إسلام ويب

دروس وفتاوى الحرم المدني 1416ه [3]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان هذا اللقاء في ليلة الجمعة ولهذا فقد تكلم فيه الشيخ حول خصائص الجمعة، فبعد أن بين فضل الجمعة وذكر شيئاً من أحكامها شرع في ذكر خصائص الصلاة وعدَّد سبعاً منها، ثم انتقل إلى ذكر خصائص يوم الجمعة، ثم أعقبها ببيان أن لا خصوصية في يوم الجمعة لزيارة القبور، ثم ختم هذا اللقاء بذكر جملة من أحكام السلام تطرق فيها إلى مشروعيته وكيفيته وصيغته وحكم التسليم ابتداء على الكافر ورد السلام عليه.

    1.   

    أحكام وخصائص صلاة الجمعة

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمدٍ خاتم النبيين، وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإنه جرت العادة أن يكون بداية اللقاء الكلام على ما تيسر من تفسير ما سمعناه في قراءة المغرب، ولكن نظراً لأن هذه الليلة ليلة الجمعة، ينبغي أن نتكلم عن شيء من خصائص هذا اليوم العظيم.

    هذا اليوم العظيم يوم الجمعة يومٌ جعله الله تعالى عيداً للأسبوع، وما طلعت الشمس ولا غربت على يومٍ أفضل من يوم الجمعة باعتبار أيام الأسبوع، وخير يومٍ طلعت عليه الشمس يوم عرفة باعتبار أيام السنة.

    هذا اليوم يوم العيد منَّ الله به على هذه الأمة وأضل اليهود والنصارى، فصار لليهود يوم السبت، وصار للنصارى يوم الأحد، وضلوا عن يوم الجمعة الذي فيه ختم الله خلق السماوات والأرض؛ لأن الله تعالى خلقها في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة، وفيه ابتداء خلق آدم؛ خلق الله آدم يوم الجمعة، وفيه أخرج من الجنة وأهبط إلى الأرض، فيكون مبدأ خلق البشر يوم الجمعة، وفيه تقوم الساعة فيكون منتهى الخلق أيضاً يوم الجمعة، فهو يومٌ عظيم، ولهذا اختص بأحكامٍ نذكر منها ما تيسر:

    من ذلك: أنه اختص بفرض صلاة الجمعة، وهذه الصلاة يشترط فيها الجماعة باتفاق المسلمين، فلا تصح صلاة الجمعة من منفرد، لا في البيت كالمرأة والمريض، ولا في المساجد، بل لابد من الجماعة فيها، فلو قدر أن إنساناً صلى وحده يوم الجمعة، وقال: أريد أن تكون جمعةً، قلنا له: إن صلاتك غير صحيحة، ويجب عليك أن تعيدها، هذه الصلاة لابد فيها من جمع ثلاثة فأكثر، غيرها من الصلاة تنعقد باثنين؛ بإمام ومأموم، أما الجمعة فلابد فيها من الجمع ثلاثة فأكثر، واختلف العلماء رحمهم الله في العدد الذي لابد منه في صلاة الجمعة، فمنهم من قال: أربعون رجلاً، فلو كان هناك قرية صغيرة ليس فيها إلا ثلاثون رجلاً فإنهم لا يقيمون الجمعة؛ لأنه لابد أن يكون العدد أربعين.

    وقال بعض العلماء: يكفي اثنا عشر رجلاً؛ لأن الصحابة الذين انفضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأوا التجارة لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلاً، وهذا يدل على أن اثني عشر رجلاً يكفي في عدد الجمعة.

    ومنهم من قال: يكفي في عدد الجمعة ثلاثة، فلو فرض أن قرية ليس فيها مستوطنون سوى ثلاثة نفر فإنها تقام الجمعة؛ لأنه يحصل بها الجمع، إمام يخطب، ومؤذنٌ يدعو، ومأموم مجيب، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ [الجمعة:9] هذا من المنادي المؤذن، ولابد من خطيب ولابد من مدعو: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا [الجمعة:9] وهذا القول أرجح الأقوال: أنه يكفي في عدد الجمعة ثلاثة، إمامٌ يخطب، ومؤذن يدعو، ومأموم مجيب، فنقول: لو صلى الإنسان غير الجمعة كالظهر مثلاً، لو صلى وحده أتجزئه الصلاة؟

    الجواب: نعم. تجزئه وتبرأ بها ذمته، لكن إن كان ممن تجب عليه الجماعة كان آثماً، وإن كان ممن لا تجب عليه الجماعة كان غير آثم.

    الوقت شرط في صحة صلاة الجمعة

    من خصائص هذه الصلاة العظيمة أنها لا تصح إلا في الوقت، ولهذا قال العلماء: من شروط صحة الجمعة: الوقت، وفي غيرها قالوا: من شروط الصلاة: دخول الوقت، وحينئذٍ نسأل: ما الفرق بين قولنا: من شروط صحة الصلاة الوقت، ومن شروط صحة الصلاة دخول وقت الصلاة؟ هل بين العبارتين فرق أو هما شيءٌ واحد؟ الفرق بين قولنا: من شروط صحة الصلاة دخول الوقت، وقولنا: من شروط صحة الصلاة الوقت، أننا إذا قلنا: من شروط صحة الصلاة الوقت فإنها لا تصح لا قبله ولا بعده، وإذا قلنا: من شروط صحة الصلاة دخول الوقت لم تصح قبله وصحت بعده، ولكن هل تصح الصلاة بعد الوقت لمن أخرها عمداً أو لا؟ لا تصح. ولمن أخرها نوماً أو نسياناً؟ تصح، الصلاة التي غير الجمعة لو أن إنساناً نام ولم يستيقظ، وليس عنده من يوقظه فلم ينتبه إلا حين خرج الوقت فإنها تصح، يصليها وصلاته صحيحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها -متى؟- إذا ذكرها) هذا بالنسيان، وإذا استيقظ هذا في حق اليقظة، ولهذا لما نام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن صلاة الفجر وهم في سفر فلم يستيقظوا إلا في طلوع الشمس صلاها ولم يدعها، لكن لو أخر الصلاة عمداً عن وقتها بلا عذر شرعي فهل تصح الصلاة؟ لا تصح، والدليل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ومؤخر الصلاة عن وقتها بلا عذر عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون عمله مردوداً. وكذلك أيضاً ربما يستدل بقوله تعالى: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229] والمخرج للصلاة عن وقتها بلا عذرٍ متعدٍ لحدود الله فيكون ظالماً والظالم لا يقبل منه: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام:21].

    الجمعة لا تكون إلا في الأوطان

    من خصائص صلاة الجمعة: أنها لا تكون إلا في الأوطان في المدن والقرى، أما غير الجمعة ففي أي مكان، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يسافر الأسفار الطويلة وتمر به الجمعة ولم يكن يقيمها في السفر، ولو كانت الجمعة واجبة على المسافر لأقامها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، واعجبوا أن يوم عرفة في حجة الوداع صادف يوم الجمعة، ومع ذلك لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة صلاة الجمعة كما في حديث جابر الطويل الذي رواه مسلم : (أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بالوادي فخطب الناس -خطبة معروفة بليغة- ثم أمر بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر) هكذا قال جابر رضي الله عنه، ولقد ضل من قال: إن الجمعة تقام في السفر، وخرج عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه إذا فعل أن يعيدها إن كان يريد إبراء ذمته وإقامة حجته عند الله عز وجل؛ لأن هذا ليس موضع اجتهاد حتى يقال: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، هذا السنة فيه واضحة أجلى من النهار في ارتفاع الشمس، ولا عذر لأحد أن يقيم صلاة الجمعة في السفر إطلاقاً، لكن لو صادف أنك في بلد نازل تريد أن تواصل السفر في آخر النهار وجب عليك أن تصلي مع المسلمين؛ لأن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9] والمسافر من المؤمنين فيشمله الخطاب.

