إسلام ويب

وقفات إيمانيةللشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المتأمل في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية حري به أن يقف قلبه على كل آية وعند كل حديث؛ وذلك لما تحتويه من الفرائد والفوائد، والعبر والروحانيات التي ترفع من معدل إيمان العبد في القلب.

    1.   

    وقفة مع قوله تعالى: (ألم غلبت الروم... وهم عن الآخرة هم غافلون)

    الحمد لله الذي تقدست عن الأشباه ذاته، ودلت على وجوده آياته ومخلوقاته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا رب غيره ولا إله سواه، وسع الخلائق خيره، ولم يسع الناس غيره.

    وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله نبي الأميين ورسول رب العالمين، بعثه الله بين يدي الساعة هادياً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فأدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبياً عن أمته.

    اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهذه محاضرة عنوانها: وقفات إيمانية، من خلالها بإذن الله جل وعلا سنقف مع بعض آي القرآن نستظل بظلالها الرحب، ونفيئ إلى موردها العذب، ونرجو الله جل وعلا أن يذكرنا بها ما يصلح آخرتنا ودنيانا ويعيننا على أن نحقق المبتغى من سعادة الحياتين وحياة السعادتين.

    قال الله جل وعلا في فاتحة سورة الروم: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:1-7].

    فهذه الآيات هي الوقفة الأولى في لقاء هذه الليلة، وهذه السورة مكية بإجماع العلماء، واختلفوا في آية واحدة منها إن كانت مكية أو مدنية، أما سائر السورة فالإجماع منعقد على أنها مكية، وفواتح السورة تنصب على ما يلي:

    سبب نزول الآيات

    قبل الهجرة بينما كان المؤمنون مختلطين بالمجتمع المكي كان يحصل بين الفريقين نوع من المناوشات الكلامية، فكل فريق يريد أن يثبت أحقيته بالصواب، ولا ريب أن الحق مع أهل الإيمان لكننا نتكلم عن توصيف ظاهري للمجتمع المكي آنذاك، وقد كان يحيط بجزيرة العرب فارس والروم، وكانتا يومئذ دولتين متنازعتين فتغلب فارس حيناً وتغلب الروم حيناً آخر، والروم نصارى أهل كتاب، أما الفرس فهم وثنيون لا كتاب لهم، فكانت عاطفة المشركين القرشيين مع الفرس وعاطفة المؤمنين مع الروم؛ لأنهم نصارى، وهذا يسمى مصاحبة ولا يسمى موالاة، والمصاحبة تجوز مع الكافر وغير الكافر والموالاة لا تجوز إلا للمؤمن، ودليل جواز المصاحبة مع الكافر قول الله جل وعلا: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15]، فأمر الله بمصاحبتهما بالمعروف رغم أنهما كافران، أي: الوالدان.

    فذات مرة في إحدى الصراعات بين فارس والروم غلبت فارس الروم فشق ذلك على المسلمين؛ لأن المشركين من جزيرة العرب -قريش وأتباعها- أخذوا يقولون للمؤمنين: إن الوثنيين الذين لا كتاب لهم غلبوا وهذا مبشر؛ لأننا سنغلبكم ودليل على أن الأمم التي لها كتاب لا خير فيها، فلما ذهب أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأخبره الخبر نزل القرآن: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ.. [الروم:1-3]، والروم قلنا: إنهم قوم نصارى وهم الأوروبيون الحاليون والروم نسباً هم من ذرية العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام فنبي الله إبراهيم أنجب إسماعيل وإسحاق، من إسماعيل العرب المستعربة والذين منهم نبينا صلى الله عليه وسلم، ومن إسحاق جاء ولدان يعقوب والعيص ، من يعقوب جاء بنو إسرائيل ومن العيص جاء الروم الذين هم كما قلت الأوربيون حالياً.

    المقصود من هذا أنه لما أخبر أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم بالحدث نزلت الآية: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم:1-4].

    فرب العزة وهو عالم الغيب والشهادة والذي بيده مقاليد الأمور أخبر نبيه والمؤمنين عن طريق جبريل أن الروم ستغلب.

    (في أدنى الأرض) ومعنى ذلك على أقوال عدة لكن نأخذ الظاهر أن معناها: الأقرب إلى جزيرة العرب، فـ(أدنى) بمعنى: أقرب، والعلم عند الله.

