إسلام ويب

تفسير سورة النجم (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله عز وجل بيده الخلق والتدبير، وقد أرسل رسله من نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم، حتى محمد صلى الله عليه وسلم، لينذروا أقوامهم عذاب الله يوم القيامة إن هم أعرضوا وكذبوا، وقد بين سبحانه لعباده في خاتمة هذه السورة دنو الساعة وقربها، وأنها إذا جاءت فإنها لا تنكشف حتى يقدم الخلق للحساب، فينال أهل الإيمان الثواب، ويساق أهل الكفر إلى أشد العذاب.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النجم

    الحمد لله, نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه, ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى * أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى * هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى * أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:33-62].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! في هذه الآيات المباركة عرض لمظاهر قدرة الله وعلمه, وحكمته ورحمته, إذ بذلك استوجب الألوهية, وكان الإله الحق الذي لا إله غيره, ولا رب سواه، فهيا نستعرضها على أسماعنا كما هي في الآيات.

    قال تعالى: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى [النجم:42]. فيا أيها العاقل! ويا أيها البصير! نهاية الكون والحياة كلها إلى الله، فلا إله غيره يستحق أن يعبد معه؛ لأن إليه المنتهى, فكل شيء يرجع إلى الله عز وجل؛ إذ هو خالقه ومدبره والمتصرف فيه، فلا نلتفت إلى اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.

    قال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى [النجم:43]. فالله هو الذي يُضحك ويُبكي, وهو الذي يجعل الإنسان يضحك مرة, ويبكي مرة أخرى, ولا خالق لهذه الصفات والله إلا الله, ولولا أن الله أضحكك والله ما ضحكت، ولولا أن الله يبكيك والله ما تبكي، فهو الذي خلق الضحك وخلق البكاء، وخلق الخير وخلق الشر، وخلق السعادة وخلق الشقاء، وخلق الصحة وخلق المرض. وليس هذا فعل صنم من الأصنام. فلا إله إلا الله!

    قال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا [النجم:44]. فالإماتة والإحياء لا يقوى عليهما إلا الله, ولا أحد غيره يستطيع أن يحيي كائناً, سواء حيواناً كان أو إنساناً, ووالله لا يقدر على هذا إلا الله، فهو الذي يقدر على أن يميت, ووالله لا يميت إلا هو، فهو الذي يميتنا الآن, ويحيينا غداً، ويميتنا في هذه الدار, ويحيينا في الدار الآخرة يوم القيامة، ولا أحد يشاركه في هذا. إذاً: فليعبد وحده, ولا يُعبد معه سواه.

    قال تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [النجم:45]. فهو الذي أوجد زوجين ذكراً وأنثى في البقر وفي الغنم، وفي الإنسان وفي العقرب وفي الحيوانات. ولا يقدر أحد أن يُوجد هذا ويخلقه, لا إنسان من الناس, ولا ملك من الملائكة, ولا ولي من الأولياء, فضلاً عن الأحجار والأصنام. بل هو الذي خلق الزوجين, وقد خلقهما مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى [النجم:46]. فقد خلق هذا الخلق من نطفة تصب في رحم المرأة إِذَا تُمْنَى [النجم:46], أي: بعد أن أمناها زوجها. ولو أُخذت نطفة مني ووضعت في قارورة أو في أي شيء من الأواني فلا يمكن أن تتحول إلى إنسان والله، ولن يستطيع أحد أبداً أن يحولها، بل لا بد وأن تصب في ذاك الرحم, ويصبها الفحل نفسه, أي: تُمنى منه وتخرج منه.

    قال تعالى: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى [النجم:47], أي: الحياة الثانية. ولا يقوم بهذا الأنبياء ولا الصالحون، ولا عيسى ولا أمه عليهما السلام, بل لا يقوى على أن يعيد البشرية مرة ثانية إلا الله, ووالله لا يوجد من يفعل هذا إلا الله. ولذلك لم يبق إلا أن نقول: لا إله إلا الله! فلا يُستحق أن يُعبد إلا الله بكل نوع من العبادات؛ إذ هو خالق كل شيء, وبيده كل شيء، وإليه مصير كل شيء، والحياة له كالموت, فكل ذلك بيده. إذاً: فلا تعبدوا غيره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنه هو أغنى وأقنى)