    صلاة الجمعة لا يجمع إليها ما بعدها

    ومن خصائص هذه الصلاة: أنه لا يجمع إليها ما بعدها، والذي بعدها ما هو الأصل؟ صلاة العصر، فلا تجمع صلاة العصر إلى صلاة الجمعة، فلو أن الإنسان كان مسافراً نازلاً من بلد، ويريد أن يواصل السير بعد صلاة الجمعة، وصلى مع الناس صلاة الجمعة؛ فإنه لا يضم إليها العصر، لماذا؟ لأن السنة إنما وردت في الجمع بين الظهر والعصر، وصلاة الجمعة ليست صلاة ظهر بالاتفاق، لا أحد يقول: إن صلاة الجمعة صلاة ظهر، وعلى هذا فنقول: واصل السفر وإذا دخل وقت العصر وأنت في السفر فصل حيثما أدركتك الصلاة.

    الجهر بالقراءة في صلاة الجمعة

    ومن خصائص هذه الصلاة العظيمة: أن القراءة فيها تكون جهراً، وغيرها سراً، إلا ما كان مثلها في جمع الناس فتكون جهراً، ولهذا نرى أن صلاة العيدين تكون القراءة فيها جهراً، الكسوف جهر، حتى في النهار لو كسفت الشمس فالقراءة فيها جهر، الاستسقاء جهر؛ لأن الناس مجتمعون، فهذا الاجتماع الموحد جعل القراءة في الصلاة جهراً ولو كانت نهارية. إذاً: من خصائص صلاة الجمعة أن القراءة فيها جهر، بخلاف الظهر، وذلك من أجل أن يجتمع هذا الجمع الكبير على قراءة واحدة وهي قراءة الإمام.

    ساعة الإجابة تصادف صلاة الجمعة

    من خصائص صلاة الجمعة: أنها تصادف ساعة الإجابة التي قال عنها صلى الله عليه وسلم: (لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو قائمٌ يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه) وهذه نعمة عظيمة، هذه ليست موجودة في صلاة الظهر مثلاً، لكنها في صلاة الجمعة، فأرجى ساعات الجمعة بالإجابة هي وقت الصلاة، وذلك لأمور: أولاً: لأن ذلك جاء في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. وثانياً: أن هذا اجتماع من المسلمين على عبادة واحدة بقيادة واحدة، يعني: إمام واحد، وهذا الاجتماع يكون أقرب إلى الإجابة، ولهذا في يوم عرفة حين اجتمع المسلمون على صعيد عرفة ينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا يباهي بهم الملائكة ويجيب دعاءهم، لذلك احرص يا أخي! على الدعاء في هذا الوقت وهو وقت صلاة الجمعة، لكن متى تدخل هذه الساعة ومتى تخرج؟ تدخل من حين أن يدخل الإمام إلى أن تقضى الصلاة، فلننظر الآن متى ندعو، دخل الإمام وسلم وبعد ذلك الأذان؛ الأذان ليس فيه دعاء فيه إجابة للمؤذن، بعد الأذان هناك دعاء، بين الأذان والخطبة هناك دعاء، تقول بعد الأذان: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة والقائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه اللهم مقاماً محموداً الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد). ثم تدعو بما شئت، ما دام الخطيب لم يشرع في الخطبة فأنت في حل فادع الله بما شئت، كذلك أيضاً بين الخطبتين تدعو الله بما شئت من خيري الدنيا والآخرة، كذلك أيضاً في أثناء الصلاة في السجود: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقرب ما تكون من الرب وأنت ساجد، لماذا؟ لأن هذه الهيئة -أعني هيئة السجود- أكمل ذل للإنسان، أي عضو فيك أشرف؟ الوجه، أين تضعه في السجود؟ في الأرض موطئ الأقدام، فرأسك وجبهتك محاذية أصابع رجليك، بهذا الذل والخضوع العظيم صار الإنسان أقرب ما يكون من ربه جل وعلا؛ لأن من تواضع لله رفعه: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) استغل هذه الفرصة أكثر من الدعاء، بأي شيء تدعو؟ بالذي تريد من خيري الدنيا والآخرة، لو قال الإنسان في دعائه: اللهم ارزقني سيارة جميلة، يصلح؟ يصلح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليسأل أحدكم ربه حتى شراك نعله) حتى شراك النعل، ثم الدعاء نفسه عباده، فإذا دعوت الله بأي غرض، لو قال الطالب وهو في أيام الامتحان: اللهم ارزقني نجاحاً إلى درجة ممتاز، يصلح؟ يصلح، هذا دعاء لله تخاطب الله، والممنوع مخاطبة الآدميين، لكن مخاطبة الله بالدعاء ليست ممنوعة. ولكن هل هناك محل دعاء ثانٍ في الصلاة؟ بعد التشهد كما في حديث ابن مسعود حين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم التشهد ثم قال بعده: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) وكلمة: (ما شاء) عند علماء الأصول تفيد العموم؟ الدليل على أن الاسم الموصول يفيد العموم قوله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر:33] (أولئك هم) هذه جماعة، (والذي) مفرد، فما الذي أوجب أن يخبر عن المفرد بالجماعة؟ الذي أوجب ذلك أن الاسم الموصول يفيد العموم، ومثل ذلك اسم الشرط يفيد العموم، والدليل على هذا قول الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة:7-8] فهذه تفيد العموم ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الخيل وأثنى عليها وما فيها من الأجر، قالوا: يا رسول الله! فالحمر، قال: (لم ينـزل عليَّ فيها إلا هذه الآية الشاذة والفاذة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة:7] * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة:8]) هذه تعم كل شيء. إذاً: اسم الموصول يفيد العموم، فقول الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث ابن مسعود : (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) يفيد عموميتها، وأما قول بعض الفقهاء رحمهم الله: إنه لا يجوز للإنسان أن يدعو في صلاته بشيءٍ من ملاذ الدنيا؛ فإنه قولٌ ضعيف يخالف الحديث، وإذا كان الإنسان في أزمة اقتصادية فإلى من يلجأ؟ إلى الله، يدعو الله عز وجل. فصار عندنا الآن في ساعة الإجابة وقت صلاة الجمعة عدة مواطن للدعاء، فانتهز الفرصة يا أخي! انتهز الفرصة في الدعاء في صلاة الجمعة لعلك تصادف ساعة الإجابة. هناك أيضاً ساعة أخرى ترجى فيها الإجابة من نفس اليوم، وهي ما بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، لكن هذا القول أشكل على بعض العلماء وقال: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (وهو قائمٌ يصلي) وبعد العصر لا توجد صلاة، أجاب عنهم العلماء، فقالوا: إن منتظر الصلاة في حكم المصلي لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا يزال في صلاةٍ ما انتظر الصلاة).