    لما جاء القرآن بخبر النصر وثق المؤمنون أن الروم ستغلب فذهب أبو بكر إلى منتدى من منتديات قريش يخبرهم بالخبر فقامره وراهنه أبي بن سلام الجمحي على أن الفرس ستغلب وأن الروم لن تغلب أبداً، وأبو بكر يتمسك بالقرآن وبوعد الله، وأن الله قال: وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم:3]، فتراهنا على عشر قلائص يعني: إبل محملة، ثم اتفقوا على أمد، فأخذ أبو بكر رضي الله عنه الآية: فِي بِضْعِ سِنِينَ والبضع من ثلاث إلى تسع، فقال الصديق رضي الله عنه: إن الروم ستغلب بعد ست سنين، فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا قال له: (هلا جعلتها أكثر فإنني ألم أخبرك أنها تسع)، الله قال: فِي بِضْعِ سِنِينَ ، والبضع إلى التسع، فعاد أبو بكر إلى أبي بن سلام الجمحي وزاد في الخطر ومد في الأجل، معنى زاد في الخطر أي: جعل بدل العشر من الإبل مائة، ومد في الأجل بمعنى أنه مد المدة من ست سنين إلى تسع سنين، فوافق أبي بن سلام الجمحي ، وفي معركة بدر في المدينة في أظهر قولي العلماء انتصرت الروم على فارس كما أخبر الله جل وعلا، قال الله جل وعلا: وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [الروم:3-4] ومعنى الآية: لله الأمر من قبل أن تغلب الروم ومن بعد أن غلبت من قبل ومن بعد وَيَوْمَئِذٍ [الروم:4] يعني: يوم يقع النصر يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الروم:4-5] فلا يقع في ملكه جل جلاله وعظم شأنه إلا ما يريد.

    ثم قال الله: وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:6].

    أقسام وعد الله

    نقول علمياً: وعد الله جل وعلا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    وعد الله للمتقين أنهم يدخلون الجنة، وهذا لا يخلف أبداً وعليه يحمل قول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران:9].

    الثاني: وعد الله ويسمى وعيد، وهو وعيد الله جل وعلا للكفار بأن يدخلون النار وهذا واقع لا محالة وعليه يحمل قول الله جل وعلا: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق:29].

    الحالة الثالثة: وعد الله ووعيده لعصاة المؤمنين قال الله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10]. وقال الله تبارك وتعالى: لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [الأحزاب:57]، إلى غير ذلك من آيات الوعيد الواردة في عصاة المؤمنين، وهذا القسم يقع تحت المشيئة، إن شاء الله أمضاها، وإن شاء الله لم يمضها وعليها يحمل قول الله جل وعلا: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، قال الله هنا: وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:6-7]، وهذا شيء تراه عياناً.

    فالغرب اليوم لا يكاد يسبق في التقدم العلمي لكنه باطل في مذهبه، باطل في دينه، باطل في معتقده؛ لأن الله يقول: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85].

    قال الحسن البصري رحمه الله وهو يتكلم عن أهل زمانه: إن من الناس من يكون عالماً بالحياة الدنيا حتى إنه لو نقر الدينار أو الدرهم بظفره لأخبرك بوزنه دون أن يزنه، فإذا قام إلى الصلاة فإنه لا يحسن أن يصلي عياذاً بالله. فكم تستضيف القنوات والفضائيات وغيرها من الصحف والمجلات أقواماً يتكلمون بعدة لغات ومع ذلك لا يحسن أحدهم أن يصلي ركعتين لله الواحد القهار قال الله: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7]، هذه الآيات الأولى في هذه الوقفات وهي من باب الاستفتاح بما هو خير.

    1.   

    وقفة مع قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم)

    الوقفة الثانية: مع قول الله جل وعلا: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، هذه الآية في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، ونبينا صلوات الله وسلامه عليه حظنا من النبيين كما نحن حظه من الأمم وهو آخر الأنبياء عصراً وأرفعهم يوم القيامة شأناً وذكراً، زكى الله في القرآن لسانه فقال جل ذكره: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:3]، وزكى الله قلبه: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:11]، وزكى الله عينيه: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:17]، وزكاه جملة فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، ولنبينا صلى الله عليه وسلم جملة هيئة خُلُقية وهيئة خَلْقية:

    أما الهيئة الخُلُقية: فلا مناص ولا مفر من أنه صلى الله عليه وسلم كان أكمل الناس، فكل شيء ذي بال فله فيه صلى الله عليه وسلم قصب السبق والقدح المعلى والحظ الأوفر، فهو عليه الصلاة والسلام سيد العظماء، إمام الكرماء، سيد الشجعان كل فضيلة له فيها صلى الله عليه وسلم أعظم نصيب وأحظه وهو الإمام فيها.

    فإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء

    وإذا ملكت النفس قمت ببرها ولو أن ما ملكت يداك الشاء

    وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاء

    وإذا قضيت فلا ارتياب كأنما جاء الخصوم من السماء قضاء

    وإذا بنيت فخير زوج عشرة وإذا ابتنيت فدونك الآباء

    وإذا حميت الماء لم يورد ولو أن القياصر والملوك ظماء

    أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى فالكل في دين الإله سواء

    فلو أن إنساناً تخير ملة ما اختار إلا دينك الفقراء

    يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء

    يتساءلون وأنت أطهر هيكلٍ بالروح أم بالهيكل الإسراء

    بهما سموت مطهرين كلاهما روح وريحانية وبهاء

    تغشى الغيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدتك سماء

    أنت الذي نظم البرية دينه ماذا يقول وينظم الشعراء

    والمصلحون أصابع جمعت يدا هي أنت بل أنت اليد البيضاء

    صلى عليك الله ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء

    واستقبل الرضوان في غرفاتهم بجنان عدن آلك السمحاء

    صفات الرسول الكريم الخَلْقية إجمالاً

    أما الصفات الخَلْقية: فإن نبيكم صلى الله عليه وسلم لم تكتحل أعيننا وأعينكم برؤيته لكنه عليه الصلاة والسلام كما قالت الرُّبيِّع بنت معوض رضي الله عنها لما سألها محمد بن عمار بن ياسر قال: يا أماه! صفي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: يا بني! لو رأيته لرأيت الشمس طالعة.

    وقيل للبراء بن عازب رضي الله عنه وأرضاه: أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف، قال: لا، بل مثل القمر.

    وقال جابر بن سمرة رضي الله عنه كما عند مسلم في الصحيح قال: خرجت في ليلة أضحيان -أي: ليلة القمر مكتمل- فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم عليه حلة حمراء فجعلت أنظر إلى القمر وأنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهو عندي أجمل من القمر.

    نبينا عليه الصلاة والسلام كان سبط الشعر، أي: أن شعره ليس مسترسلاً، ناعماً في لغة العامة اليوم، ولا ملتوياً.

    في جبهته عليه الصلاة والسلام عرق يدره الغضب إذا غضب في ذات الله يمتلئ هذا العرق دماً فيظهر ناتئاً عن الجسد، أزج في غير قرن، أزج: بمعنى دقيق شعر الحواجب، في غير قرن أي: لم يكونا ملتصقتين، طويل أشفار العينين، أشم الأنف، كبير الفم، مهذب الأسنان، كث اللحية، الشيب في شعره ندرة بمعنى: متفرق في رأسه قليل في صدغيه الأيمن والأيسر وأكثر شيبه في عنفقته أسفل شفته السفلى، وجميع شيبه لا يكاد يتجاوز العشرين شعرة، أبيض مشرباً بحمرة، وبياض اليدين وأسفل الساقين كأنه يميل إلى السمرة؛ لأنهما متعرضتان للهواء وداخل الإزار أبيض ناصع البياضن قال أنس : كأني أرى بياض فخذي النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر كأن عنقه إبريق فضة.

    بعيد ما بين المنكبين، ما بين كتفيه من الخلف إلى جهة الشمال شعيرات سود اجتمعن بعضهن إلى بعض ناتئة عن الجسد قليلاً كأنها بيضة حمامة عرفت بخاتم النبوة من هذه الوهدة الثغرة التي في النحر إلى أسفل سرته خيط ممتد شعر على هيئة خيط ممتد يعبر عنه عند الرواة بأنه دقيق المسربة، ليس في صدره ولا بطنه شعر غيره صلوات الله وسلامه عليه، سواء البطن والصدر، ضخم الكراديس أي: عظام المفاصل، إذا مشى فإنه يتكفأ تكفأ كأنما ينحدر من مكان عال بمعنى: أنه يتكئ على أمشاط قدميه أكثر مما يتكأ على كعبيه، إذا أشار أشار بيده كلها، وإذا ناداه أحد التفت ببدنه الشريف كله ولا يلتفت برقبته فقط، وإذا تعجب من شيء قلَّب كفيه وقال: سبحان الله، وعن البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح أنه كان إذا تعجب من شيء عظ على شفتيه صلوات الله وسلامه عليه.