    قال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى [النجم:48]. وهذا مظهر آخر من مظاهر قدرته، فهو يغني فلاناً ويسد حاجته، ويقني فلاناً, أي: يعطيه المال الكثير للقنية؛ ليصبح من أغنى الناس. ولا يفعل هذا إلا الله, ووالله لا يقدر على هذا إلا الله، فهو الذي يغني ويقني. وأغناك أي: يعطيك ويسد حاجتك، وأقناك أي: يعطيك مالاً تدخره وتجعله قنية. ولا يفعل هذا سوى الله. إذاً: فلا نعبد اللات والعزى, ولا ندعو عبد القادر ولا الحسين , ولا نقول: يا فاطمة ! ولا يا رسول الله! ولا نعرض عن هذا الكلام الإلهي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنه هو رب الشعرى)

    قال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى [النجم:49]. الشعرى: كوكب من الكواكب الكبيرة، وكان العرب يعبدونه ويؤلهونه لجهلهم وضلالهم. ورب هذه الشعرى وخالقها ومالكها هو الله، فلا تعبدوها وتتركوا عبادة خالقها ومالكها, بل ما دام ربها خالقاً لها ويملكها هو فهو الذي يُعبد، لا أن يعبد هذا الكوكب, فقد قال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى [النجم:49]. فأبطل بذلك عبادتها, وأخبر أنه هو الذي يستحق أن يُعبد, فهو خالق الشعرى, وليست الشعرى من خلقت نفسها حتى تُعبد وتؤله. وقد كانت قبيلة من قبائل العرب يعبدون هذا الكوكب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنه أهلك عاداً الأولى ...)

    قال تعالى: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى [النجم:50]. وعاد هم قوم هود, وكانوا في جنوب الجزيرة. وهذه الأمة لم يهلكها إنسان, وإنما الذي أهلكها ودمرها وجعلها تراباً هو الله بعد ما كانت مبانٍ وقصوراً. فهو الذي أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى * وَثَمُودَ [النجم:50-51], وهم قوم صالح, وكانوا في شمال الجزيرة، والذي أهلكهم هو الله. ولذلك فهو الذي يستحق أن يُعبد, وليس اللات والعزى.

    وكذلك وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ [النجم:52], أي: من قبل عاد ومن قبل ثمود. والذي أهلك قوم نوح هو الله. ونوح عليه السلام عاش ألف سنة وأكثر، وبعد ذلك لما لم يستجيبوا له أغرقهم الله كلهم في البحر, كما قال تعالى: وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ [النجم:52], أي: من قبل عاد وثمود, إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ [النجم:52], أي: أكثر شركاً، وَأَطْغَى [النجم:52], أي: أكثر طغياناً؛ إذ لم يكونوا يعبدون اللات والعزى، وإنما كانوا يعبدون خمسة آلهة, وهي مذكورة في سورة نوح عليه السلام, وهي يغوث ويعوق ونسر وود وسواع. وقد نهاهم نوح عن عبادتها ألف سنة إلا خمسين سنة, وما استجابوا؛ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى [النجم:52].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والمؤتفكة أهوى * فغشاها ما غشى)

    قال تعالى: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى [النجم:53-54]. المؤتفكة: مدائن قوم لوط, وهي البحيرة المنتنة الآن, وكانت من قبل مدينتا سدوم وعمورة، فرفعهم فوق إلى السماء وقلبهم، ثم أسقط عليهم الحجارة. فهو الذي يستحق أن يُعبد, وليس الأصنام, بل الذي يقدر على هذا هو الذي يستحق أن يُعبد.

    وقوله: فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى [النجم:54], أي: غطاها بأنواع الحجارة وألوان العذاب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فبأي آلاء ربك تتمارى)

    قال تعالى بعد هذا العرض العجيب لمظاهر قدرة الله ووجوده وعلمه وحكمته، وأنه لا إله إلا هو, وأنه لا يصح أن يُعبد معه غيره, لا ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً ولا عبداً صالحاً، فضلاً عن الأشجار والأحجار والأصنام، فقال تعالى بعد هذا يخاطبك أيها الإنسان!: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى [النجم:55]؟ فهذه النعم التي مرت بين يديك ما الذي تنكره منها؟ فأخبرنا. فبأي آلاء ونعم ربك التي مرت بك في هذه المظاهر تشك وتتمارى وتكذب؟ وهذا توبيخ وتقريع للمشركين والكافرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هذا نذير من النذر الأولى)