    وجوب الغسل لصلاة الجمعة

    ومن خصائص هذه الصلاة: أنه يجب الغسل لها كما يغتسل الإنسان للجنابة، يجب أن يغتسل لها كما يغتسل للجنابة وجوباً، في الشتاء وفي الصيف، الدليل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (غسل الجمعة واجبٌ على كل محتلم) (واجب) من القائل: واجب؟ الرسول عليه الصلاة والسلام وهو أعلم الخلق بشرع الله، ولا يمكن أن يطلق على شيءٍ مستحبٍ أنه واجب، لو كان كذلك لكان الأمر خطيراً فهو أعلم الخلق بشريعة الله، وهو أفصح الخلق بما ينطق به، وهو أنصح الخلق للخلق، نعم والله! أنصح الخلق للخلق، وهو أصدق الخلق خبراً، نعم. هو يقول: (غسل الجمعة واجب) بعد أن قدمت لك هذه المقدمات احكم أنت، غسل الجمعة واجب، ثم قرن الوجوب بما يقتضي التكليف وهو قوله: (على كل محتلم) لأن المحتلم هو الذي تجب عليه الواجبات، والمحتلم معناه: ليس الذي احتلم بالفعل، المحتلم بالفعل يجب عليه الغسل من الجنابة ولو في الإثنين والثلاثاء والأربعاء، لكن غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم. أظن أننا لو قرأنا هذه العبارة في مصنفٍ من مصنفات الفقه لم يبق عندنا شكٌ بأن المؤلف يرى الوجوب، فكيف والناطق به محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. ثم إن في الغسل فائدة للبدن تنشيطاً وتنظيفاً، ويدل للوجوب ما جرى بين عمر وعثمان رضي الله عنهما: كان عمر يخطب الناس فدخل عثمان في أثناء الخطبة فكأن عمر لامه على تأخره، قال: والله يا أمير المؤمنين! ما زدت على أن سمعت الأذان فتوضأت ثم أتيت -مشغول- قال له عمر أمام الناس وهو يخطب: والوضوء أيضاً -يعني: تقتصر على الوضوء أيضاً وتأتي متأخراً- وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) فكلمه بنوعٍ من التوبيخ، واستدل على ذلك بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل).

    لا راتبة قبل الجمعة

    وكذلك أيضاً من خصائص هذه الصلاة العظيمة: أنه ليس لها راتبة قبلها، لأن المؤذن إذا أذن فالخطيب حاضر سوف يبدأ بالخطبة، وإن شاء التطوع بعد الخطبة حرام، ولو فعل لكان آثماً والصلاة غير مقبولة إلا فيمن دخل والخطيب يخطب فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين لما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس فقال: أصليت؟ قال: لا. قال: قم فصلِ ركعتين وتجوز فيهما) لذلك ليس لها سنة قبلها، الظهر لها سنة راتبة قبلها أربع ركعات بتسليمتين، أما الجمعة فليس لها راتبة قبلها، لكن من جاء قبل الأذان الثاني فليتطوع بما شاء، بدون حد. هل لها راتبة بعدها؟ نعم. لها راتبة بعدها، ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يصلي بعدها ركعتين في بيته، وقال: (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) فعندنا الآن سنة قولية وسنة فعلية، القولية أربع ركعات، والفعلية ركعتان، كيف نجمع بينهما؟ هل نأخذ بالسنة الفعلية، أو بالسنة القولية، أو نأخذ بهما جميعاً، أو نفصل؟ كم الاحتمالات الآن؟ أربعة: هل نأخذ بالسنة القولية فنقول: سنة الجمعة أربع ركعات. أو بالسنة الفعلية فنقول: سنة الجمعة ركعتان. أو نجمع بينهما فتكون السنة ست ركعات. أو نفصل والتفصيل أذكره لكم إن شاء الله، فالاحتمالات أربعة: من العلماء من قال: السنة ركعتان في البيت؛ لأن هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]. ومن الناس من قال: السنة أربع، سواءٌ صلاها في البيت أو في المسجد، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) وقوله مقدم على فعله عند التعارض. ومنهم من قال: الاحتياط أن يأتي بالسنة الفعلية والقولية فيصلي ستاً. أما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ففصل، قال: إن صلى في بيته فالسنة ركعتان فقط؛ لأن الرسول لم يزد على ركعتين في بيته، وإن صلى أربعاً ففي المسجد، وهذا تفصيلٌ لا بأس به. إذاً: تفارق الجمعة الظهر بأنه ليس لها راتبة قبلها، وراتبتها بعدها ركعتان إن صلى في البيت، وأربع إن صلى في المسجد.

    1.   

    خصائص يوم الجمعة

    أما يوم الجمعة فله خصائص، نحن الآن تكلمنا عن خصائص الصلاة، ويوم الجمعة له خصائص منها:

    سنية قراءة سورة الكهف كاملة يوم الجمعة

    فيسن للإنسان أن يقرأ فيه سورة الكهف كاملة، وليس في فجر يوم الجمعة كما يفعله بعض الأئمة الجهال، بل في غير الصلاة؛ لأن فجر يوم الجمعة يقرأ فيه بسورتين معروفتين سورة السجدة وسورة الإنسان، ويقرأ سورة الكهف في اليوم: خارج الصلاة قبل صلاة الجمعة أو بعدها، يجوز هذا وهذا، سواء قرأت سورة الكهف قبل صلاة الجمعة أو بعدها يحصل الأجر، بخلاف الاغتسال فإنه لابد أن يكون قبل الصلاة.

    قراءة سورتي السجدة والإنسان فجر يوم الجمعة

    ومنها: أي: من خصائص يوم الجمعة: أنه يقرأ في فجره: ( ألم * تنزيل ) السجدة في الركعة الأولى، و( هل أتى على الإنسان ) في الركعة الثانية، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما يفعله بعض الجهال من الأئمة حيث يقسم ( ألم * تنزيل ) السجدة بين الركعتين، أو يقتصر على نصفها ويقرأ نصف ( هل أتى ) فهو خطأ، نقول لهذا: إما أن تقرأ بالسورتين كاملتين، وإما أن تقرأ بسورة أخرى لئلا تخالف السنة، لأن هناك فرقاً بين من يقرأ بسورتين أخريين فيقال: هذا فاتته السنة، لكن من قرأ بسورة ( ألم * تنزيل ) السجدة وقسمها في الركعتين، أو قرأ نصفها ونصف ( هل أتى )، فهذا خالف السنة، وفرق بين المخالفة وبين عدم فعل السنة؛ لأن الأول أشد.

    الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    ومن خصائص يوم الجمعة: أنه ينبغي فيه إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أكثر من الصلاة على نبيك محمد عليه الصلاة والسلام الذي هو أعظم الخلق حقاً عليك، أعظم حقاً من أمك وأبيك، ويجب أن تفديه بنفسك ومالك، أكثر من الصلاة عليه يوم الجمعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك.

    يوم الجمعة لا يصام وحده

    ومن خصائص هذا اليوم: أنه لا يصام وحده إلا من صادف عادة فصامه، يعني: لا يمكن أن تفرد يوم الجمعة بصوم فإما أن تصوم يوم الخميس معه، وإما أن تصوم السبت، إلا من كان له عادة فصادف عادته، مثل أن يكون ممن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فصادف يوم الجمعة يوم صومه فلا بأس يصوم ولا حرج، وكذلك لو كان يوم الجمعة يوم عرفة صم ولا حرج، وكذلك لو صادف يوم الجمعة يوم عاشوراء صم ولا حرج، ولكن يوم عاشوراء اختص بأنه يصام يومٌ قبله أو يومٌ بعده مخالفة لليهود. أما يوم السبت فصومه جائز لمن أضاف إليه الجمعة، وأما بدون الجمعة فلا تفرد يوم السبت بصوم، ما لم يفرده عادة أو يوماً مشروعاً صومه كيوم عرفة أو يوم عاشوراء.

