطع، إلا إذا كان صاحبه عينه على الجيب، ومن هنا يرون أنه لا قطع عليه، واختار المصنف القول بالقطع.

    قالوا: لو استغفل صاحب المال، ثم استل المال من جيبه، وقطع الجيب فأخرج منه المال -من أسفله أو من عرضه- فإنه يعتبر سارقاً، وقالوا: إن الشخص عينه على ماله ما دام حاملاً للمال، ثم إنه قد استل المال منه خفية، فتتحقق فيه شرط السرقة، وقالوا: الطرّار في حكمه إذا كان يبط الشنطة، مثل ما يقع في (المحافظ) ونحوها يقطعها ثم يستل المال منها، فقوله: (أو نحوه) مثل: المحفظة، أو الهميان والكمر، فإذا كان (الكمر) مشدوداً على صاحبه، ثم جاء واستل المال من (الكمر) وصاحبه حامل له قطعت يده.

    فقوله: (الطرّار): هو الذي يبط الجيب (يبط الجيب) أي: يقطعه، سواءً كان القطع من أسفله أو من عرضه؛ لأنه لما قطع الجيب فقد أخذ المال من الحرز، وحينئذ يكون بط الجيب مثل كسر الأقفال في الصناديق، وكسر الأبواب، وهذا يعتبر أخذاً للمال من حرزه، فقالوا: إن صورة هذه السرقة -على هذا الوجه الذي اختار المصنف- توجب القطع.

    1.   

    اشتراط أن يكون المسروق مالاً محترماً

    قال رحمه الله: [ويشترط أن يكون المسروق مالاً محترماً].

    أي: لا نقطع يد السارق إلا إذا توافرت الشروط في السارق، وفي المال المسروق، وفي فعل السرقة، ومن هنا: ابتدأ رحمه الله فقال: (يشترط أن يكون المسروق مالاً) والمال عند العلماء هو: كل شيء له قيمة فيعاوَض عليه، ويشمل الذهب والفضة وهو ما يسمى بالأثمان، ويشمل المثمونات، وعلى هذا: تقع السرقة في الذهب والفضة، وتقع في المجوهرات، وتقع في المعادن، مثل: النحاس، والحديد، والرصاص، والنيكل، والزنك، وكذلك تقع في الثياب، وتقع في الأطعمة، وتقع في الأشياء التي يرتفق بها كقطع الغيار الموجود في زماننا لاستصلاح الأدوات الكهربائية، أو أدوات النقل، كل هذا يعتبر مالاً له قيمة، وسمي المال مالاً؛ لأن النفوس تميل إليه وتهواه.

    رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مال

    فالنفوس تميل بطبعها إلى الذهب والفضة، وكل شيء له قيمة.

    لما قال رحمه الله: (أن يكون مالاً): هذا الشرط، مفهوم عكسه: أنه لو سرق شيئاً ليس بمال فلا قطع، والذي ليس بمال، مثل: أن يسرق آدمياً حراً، فالحر ليس بمال، لا يباع ولا يشترى، ومن هنا اختلف العلماء في سرقة الأطفال الصغار: فلو أنه اختطف طفلاً صغيراً؛ خدعه حتى خرج من المدينة، أو خرج به من بيت أهله، فبعد أن أخذه -كانوا في القديم يأخذونه ويبيعونه- أو اختطفه، وأصبح يستخدمه لخدمته، أو نحو ذلك.

    الطفل الحر من الصغار غير المميزين والمجنون الذي لا يعقل، اختلف فيهما العلماء رحمهم الله، أما الحر البالغ فلا يمكن أن تقع السرقة به -كما ذكر العلماء- أن يكون نائماً ثم يسرقه، فجماهير السلف والخلف -رحمهم الله- على أنه لو سرق حراً كبيراً لا قطع؛ لأنه ليس بمال، ولا في حكم المال، ولا يباع ولا يشترى.

    وأما إذا كان صغيراً مثل: الأطفال الذين لا يميزون، والمجانين الذين يُخدعون، ويسرقون إلى خارج المدن، ويقع هذا في ذوي العاهات، فبعض الأحيان يسرقهم ضعاف النفوس -نسأل الله السلامة والعافة- من أجل أن يتكسبوا بهم، أو نحو ذلك، فلو سرقه؛ هل تقطع يده أو لا؟ جمهور العلماء على أنه لا تقطع يده، فالجمهور على أنه لا تقطع يد من سرق الأطفال، ومن سرق الكبير المجنون، أو الطفل غير المميز.

    وذهب بعض العلماء إلى أنه تقطع يده، واحتجوا بحديث ضعيف: أن رجلاً كان يسرق الصبيان، ثم يخرجهم من المدينة، ثم يبيعهم، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت يده، وهذا الحديث ضعيف؛ لا يصلح للاحتجاج به، وأجاب العلماء عنه سنداً: بالضعف، وأجابوا عنه متناً: بأنه يحتمل أن يكونوا صغاراً وصبياناً مماليك، وحينئذ يكونون من جنس الأموال؛ لأن المملوك يباع ويشترى.

    وقوله: (مالاً محترماً) الشرط الأساسي: المال، ثم شرط الشرط: أن يكون محترماً؛ لأن المال منه ما هو محترم، ومنه ما ليس بمحترم، فإذا قلنا: إنه يشترط المال، هذا شرط يخرج منه: سرقة الحر كبيراً كان أو صغيراً، ومن اشتراط المال ذهب بعض العلماء إلى أن من سرق المصحف لا تقطع يده، إذا كانت قيمة المصحف تعادل النصاب؛ قالوا: لأن المصحف ليس بمال، هو كلام الله عز وجل؛ ولذلك لا يعتبر مالاً، لكن هذا ضعيف؛ لأن البيع والشراء ليس لكلام الله عز وجل، والبيع لم يقع لنفس المصحف، إنما هو قيمة الصحف، وكتابة هذه الآيات، والمعاوضة على هذا الشيء، وليس على كلام الله عز وجل؛ ولذلك جماهير السلف والخلف -رحمهم الله- أجازوا بيع المصاحف كما تقدم معنا في كتاب البيع، ومنعه الإمام أحمد -رحمه الله - في إحدى الروايات عنه، وقال ابن عمر : (وددت أن الأيدي تقطع في بيع المصاحف).

    والصحيح: أن المعاوضة في المصحف واقعة على الورق، وعلى ما يكتب فيه المصحف، وعلى كتابة الآيات، ويجوز أن تستأجر شخصاً في كتابة القرآن، وتكون الأجرة على تعبه في الكتابة، وحينئذ الثمن المدفوع لشيء له قيمة، وجمهور العلماء أجازوا بيعه وخالفوا الإمام أحمد ، قال الناظم:

    ومنع بيعه لدى ابن حنبل وكرهه لدى ابن شافع جلي

    أي: منع بيع المصحف الإمام أحمد ، وكرهه الجمهور، ومنهم الشافعي .

    إذا ثبت هذا؛ فإنه لو سرق المصحف، والمصحف له قيمة تعادل النصاب قطعت يده، وهكذا لو سرق كتب العلم.

    وهناك شرط آخر لم يذكره -رحمه الله-: أن يكون مالاً منقولاً؛ لأن المال ينقسم إلى ثابت: وهو العقار، ومنقول: وهو من غير العقار والأثمان كما بيناه في البيع، وقلنا: إن المثمونات إما أن تكون من العقارات أو من المنقولات، فالأموال تنقسم: إلى ثمن ومثمن، والمثمن ينقسم إلى: عقار ومنقول، والثمن: هو الذهب والفضة، والمثمن: هو كل شيء من غير الذهب والفضة له قيمة، ثم هذا المثمن: إما أن يكون عقاراً كالبيوت، والأراضين، والمزارع، فهذه لا تقع فيها السرقة؛ لأن شرط السرقة: النقل، وهذه لا يمكن نقلها، فيسمى اغتصاباً ولا يسمى سرقة، فلا تقع عليه ضوابط السرقة، كما سيأتي في الشروط التي دلت عليها الأدلة.