    قال تعالى: هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى [النجم:56]. فهذا الذي سمعتم وجاء رسول الله يحمله وهو يدعو إلى عبادة ربه نذير كالنذر التي جاء بها نوح وهود, وإبراهيم وصالح، فهو نذير من النذر الأولى، أي: رسولكم محمد صلى الله عليه وسلم مثل موسى وإبراهيم وداود، وما ينذركم به قد أنذروا هم به قومهم, كما قال تعالى: هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى [النجم:56].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أزفت الآزفة)

    قال تعالى: أَزِفَتِ الآزِفَةُ [النجم:57]. هذا إعلان عن قرب الساعة، فقال تعالى: أَزِفَتِ [النجم:57], أي: قربت الآزِفَةُ [النجم:57], أي: الساعة والله. فهو يخبر أن القيامة قد قرب وقتها والله, فآخر الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم بعث في آخر أيام الدنيا، وقد مر قبله ألوف السنين، وها نحن في عام ألف وأربعمائة ونيف وعشرين من بعثته، فوالله لقد أزفت وقربت, وعما قريب تظهر. والذي أخبر بهذا هو الله, وهو خالقها ومدبرها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليس لها من دون الله كاشفة)

    قال تعالى: لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم:58]. فلا يوجد أحد يرد القيامة ويصرفها, فهي لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم:58] أبداً، أي: تظهرها وتكشفها وتعلن عنها بأنها غداً أو بعد غد؛ لأن الساعة غيب لا يعلمه إلا الله. فوقت قيام الساعة لا يعلمه ملك من الملائكة, ولا نبي من الأنبياء، ولا رسول من الرسل, فضلاً عن غيرهم، ووالله لا يعرف متى الساعة إلا الله، فقد استأثر الله بها، وحتى الملائكة في السماء ما يعرفون.

    وهي لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم:58], أي: لا يقدر أحد أن يكشف الغطاء عنها ويقول: إنها غداً أو بعد غد، أو بعد عام أو بعد سنة, فليس هذا لأحد إلا لله، والله سترها وأخفاها لحكمة, وهي أن يواصل الناس أعمالهم في دنياهم؛ ليثابوا عليها بالجزاء الحق في الجنة أو في النار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفمن هذا الحديث تعجبون ...)

    قال تعالى: أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ [النجم:59] يا كفار قريش!؟ وهل هذا الكلام يعجب منه؟ وهو لا يقوى على قوله ويأتي به وينسب إليه إلا الله, وأنتم بعد هذا تضحكون وتسخرون؟ وقد كانوا إذا سمعوا هذه الآيات يضحكون منها تحدياً وعناداً، وأحياناً يسبون ويشتمون ويسخرون, ولذلك قال لهم: أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الذي سمعتموه تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ [النجم:59-60]؟ والمفروض أنهم إذا سمعوا كلام الله ما يضحكون ولا يعجبون، بل يقولون: آمنا, ولا يعجبون ويضحكون استهزاء وسخرية إذا سمعوا الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ أو يحدثهم.

    وهذا النوع من المشركين باقٍ إلى اليوم, فلو تواجه المشركين في أي بلد بالآيات يضحكون ويسخرون. وقد أنكر الله على أسلافهم هذا بقوله: أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ [النجم:59-60]؟ ونحن الآن ما نبكي، ووالله لو كانت القلوب موقنة مؤمنة صادقة مملوءة بنور الحق وبنور الله ما نقرأ آية من الآيات إلا ونبكي، والمفروض نبكي، فهذا كلام الله الذي أنزله, وقد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم, والمراد من إنزاله والهدف منه: أن نعبد الله وحده ولا نشرك به سواه؛ لنكمل ونسعد في حياتينا الدنيا والآخرة. وقد قال تعالى: أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ [النجم:59-61]؟ أي: لاهون, تلعبون وتغنون وتزمرون. وهذا هو واقع البشرية إلا من رحم الله. فالآن يسمعون القرآن في الإذاعات في العالم بأسره, ويضحكون ولا يبكون والله، وإنما يسخرون ويستهزئون, كما قال تعالى: وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ [النجم:61]. وهذه هي الحقيقة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاسجدوا لله واعبدوا)