    ليس في يوم الجمعة مزية لزيارة القبور

    من خصائص هذا اليوم أعني يوم الجمعة: أنه عند بعض العلماء تسن فيه زيارة القبور، لكن هذا ليس بصحيح؛ فإن زيارة القبور مشروعة كل وقت، في الليل .. في النهار .. في الجمعة .. في الإثنين .. في الثلاثاء .. في الأربعاء، أي وقت يسن أن تزور المقابر، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه زار البقيع ليلاً صلوات الله وسلامه عليه ولا يختص بيوم الجمعة، وقد سبق لنا أن زيارة القبور لها فائدة عظيمة، وهي: (تذكر الآخرة)، وفي لفظٍ آخر: (تذكر الموت) والمقصود بزيارة القبور تذكر الإنسان لحاله أنه الآن على ظهر الأرض يتمكن من الأعمال الصالحة، وغداً من أهل باطن الأرض الذين لا يتمكنون من العمل الصالح.

    هذا ما أردنا أن نتكلم عليه حول يوم الجمعة وما يتعلق بصلاة الجمعة، نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.

    1.   

    أحكام في السلام

    بقي علينا أن نتكلم على مسألة هامة، هذه المسألة المهمة العظيمة هي السلام، سلام الناس بعضهم على بعض أهو سنة أو حرام أو مكروه؟

    مشروعية السلام

    أنت إذا لاقيت واحداً تسلم عليه أو لا تسلم عليه؟ تسلم عليه، العجب أنك الآن تسلم على بعض الناس خارجاً في المسجد أو داخلاً فيه ويستنكر يلتفت: ما هذا؟ كأنه لا يشاع السلام بين المسلمين .. أليس كذلك؟ ألم تدركوا هذا يا إخواني؟ أنا أدركته، إذا سلمت استنكروا: ما هذا؟ لماذا سلم؟ كأنه ليس ببلاد المسلمين، مع أن السلام له فضائل عظيمة: منها: أنه سببٌ لدخول الجنة، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا) لا يوجد إيمان كامل إلا إذا تحاب المؤمنون وأحب بعضهم بعضاً؛ لأنه بدون المحبة لا يمكن أن تجتمع القلوب، ولا أن تتساوى الأفعال، لابد من المحبة، حتى لو حصل بينك وبين أخيك المؤمن سوء تفاهم فحاول أن تزيل أثر سوء التفاهم هذا حتى تعيد المحبة التي بينك وبين أخيك، وانظر الآن الفرق بين شخصٍ تسلم عليه فتجده مكفهراً طول الوقت، وربما يعرض عنك، ورجل تسلم عليه فينطلق وجهه سروراً ويضيء من السرور، تجد قلبك ينفتح له: (ألا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم) أفشوا بمعنى: انشروا ووسعوا السلام بينكم.

    كيفية السلام

    من يسلم: الكبير على الصغير، أو الصغير على الكبير؟ الصغير على الكبير. من يسلم: الراكب على الماشي، أو الماشي على الراكب؟ الراكب على الماشي. من يسلم: القليل على الكثير، أو الكثير على القليل؟ القليل على الكثير. وهل يسلم الإنسان (بالبوري)؟! لا؛ لأنه إذا نهي عن السلام بالإشارة فهذا من باب أولى، لكن بعض الناس ينبه بالبوري ثم يقول: السلام عليكم، فيكون الأول ليس المقصود بالسلام لكنه للتنبيه، ومع ذلك الأحسن ألا يفعل وأن يسلم بالقول. إذا لم يسلم الصغير على الكبير هل تترك السنة فلا يسلم الكبير على الصغير؟ أو نقول: إذا لم يسلم الصغير فسلم أنت أيها الكبير؟ نقول: سلم أنت أيها الكبير! لأنه قد يكون الصغير في تلك الساعة ساهياً غافلاً، وقد يكون جاهلاً، فأنت سلم لتعلمه، ولهذا كان من هدي محمدٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يسلم على الصبيان إذا مر بهم، تواضعاً منه عليه الصلاة والسلام وتعليماً للأمة، وهل يسلم القليل على الكثير؟ أنت الآن معك أربعة، لاقاكم رجلان ولم يسلما، أتسلمون؟ نعم. فيجب أن نسلم ولا نترك السنة تضيع لغفلة أو سهوٍ أو استكبار أو غير ذلك، إذاً: يسلم الصغير على الكبير، والقليل على الكثير، والراكب على الماشي، والماشي على القاعد، فإذا لم تحصل السنة ممن يطالب بها يسلم الآخر، ومن تواضع لله رفعه الله.

    صيغة السلام

    ما هي صيغة السلام؟ السلام أن تقول: السلام عليك إذا كان واحداً، والسلام عليكم إذا كانوا جماعة. الدليل: أن رجلاً جاء فدخل المسجد وصلى صلاةً لا يطمئن فيها، ثم جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: (السلام عليك يا رسول الله! فرد عليه السلام، وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل)، وإذا كنت تخاطب اثنين فقل: السلام عليكم لأنه يجوز مخاطبة الاثنين بصيغة الجمع، وإذا كنت تسلم على أمك ماذا تقول؟ السلام عليكِ يا أمي! لماذا؟ لأن الكاف إذا خوطب بها امرأة تكون مكسورة، وإذا دخلتَ على خالاتك وهن أربع أو خمس ماذا تقول؟ السلام عليكن ورحمة الله وبركاته لأن الكاف للخطاب فتكون على حسب المخاطب. وبماذا يرد المسلم عليه؟ يعني يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سلم عليك، قال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، تقول: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، لا ما نع، المهم أن تقول: السلام عليك؟ خطأ. تقول: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بالواو أو بدونها؟ بالواو، وبدونها أيضاً، يعني: وعليكم السلام أو تقول عليكم السلام، الواو أفضل وبدونها جائز، ما تقولون في رجل قلنا له: السلام عليك، فقال: أهلاً ومرحباً، وحياكم الله وتفضل، واليوم يوم سرور، وهذا من أفضل الأيام عندنا، وفقك الله وزادك علماً وتقوىً وهدىً، أيكون قد رد السلام؟ ما رد السلام، مع أنه ذكر سطرين يمكن أن فيها رد السلام. أقول: لو أن الإنسان ملأ الدنيا كلها بردٍ ليس فيه عليك السلام، فإنه لا يعد راداً للسلام ويكون آثماً؛ لأن رد السلام واجب بالمثل أو أحسن، لقول الله تبارك وتعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86] فبدأ بالأحسن، ثم قال: أو ردوها، وهذا هو الواجب.