    من رآه من بعيد هابه، ومن رآه من قريب أحبه.

    ذكر مسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوية إجمالاً

    عُمِّر 63 عاماً، ولد وأبوه متوفى في أظهر أقوال العلماء لأمه آمنة بنت وهب من بني زهرة الذين منهم سعد بن أبي وقاص فكان إذا رأى نبينا عليه السلام سعداً يقول: هذا خالي فليرني امرؤ خاله، عاش في كنف أمه ست سنين أربع منها كان مع مرضعته حليمة في بادية بني سعد ثم أرجع إلى أمه، وكانت شفيقة رفيقة به، (فلما مر على قبرها بالأبواء عليه الصلاة والسلام وقف على قبرها وبكى فسأله الصحابة: ما يبكيك؟ قال: هذا قبر أمي آمنة ، وقد سألت الله أن أستغفر لها فلم يأذن لي وسألته أن أزور قبرها فأذن لي، فلما زرت قبرها تذكرت رقتها علي فبكى صلوات الله وسلامه عليه وبكى الصحابة معه) تبعاً لبكاء نبيهم رضي الله عنهم وأرضاهم، حتى إذا دنا من الأربعين كان لا يرى الرؤيا إلا وتقع مثل فلق الصبح، ثم نبئ بإقرأ على رأس الأربعين، ثم أرسل بالمدثر بعد ذلك قال الله له: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:1-4].

    فأخذ يدعو الناس إلى دين الله بعد أن نبأه الله وبعثه وأرسله، ومكث في مكة 13 عاماً وضع على رقبته وهو ساجد -وهو خير الخلق عند الله- سلا الجزور ولم يقدر أحد ممن آمن به آنذاك أن ينصره، وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه آنذاك مؤمن يرى الأمر ولا يقدر على النصرة؛ حتى جاءت ابنته فاطمة رضي الله عنها وأرضاها وحملت سلا الجزور عن أبيها، وأبوها سيد الخلق عند الله لكنها سنة الابتلاء الماضية، فلما رفع رأسه عليه السلام نظر فيهم -أي في القرشيين- فدعا عليهم قال عبد الله بن مسعود : والله! لقد رأيت من دعا عليهم رسول الله صرعى يوم بدر في قريب بدر، استجاب الله دعوة نبيه.

    فلما اشتد عليه أذى القرشيين خرج إلى الطائف فصده أهلها حتى قال قائلهم: ألم يجد الله أحداً يبعثه غيرك، فرجع صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وفي طريقه من الطائف إلى مكة أخذ يدعو الله، فلما قست قلوب الإنس على أن تقبل كلامه ألان الله لنبيه قلوب الجن فلما سمعت القرآن وهو أطيب كلام من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفمه أطيب فم مخلوق رقوا وحنوا ودخل الإيمان في قلوبهم قال الله: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:19] أي: لما قام رسول الله يقرأ القرآن كادت الجن يركب بعضها بعضاً من عظمة ما يسمعون، قال الله في الأحقاف: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ [الأحقاف:29-31]، اللهم اجعلنا ممن يجيب دعوته.