    ومن هنا: اشترط النبي صلى الله عليه وسلم في ثبوت السرقة: نقلها من الحرز، وثبوت الأخذ الذي هو شرط الفعل، وإذا ثبت هذا: فإن السرقة لا تتحق بالمنقولات، وعليه بنى العلماء: اشتراط أن يكون المال منقولاً؛ لكي يخرج العقار، فإن العقار لا قطع فيه، وكذلك لو أنه اغتصب عمارة، أو اغتصب مزرعة، أو اغتصب مخططاً، فإنه لا يعتبر سارقاً.

    إذاً: يشترط أن يكون مالاً، وأن يكون المال متقوماً منقولاً.

    وقوله: (محترماً)، المال ينقسم إلى قسمين:

    إما أن يكون المال محترماً شرعاً، مثل: الذهب والفضة، والمعادن، والمجوهرات، والأكيسة، والأطعمة، ونحوها.

    وإما أن يكون غير محترم شرعاً، مثل: الميتة.. الخمر.. الخنزير، فهذه كلها لا قيمة لها شرعاً، فلو أن شخصاً سرق خمراً؛ فإنه لا تقطع يده، مع أن الخمر قد تباع ولها قيمة، فهي مال في الشكل، لكن الشرع أسقط عنها المالية.

    والدليل على أن الخمر والخنزير والميتة لا قيمة لها شرعاً: قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله ورسوله حرما بيع الميتة، والخمر، والخنزير، والأصنام)فهذا يدل على أن هذه الأشياء ليس لها قيمة في الشرع، وإذا لم يكن لها قيمة في الشرع؛ فهي غير محترمة، فلو أنه سرق خمراً، نقول: إنه لم يسرق مالاً؛ لأن الخمر ليست بمال، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا قطع إلا في ربع دينار) والخمر لا تساوي ربع الدينار ولا أقل؛ لأن الشرع أسقط المالية عنها، وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: أنه لما أهداه الرجل المزادتين من الخمر امتنع من قبولهما، وقام رجل وسارّ المهدي، فقال له عليه الصلاة والسلام: (بم ساررته؟ قال: أمرته أن يبيعها يا رسول الله! قال: إن الذي حرم شربها حرم ثمنها)وفي رواية: (حرم بيعها)، فلما قال: (حرم ثمنها، حرم بيعها) دل على أنه لا قيمة لها.

    من هنا: اشترط العلماء المالية، وأن يكون المال منقولاً ليخرج العقارات، وأن يكون متقوماً محترماً شرعاً، فيخرج آلة اللهو، ويخرج الخمر، والخنزير، والميتة، فهذه لا قيمة لها شرعاً.

    حكم سرقة آلات اللهو

    قال رحمه الله: [فلا قطع بسرقة آلة لهو].

    آلة اللهو ينبغي أن يفصل في حكمها، آلة اللهو لا قيمة لها شرعاً، لكن لو كانت الآلة -مثلاً- مصنوعة من ذهب، فإنه إذا سرقها فقد سرق مالاً، إذا كانت مموهة بالذهب، مطلية بالذهب، مصنوعة من الذهب، وفيها ربع دينار من الذهب فأكثر؛ فقد سرق ربع الدينار، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً)، ومن هنا: إذا كانت مصنوعة من مادة في الأصل لها قيمة، فإنه حينئذ لا ننظر إلى كونها آلة لهو، وإنما ننظر إلى وجود المالية في عين المال المسروق، ومن هنا: لو أنها كُسّرت جاز بيعها؛ لأنها كسرت، - إذاً: لها قيمة، وإذا كانت مطلية بذهب، أو فضة، وتعادل النصاب فأكثر فقد سرق مالاً معتبراً شرعاً، فكونها آلة لهو لا يضر، وبعض العلماء يفصل، ويقول: آلات اللهو إذا كانت لها قيمة في نفسها، بحيث لو كسرت تصلح أن تباع، وتكون قيمتها في البيع تعادل النصاب فأكثر، حينئذ يثبت القطع؛ لأنه سرق المال المعتبر شرعاً، أو ما يبلغ النصاب، وأما إذا كسرت ولا قيمة لها -أي: لا تعادل النصاب- فإنه لا قطع فيها.

    حكم سماع الدف

    فقوله: (آلة لهو) خرج اللهو المأذون به شرعاً، مثل: الدف، فالدف مأذون به شرعاً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدف)فلما قال عليه الصلاة والسلام: (الدف) دل على أن الدف من آلات اللهو المأذون بها شرعاً، والمباحة، والنص في هذا واضح؛ ولذلك ضربت الجارية على رأس النبي صلى الله عليه وسلم بالدف، وسمع الدف عليه الصلاة والسلام، وأذن به عليه الصلاة والسلام في النكاح.

    والعجيب! من البعض يقول: نعجب من الشيخ يفتي بحل جواز الدف، وكأنه منكر عظيم! يعتبرون أن هذا شيء لا يجوز، كيف يأذن النبي صلى الله عليه وسلم بضرب الدف في النكاح ويقول: (أعلنوا)؟ ولا يمكن أن يتحقق الإعلان إلا بسماع الناس له، ومن هنا: لا ينبغي للإنسان أن يحكم بالأحكام الشرعية بهواه وبالشيء الذي يألفه والذي لا يألفه، وإذا أنكر على غيره ممن بينه وبينه أخذ وعطاء، فلا يدعوه ذلك إلى ألا يتجرد للنص، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أعلنوا) وهذا خطاب عام، ومن هنا نقول: إن آلات الدف آلات محترمة شرعاً، لها قيمة، ولو أنه استأجر أمرأة لضرب الدف في العرس فبإجماع العلماء -رحمهم الله- على أنها إجارة شرعية، وذكر العلماء هذا وفرقوا بين الدف وغيره كما هو معروف في كتاب الشهادات، ففرقوا بين آلات اللهو والعزف وبين الدف، فالدف مأذون به شرعاً، وضربت الجارية على رأس النبي صلى الله عليه وسلم حينما قفل من غزوته، وكانت قد نذرت أن تضرب بذلك، ودخل عمر رضي الله عنه على المرأة وهي تغني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع، وكان عند عائشة رضي الله عنه جاريتان تغنيانها بما كان في يوم بعاث، فالأصول الشرعية تقتضي جواز ضربه وسماعه، لكننا نقول: الإغراق في هذا الشيء والمبالغة فيه مكروهة، لكن لا نقول: إنه حرام، ولا نقول: يسمعه النساء ولا يسمعه الرجال، من أين هذا التفصيل؟! الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (أعلنوا) ما قال: أعلنَّ، والنص واضح في هذا، وينبغي للإنسان أن يتجرد للنص وأن يتبع النص، وإذا سمع أحد من أهل العلم يفتي بشيء عنده دليل وعنده حجة، ويعلم أن هناك سنة وأن هناك دليلاً فإنه ربما يرد سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن رد سنة -والعياذ بالله- عن هوى ضل، فعلينا أن نتقي الله عز وجل في الأحكام الشرعية، وأن نفرق بين الدف وغيره، ونقول: إن الإغراق فيه وكثرة سماعه خلاف الأولى، أو نقول: إن هذا مكروه؛ لأنه يشغل عن ذكر الله عز وجل الذي هو أفضل، لكن لا نستطيع أن نقول: إن هذا حرام! وهل يتعبد الله عز وجل عباده أن يضربوا الدف بالنكاح بالمحرمات؟! وهل يأمر الله عز وجل بإعلان النكاح بالأمور الممقوتة شرعاً والمحرمة شرعاً؟! حاشا والله!