    حكم ابتداء السلام على الكافر ورد السلام عليه

    هل يجوز للإنسان أن يسلم ابتداءً على الكافر أو لا؟ مررت برجل كافر؛ يهودي أو نصراني أو مجوسي؛ أو أي إنسان كافر تبدؤه بالسلام أو لا؟ مداخلة: لا. الشيخ: ما الدليل؟ مداخلة: لا أعرف؟ الشيخ: كيف تحكم بما لا تعرف دليله؟ على كل حال قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، لكن لا تحكم على شيء بالتحليل أو التحريم خاصة إلا إذا عرفت الدليل لقول الله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [النحل:116]، وقوله: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36] لكن لا بأس للمقلد أن يقول: قال علماؤنا: كذا وكذا؛ لأنه مقلد. عندك دليل؟ مداخلة: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم الكافر فضيقوا عليه حتى .....). الشيخ: لا أعرف هذا اللفظ، هل أنت تجيز رواية الحديث بالمعنى؟ مداخلة: لا يجوز. الشيخ: إذاً: أخطأت. مداخلة: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا لقيتم أهل الكتاب فلا تبدءوهم بالسلام). الشيخ: استرح، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) فلا يجوز أن تبدأ اليهودي أو النصراني أو المشرك أو الشيوعي بالسلام، لكن إذا سلموا فهل يجب علي أن أرد، أو لا يجب؟ يجب، والدليل: قال تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86] ما قال الله عز وجل: إذا حيا بعضكم بعضاً، أو إذا حياكم مسلمون، أي إنسان يحييك بتحية فإن من عدالة الإسلام أن ترد عليه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى [النحل:90] سلم عليه، فإذا قال النصراني: السلام عليك، ماذا تقول؟ عليك السلام، وإذا أدغم اللام، وقال: السام عليك، لا تدري أقال: السلام، أو قال: السام عليك، فعليك أن تقول: وعليك، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول إذا سلموا علينا: وعليكم، وقد علل الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن اليهود كانوا يقولون إذا سلموا عليكم: السام عليكم، فقولوا: وعليكم) قال أهل العلم: وهذا يدل على أنهم لو قالوا: السلام باللام الواضحة، فإنه يقال: وعليكم السلام، ولا بأس، لعموم قوله تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86]، ولكن يبتلى بعض الناس ببلوى وأنا سأنظر كيف تحلونها: يكون رئيسه في عمله نصرانياً فيدخل المكتب يريد أن يتفاهم مع هذا الرئيس فهل يسلم أو لا يسلم؟ مداخلة: لا يسلم. الشيخ: لا يسلم، يزعل عليك ويسقطك، أنت لا تظن أنك إذا هجرت كافراً لا يبالي بك، لا. أبداً، قال الله تعالى: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104] لا تفكر أنك إذا أهنته أنه لا يتأثر، لا. لابد أن يتأثر، فماذا تصنع؟ مداخلة: أرد عليه بأي تحية مثل: صباح الخير. الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، يعني: ابتدئه بغير السلام؛ لأن الرسول قال: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام) بأي تحية، كما قال الأخ أقول: صباح الخير، ومع ذلك بإمكاني أن أقول صباح الخير لي وليس له، لأن التأويل بابه واسع.

    1.   

    الأسئلة

    ما يقال عند قول المؤذن: (حي على الصلاة .. حي على الفلاح)

    السؤال: حي على الصلاة، ماذا يقول من سمعها؟ وما معناها؟ الجواب: يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك. ولكن أليس الناس الآن إذا أصابتهم مصيبة قالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فهل هذه مصيبة إذا دعاك إلى الصلاة؟ المصيبة إن تركتها، لا حول ولا قوة إلا بالله هذه كلمة استعانة، قال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي موسى : (يا عبد الله بن قيس ! ألا أدلك على كنزٍ من كنوز الجنة؟ قال: بلى، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله كنزٌ من كنوز الجنة) لأن معناها الاستعانة، كأنك تقول: أجيب وسمعاً وطاعة لكن لا حول لي ولا قوة إلا بالله. وما ذاك إلا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا بها. وهذا جواب سديد لقول الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، ولأن عائشة لما سألتها معاذة : (ما بال الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة).

    بيان معنى الساعة الأولى والثانية ... في الحضور للجمعة

    السؤال: يقول صلى الله عليه وسلم: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الثانية فكأنما قرب بقرة ... الحديث) فما هي الساعة وكيف تقدر؟

    الجواب: قال الله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا -وهم هذه الأمة- فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر:32] فضل الله يؤتيه من يشاء، فالذي يتأخر بعد الأذان آثم ظالمٌ لنفسه، والذي يأتي مع الأذان هذا مقتصد، والذي يأتي من قبل سابق بالخيرات، وقد بدأنا الآن: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، وفي الثانية بقرة، وفي الثالثة كبشاً أقرن -ما فضل الكبش الأقرن؟ لأنه دليل على قوته- ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة بيضة) ولكن ما هي الساعات التي أشار إليها الرسول عليه الصلاة والسلام هل هي ساعاتنا هذه يعني: ستين دقيقة؟ أم ماذا؟

    هي هذه الساعات، وهل تقدر الساعة الأولى بأنها طويلة أو قصيرة؟

    الإمام يقدم الساعة السادسة حسب الترتيب في الحديث، لكن هذه الساعات الخمس السابقة على قدوم الإمام بماذا نقدرها؟ هل تجعل الأولى قصيرة من أجل أن يبادر الناس بالحضور، أو تجعل الساعات سواء؟

    اختلف العلماء في هذه الساعة، منهم من قال: تبدأ بعد شروق الشمس، ومنهم من قال: بعد صلاة الفجر ويقسمون خمس ساعات على هذه، ما بين شروق الشمس إلى الأذان.

    ولكن هل تختلف طولاً وقصراً في الشتاء والصيف؟ وهل تختلف في الطول باختلاف الصيف وباختلاف الفصول؟

    تختلف باختلاف الفصول، ففترة الشتاء بين الشروق والأذان قصيرة، وفي الصيف طويلة.

    ولا شك أن الذي يتأخر إلى مجيء الإمام قد حرم نفسه خيراً كثيراً لاسيما إذا لم يكن له شغل، وهنا أيضاً مشكلة: تجد بعض الناس يأتي ويتقدم لكن لا يشتغل بالعبادة، يأتي إليه أخوه أو صاحبه ثم يتكلمان، وربما يتكلمان في أعراض الناس والعياذ بالله في بيتٍ من بيوت الله، وهذا خطأ، إذا أتيت فصل وإذا مللت فاقرأ وإذا مللت سبح وهلل وكبر.

    حكم الاغتسال للجمعة قبل وبعد طلوع فجر يوم الجمعة

    السؤال: هل يجزئ الغسل للجمعة في ليلة الجمعة أي قبل طلوع فجر يوم الجمعة؟ الجواب: لا يجزئ، لأن الغسل للجمعة لا يجزئ إلا إذا كان بعد طلوع الشمس، أما ما بين طلوع الشمس وطلوع الفجر فأنا أتردد فيه، وذلك لأن النهار شرعاً: ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس، وفلكاً: ما بين طلوع الشمس وغروبها، فهل نحمل اليوم على اليوم الفلكي أو على اليوم الشرعي؟ من المعلوم أن نحمله على اليوم الشرعي، لكن يعكر على ذلك أن ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وقتٌ لصلاة الفجر لا يندب الإنسان فيه إلى أن يتقدم إلى الجمعة، بل هو وقت صلاة فجر، فعلى كل حال نقول: أما من اغتسل بعد طلوع الشمس فقد أصاب السنة وامتثل الأمر ولا إشكال، وأما ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس فهو محل نظر، وعلى هذا فالاحتياط ألا يغتسل إلا بعد طلوع الشمس.

    حكم من يستدل بحديث: (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما) ويترك الصلاة إلا الجمعة

    السؤال: من الناس من لا يصلي إلا صلاة الجمعة محتجاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما)؟ الجواب: ولو احتج بقول الرسول: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما) وترك الصلاة كان أفضل!! نعم. سبحان الله! الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما -لكن قيد ذلك قال:- ما لم تؤت الكبائر) وأي كبيرة أعظم من ترك الصلاة؟! هذا فهم خاطئ، أعني الذي يقول: أنا أصلي الجمعة وأقول كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما) نقول: الحديث مقيد: (ما لم تؤت الكبائر) وفي لفظٍ آخر: (إذا اجتنبت الكبائر) وأي كبيرة أعظم من ترك الصلاة؟ لا شيء؛ لأن ترك الصلاة كفر.