    فسمعوا منه القرآن ثم دخل مكة ثم عرج الله به -بعد أن أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى- إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام ثم عاد صلى الله عليه وسلم ومكث بعدها في مكة على الأظهر ثلاث سنين، ثم أذن الله له بالهجرة إلى المدينة فهاجر عليه الصلاة والسلام، وخرج من مكة يوم الإثنين وكان قد نبأ يوم الإثنين كما قال ابن عباس ومكث في الطريق أسبوعين دخل المدينة يوم الإثنين من بطن وادي ريم في جهة الجنوب ثم أتى على قباء فاستقبله أهلها فمكث في قباء الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وتوجه صبيح الجمعة قبل الزوال إلى المدينة بعد أن بعث إلى أخواله من بني النجار فأدركته صلاة الجمعة في بطن الوادي فصلى صلى الله عليه وسلم على مراحل غير بعيدة من قباء وهو على ناقته، بعد ذلك راكباً أتى المدينة وهو يقول: (خلوا سبيلها فإنها مأمورة)، فبركت الناقة في موضع المنبر اليوم فلم ينزل ثم قامت وجالت جولة ثم بركت في موضعها الأول، فبادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحل رسول الله وأدخله داره فقال عليه الصلاة والسلام: (المرء مع رحله)، فمكث في المدينة عشر سنين جاهد في الله حق جهاده في بدر وأحد والخندق وغيرها وكان عليه السلام يضحي كل عام بكبشين أملحين يقول: (في الأول باسم الله الله أكبر اللهم هذا عن محمد وآل محمد ثم يتذكر أمته ومن يأتي بعده فيقول: واللهم هذا عمن لم يضح من أمة محمد)، فانظر رحمة نبيك بك فقد خشي عليك الفقر ألا تضحي فقد ضحى عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    مكث في المدينة على هذا الأمر حتى أتم ثمان سنوات، ثم فتح الله له مكة فطاف بالبيت الذي حرم منه ثمانية أعوام، وبيده محجل يشير إلى الأصنام وهي تتساقط وهو يتلو: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء:81]، ثم دخل البيت بعد أن طهر مما فيه من الصور والأزلام فكبر في نواحيه وصلى فيه ركعتين، ثم خرج، ثم بعد ذلك عاد إلى المدينة بعد حنين والطائف، ثم في العام العاشر أذن في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عازم على الحج فأم المدينة خلق كثير، ثم إنه -صلى الله عليه وسلم- حج حجة الوداع فأنزل الله جل وعلا عليه قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3]، فعلم أنه ميت فأخذ يودع الناس ويقول: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، حتى رجع إلى المدينة عليه الصلاة والسلام في شهر ربيع الأول من ذلك العام في أول يوم دخل على عائشة وهي عاصبة رأسها تقول: وارأساه! قال: (بل أنا وارأساه!)، فبدأ المرض يشتد عليه فخرج إلى أحد استغفر لهم ودعهم -أي الشهداء هناك- خرج إلى البقيع يقول: (ليهنكم ما أنتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها)، ثم رجع وهو يقول لـأبي مويهبة : (إن الله خيرني ما بين الخلد في الدنيا ثم الجنة، وما بين لقاء الله ثم الجنة، والنبيون أعظم الخلق شوقاً إلى لقاء الله فقاطعه أبو مويهبة قال: يا نبي الله! بأبي أنت وأمي اختر الخلد في الدنيا ثم الجنة، قال: لا، يا أبا مويهبة ! إنني اخترت لقاء الله ثم الجنة) شوقاً إلى ربه، فلما داهمه المرض وحانت ساعة الوفاة يوم الإثنين سمعته عائشة وهو يقول بعد أن خيره الملك يقول: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، ثم قال: بل الرفيق الأعلى)، كررها ثلاثاً ثم مالت يده ففاضت روحه إلى أعلى عليين في المحل الأسمى والملكوت الأعلى صلوات الله وسلامه عليه، ثم غسله أهل بيته غسله العباس وقثم والفضل ابنا العباس يقلبان الجسد الشريف، وشقران وأسامة يسكبان الماء، وعلي رضي الله عنه يباشر بيده غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كُفِّن بثلاثة أثواب من قرية من اليمن، ثم إنه صلى الله عليه وسلم حفر له في الجهة الجنوبية الغربية من حجرة عائشة رضي الله عنها وأرضاها ودفن ثم نزل في قبره قثم والفضل وأسامة وشقران وعلي ووضعوه في لحده عليه الصلاة والسلام وبنوا عليه تسع لبنات بعد أن صلى عليه المؤمنون أرسالاً أي فرادى كل شخص يصلي لوحده ثم دفن وحثي التراب على قبره صلوات الله وسلامه عليه.

    هذا على وجه الإجمال خبر نبيكم صلى الله عليه وسلم.

    الله قسم بين الخلق رزقهم وأنت خيرت في الأرزاق والقسم

    إن قلت في الأمر لا أو قلت فيه نعم فخيرة الله في لا منك أو نعم

    يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة حديثك الشهد عند الذائق الفهم

    أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم

    لما رأوك به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم

    صلى وراءك منهم كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتمم

    ركوبة لك من عز ومن شرف لا في الجياد ولا في الأينق الرسم

    مشيئة الخالق الباري وصنعته وقدرة الله فوق الشك والتهم

    ثم اعلم أيها الأخ المبارك! إن الناس يوم القيامة يحشرون وهم أحوج ما يكونون إلى ثلاثة أشياء، يحشرون عراة أحوج ما يكونون إلى الكسوة، ويحشرون عطشا أحوج ما يكونون إلى الماء، ويحشرون تدنو منهم الشمس أحوج ما يكونون إلى ظل العرش، والموفق من رحمه الله وأكرمه وكساه يوم القيامة وسُقِي من يدي نبينا صلى الله عليه وسلم، وأظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

    جمع الله لي ولكم ولوالدينا هذه الثلاثة كلها.