    إذا جاء النص فالإنسان يعمل به، وعليه أن يحترم أهل العلم ويحترم اجتهادهم ونظرهم؛ لأننا مأمورون بالوقوف عند النصوص، وعلينا أن نظن خيراً بأهل العلم المتقدمين الذين أجازوا، والمتأخرين مادام عندهم حجة، فنقف معهم وألا يدعو الإنسان إلى رد السنة بالهوى، وبالشيء الذي يألفه، فيرى الذي يألفه مسنوناً، والذي لا يألفه غير مسنون، ولو كان في بيئة تضرب الدف لكان شيئاً عادياً أن يقول: إنه جائز ومباح!

    فلذلك ينبغي لنا أن نتجرد للحق، وأن نعلم أن هناك سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا النوع من الآلات وهو الدف وأنه جائز ومشروع.

    وإذا كسر الدف وجب ضمانه، وإذا باع الدف واشتراه جاز ذلك؛ لأنه آلة لم يحرمها الشرع، ولم يحرم سماعها الشرع، وعلى هذا لو سرق هذه الآلة يجب القطع إن كانت تساوي نصاباً أو أكثر، وهذا على الأصل عند أهل العلم.

    حكم سرقة مال محرم كالخمر

    قال رحمه الله: [ولا محرم كالخمر].

    ولا تقطع اليد في محرم كالخمر، المصنف -رحمه الله- أسقط المالية عن آلة اللهو، وعن الخمر، والخمر إسقاط المالية عنها لنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (إن الله ورسوله حرما بيع الميتة، والخمر، والخنزير، والأصنام)فأسقط عن الميتة والخمر والخنزير المالية، والأصنام مفصل فيها على حسب مادتها كما هو معروف في قول جماهير العلماء والأئمة رحمهم الله، ولذلك لو كانت الأصنام من ذهب وسرقها شخص، وفيها ما يعادل النصاب فأكثر؛ قطعت يده، والخمر الخنزير والميتة محرمة العين؛ ولذلك لا مالية لها.

    يقول رحمه الله: (فلا قطع)، هذا مفرع على اشتراط المالية، أما الخمر ليست بمال، والميتة ليست بمال، والخنزير ليس بمال، والدليل على أن هذه الأشياء ليست بمال: حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين وهو المتقدم، وأما الخمر ففيها قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الذي حرم شربها حرم بيعها)، والخنزير فيه حديث نزول عيسى بن مريم عليه السلام في آخر الزمان كما في الحديث الصحيح: أنه ينزل حكماً عدلاً مقسطاً، وأنه يحكم بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب)فلما قال: (يقتل الخنزير) أسقط عنه المالية، ودل على أنه لا قيمة له شرعاً، ومن هنا: لو أنه سرق خنزيراً فإنه لا يجب عليه القطع.

    ولو سرق حيواناً محنطاً، وهذا الحيوان المحنط قيمته -مثلاً- خمسة آلاف ريال، وهذا الحيوان المحنط من الميتات، فنقول: لا قطع؛ لأنه ليس له قيمة شرعاً، ولو سرق آلة لهو، وهذه آلة اللهو من خشب فلو كسرت لا تساوي شيئاً، أو تساوي ما دون النصاب؛ فإنه لا قطع، لكن لو كسرت مادتها وفيها ربع دينار فأكثر أو ثلاثة دراهم فأكثر؛ ففيه القطع، ويفصل بهذا التفصيل.

    1.   

    اختلاف العلماء في اشتراط النصاب لقطع يد السارق

    قال رحمه الله: [ويشترط أن يكون نصاباً، وهو: ثلاثة دراهم، أو ربع دينار. أو عرض قيمته كأحدهما، وإذا نقصت قيمته المسروق أو حكمها السارق لم يسقط القطع].

    ذهب جمهور العلماء -رحمهم الله- ومنهم الأئمة الأربعة: إلى أننا لا نقطع يد السارق حتى يكون الذي سرقه قد بلغ النصاب، والأصل في ذلك: ما ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً)وجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على اعتبار النصاب فقال: (في ربع دينار فصاعداً) فدل على أن ما دون ربع الدينار ليس بمحل للقطع، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام في البستان إذا سُرق منه الثمر بعد أن يؤويه الجرين أنه قال: (فإذا سرق منه بعد أن يؤويه الجرين -الذي هو الحرز- ما يعادل ثمن المجن قطعت يده)فاشترط عليه الصلاة والسلام شرطين:

    الشرط الأول: أن يكون الثمر قد أواه الجرين: وهو بيت الحفظ للثمرة، وهو حرز الثمرة، أما إذا كان على النخلة وسرق فلا قطع.

    الشرط الثاني: أن يكون قد بلغ النصاب، فقال: (إذا بلغ ثمن المجن)وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام: أنه قطع في المجن، قالت أم المؤمنين عائشة حينما سئلت عن المجن، قالت: إنّ قيمته كانت ربع دينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم. فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترط النصاب للقطع في السرقة، ومن هنا: ذهب الأئمة الأربعة إلى أننا لا نقطع في القليل والكثير، وإنما يشترط: أن يكون المال المسروق قد بلغ نصاباً، واختلف الأئمة الأربعة في قدر النصاب كما سيأتي، لكنهم متفقون على أن النصاب شرط من شروط السرقة.

    وذهب الظاهرية رحمهم الله إلى أنه لا يشترط النصاب، وأن من سرق أي شيء قليلاً كان أو كثيراً؛ فعليه القطع، وهذا مبني على عموم القرآن في قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، قالوا: إن الله لم يشترط نصاباً، وقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)قالوا: والبيضة لا تعادل ربع الدينار، وأجيب عن الدليلين بما يلي:

    الدليل الأول وهو قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ عام مخصص بالسنة، والقاعدة: أنه لا تعارض بين عام وخاص، وأن العام من النصوص من الكتاب والسنة يجب حمله على الخاص، وحينئذ نقول: إن هذا النص وهو قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ قد جاء ما يبين لنا حد السرقة شرعاً في السنة، فلا نعتبر ما دون النصاب سرقة، ولكن نوجب فيه تغريم السارق ضعفي قيمته، كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في حديث السنن، ولا نقطع، فإذا كان دون النصاب فإنه يغرم ضعفي القيمة ويؤدب ويعزر، ولكن لا تقطع يده.

    أما بالنسبة لاستدلالهم بحديث : (لعن الله السارق) فأجيب بأن البيضة هي من السلاح، وتكون غطاءً للمقاتل في قتاله، ومنها ما يعادل ثمنه الربع دينار، فمعنى قوله: (لعن الله السارق يسرق البيضة) أي: ما يعادل القطع، والحبل منهم من أجاب: بأن حبل السفن يعادل ربع الدينار، ولكن الأنسب في هذا الحديث أن يجاب عنه من أحد وجهين:

    الوجه الأول: أن نقول: أنه خرج مخرج المبالغة، وما خرج مخرج المبالغة لم يعتبر مفهومه، يعني: بولغ في الأمر، وليس المراد به اللفظ، مثل قوله: (الحج عرفة)ليس المراد: أنه لا يوجد حج إلا الوقوف بعرفة فقط، وإنما المراد به: المبالغة، وبيان عظم أمر عرفة، وهنا: عظم رسول الله صلى الله عليه وسلم السرقة فقال: (يسرق البيضة فتقطع يده) ، وهذا على سبيل المبالغة والتبشيع.

    الوجه الثاني: أن نقول: إن هذا الإطلاق مقيد بما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون المراد به: ما عادل قيمة السرقة.

    هذا بالنسبة لمسألة اشتراط النصاب، فالصحيح: أنه لا نقطع اليد إلا إذا بلغ المال المسروق نصاباً، وأن هذه الإطلاقات في الكتاب والسنة مقيدة بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه: فإننا لا نقطع إلا فيما يكون نصاباً.