    حكم الجمع بين الجمعة والعصر للمسافر

    السؤال: قلتم حفظكم الله: لا يجمع إلى الجمعة ما بعدها -أي: صلاة العصر- ألا تحل الجمعة مكان الظهر؟

    الجواب: لا. لا تحل الجمعة مكان الظهر، والأصل وجوب فعل الصلاة في وقتها، لقول الله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً [النساء:103] وإذا كانت الجمعة تخالف الظهر في أكثر من عشرين مسألة فلا يمكن إلحاقها بالظهر في الجمع؛ بأن تجمع عليها صلاة العصر.

    حكم المواظبة على قراءة سورتي السجدة والإنسان فجر الجمعة

    السؤال: هل من السنة المواظبة على قراءة سورتي السجدة والإنسان فجر الجمعة دائماً؟ الجواب: نعم: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما ويديم ذلك) وهذه اللفظة وإن لم تكن في الصحيحين لكنها لا تنافي ما في الصحيحين ، لكن لو أنه خشي أن يظن العامة أن قراءتهما فرض فلا بأس أحياناً أن يقرأ بغيرهما مثلاً في الشهر مرة، في الشهرين مرة يقرأ بغيرهما يكون هذا جيداً.

    حكم رفع اليدين والتأمين جهراً على دعاء الخطيب

    السؤال: ما حكم رفع اليدين للمأمومين حينما يدعو الإمام أثناء الخطبة والتأمين جهراً؟ الجواب: رفع اليدين عند الدعاء في الخطبة إنما يشرع في دعاء الاستسقاء فقط، يعني: مثلاً: في خطبة الجمعة دعا الإمام بالاستسقاء، قال: اللهم اسقنا، أغثنا هنا ترفع الأيدي، يرفعها الخطيب والمستمعون كلهم هكذا، في غير ذلك لا رفع، لا للخطيب ولا للمأمومين، ولهذا أنكر الصحابة رضي الله عنهم على بشر بن مروان حين رفع يديه في الدعاء في خطبة الجمعة، وإنما يشير الإمام إشارة عند الدعاء يشير هكذا إشارة إلى علو المدعو عز وجل وهو الله تبارك وتعالى. أما التأمين جهراً فإن ذلك ينافي كمال الاستماع إلى الخطبة، لكن إذا أراد أن يؤمن المأموم فليؤمن سراً، ولا حرج عليه في ذلك.

    حكم التسليم على من يعلم عدم رده للسلام

    السؤال: إذا دخلت إلى المنزل وسلمت على أهلي ولم يرد عليَّ منهم أحد، فهل أترك السلام؟ الجواب: لا تترك السلام، إذا سلمت على إنسان ولم يرد عليك فذكره قل: يا أخي! لماذا لم ترد؟ وأرشده إلى وجوب الرد، ولكن إذا علمت أن هذا الرجل لا يرد السلام فهل تسلم أو تقول: لا أسلم لئلا أعرضه للإثم؟ اشتبه على بعض الناس، فقال: إذا علمت أن المسَلَّم عليه لا يرد السلام فلا تسلم؛ لأنك إذا سلمت ولم يرد كان آثماً فتكون أنت السبب في إثمه، فنقول: هذا خطأ، هذه نظرية خاطئة؛ لأنه إذا قصر هو في الواجب عليه فلا ينبغي لي أن أقصر فيما أمر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين قال: (أفشوا السلام بينكم) فأنت سلم وإذا لم يرد فانصحه وقل: يا أخي! أنت يجب عليك إذا سلم عليك أخوك المسلم أن ترد عليه السلام.

    حكم الجمع بين غسل الجنابة وغسل الجمعة

    السؤال: ما حكم الجمع بين غسل الجنابة وغسل الجمعة؟ الجواب: لا بأس بذلك، يعني: مثلاً إذا كان الإنسان جنباً واغتسل ونوى بذلك رفع الجنابة والاغتسال للجمعة فلا حرج في هذا، كما لو أن الإنسان دخل المسجد وصلى ركعتين ينوي بهما الراتبة وتحية المسجد فلا بأس، وهنا نقول: المسألة لا تخلو من أقسامٍ ثلاثة: أن ينوي غسل الجنابة فقط. أن ينوي غسل الجنابة والجمعة. أن ينوي غسل الجمعة فقط. بقي قسم رابع لكن لا يمكن أن يرد وهو: ألا ينويهما، وهذا غير وارد. فإذا نوى غسل الجنابة أجزأ عن غسل الجمعة إذا كان بعد طلوع الشمس، وإذا نواهما جميعاً أجزءه ونال الأجر لهما جميعاً، وإذا نوى غسل الجمعة لم يكفه عن غسل الجنابة، لماذا؟ لأن غسل الجمعة واجبٌ عن غير حدث، وغسل الجنابة واجبٌ عن حدث، فلابد من نية ترفع هذا الحدث. وإن كان بعض العلماء قال بالغسل مرتين لكنه لا وجه له، لأن السنة أتت: (من غسل واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام ولم يلغ ...) فقول: (غسل واغتسل) بعض العلماء يقول: غسل الأذى ونظف بدنه، واغتسل اغتسال الجنابة المعروف، وبعضهم يقول: من غسل: أي من جامع زوجته؛ لأن جماعه إياها يستلزم أن تغتسل وهذا يدل على أن الغسل الواحد يكفي.

    الدليل على تحريم إفراد صيام يوم السبت

    السؤال: ما الدليل على صيام يوم قبل يوم السبت أو بعده؟ الجواب: الدليل على أنه لا يفرد يوم السبت بصوم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، ولو أن يمضغ أحدكم غصن عنبٍ) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث اختلف فيه العلماء، وهذا الحديث بعض العلماء قال: إنه شاذ، فيكون ضعيفاً، لأنه يخالف الحديث الثابت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على إحدى نسائه وهي صائمة يوم الجمعة -أو دخلت عليه- فقال لها: (أصمتِ أمس؟ قالت: لا. قال: أتصومين غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري)، وفي قوله: (أتصومين غداً) دليل على جواز صوم السبت في غير الفريضة، فيكون هذا الحديث شاذاً، ومن شرط صحة الحديث ألا يكون معللاً ولا شاذاً. ومن العلماء من قال: إنه منسوخ. ومنهم من قال: إنه يحمل على صومه منفرداً، وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله.

    متى يشير المصلي بإصبعه في التشهد؟

    السؤال: متى يشير المصلي بإصبعه في التشهد؟

    الجواب: يشير بإصبعه في التشهد كلما دعا، أي: عند الدعاء، كما جاء في الحديث وإن كان في صحته نظر: (يحركها يدعو بها) فمثلاً: إذا قلت: (التحيات لله والصلوات الطيبات) فهل تشير؟ لا تشير؛ لأنه ليس فيها دعاء هذه ثناء على الله. (السلام عليك أيها النبي! ورحمة الله وبركاته) أتشير؟ تشير لأنه دعاء. (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) تشير لأنه دعاء. (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) تشير لأنه دعاء. (اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد) تشير لأنه دعاء. (أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) تشير لأنه دعاء.