    ومن أعظم أسباب الحصول على ذلك: محبة نبينا صلى الله عليه وسلم واتباع أمره واجتناب نهيه والتماس سنته وتصديقه، بل الدين كله مندرج في اتباعه عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

    هذه الوقفة الثانية في هذا المساء المبارك وكانت خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    وقفة مع قوله تعالى: (وشاهد ومشهود)

    الوقفة الثالثة علمية في قول الله جل وعلا: وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ [البروج:3]، هذه الآية في سورة البروج وسورة البروج سورة مكية باتفاق العلماء صدرها الله جل وعلا بقوله: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ [البروج:1-3].

    فإن جعلنا الواو عاطفة فهي معطوف على مقسوم، وإن جعلناها مستقلة فهي في ذاتها واو قسم ولذلك جرت في الحالتين.

    اختلاف العلماء في معنى الشاهد والمشهود

    اختلف العلماء على ما هو الشاهد وما هو المشهود؟ على أقوال وكلها يؤيدها القرآن.

    قال بعض العلماء: الشاهد هو النبي صلى الله عليه وسلم والمشهود عليه هذه الأمة والدليل أن الله قال: وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41].

    قال آخرون: لا الشاهد هو هذه الأمة والمشهود عليها الأمم كما ورد في الحديث الصحيح.

    وقال آخرون: إن الشاهد هو الحجر الأسود والمشهود عليه من يلتبس الحجر، ودليلهم من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا الحجر الأسود يأتي يوم القيامة وله عينان يبصران وله لسان يتكلم به يشهد لمن استلمه بصدق).

    وقال آخرون: إن الشاهد هو عيسى عليه السلام والمشهود عليه أمته ودليلهم من القرآن قول الله جل وعلا في خاتمة المائدة على لسان عيسى: وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة:117].

    وقال آخرون: إن الشاهد هو النجم، والمشهود الناس والدليل عندهم من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حتى يغيب الشاهد)، أي: حتى يغيب النجم.

    وقال آخرون بغير هذا لكن هذا جملة ما قاله العلماء على أنه ينبغي لك أن تعلم أن أعظم الشاهدين هو الله جل جلاله قال الله جل وعلا: وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:79]، وقال الله على لسان عيسى: وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة:117]، ولقمان لما أراد أن يؤدب ابنه ويعلمه ويعظه قال: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16].

    فالله جل وعلا من تكلم عنده كمن أسر، ومن ظهر كمن اختفى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وطوبى لعبد خاف الله واتقاه، وعلم أن الله هو خير الشاهدين، فما أقفل على نفسه باباً إلا وتذكر عظمة الجبار جل جلاله وأن الله جل وعلا مطلع عليه لا تخفى عليه من عباده خافية.

    فجعل من عمره صلوات وذكر يتقرب بها إلى الله جل وعلا، ألا ترى إلى يونس بن متى لما ابتلاه الحوت وغاص به الحوت في قاع البحار حرك عليه السلام يديه؛ ليشعر أنه حي أو ميت فتجاوبت معه أطرافه فأسمعه الله جل وعلا تسبيح الحصى في باطن الثرى فخر ساجداً في ذلك المكان المظلم يتوسل إلى الله بهذا السجود قائلاً: اللهم إنني اتخذت لك مسجداً في مكان ما ظننت أن أحداً عبدك فيه، قال الله جل وعلا: فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات:143-144]، فألهمه الله جل وعلا أن يسبح وأن يذكر الله وأن يتقيه في مكان يغلب على الظن أن الله لم يُذكر فيه، فكان ذلك سبباً في رحمة الله جل وعلا به فكل ما بوأك الله مكاناً فأرِ الله جل وعلا ما يأمله منك، وإذا رزقك الله جل وعلا نعمة مما تحب فأرِ الله جل وعلا فيها ما يحب، وقد كان بعض الصالحين إذا دعا الله يقول: اللهم واجعل ما أعطيتنا مما نحب عوناً لنا على ما تحب، وهؤلاء طبقة ربانية وأئمة مهديون.

    سلك الله بي وبكم سبيلهم.

    1.   