    قدر النصاب في مال السرقة

    إذا كان النصاب معتبراً شرعاً؛ فالسؤال: كم هو النصاب؟

    ذهب الحنابلة، والمالكية من حيث الجملة -وعندهم تفصيل- إلى أن النصاب ما يعادل ربع الدينار من الذهب، وثلاثة دراهم من الفضة، والمالكية يرون أن الدراهم هي الأصل، والحنابلة يرون أن الدراهم والدنانير كلاهما أصل، أو ما يعادل قيمة أي واحد منهما، وهذا المذهب هو الذي اختاره المصنف -رحمه الله- ودرج عليه، وهو قول طائفة من السلف رحمهم الله، هذا القول الأول.

    القول الثاني: أنه لا يعتد إلا بربع دينار، وأن نصاب السرقة هو: ربع دينار، ولا ينظر إلى الفضة، وأنه لا بد من التقييم بالذهب وحده، وهذا مذهب الشافعية.

    القول الثالث: أن النصاب هو: ربع دينار، أو عشرة دراهم، وهو مذهب الحنفية رحمهم الله.

    والذين قالوا بأن العبرة بربع دينار أو بثلاثة دراهم، أو ما يعادل قيمة أحدهما استدلوا بالسنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأما ربع الدينار فالحديث ثابت في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً)إذاً: هذا أصل في الذهب، ونعتبر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا قطع إلا في ربع دينار) أن ما يساوي من الذهب ربع الدينار فأكثر نقطع به.

    وأما الدراهم: فعندنا حديث ابن عمر رضي الله عنهما وهو في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في دلو قيمته ثلاثة دراهم. وهذا يدل: على أن الثلاثة دراهم نصاب في السرقة.

    والذين قالوا: إن العبرة بربع الدينار -وهم الشافعية- احتجوا بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

    والذين قالوا: إن العبرة بعشرة دراهم استدلوا بحديث الحجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (لا قطع إلا في عشرة دراهم)، وهذا حديث ضعيف.

    والذي يترجح هو القول بأن العبرة بربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو يعادل أي واحد منهما.

    والفرق بين قول الشافعية والحنابلة: أنه لو سرق ثوباً وقيمة هذا الثوب -مثلاً- ثلاثة دراهم، ولكنها لا تعادل ربع الدينار، فحينئذ عادل نصاب الفضة، ولم يعادل نصاب الذهب، فالشافعية لا يقطعون، والحنابلة يقطعون، وهو الصحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في المجن وقيمته ثلاثة دراهم، وهم يجيبون عن هذا، ولكن يعادَل بالذهب أو بالفضة، أو ما هو معادل لقيمة الذهب أو قيمة الفضة، وهذا هو الصحيح، وله أصل، واحتج بعض العلماء -رحمهم الله- في هذه المسألة مثل الإمام ابن قدامة بأن هذا التقدير، وهذا المسلك اعتبره نفس الحنفية، والشافعية في كتاب الزكاة، واعتبروه في تقييم الأنصبة، واعتبروه في الديات في القتل كما مر معنا.

    إذاً: قول الحنابلة في هذه المسألة أشبه وأولى -إن شاء الله- بالترجيح وأن العبرة بربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو ما يعادل إحدى القيمتين.

    ويتفرع على هذا: إذا قلنا: ربع دينار؛ أنه يقطع إذا كسر الدينار، وأخذ من هذا الكسر ما يعادل الربع، أو كان فيه كسرة تعادل ربع الدينار، ويشترط في قطعه بربع الدينار: أن يكون وزنها خالصاً من الذهب، فلو كان ربع الدينار فيه غش مضروب، وفيه مادة من النحاس، بمقدار عشرة في المئة، أو عشرين في المئة، مغشوش بهذا القدر؛ فإن ربع الدينار ليس بخالص، فلا بد أن يكون مصفىً من الذهب بعدل ربع الدينار، فإذا نقص بالشوب؛ فإنه لا قطع. فيستوي في الربع الدينار أن يكون ربع دينار، أو يكون مقطعاً أجزاء، ويستوي أن يكون من الدينار نفسه، أو يكون من الذهب تبراً، أو حلياً، أو سبائك، وكل هذا إذا عادل الذهب الخالص منه ما قيمته ربع دينار؛ فإنه تقطع به اليد.

    كذلك قولهم: ثلاثة دراهم، فإن أي شيء من الفضة يعادل بعد التصفية من الشوب ثلاثة دراهم فإنه تقطع به اليد. يستوي أن تكون الفضة من الدراهم نفسها ثلاثة، أو تكون ثلاثة دراهم مكسرة، أو تكون قطعاً فضية وزنها وزن الثلاثة دراهم خالصة، أو تكون -مثلاً- أقلاماً، أو حديداً مطلياً بفضة ولو صفي هذا الطلاء الموجود لعادل ثلاثة دراهم؛ ففيه القطع.

    كذلك أيضاً: ما قيمته ربع دينار، وما قيمته ثلاثة دراهم: لو أنه سرق مجوهرات، فإننا ننظر إلى قيمة هذه المجوهرات، فلو سرق خاتماً من زبرجد، أو خاتماً من عقيق، أو خاتماً عليه أحجار كريمة، أو خاتماً من حديد، نظرنا قيمة هذه الأحجار الكريمة وقيمة الخاتم، فإن كان هذا الخاتم من حديد بنقشه وما فيه من الأحجار الكريمة وما هو مرصع به من الجواهر يعادل ربع الدينار في قيمته أو يعادل ثلاثة دراهم في قيمته؛ قطعنا يده.

    وهكذا لو أنه دخل إلى محل وكسر حرزه وسرق منه -مثلاً- كيس أرز أو كيس سكر نظرنا إلى قيمة هذا السكر أو الأرز، فإن كانت قيمته تعادل ربع الدينار أو تعادل قيمته ثلاثة دراهم؛ أوجبنا القطع.

    ولو دخل -مثلاً- مكتبة، وكسر بابها، ودخل إلى داخلها، فسرق منها كتباً أو أقلاماً أو دفاتر، أو دخل إلى محل قماش فسرق منه طاقات قماش؛ ننظر إلى عدل هذه الأشياء من غير الذهب والفضة بالذهب والفضة، فإن بلغت بالذهب ما قيمته ربع الدينار فصاعداً قطعت يده، وإن بلغت بالفضة ما قيمته ثلاثة دراهم فصاعداً قطعت يده، وهذا هو الصحيح، وهو الذي اختاره المصنف رحمه الله، وأن الأمر لا يختص بنصاب الذهب، بل إنه يشمل الذهب أو الفضة أو ما يعادل إحدى القيمتين.

    1.   

    اعتبار قيمة المسروق عند إخراجه من الحرز

    قال رحمه الله: [وتعتبر قيمتها وقت إخراجها من الحرز].

    أو عرض قيمته -أي: قيمة النصاب- وقت إخراجها من الحرز، مثل ما ذكرنا في الأطعمة والأكسية، لو أنه مثلاً: جاء إلى مستودع فيه حديد وسرق قطع حديد، أو جاء إلى قطع غيار وهي في حرزها محفوظة وكسر أقفالها ودخل إلى الحرز فأخرج حديداً قيمته تعادل النصاب فأكثر؛ فإذا وقع الأمر على هذا الوجه فهو سرقة؛ لأنه عادل النصاب. لكن السؤال: هل العبرة في قيمة النصاب أثناء أخذ المسروق أم العبرة بعد إخراجه من الحرز؟

    بعض العلماء يقول: العبرة بوقت الأخذ، وبعضهم يقول: العبرة بوقت خروجه من الحرز.