    حكم صيام التطوع إذا أثر على أداء واجب

    السؤال: أحياناً أصوم الإثنين والخميس وأعقد النية على الصيام في الليل، وفي الصباح أذهب إلى عملي ولكن في بعض الأيام أشعر بالتعب والنعاس مما يضطرني للإفطار، فهل لي ذلك؟ الجواب: أولاً: نقول للإنسان الذي له عمل رسمي: إذا كان صومه يخل بالعمل فإن صومه حرام، سواء الإثنين أو الخميس أو الأيام البيض، لماذا؟ لأن القيام بعمل الوظيفة واجب وصوم التطوع ليس بواجب، ولا يمكن أن يضيع الإنسان الواجب من أجل فعل المستحب، وهذه نقطة يخطئ فيها كثيرٌ من الناس؛ يتهاونون في أداء الواجب ويفعلون السنة، فهم كالذين يبنون قصراً ويهدمون مصراً، وهذا غلط. أما إذا كان الإنسان عنده قوة على تحمل العطش والجوع والهلع، أو كان في أيام الشتاء نهارٌ قصير وجوٌ بارد ولا يؤثر على عمله فليصم. وجواب السؤال -نحن ذكرنا الآن قاعدة عامة- لكن جواب السؤال: أن هذا الرجل الذي وجد من نفسه كسلاً وضعفاً عن أداء الواجب نقول: أفطر وجوباً، يجب عليك أن تفطر وتقوم بالعمل الواجب.

    حكم الثوب الذي يُلبس إلى أنصاف الساقين

    السؤال: هل الثوب الذي يلبس إلى أنصاف الساقين يعتبر ثوب شهرة في هذه الأيام؟ الجواب: هو عند الناس يشيرون إليه بالأصابع إذا رأوا رجلاً من قومٍ يعتادون أن يكون اللباس نازلاً، أما إذا كان من قومٍ يعتادون رفع الثياب، لأن في بعض البلاد تجد ثيابهم قصيرة من أصل، وتجدها إلى نصف الساق والباقي في السروال، فهذا يعتبر لباس شهرة. ثم إنني أقول: ينبغي ألا نتشدد في هذا الأمر، أي: في رفع الثوب، لأن الأمر كله واسع، والصحابة منهم من يكون ثوبه إلى أسفل من نصف الساق، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ثوبه نازل وأقره النبي عليه الصلاة والسلام، والدليل على أن ثوبه نازل أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما ذكر عقوبة من يجر ثوبه خيلاء قال: (يا رسول الله! إن أحد شقي إزاري يسترخي عليَّ إلا أن أتعاهده، فقال: إنك لست ممن يصنع ذلك خيلاء) ومن لازم كونه يسترخي عليه أن يكون أنزل من نصف الساق؛ لأنه لو كان إلى نصف الساق ونزل حتى وصل إلى ما تحت الكعبين تبدو عورته من فوق ضرورة، يعني: لو كان إزار يصل إلى نصف الساق، والأزر كما تعرفون في الغالب إلى السرة، إذا استرخى ونزل ينكشف ما فوق، وهذا دليل واضح على أن الأمر والحمد لله في هذا واسع، ولا ينبغي أن يعلق الإنسان الولاء والبراء على تقصير الثوب أو تطويله، لكن من رأى أخاه قد نزل ثوبه أسفل من الكعبين فلينصحه وليحذره، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ما أسفل من الكعبين ففي النار) لكن لا ينتقده إذا رآه قد وصل إلى قريب الكعب، ويقول: خالفت السنة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من رغب عن سنتي فليس مني) فجعله في ذلك فاعلاً لكبيرة، هذا غلط، بل ينبغي للإنسان أن ينظر الأدلة من جميع الجوانب، أما أن ينظر إلى الأدلة من جانبٍ واحد فهو كما قال بعض العلماء: كالناظر بعيني أعور، والأعور لا يبصر إلا بعينٍ واحدة من جانب واحد، لو أن واحداً أرسل عليه المسدس من عند عينه العوراء هل يشاهده؟ لا يشاهده، لذلك ينبغي للإنسان أن يتأنى في الحكم على الشيء، وفي الولاء والبراء؛ لأن المسألة منهاجية، إذا انزرعت في القلوب العداوة والبغضاء والكراهية، لحصل الخلل في الأمة، وأعداء الإسلام سواء من المنافقين والملحدين والمعلنين بكفرهم، أعداء الإسلام يتمنون أن تتفرق الأمة الإسلامية شيعاً، وهذا أطيب ما يكون لقلوبهم؛ لأن تفرق الأمة والعداوة بينها يفككها ولا يكون لها قوة.

    حكم اقتناء ومشاهدة التلفاز

    السؤال: عندي تلفازٌ في البيت ولا أشاهد فيه المحرمات، ولكن أولادي يشاهدون فيه أفلام الكرتون فقط، فما حكم ذلك؟ الجواب: نصيحتي لكل مسلم أن يتجنب التلفاز وإدخاله بيته، لاسيما مع وجود الدشوش التي هي كالسرطان في الأمة، ولا يقتصر شرها على صاحب البيت، بل تنتشر إلى من حوله، فنصيحتي لكل مسلم نصيحة أخوية: أن يتجنب إدخال التلفاز بيته؛ لأنه يسلم ويسلم أهله، وهو لا يدري .. فلعله اليوم يمكنه أن يسيطر على نفسه وعلى أهله، ولكنه غداً لا يتمكن، يغلب، أو يموت فيرثه أهله من بعده ويكون كل مرأىً محرماً رأوه يكون إثمه أو يكون له نصيبٌ من إثمه؛ لأنه هو الذي تسبب في جلبه إلى البيت. فنصيحتي لإخواني: ألا يقتنوا هذا، والحمد لله الأخبار موجودة في غير التلفاز، موجودة في الراديو والأحاديث النبوية والمواعظ والقرآن فهو موجود في غير التلفاز، لكن لو فرض أنك زرت صديقاً لك ووجدته قد فتح التلفاز على الأخبار، فهل يحرم عليك مشاهدتها؟ الجواب: لا. لا يحرم؛ لأن مشاهدة الأخبار المجردة ليست فيها شيء، كأنك تطل على هؤلاء من فرجة، فلا بأس به، لكن الكلام على الاقتناء، والاقتناء شيء والمشاهدة شيء آخر، الاقتناء نصيحتي لكل مسلمٍ ألا يقتنيه، أما المشاهدة فعلى حسب ما يعرض فيه من خيرٍ أو شر، فإذا كان شراً الآن يكسره وينتهي منه: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وإذا كان البيت لأبيه، وأبوه هو الذي جاء بذلك ولا يستطيع هو أن يفعل شيئاً فقد قال الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] وإذا فتح التلفاز على مشاهداتٍ محرمة فليترك المجلس.

    حكم شراء العرائس للأطفال

    السؤال: ما حكم شراء العرائس والدمى للطفل الصغير مع أنها على هيئة الإنسان تماماً؟

    الجواب: الاحتياط ألا يشتريها للصغار، هذه الدمى التي تكون على صورة الإنسان بالضبط الاحتياط هو ألا يشتريها، وهناك بدل عنها وجدت الآن دمى ليست على نفس الصورة تماماً فيستغنى بهذه عن هذه، ويرخص للصغار ما لا يرخص للكبار؛ لأن الصغار تعتقد البنت أن هذه العروسة بنتها .. تجدها تحامي عليها، تضعها أمام المكيف وتفتح المكيف عليها من أجل أن تبردها في الصيف، وتدفيها في الشتاء، وتعتقد أنها بنتها، وتنطق البنت الصغيرة إذا جاءت تقابل بين عروستين تجي تنطق، تقول: كيف أنتم؟ كيف الزواج؟ كيف كذا؟ كيف كذا؟ يعني: تعتقد كأنها أمر صحيح، وهذا يعلمها ما هو في مستقبل أمرها، ولهذا يرخص للصغار في هذا الأمر ما لا يرخص للكبار، لكن كما قلت لكم أولاً: ينبغي أن نستغني عن هذه الصور التي تحكي هيئة الإنسان تماماً بالصور الأخرى التي من العهن -القطن والصوف- وفيه كفاية.