    قال تعالى: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ [النجم:62]. ولا تسجدوا للأصنام والأحجار والشهوات، ولا لعظماء الرجال والإناث, بل اسجدوا لله, كما قال تعالى: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ [النجم:62], ولا تسجدوا لغيره، واعبدوه ولا تعبدوا سواه، وأذعنوا واستسلموا وانقادوا لله، وحققوا إيمانكم بأعمالكم الصالحة. هذه دعوة الله لكم. والحمد لله, فقد نفع الله بهذا, وآمن المشركون, وسجد الضاحكون, وعبدوا الله. والحمد لله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات:

    من هداية ] هذه [ الآيات:

    أولاً: تحذير الظلمة والطغاة من أهل الكفر والشرك ] والفسق والفجور [ من أن يصيبهم ما أصاب غيرهم ] الذين من قبلهم كعاد وثمود والمؤتفكات [ من الدمار والخسران ] وأن ينزل بهم عذاب كما نزل بعاد قوم هود، وبثمود قوم صالح، والمؤتفكات قوم لوط.

    [ ثانياً: بيان قرب الساعة, وخفاء ساعتها عن كل خلق الله حتى تأتي بغتة ] فساعة القيامة والله إنها لقريبة، ولا يعلم وقت وقوعها إلا الله, فهو وحده يعرف متى تدق هذه الساعة وتنكشف، وأما ما عدا الله من الملائكة .. من الأنبياء .. من غيرهم فلا يعلمون متى القيامة. وقد عرفنا أنها قريبة, فقد أخبر تعالى بأنها قريبة بقوله: أزفت .

    وقد أعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم بعلاماتها العظمى, وهي عشرات العلامات، وعلاماتها الصغرى, وقد ظهر الكثير من علاماتها الصغرى, وهي أكثر من ستين علامة، وبقيت العشر العلامات الكبرى، وإذا ظهرت علامة واحدة منها تتابعت بقيتها، وتمت في أقرب وقت، ومنها أن تطلع الشمس من مغربها، فإذا استيقظتم غداً ووجدتم الشمس طلعت من المغرب فاعلموا أن الساعة وصلت.

    [ ثالثاً: ذم الضحك مع الانغماس في الشهوات ] والباطل، فالذي يضحك وهو مغموس في الفواحش والمنكرات، أو يضحك من الذي يحمد الله على نعمة أنعم بها عليه، أو يضحك وهو مغموس في الباطل والشر والفساد فهذا لموت قلبه, والعياذ بالله. وقد قال تعالى: وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ [النجم:61].

    [ رابعاً: الترغيب في البكاء من خشية الله ] وهذا مفقود عندنا, ولا نرفع شكوانا إلا إلى ربنا. ولنحاول أن نحصل على البكاء من خشية الله, وخاصة إذا كنا منفردين في ظلام الليل, فنعبده ونسجد ونبكي، أو ونحن نقرأ آيات من كتاب الله منفردين, فلتذرف أعيننا الدموع ونبكي. فهذا لا بد منه, وإلا قلوبنا قاسية, والعياذ بالله.

    [ خامساً: كراهية الغناء واللهو واللعب ] فقد قال تعالى: وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ [النجم:61], أي: لاهون تلعبون وتغنون. وهذا معلوم عند أهل العلم والبصيرة. فلا يجوز لنا الغناء ولا المزامير ولا الطبول, إلا في حال واحدة وهي العرس، فقد أذن الرسول صلى الله عليه وسلم بالدف في العرس فقط، وأما هذه المزامير والأغاني الموجودة في كل بيت وفي كل مكان فهي والله لا تجوز، وهي ظلم وفسق, والعياذ بالله.

    [ سادساً ] وأخيراً: [ مشروعية السجود عند تلاوة هذه الآية ] فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:62] [ لمن يتلوها ولمن يستمع لها، وهي من عزائم السجدات في القرآن الكريم، ومن خصائص هذه السجدة: أن المشركين سجدوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حول الكعبة كما في الصحيح ] فلما سجد سجدوا كلهم؛ لأن إبليس ألقى في نفوسهم وفي أذهانهم أنه قال: تلك الغرانيق العلى, وأن شفاعتهن لترتجى. فظنوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم مدحها، فلما سجد سجدوا أجمعين.