    قلنا: إنه يشترط أن تكون القيمة وقت الخروج؛ لأن السرقة لا تتحقق إلا بالإخراج، فلو أنه كسر القفل وأراد أن يخرج المال من الصندوق ولم يخرجه فليس بسارق؛ لأنه لم يأخذ، وكذلك لو أنه دخل إلى مستودع الحديد أو مستودع قطع الغيار، أو المكتبة، أو دخل إلى محل القماش، فهذا شروع في الجريمة، والشروع في الجريمة لا يعتبر جريمة، يعني: لا يأخذ حكم الجريمة كلها؛ لأن الله جعل لكل شيء قدره، فمن عمل مقدمات الزنا ولم يزن فليس بآخذ حكم الزاني، ومن هنا: شدد النبي صلى الله عليه وسلم في الجرائم التي لها عقوبات لمعرفة الفعل، حتى أنه سأل ماعزاً رضي الله عنه، وشدد عليه حتى يتحقق أن الجريمة وقعت، وأن هناك فرقاً بين الشروع في الجريمة وبين الجريمة نفسها، فالرجل حينما اشتكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه أصاب من المرأة دون الحد، فهذا شروع في الجريمة، ولكنه لم يصل إلى الجريمة نفسها، فمن دخل إلى محل فيه قطع غيار، أو دخل إلى محل فيه المال فكسر أغلاقه، ولكنه لم يخرج؛ فليس بسارق، فإذا أخرج المسروق فقد وقع فعل السرقة، حينئذ إذا أخرج وتمت صورة الإخراج المعتبرة شرعاً؛ نظرنا في قيمة المخرج، وهنا يرد السؤال عن النصاب: هل الذي أخرجه يعادل النصاب أو لا يعادله؟

    فائدة المسألة: أنه لو دخل وكسر الأغلاق ووصل إلى داخل الحرز، ولكنه لم يخرج المال من الحرز فليس بسارق كما سيأتينا، فلو كانت قيمة المال الذي أخذه أثناء أخذه تعادل ربع دينار، ولكنه لما أخرجه نقصت قيمته عن ربع الدينار؛ فليس بسارق، أي: أنه لم يبلغ نصاب السرقة؛ لأن العبرة بوقت الإخراج، وليس العبرة بوقت الشروع في الجريمة، أو فعل الجريمة نفسها، ومن هنا اشترط العلماء: أن تكون القيمة وقت الإخراج. ويترتب على هذا: ما لو أفسد المال قبل إخراجه، فلو أنه جاء -مثلاً- يريد أن يسرق وعاءً من الزجاج نفيساً غالياً، وكسر الأغلاق ودخل، ثم أراد أن يحمل الوعاء فسقط من يده فانكسر، ولكنه لم يخرجه من حرز، فحينئذ لم تتحقق السرقة، ويعتبر جناية إتلاف، وفيها الضمان، فلو أخذ أجزاء هذا المكسور، وكانت أجزاء المكسور تعادل ربع الدينار فهي سرقة، ولو أخذ أجزاء المكسور وهي لا تعادل ربع الدينار فليست بسرقة؛ لأنها دون النصاب، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: (وإذا أخذ -أي: من الثمر- بعد أن يؤويه الجرين ما قيمته ثمن المجن قطع) فقال: (أخذ) فاشترط عليه الصلاة والسلام الأخذ، وقال: (ما قيمته ثمن المجن) فجعله عدلاً بالنصاب، ومن هنا نعتبر قيمة النصاب وقت الإخراج، ومن هنا: لو أنه أراد أن يسرق شاة، وهذه الشاة قيمتها ربع دينار، ثم دخل إلى زريبة الغنم وأمسك بالشاة، ثم ذبحها حتى لا تصيح وتفضحه، فلما ذبحها أخرجها وهي مذبوحة نظرنا: فإذا كانت بعد الذبح تعادل ربع الدينار؛ فحينئذ ثبتت السرقة، وإذا كانت بعد الذبح ينقصها الذبح عن ربع الدينار، وعن ثلاثة دراهم فليست بسرقة؛ لأنه لم يأخذ مالاً معادلاً للنصاب.

    إذاً: العبرة عند العلماء -كما اختاره المصنف رحمه الله- بقيمة النصاب وقت الإخراج، ولو أنه في الساعة الثانية كسر الأغلاق، وفي الساعة الثالثة جمع المسروقات وخرج بها، فعند خروجه في الساعة الثالثة كان قيمة هذه الأشياء المسروقة لا تعادل النصاب سقط الحد مع أنه وقت الكسر للأقفال، ووقت الشروع في الجريمة كانت تعادل النصاب.

    هنا مسألة ذكرها بعض العلماء: يقولون: لو أنه دخل وأتلف الشيء، مثل: أن يبلعه، لو أنه مثلاً: أخذ ذهباً وبلعه حتى لا يعرف أنه سرقه، ثم خرج به، فهل هو سارق؟ الجواب: نعم، يعتبر سارقاً؛ لأنه إذا بلعه فقد حفظه في جوفه كما لو حفظه في جيبه، فالجوف مثل الجيب، وهذه حيلة لبعضهم أثناء السرقة: أنهم يبلعون بعض الأشياء المسروقة، ثم يأخذونها -أكرمكم الله- إذا خرجت من الجسم، وبعض العلماء يقول: لا، هذه شبهة: إذا بلعه فليس بسارق؛ لأنه لم يأخذه محمولاً، وهذا ضعيف؛ لأن الحمل بالجوف كالحمل باليد، ولا شك أنه إذا خرجت فضلات الجسم خرج هذا الشيء، وبعد ذلك يتحقق أنه سرق، فالذين يقولون: إنه لا يعتبر سارقاً، يقولون: لا يعتبر سارقاً إلا إذا أخرجه، فإذا أخرجه فإنه سارق، وإذا لم يخرجه فليس بسارق، لماذا؟ قالوا: لأنه إذا وضعه في جوفه ولم يخرجه احتمال أنه يموت قبل أن يخرجه، وحينئذ لا تتحقق السرقة، وهذا ضعيف؛ لأنه لا يشترط أن ينتفع به، وإنما يشترط فقط أن يتسبب في إخراجه من الحرز، كما لو أنه أخذ المال، ورماه من فوق الجدار، ثم تأخر بالخروج، وجاء سارق آخر وأخذه، ففي هذه الحالة يعتبر سارقاً؛ لأن السرقة تتحقق بالإخراج، سواءً هو الذي انتفع، أو انتفع غيره، فالجريمة وقعت، ومن هنا يقال: العبرة بوجود الأخذ، والعبرة في القيمة بوقت الإخراج، لا بوقت الأخذ.

    قال رحمه الله: [فلو ذبح فيه كبشاً، أو شق فيه ثوباً، فنقصت قيمته عن نصاب، ثم أخرجه، أو تلف فيه المال؛ لم يقطع].

    فلو ذبح فيه كبشاً، في داخل الزريبة قبل أن يخرجه من الحرز، وكانت قيمة الكبش مذبوحاً أقل من قيمة النصاب، وقيمته حياً تعادل قيمة النصاب سقط الحد؛ لأنه لما خرج أخرج مالاً دون النصاب.

    وقوله: (أو شق ثوباً)، جاء إلى فستان يريد أن يسرقه، وهذا الفستان تعادل قيمته قيمة النصاب إذا كان مفصلاً، ولكنه لو قطع فإنه لا يعادل قيمة النصاب، فجاء يريد أخذ الفستان فشاء الله عز وجل أن ينشق الفستان أو أنه فسد بأي طريقة، سواءً نزعه أو أراد أن يحفظه فانشق، أو هو شقه بالقصد، فكل هذه الأحوال مادام أنه حصل الإتلاف الذي ينقص القيمة عن النصاب فإنه يؤثر.

    وقوله: (فنقصت قيمته عن نصاب)، يعني: أثناء الخروج.

    وقوله: (ثم أخرجه، أو تلف فيه المال لم يقطع)، أقول: لا تستعجبوا من الأمثلة! لأنه لا بد أن نأتي بأمثلة نطبق عليها قواعد العلماء -رحمهم الله- ومن هنا يظهر الفقه، فلو سرق شخص طبق بيض، وطبق البيض قيمته تعادل النصاب، فلما أراد أن يخرج سقط البيض من يده على الأرض وتلف قبل أن يخرج، فحينئذ لا قطع، ولو أنه أخذ خلاً في إناء من زجاج، والخل هذا قيمته ربع دينار فأكثر، أو ثلاثة دراهم فأكثر، ثم جاء يحمله فانزلق من يده فانكسر، فحينئذ تلف الخل، وتلف البيض، فهذا التلف يذهب القيمة، فلا حد ولا قطع؛ لأنه لم يسرق، والشروع في الجريمة لا يوجب ثبوت الحد كما ذكرنا.