    حكم العمل لدى شخص يستعمله في الحرام

    السؤال: أنا مكفول وكفيلي يبيع المحرمات مثل الدخان وغير ذلك، فهل المال الذي آخذه حلال؟ الجواب: لا يجوز للإنسان أن يؤجر نفسه لشخصٍ يستعمله في الحرام، يعني: مثلاً لو جاء إنسان وقال: أريد أن تكون عندي دلالاً في بيع شيء محرم، فإن هذا حرام، لقول الله تبارك وتعالى: وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    حكم أكل اللحوم المستوردة

    السؤال: ما رأيكم في الدجاج المستورد من الدول الغير مسلمة ومكتوب عليها: مذبوحٌ على الطريقة الإسلامية؟

    الجواب: أنا رأيي أن الدجاج الموجود عندنا أنه حلال؛ لأنه يرد من بلادٍ يحل ذبح أهلها، وهي بلاد النصارى أو اليهود، وقد تحرى أهل العلم عندنا عن هذا الموضوع واتصلوا بالمسئولين عن الاستيرادات، وقالوا: إنه لا يرد إلا شيءٌ قد ضمنا أنه ذبح ذبحاً شرعياً، فأرى أنه لا بأس أن يأكله الإنسان ولكن ليسم الله عند الأكل، وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها: (أن قوماً أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال: سـمُّوا أنتم وكلوا. قالت: وكانوا حديثي عهدٍ بكفر) وحدثاء العهد بالكفر قد يخفى عليهم وجود الفتنة بالذبح، فأذن لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأكلوا مع الشك في أنهم سموا أو لا، وقال: (سموا أنتم وكلوا) ولهذا أخذ العلماء من هذا الحديث قاعدة مفيدة وهي: أن الفعل إذا صدر من أهله فالأصل فيه الصحة والسلامة، هذا الذبح ذبحه مسلم أو يهودي أو نصراني، هل الذابح أهل للذكاة؟ أهل للذكاة؛ لأن أهل الذكاة ثلاثة أصناف: المسلمون، واليهود، والنصارى، فإذا ذبحه مسلم فالأصل الحل، وإذا ذبحه يهودي فالأصل الحل، وإذا ذبحه نصراني فالأصل الحل، كل فعلٍ صدر من أهله فالأصل فيه الصحة والسلامة، ولولا ذلك للحق الأمة مشقة عظيمة، لولا ذلك لقلنا: إذا باع عليَّ إنسان قلماً الظاهر أنه ملكه أليس كذلك؟ باع علي قلماً أخرجه من جيبه في غير المسجد وقال: تشتري هذا؟ فاشتريته بعشرة ريالات الأصل أن القلم قلمه، وأن البيع صحيح، لكن ألم يكن هناك احتمال أن يكون سرقه؟ هناك احتمال، هل نقول: لا يصلح البيع حتى نعلم من أين جاءه هذا القلم؟ أبداً، لا نقول هذا؛ لأننا لو قلنا ذلك وسألناه لقال: والله اشتريته من فلان، أتينا بفلان تعال: من أين جاءك القلم؟ قال: اشتريته من فلان، تعال يا فلان! من أين جاءك هذا القلم؟ حتى نصل إلى مصانع في أمريكا أو في بلدٍ آخر، وهذا لا يمكن أن يقول به أحد، الأصل أن كل فعلٍ صدر من أهله فهو صحيح وسليم.

    حكم الذهاب إلى بلاد الكفار

    السؤال: هل يجوز للشخص أن يذهب إلى بلاد الكفر لتعلم اللغة أو بعض العلوم الأخرى؟ الجواب: أنا أرى أنه لا يجوز للإنسان أن يذهب إلى بلاد الكفر إلا بثلاثة شروط انتبهوا لها: الشرط الأول: أن يكون عنده علمٌ يدفع به الشبهات؛ لأن بلاد الكفر فيها من يورد الشبهات من الكافرين أنفسهم ومن أهل البدع الذين هناك، في بلاد الكفر أمم على بدعٍ مضلة، فإذا لم يكن عند الإنسان علمٌ يدفع به الشبهات التي تورد عليه فلا يذهب، لأن حماية الدين أولى من كل شيء. الشرط الثاني: أن يكون عنده دينٌ يحميه عن الشهوات. بلاد الكفر فيها شهوات، فيها والعياذ بالله الزنا وشرب الخمر آفات وآفات، إذا لم يكن عند الإنسان دينٌ يحميه عن الشهوات فربما يقع فريسة لشهوات نفسه. الشرط الثالث: الحاجة إلى ذلك، فإن لم يكن حاجة فلا، ولهذا نرى من الخطأ أولئك القوم الذين يذهبون بعوائلهم إلى بلاد الكفر في الإجازة للتنـزه، لما في ذلك من إضاعة المال لأنهم ينفقون أموالاً كثيرة، وإضاعة الوقت، والغياب عن بلاد الإسلام التي يسمعون فيها في كل وقت صلاة: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، هذا لا يوجد في بلاد الكفر، كيف يغيب الإنسان عن هذا، أما يخشى أن يموت هناك وهو لم يسمع أذاناً؟!! ثم لما يحصل للأولاد، والصغار كما تعلمون رءوسهم كالمسجل إذا شاهدوا شيئاً انطبع في رءوسهم ولم يتغير، وهذا خطر عظيم، فنرى أن هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالنعم يجب عليهم أن يشكروها، وأن يبذلوها فيما ينفع دنيا أو أخرى، وإلا أضاعوا أموالهم ووقعوا فيما نهى الله عنه، وفيما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله حيث نهى عن إضاعة المال.

    حكم من تاب من سماع وسرقة أشرطة الأغاني وأراد إرجاع الأشرطة

    السؤال: شخص سرق أشرطة أغانٍ، ثم تاب من استماع الأغاني، فهل عليه أن يرجعها إلى صاحبها علماً أنها غير موجودة لديه الآن؟ الجواب: الواجب عليه حين تاب أن يمسح هذه الأشرطة وجوباً وينبغي أن يملأها بأشياء نافعة، وأما أن يردها إلى صاحبها والأغاني باقية فيها فلا يجوز؛ لأن هذا إقرار على منكر.

    حكم الألعاب الشعبية للرجال

    السؤال: ما حكم الألعاب الشعبية للرجال كالزير والعرض وغيرها؟ الجواب: هذه ليس لنا جوابٌ عليها.

    استئجار النساء لضرب الدفوف

    السؤال: ما حكم استئجار النساء لضرب الدف؟ الجواب: استئجار النساء للدف في ليلة العرس لا بأس به، لماذا؟ لأنه استئجارٌ على عملٍ مباح، بل هو مسنون، وما كان عوضاً عن حلال فهو حلال، ولكن أسمع أن في استئجارهن إسرافاً؛ لأن المرأة تستأجر بمائة ريال وقيل: بخمسة آلاف ريال. تعمل ساعة واحدة بمائة ريال، أو بخمسة آلاف ريال، وإذا كان كذلك صار إضاعة للمال، خمسة آلاف ريال تعطى لامرأة لتضرب بالدف لمدة ساعة أو ساعتين، هذا إضاعة للمال. وبعض النساء المغنيات الضاربات بالدف يلقين هذا بمكبرات الصوت، فيحصل بذلك فتنة، لأنه ربما تكون المرأة صوتها رخيم يثير الفتنة، ويحصل بذلك أذية على الجيران، لكن مرجع هذه إلى المسئولين في البلد يجب عليهم أن يمنعوا ما يكون فيه أذى أو فتنة. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015557963

    عدد مرات الحفظ

    723678776