    وقفة مع قصة جريج العابد

    الوقفة الرابعة: مع قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عند أبي هريرة: (كان جريج عبداً صالحاً في بني إسرائيل فاتخذ صومعة يتعبد الله جل وعلا فيها، فجاءته أمه ذات يوم تناديه: يا جريج .. يا جريج .. يا جريج! قال: يا رب! أمي أو صلاتي. فانصرف إلى صلاته، فلما كان من الغد جاءته أمه تناديه: يا جريج .. يا جريج .. يا جريج! قال: يا رب! أمي أو صلاتي. فانصرف إلى صلاته، فلما كان في اليوم الثالث جاءته أمه تنادي تتوقى وهج الشمس بيديها: يا جريج .. يا جريج! قال: يا رب! أمي أو صلاتي -يخاطب نفسه- فانصرف إلى صلاته، فدعت عليه أمه قائلة: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، والمومسات النساء اللواتي يشتغلن بالبغاء أي: بالزنا، أعاذنا الله من ذلك كله.

    فتذاكر بنو إسرائيل في أنديتهم عبادة جريج، فقالت امرأة يضرب بها المثل في الحسن: أنا أفتنه لكم فتعرضت له فأعرض عنها، فعمدت إلى راع يرعى الغنم يأوي إلى صومعة جريج مكنته من نفسها فحملت فولدت، ثم جاءت بالغلام إلى بني إسرائيل وقالت: هذا الغلام من جريج، فأصيب الناس بصدمة في رجل يعتقدون أنه عبد صالح، فحملوا المساحي والمكاتل وعمدوا إلى الصومعة فهدموها وأخرجوا جريجاً وأخذوا يضربونه، قال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه المرأة وأنجبت منك غلاماً؟ قال: ائتوني بماء للوضوء فتوضأ وصلى ركعتين، ثم قال: أين الغلام؟ فجيء له بالغلام والناس ينظرون، قال: يا غلام! من أبوك؟ فأنطق الله الغلام في مهده وقال: أبي فلان الراعي، فأقبل الناس على جريج يسلمون عليه ويقبلونه ويعتذرون له ويقولون: نعيد بناء صومعتك من ذهب، قال: لا، كيف يعبد الله في مكان من ذهب، ردوها كما كانت من طين، فردوها فعبد الله).

    هذا الحديث من أعظم الأحاديث الذي من فقهه جيداً يزيد إيمانه ويعرف طرائق الوصول إلى الله، وأعظم فوائده أن الله جل وعلا لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فالذي أنطق الغلام في مهده هو الذي أنطقنا ونحن كبار، والإنسان إذا حسن وعظم يقينه بقدرة الله كان توكله على الله جل وعلا أعظم، وإنما يؤتى العبد من نقص التوكل إذا كان ضعيف اليقين بقدرة الله جل وعلا، لكن من يعلم أن الله على كل شيء قادر يعظم يقينه وتوكله على ربه تبارك وتعالى، قال الله جل وعلا: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ [البقرة:259]، ولم تكن الشمس قد غابت ظن أنه في نفس اليوم قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا [البقرة:259]، وهذا كله لا يقدر عليه إلا الله، فلما تبين له قال: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:259].

    فإذا عظم يقين الإنسان أن الله على كل شيء قدير خاف الله في البر، وخافه في البحر، وخافه بين السماء والأرض، ويعلم أن قدرة الله جل وعلا عليه أقرب من كل شيء فيمتنع عن المعاصي ويبقى مشفقاً خائفاً من الله، قال الله عن أهل طاعته: وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا [الشورى:18]، أي: خائفون من الساعة، قال الله عن آل زكريا: وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [الأنبياء:90]، أي: خوفاً وطمعاً، وكذلك المؤمن إذا عظم يقينه بقدرة الله جل وعلا.

    الفائدة الثانية: أنه لا يمكن أن يتوسل إلى الله جل وعلا بعمل بعد توحيده أعظم من الصلاة، ولهذا كان نبينا يقول: (أرحنا بها يا بلال!)، ويقول: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، فهذا العبد الصالح جريج لما ابتلي هذا البلاء ما استدعى ورقة وقلماً ليكتب استعطافاً لأحد؛ وإنما طلب وَضوءاً ليصلي بين يدي الواحد الأحد.