    1.   

    الأسئلة

    لا ضمان ولا قطع في قتل أو سرقة الكلاب

    السؤال: هل كلب الصيد أو الحراسة من المال المحترم؟

    الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصبحه ومن والاه. أما بعد:

    كلب الصيد ليس بمال محترم، والدليل على ذلك:

    أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيحين من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه أنه قال: (ثمن الكلب خبيث) وفي لفظ: (ثمن الكلب سحت)، وفي الصحيحين أيضاً من حديث عقبة بن عامر البدري رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب)، وفي الصحيح من حديث جابر رضي الله عنه أنه سئل عن بيع الكلب والسنور فقال: (زجر النبي صلى الله عليه وسلم عنه)، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما في سنن أبو داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، وقال: (إن جاءك يريد أخذ ماله، أو أخذ ثمنه فاملأ كفه تراباً)، فهذه الأحاديث الصحيحة تدل على أن الكلب ليس بمال، وليس له قيمة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاءك يريد أخذ ماله فاملأ كفه تراباً)، فأسقط المالية عن الكلب، ولم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الكلب المأذون باتخاذه -ككلب الصيد والحرث والماشية- وبين غيرها، ومن هنا: فالحكم عام، وعليه: فإنه لو قتل كلب صيد، فلا ضمان على من قتله، وقد تقدمت معنا في باب البيع هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

    الفرق بين سرقة الثمار من النخل وبين السرقة من مكان مسور

    السؤال: أشكل علي أنه لا قطع على من سرق من النخل، وبين من سرق من مكان مسور لا يدخله أحد إلا بإذن صاحبه، مثل مزارع النخيل؟

    الجواب: الحرز لا بد من اعتباره في السرقة، والنبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الثمرة على النخلة، وبين الثمرة في حرزها، فقال: (لا قطع في ثمر ولا كثر)، والحديث في السنن عند أبي داود ، وابن ماجة ، والترمذي ، وأحمد في مسنده، والنسائي ، وهو حديث صحيح، فبين أنه لا قطع فيها، وروى النسائي -وهو حديث صحيح أيضاً- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن أخذ بفيه -أكل- من غير خبنة، ولم يحمل شيئاً فلا قطع، فإن أخذ -من الثمر- وخرج به -من البستان- قبل أن يؤويه الجرين فعليه العقوبة، وضعف القيمة...) يعني: يعاقب بأن يدفع قيمة الثمر مرتين، ويعاقب بالتعزير كما تقدم معنا ما كان دون الحد، (..ومن أخذ بعد أن يؤويه الجرين ما قيمته ثمن المجن قطع)، ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الحرز، ولم يجعل الثمرة على النخل حرزاً، ومن هنا لو قص العرجون من فوق النخلة، ولوكان يساوي ربع الدينار فإنه لا قطع عليه؛ لأنه لم يحصل الشرط وهو الدخول والأخذ من الحرز.

    وأما مسألة البساتين نفسها إذا كانت محاطة، فإن هذا السياج ليس وحده هو الحرز؛ لأن السنة بينت أنه يشترط في الثمر أن يؤويه الجرين؛ لأن البساتين مثل المساجد، ومثل الأماكن العامة، يدخلها الناس، فمنهم من يدخل بإذنه، ومنهم من لا يدخل بإذنه، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من مر ببستان فدخله فأكل منه غير متأثل -يعني: غير متمون- وأكل على قدر كفايته فإنه ليس بسارق، وهذا مما أذن به، ولذلك الخارص إذا خرص النخلة أسقط منها هذه الأشياء المأخوذة، ولا زكاة فيها، فالشريعة فرقت بين الأخذ من البساتين من ثمارها ومما فيها من النتاج مادام أنه لم يؤوه الحرز والجرين كما في الثمر، وبين الذي قد آواه الجرين، فما كان داخل الحرز وأخذ من حرزه ففيه القطع، وهذا تفريق السنة، وليس تفريقنا نحن, فليس بمحل إشكال.

    وكونك تقول: لو جاء وأخذ من المستودعات المحاطة بأسورة أنه تقطع يده، فهناك فرق، فالمستودعات المعدة للحفظ أسورتها حرز لها، إذا وضعت عليها أسورة تتناسب مع المال المحفوظ، وكانت في موضع وعليها حراسها، ومن هنا: يكون الشيء الموضوع وفي الحرز، والعين الحافظة، فإذا جاء وتغفل الحافظ وسرق المال، فإنه قد سرق من حرز، بخلاف الثمر الذي على النخل، وهذا كله بتفريق الشرع، وهذا مال حرزه أن يؤوى إلى الجرين وهو الثمر، وهذا مال حرزه أن يكون محفوظاً داخل هذه الأسورة، أو داخل هذا الحائط، ونحو ذلك، وعلى هذا لا إشكال، كل مال يعتبر فيه الحرز بحسبه، والله تعالى أعلم.

    عدم الفرق بين قولك: اتفق العلماء وأجمع العلماء

    السؤال: هل هناك فرق بين الاتفاق والإجماع؟ وهل يعتبر اتفاق العلماء إجماعاً؟

    الجواب: الإجماع له صيغتان: صيغة قوية، وصيغة ضعيفة، بعض العلماء يقول: قوية وضعيفة، وبعضهم يقول: صريحة وغير صريحة، فصيغة الإجماع القوية والصريحة: أجمعوا واتفقوا، فإذا قال العالم: اتفق العلماء، أو قال: أجمع العلماء، فهو إجماع، ولا يقال: اتفقوا وأجمعوا إلا فيما فيه إجماع مثل ما نقول: اتفقوا على وجوب الصلاة، واتفقوا على وجوب الوضوء، هذا إجماع، والاتفاق بهذه الصيغة يعتبر من صيغ الإجماع القوية والصريحة.

    أما صيغة الإجماع الضعيفة فهي: لا خلاف، ولا نعلم مخالفاً، ولا أعلم مخالفاً، ولا يُعلم له مخالف، فهذه كلها من الصيغ الضعيفة، يحتمل ما قلنا: لا نعلم خلافاً، حسب علمنا، ولكننا لم نعلم، ولا يُعلم مخالف -هذه بصيغة البناء للمجهول- ولكن قد يوجد المخالف، لكن حينما تقول: أجمعوا، فمعنى ذلك: أنهم اعتبروا الحكم المذكور في الإجماع، والاتفاق إجماع.

    وبعضهم يقول: (اتفقوا) للأئمة الأربعة، و(أجمعوا) لغيرهم، وهذا غير صحيح، فالعلماء وأئمة الأصول يقولون: إنّ اتفقوا: من صيغ الإجماع الصريحة, وليست خاصة بالمذاهب الأربعة، فينبه على هذا، لكن إذا كان عالم من العلماء سار على مصطلح ففرق بين أجمعوا واتفقوا، فجعل اتفقوا في الأئمة الأربعة، وأجمعوا فيما زاد عنهم وهو الإجماع المحرر، فهذا اصطلاح خاص، ولكن الأصل عند علماء الأصول: أن صيغة أجمعوا واتفقوا واحدة، ولا فرق بينهما، والله تعالى أعلم.

    الإمام ابن رشد والإمام ابن قدامة من أئمة النقل للإجماع يعبران بـ(اتفقوا)، ويعبران بـ(أجمعوا)، والإمام ابن حزم رحم الله الجميع يقول في مراتب الإجماع: واتفقوا، فيعبر عن الإجماع بالاتفاق، فمسألة أن صيغة (اتفقوا) لا تدل على الإجماع، هذا ليس بصحيح، بل تدل على الإجماع، وعلى هذا تعتبر من الصيغ القوية، وعرفوا الإجماع بقولهم: هو اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم على حكم من الأحكام الشرعية في أي عصر من العصور، قالوا: الإجماع: اتفاق، فعبروا بالاتفاق عن الإجماع، فدل على أنهم يعتبرون الإجماع اتفاقاً.