    ولم نسجد نحن لأن القارئ الذي كان يتلو لم يسجد حتى نسجد معه، وإذا سجد القارئ وأنت تستمع فاسجد معه, حتى ولو كنت في السيارة, وإذا لم يسجد القارئ فلست مأموراً بالسجود. ولم يسجد القارئ هنا لأن الأمة كاملة مستقبلة غير القبلة, فإذا سجد فإنه يشوش عليها وتضطرب, ولا يمكننا كلنا أن نتجه إلى القبلة، فلهذا لم نسجد, ولأن قراءته ليست تلاوة, وإنما هي عرض آيات فقط.

    1.   

    الأسئلة

    الآن مع بعض الأسئلة والإجابة عنها:‏

    حكم سجود التلاوة بعد انتهاء الدرس

    السؤال: هل نسجد للتلاوة بعد الدرس؟

    الجواب: الحكم ما علمتم، فالسجود منه المؤكد الواجب، ومنه المستحب، والسجود هنا من السجدات الواجبة، فإذا قرأ القارئ وسجد سجدنا معه ما دمنا مستمعين له، وإن لم يسجد هو فلا نسجد, كالصلاة وراء الإمام.

    حكم مس الجنب للمصحف

    السؤال: انتهى بكم الدرس يا فضيلة الشيخ! أمس أو الأسئلة عند السؤال عن مس المصحف والإنسان جنب، هل عليه إثم أو كفارة؟

    الجواب: لا يجوز للجنب أن يمس المصحف, وإن تعمد ذلك ولم يبالي فهو آثم، وأما غير المتوضئ فقط وهو غير جنب فيكره كذلك له مس المصحف إذا كان المصحف كاملاً، وأما إذا كان أجزاء فلا حرج، وهذا مأخوذ من قول الله تعالى: فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:78-79], أي: الملائكة وغيرهم من بني الإنسان. فإذا كنت غير متوضئ فلا تمس المصحف، وإذا كان المصحف فيه تفسير أو أجزاء لا حرج؛ لأنه ليس كلام الله كاملاً.

    أحب البقاع إلى الله عز وجل

    السؤال: جزاكم الله خيراً, يقول هذا السائل: إني أحبكم في الله. وسؤالي: ما هي أحب البقاع إلى الله عز وجل؟

    الجواب: أحب البقاع إلى الله الحرمان الشريفان مكة والمدينة, والقدس معهما.

    معنى قوله تعالى: (فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن ...)

    السؤال: جزاكم الله خيراً, يقول هذا السائل: ما المقصود في هذه الآية بقول الله تعالى: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف:31]؟

    الجواب: هذه امرأة ملك مصر -امرأة العزيز- لما أشيع وأذيع عنها أنها عشقت يوسف وأحبته, وأنها راودته عن نفسه، ومن ثم ألقي يوسف في السجن, وبقيت هي مع أهلها، فشاع بين النساء أن امرأة العزيز تفعل وتفعل، وتحب كذا وكذا، فأرادت أن توبخهن عملياً، فأقامت مأدبة, واستدعت نساء الوزراء والأمراء كلهم أو الأغنياء، وأعطت لهن سكاكين والتفاح بين أيديهن؛ ليقطعنه، وقالت ليوسف: اخرج، فلما خرج -وهو كالقمر أجمل مخلوق في الأرض- أخذن يقطعن أيديهن غير شاعرات بما بأيديهن من السكاكين، ومن ثم عرفن وما لمنها بعد ذلك, ولا عتبن عليها.

    معنى قوله تعالى: (خلق الإنسان من عجل)

    السؤال: جزاكم الله خيراً, سائل يسأل عن قول الله تعالى: خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:37]؟

    الجواب: ليس هناك شك في أن الإنسان خلق ضعيفاً، وأنه خلق عجولاً. فالعجلة في طعامه .. في شرابه .. في جماعه .. في كل حياته. والعجلة صفة من صفاته، والضعف من صفاتنا أيضاً.