    أقرب الطرق أن تسأل الله جل وعلا، فتوسل إلى الله جل وعلا بهاتين الركعتين، وأعظم الصلوات ما كان في فلق الأسحار، قال صلى الله عليه وسلم يوصي معاذاً: (وصلاة الرجل في جوف الليل الآخر ثم تلا: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16] * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17] )، فلما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينصح حبيبه معاذاً نصحه بالأعمال الصالحة فقال له: (الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار)، ثم ختم بصلاة فلق الأسحار، فالصلاة إذا كانت في فلق الأسحار من أعظم ما يتقرب به إلى الله الواحد القهار.

    روي أن عائشة رضي الله عنها قالت: { بات عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى وجدت برد جسمه -أي احتك جسدي بجسده- ثم قال لي: يا عائشة! أتأذنين لي أن أعبد ربي، قلت: يا رسول الله! والله إني لأحب قربك وأحب أن تعبد ربك، فقام إلى شن معلق به ماء فتوضأ، قالت: ثم أخذ يقرأ ويصلي ويبكي حتى بلل لحيته، فدخل عليه بلال يستأذنه لصلاة الفجر، قال: يا نبي الله! ما يبكيك؟ قال: كيف لا أبكي وقد أنزل علي الليلة ثم تلا خواتيم آل عمران: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ [آل عمران:190] * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:191] حتى ختمها صلوات الله وسلامه عليه }.

    وموضع الشاهد من هذا كله أن الصلاة في فلق الأسحار من أعظم القربات وأجل الطاعات.

    الفائدة الثالثة: أن وجوه المومسات من البلاء العظيم الذي يفتن الإنسان بالنظر إليه، فأم جريج دعت على ابنها بسوء، قالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، فالنظر إلى وجوه المومسات غضب وسخط من الله جل وعلا، وعدم توفيق، وبعد عن الطاعة، وإلى غير ذلك مما يسري في هذا المضمار من الأقاويل والمصطلحات الشرعية.

    والمقصود أن هذه الأم دعت على ابنها بهذا؛ لأن الإنسان لابد له أن ينظر إما إلى خير وإما إلى شر، إما إلى حسن وإما إلى سوء، إما إلى ما يذكره بالله وإما إلى ما يجعله مع الشيطان وحزبه، فقالت هذه المرأة: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، وقد رأى وجوه المومسات عرضاً وأمنه الله جل وعلا من كيدهن.

    الفائدة الرابعة: أن بر الوالدين من أعظم أسباب التوفيق في الدنيا والآخرة، وهذه نصيحة لكل من منَّ الله عليه بفضيلة الاستقامة: اعلم يقيناً أنك لو بلغت مبلغ إبراهيم عليه السلام في العبادة فإن ذلك لا يغنيك عن بر والديك، ولو كان أبوك متلبساً بالفجور أو والدتك فإن حق الوالدين حق عظيم عليك لا يعدله شيء، والله الذي أمرك أن تذهب إلى المسجد وأن تأتي إلى حلق العلم وأن تتصدق وتصوم وغير ذلك من الصالحات التي أنت فيها هو الذي قال لك: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان:14]، وهو الذي قال لك: وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا [العنكبوت:8]، وهو الذي قال لك: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:24].

    الفائدة الخامسة: أن المظلوم منصور بعون الله، فهذا العبد الصالح لما ظلم واتهم بما ليس فيه لجأ إلى الله فنصره الله جل وعلا على لسان هذا الصبي، وفي الحديث شئنا أو أبينا دلالة على فضيلة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهذا والله! من فرائد العلم فقد استقصي من اتهم في الكتاب والسنة فتجدهم غالباً خمسة: اتهم يوسف بامرأة العزيز فبرأه الله جل وعلا على لسان شاهد في البيت، واتهم موسى عليه السلام بأن في بدنه كذا وكذا فبرأه الله جل وعلا بحجر يحمل ثيابه ويهرب بها فعرف بنو إسرائيل لما رأوا موسى وهو عريان أن ليس به أذى، قال الله: لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب:69]، واتهمت مريم عليها السلام بأنها ولدت عيسى من بغاء فبرأها الله جل وعلا على لسان عيسى: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا [مريم:30]، واتهم جريج فبرأه الله جل وعلا على لسان هذا الغلام الذي أنطقه الله في مهده، واتهمت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها فبرأها الله جل وعلا من فوق سبع سماوات بقرآن يتلى إلى يوم القيامة: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور:11] إلى قوله جل وعلا: أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور:26].

    هذه وقفات أربع وطول الكلام ينسي بعضه بعضاً نكتفي بها في هذا اللقاء.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015538962

    عدد مرات الحفظ

    723673677