    متى تدرك الركعة مع الإمام

    السؤال: بمَ تدرك الركعة مع الإمام؟

    الجواب: تدرك الركعة مع الإمام بإدراك التكبير للركوع والفراغ منه قبل أن يبدأ الإمام بالتسميع، فإذا وجدت الإمام قد حنى ظهره، وفرغت من الله أكبر، فكبرت للركوع قبل أن يبدأ بالسين من (سمع) فقد أدركت الركعة، وإذا أدركت الركعة أدركت الصلاة، وعلى هذا ففي يوم الجمعة، لو أنك جئت في الركعة الثانية والإمام في الركوع، وقلت: الله أكبر، وأدركت الركوع قبل أن يرفع الإمام، وقبل أن يبدأ بالسين من (سمع) فقد أدركتها جمعة، فتضيف ركعة واحدة، ولكن لو أن المأموم جاء وقال: (الله).. وقبل أن يقول: (أكبر)، قال الإمام: سمع، فحينئذ لم يدرك الركوع، ويبقى واقفاً؛ لأنه أدرك ما بعد الركوع، فإذا بدأ الإمام بالسين من (سمع) انقطع الإدراك، سواءً كان ذلك قبل أن يكبر للركوع، أو أثناء تكبيره للركوع، وقبل الفراغ، فالشرط أن يفرغ من الله أكبر، قبل أن يبدأ الإمام بالسين من سمع، حتى لو رأيت رأسه مرفوعاً، ولم يتكلم وكبرت أنت بسرعة، وتكلم بعد أن كبرت فإنك قد أدركت الركوع، فالعبرة بالانتقال بالفعل وليس بالقول.

    كيفية صلاة المجتهدين المختلفين في القبلة جماعة

    السؤال: رجلان اجتهدا فتخالفا في القبلة، فأحدهما يصلي إلى جهة المشرق، والآخر إلى جهة الشمال، هل من الممكن أن يصليا جماعة وهما على هذه الحالة؟

    الجواب: يصلي كل واحد إلى جهته؛ لأنه يعتقد أن القبلة في غير جهته، فإذا صلى مع الآخر فقد صلى إلى غير قبلة، ومن هنا نص الجمهور على أنه: إذا اختلف مجتهدان في قبلة لم يجز لأحدهما أن يصلي وراء الآخر، وذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز أن يصلي أحدهما وراء الآخر، وجعلوا هذه المسألة من مسألة الاقتداء في المخالف في الفروع، وهي مسألة تحتاج إلى تحرير، والأول أحوط وأقوى وأولى إن شاء الله، والله تعالى أعلم.

    ترك صلاة الجماعة للضرورة

    السؤال: أنا طبيب في الطوارئ في أحد المستوصفات الطبية، هل يجوز لي الصلاة في جماعة في العمل حيث أنه توجد أحياناً حالات حرجة؟

    الجواب: الأطباء تتعلق بهم أرواح الناس، ولا شك إذا كان في وقت يخشى فيه إتيان الحالات الطارئة، أو خُصص للحالات الطارئة، وهكذا من يكون في حراسة أموال الناس، أو حراسة أرواحهم كأجهزة الأمن ونحوها، أثناء تلبسهم بهذه الأعمال يرخص لهم في ترك الجماعة، ويرخص لهم في ترك الجمعة إذا حصلت ضرورة، وهذا مبني على أصول الشريعة: أنه إذا خشي على الأنفس يجوز لهم أن يصلوا جماعة في أعمالهم، خاصة وأنه يقول: أصلي جماعة في عملي، فهذا لا بأس فيه، ولا حرج، بل حتى لو أدى الأمر إلى ترك الجماعة فهو مرخص له.

    وتوضيح ذلك: أنه لو جاءته حالة طارئة بين الحياة والموت، وتوقف لإنقاذ هذه الجراحة على عمل جراحي، أو تدبير جراحي، فإنه في هذه الحالة مسئول أمام الله عن هذه النفس، وتعين عليه شرعاً أن ينقذها، حتى إن بعض العلماء يقول: كل طبيب قدر على إنقاذ نفس ولم ينقذها فإنه -والعياذ بالله- يعتبر قاتلاً، كما لو رأى غريقاً وهو قادر على إسعافه وإنقاذه، ولم يسعفه يعتبر قاتلاً، حتى إن الإمام ابن حزم -رحمه الله- يرى أن عليه القصاص، ويقول: لأنه كان قادراً على إنقاذه، وهذا قول مرجوح؛ لأنه بعض الأحيان لا يقصد قتله، لكن انظروا كيف يشدد العلماء في التساهل في هذا الحق! فهم يعتبرونه من الفرض العيني إذا توقف إنقاذ هذه النفس عليه، وأما الدليل: فلا يخفى أن النبي صلى الله عليه وسلم تخلف عن الجماعة للمرض، وكان معه العباس ، وعلي رضي الله عنهم، ثم خرج إلى الصلاة وهو يهادى بينهما، فمعنى ذلك: أنهما لم يحضرا الجماعة، وكانا مع النبي صلى الله عليه وسلم.

    واستدلوا أيضاً بحديث أنس في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سقط عن فرسه فجحش شقه الأيمن، قال أنس رضي الله عنه: (فصلى في المشربة فصلينا بصلاته)، فتركوا الجماعة في المسجد، وصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في المشربة، وله أصل من فعل السلف: فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع الصارخ على ابن عمه، وهو في سكرات الموت، وهو خارج إلى صلاة الجمعة، فترك الجمعة ورجع إلى ابن عمه، وهذه أحوال خاصة إذا خشي فيها على النفس الموت والهلاك.

    فالأطباء عليهم مسئولية، تصور لو أن طبيباً قال: أذهب وأحضر الجمعة، وذهب وحضر الجمعة، وجاءت حالة طارئة في نفس وقت صلاة الجمعة، فمن يكون المسئول أمام الله عز وجل؟ هو خُصص من ولي الأمر، وأعطي راتبه من بيت مال المسلمين على أن يقوم بهذا الأمر، ويُكلف به، ويناط به، فقد تعين عليه أن يقوم به، لكن لو أنه أراد أن يخرج إلى موضع قريب يصلي به واحتاط، وقال لهم: بمجرد أن تروا حالة طارئة أخبروني، فهذا إذا كان يتدارك فيه الأمور لا بأس، أما لو أنه لا يتدارك الأمور، فلا يجوز التغرير بأرواح المسلمين، والمخاطرة بها، ولذلك أسقط الله عن المسلمين الجماعة عند الخوف على النفس، كما في حال المسايفة، فإنه في حال القتال في المسايفة يصلي الرجل وهو يضرب العدو، لماذا؟ لأنه لو تفرغ يصلي لقتله العدو، فحفظ الله النفس، وأسقط بحفظ النفس أفعال الصلاة كلها من الركوع والسجود، حتى إن الرجل ليضرب بسيفه، ويقول: الله أكبر! سبحان ربي العظيم، وهو لا يركع ولا يسجد ولا يستقبل القبلة، كما قال الله عز وجل: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:239]، فأحل في حال المسايفة أن نصلي رجالاً، وركباناً، ولا نستقبل القبلة، ولا نركع ولا نسجد حفاظاً على الأنفس والأرواح، فإذا كان في نفس واحدة تتخلف، فما بالك بمن أنيطت به أرواح الناس! وبمن أنيطت به أجسادهم! لا شك أن هذا أولى وأحرى، ولذلك هؤلاء الأطباء ونحوهم ممن تتعلق بهم أرواح الناس وتتعلق بهم المسئولية عن هذا الأمر العظيم يرخص لهم في ترك الجمعة والجماعة، ولكن ينبغي لكل طبيب أن يرجع إلى عالم ليضع له الضوابط المعتبرة لهذا الترك، ومتى يعتبر معذوراً، ومتى لا يعتبر معذوراً، والله تعالى أعلم.