    حكم المتنفل إذا اقتدى به غيره في الصلاة

    السؤال: جزاكم الله خيراً, يقول هذا السائل: إذا كنت أصلي ركعتين السنة بعد الفريضة ودخل رجل إلى المسجد وصلى بجانبي، فماذا علي أن أفعل؟

    الجواب: إذا كنت تصلي ركعتين نافلة بعد صلاة الظهر وجاء رجل وقام إلى جنبك يصلي معك فهذا شأنه، وأنت أكمل صلاتك وسلم, ودعه وشأنه، فقد كان من حقه أن يسأل هل هذا يصلي فريضة أو نافلة؟ أو يقول: أريد أن أصلي معك، ولكن ما دام أنه صلى فأتمم صلاتك ولا حرج.

    حكم جمع الصلاتين بدون عذر

    السؤال: جزاكم الله خيراً, يقول هذا السائل: هل يجوز لي أن أجمع الظهر مع العصر بلا خوف أو سفر أو مرض؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك؟

    الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم جمعها يوماً, وفي عشر سنوات ما جمعها إلا يوماً واحداً, فلا يصبح هذا سنة لمن أراد أن يجمع, وقد أجمع أهل العلم والفقه على أنه لا يجوز الجمع إلا للمطر أو المرض أو السفر، فإن كانت حالة ضرورية في العشرين سنة كأن يكون حصل مرة خوف أو كذا فلا بأس، وأما أن تتخذ هذا دليلاً وتصبح في بيتك تجمع الظهر والعصر فهذا والله ما يجوز, وهو حرام.

    التوبة من التصوير لغير حاجة

    السؤال: جزاكم الله خيراً, يقول هذا السائل: بلغني قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لعن الله المصورين ), ولكنني قد تصورت بدون ضرورة، فهل التوبة والاستغفار تكفيني؟

    الجواب: إن شاء الله يغفر لك ما دمت قد تبت واستغفرت وندمت.

    كيفية قضاء الركعات الفائتة في الصلاة

    السؤال: جزاكم الله خيراً, يقول: إذا فاتتني بعض الركعات في الصلاة وبعدما سلم الإمام أردت أن أكمل صلاتي، فهل أعتبر ما صليت مع الإمام الركعات الأولى أو الركعات الأخيرة؟

    الجواب: هذه مسألة خلافية بين الفقهاء وهي: إذا أنت أدركت مع الإمام ركعة أو ركعتين في المغرب أو العشاء مثلاً فهل عندما تقوم تتم صلاتك تتم الركعتين بالفاتحة سراً في العشاء، أو تقرأ بالفاتحة والسورة جهراً في العشاء؟ هذه المسألة كما قلت لكم خلافية، وسبب الخلاف: أنه ورد فيها حديثان صحيحان، وهما من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم، حديث: ( وما فاتكم فأتموا ). وهذا يصلح للعوام وللأمة، فإذا فاتك فأتم صلاتك، فإذا صليت مع الإمام المغرب ركعتين وفاتتك ركعة فقم ائت بالركعة بالفاتحة سراً, وتكون قد أتممت صلاتك.

    وجاء أيضاً حديث: ( وما فاتكم فاقضوا ). والقضاء يكون كما فات. وبهذا أخذ مالك , أي: فاقضوا كما فات، أي: إذا أدركت من المغرب ركعتين وفاتتك ركعة فإنك لما تقوم تأتي بهذه الركعة تقرأ بالفاتحة وسورة جهراً, وتقضيها كما فاتتك؛ لأنها هي التي فاتتك, فتقضيها كما هي، وهكذا في الظهر والعصر, والمغرب والعشاء.

    والحديثان صحيحان, وبهما عمل أئمة الإسلام. وحديث ( فأتموا ), هذا سهل وميسر، ويصلح للعوام ولأي أحد، وأما حديث ( فاقضوا ), فلا يفهم هذا إلا العالم البصير، فمثلاً: إذا فاته من العشاء ثلاث ركعات وأدرك ركعة فقط من العشاء، فالتي أدركها هي بالفاتحة سراً, وبقي عليه ثلاث ركعات, فيأتي بركعة ثانية ويسجد ويجلس ويتشهد، وهذه الركعة الثانية يأتي بها بالفاتحة والسورة جهراً, ثم يقوم فيأتي بركعة بالفاتحة والسورة جهراً, ثم يقوم يأتي بركعة بالفاتحة فقط سراً.

    وصلى الله على نبينا محمد, وآله وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017294213

    عدد مرات الحفظ

    724066282