    حكم من فقد الماء أثناء ركوب الطائرة

    السؤال: من أدركته الصلاة على الطائرة، ولم يجد ما يتوضأ به من الماء، ولا ما يتيمم به، فكيف يؤدي صلاته؟

    الجواب: هذا فيه تفصيل: إذا كان السفر يستغرق وقت الصلاة، بحيث لا يمكن أن ينزل إلى الأرض، ويجد الماء قبل خروج الوقت فإن حكمه حكم فاقد الطهورين، وفاقد الطهورين يصلي على حاله، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حينما فقد النبي صلى الله عليه وسلم العقد لعائشة رضي الله عنها بذات الجيش، وطلبه الصحابة رضوان الله عليه، فذهبت طائفة من الصحابة، وأبعدت، فأدركتهم الصلاة، ولم يفرض التيمم بعد، فصلوا على غير وضوء وعلى غير تيمم، فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحح صلاتهم؛ لأن التيمم ما شرع بعد، فنزلت آية التيمم بسبب هذه الحادثة، ومن هنا: أخذ العلماء أن فاقد الطهورين يصلي ولا يقضي، والشرط في هذا: أن يستغرق وقت الرحلة وقت الصلاة، فمثلاً: يسافر وقت الفجر ويدركه وقت الفجر في الطائرة، ولا ينزل إلى الأرض إلا بعد طلوع الشمس، أما لو أنه نزل قبل طلوع الشمس بوقت يمكنه أن يدرك الصلاة في المطار ويتوضأ، فيجب عليه أن يؤخر الصلاة حتى يدرك الماء ويتطهر كما أمره الله عز وجل ويصلي.

    وجمع الصلاتين له نفس الحكم، فلو أنه سافر وقت الظهر، وسينزل إلى الأرض في وقت العصر، فحينئذٍ يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فإذا نزل توضأ وصلى الظهر والعصر جمع تأخير، وهكذا المغرب والعشاء، لكن لو أن السفر في ساعات تستغرق وقت المغرب مع العشاء، ولا يصل إلا في وقت الفجر، فحكمه حكم الصورة الأولى التي تقدمت، فيشترط أن يستغرق وقت الفريضة كاملة، سواءً كانت مجموعة إلى غيرها، فينظر إلى وقت الثانية، أو كانت غير مجموعة فينظر إلى وقتها نفسها، والله تعالى أعلم.

    حكم التسول في المساجد

    السؤال: كثيراً ما نرى أناساً يقومون بعد انتهاء الصلاة فيقطعون على المصلين تسبيحهم، ويقومون بشرح ظروفهم المادية ويتسولون داخل المسجد، فهل هذا جائز؟ وهل يجوز منعهم؟ وما هو واجب إمام المسجد تجاه ذلك علماً أن كثيراً منهم يصطنعون الإعاقة؟

    الجواب: بالنسبة للذي يكذب ويصطنع فلا إشكال أنه آذى المصلين في بيت الله عز وجل وكذب، وأخذ أموال الناس بالباطل، ومن سأل الناس تكثراً لم تزل المسألة فيه حتى يلقى الله عز وجل وليس في وجهه مزعة لحم.

    والسؤال لا خير فيه ما لم يضطر إليه الإنسان لدين أو نحو ذلك؛ فإنه يسأل، أما هذا الشكل الموجود بمجرد انتهاء الناس من الصلاة يقوم ويصيح ويلغط، فالحقيقة لو مُنع هؤلاء برفق وقيل لهم: اذهبوا إلى باب المسجد، وانتظروا حتى يتصدق الناس عليكم، فالمساجد ما بنيت من أجل عرض حال المرضى وحالات المديونين، ولقد كان الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يربط على بطنه الحجر، ولربما صرع في المسجد، كما كان حال أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، ومع ذلك ما جعلوا المساجد لهذا.

    الإشكال هو في الصياح، أما السؤال داخل المسجد لو مر على الناس وسألهم فأعطوه فجائز، لحديث علي رضي الله عنه المشهور، فيخفف فيه، ما لم يصل إلى حد الأذية.

    لكن الذي نشاهده بعد السلام مباشرة والصياح واللغط فهو أمر فيه إزعاج، والأشبه أن هؤلاء يُمنعون برفق حتى لا يقع في نهي السائل، وإن كان بعض العلماء يرى أن قوله تعالى: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى:10] أن المراد به: سائل العلم؛ لأن الله تعالى يقول: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:6-8]، فقال: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا ثم قال: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى:9]، ولما قال: وَوَجَدَكَ ضَالًّا قال: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ولما قال: وَوَجَدَكَ عَائِلًا قال: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11]، وهذه مقابلة، والمقابلة معتبرة في نصوص الكتاب والسنة، وإذا قلنا بالمقابلة فإن السائل المقصود به سائل العلم، ولذلك لا ينهر سائل العلم، ودلت على أنه لا يجوز أذية سائل العلم؛ لأن أمره عظيم، ولذلك عاتب الله نبيه من فوق سبع سماوات بسبب الإعراض عن السائل الذي هو عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه وأرضاه. فالشاهد: أن هؤلاء يشوشون على الناس ويؤذونهم، فذكر بعض الأحوال وبعض القصص، والكشف حتى عن مواضع لا يليق كشفها أمام الناس، فهذا أمر لا شك أنه مؤذٍ جداً، وإذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق، فقد توسع الناس بشكل فظيع جداً، وأعجب من هذا الكذب!

    ذات مرة قام رجل في مسجد وشكى، ويعلم الله حينما تسمع شكواه يرق قلبك، وكان هذا بعد صلاة المغرب، ففوجئت لما جلس للسؤال، جاءني رجل -هو ليس من المدينة وإنما جاء من مدينة أخرى- جاءني رجل من جماعته، وقال: هذا الرجل يملك ثلاث عمائر بهذه الطريقة التي يكذب بها على الناس، قلت له: أناشد الله أن تصدق فيما تقول، لا تتهم الناس، قال: والله! إني لأعرفه وأعرف أولاده، اسمه فلان بن فلان الفلاني، ويسكن في المكان الفلاني من المدينة الفلانية، وولده الكبير اسمه فلان، اذهب إليه، وقل له: أنت فلان؟ وانظر! وقفت أنا، وليس من شأني هذا، ولكني تألمت جداً أن يكذب على الناس، ويأخذ أموال الناس، وذكر أشياء ليست صحيحة، فقلت: فلان! فالتفت، قال: نعم، قلت: أنت أبو فلان، قال: نعم، قلت: أنت فلان بن فلان، قال: نعم، قلت: تعال أريدك، فسألته قلت: عندك في بلد كذا وكذا عمائر، وأنت رجل غني، فتغير وجهه ولم ينكر، قلت له: الآن تترك هذا المال في مكانه، وتصرفنا معه بما ينبغي، لكن الشاهد: ثلاث عمائر يملكها، ويكذب على الناس، ويأكل أموالهم بالباطل، هذا أمر جد خطير!

    فلا شك أن هناك من يكذب، وهناك من يتصنع، فنسأل الله السلامة والعافية، فمثل هؤلاء لا يجوز معاونتهم على الباطل، ولا يجوز معاونتهم على الكذب على المسلمين، وأياً ما كان أوصي إخواني ألا يتعجلوا في أذية هؤلاء؛ لأن هناك فعلاً من عنده ظروف قاهرة، وهناك من ألجأته الحاجة، ولذلك يترفق الإنسان حتى لا يؤذي الصادق؛ لأن هناك أناساً هم صادقون، والسبب أن الناس تغيروا، وقل أن تجد من تسأله، حتى اضطر بعضهم إلى أن يقف أمام الناس ويسألهم، فنسأل الله العظيم للجميع التوفيق والهداية، والله تعالى أعلم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017168379

    عدد مرات الحفظ

    723901263