إسلام ويب

حتى تكوني رائعةللشيخ : محمد عبد الله الهبدان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الشيخ حفظه الله أهمية دور المرأة المسلمة الصالحة، في إصلاح المجتمع، ثم ذكر قصصاً واقعية تدل على ذلك، مبيناً الصفات والسمات التي ينبغي توافرها في المرأة حتى تصل إلى هذه المرتبة، مختتماً كلامه بذكر المكاسب التي تجنيها المرأة إذا حققت تلك الصفات.

    1.   

    مواقف المرأة الرائعة والباهرة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين.

    أما بعد:

    الحمد لله؛ أمر ألا تعبدوا إلا إياه، نعوذ من سخطه برضاه، ونستغفره ومن يغفر الذنوب إلا الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحاط بكل شيء علماً، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أمينه على وحيه، والداعي إلى ربه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    لا أدري أيتها الفاضلة كيف أبدأ الحديث معكِ، ولا أدري كيف أعبر عن أشجاني، وأظن أن الكلمات لن تسعفني، والعبارات لن تنقذني، فإني كلما تذكرت أفضالك الرائعة ومواقفك الباهرة استصغرت نفسي، نعم. استصغرت نفسي أمام الخير الذي قدمتيه لأمتك، فبسبب عفافك أقبل الشباب على الزواج، وهجروا أساليب المراوغة والخداع، وبطهرك سلم المجتمع من الأمراض المزمنة المنتشرة في بلاد الغرب.

    بل أعظم من ذلك: فأنت مفتاح لسلامة المجتمع من العقوبات الإلهية التي تدمر الأمم والشعوب، ولن أنسى أبداً أنك ثمرة لهذا الأمن الذي نعيشه في بلادنا؛ لأنك بقيت في بيتك عفيفة، وإن خرجت خرجت زهرة مصونة، هل تعلمين أيتها الكريمة أنك مصدر غيظ وكمد وخذلان لأعداء هذا الدين؟ لأنهم يقولون: ليس هناك طريقة لهدم الإسلام أقصر مسافة من خروج المرأة المسلمة سافرةً متبرجة، فأنت الآن قد خيبت آمالهم، وحطمت بصمودك أهدافهم!

    جمال المرأة يكمن في حجابها

    هل تعلمين أيتها الغالية أنك سبب في هداية بعض النساء وإسلام البعض الآخر؟ استمعي إلى إحدى الفتيات وهي تقول: لم أعرف في حياتي شيئاً اسمه الحجاب رغم سفري المتعدد! إلى أن قالت بعد كلام طويل لها: وبعد نجاحي إلى الصف الثالث الثانوي التحقت بإحدى المدارس الثانوية للبنات، فرأيت الفتيات وجمالهن في المدرسة، ومدى الحرية التي يتمتعن بها ويسرحن ويمرحن دون أن ينظر إليهن رجل، ثم يخرجن من المدرسة وهن يرتدين الحجاب، ويغطين وجوههن، تأثرت كثيراً بهذا المنظر الرائع! وعندما خرجت من المدرسة وأنا أغطي وجهي كنت في غاية السعادة، وكأني ملكة قد لبست أفخر الثياب! انتهى كلامها.

    من آثار الثبات والمحافظة على المبدأ

    أرأيت يا أُخية؟ أرأيت أيتها الكريمة ثمرتك العظيمة؟! لقد كان تمسك امرأة أمريكية بحجابها سبب لإسلام سبعة من الرجال الذين صاروا دعاةً إلى الإسلام، ولعلي أنقل لك قصة هؤلاء على لسان (الدكتور الأمريكي) الذي تسمى باسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصار اسمه محمد أكويا.

    يحكي (الدكتور) محمد قصته فيقول: قبل أربع سنوات ثارت عندنا في الجامعة زوبعة كبيرة، حيث التحقت بالدراسة طالبة أمريكية مسلمة، وكانت محجبة، وقد كان من بين مدرسيها رجل متعصب يبغض الإسلام، ويتصدى لكل من لا يهاجم الإسلام، فكيف بمن يعتنقه ويظهر شعائره للعيان! كان يحاول استثارتها كلما وجد فرصة سانحة للنيل من الإسلام، ولما قابلت الموضوع بهدوء ازداد غيظه من هذا، فبدأ يحاربها عبر طريق آخر، حيث الترصد لها بالدرجات، وإلقاء المهام الصعبة عليها في الأبحاث، والتشديد عليها بالنتائج.

    ولما عجزت المسكينة أن تجد لها مخرجاً، تقدمت بشكوى لمدير الجامعة مطالبةً فيها النظر إلى موضوعها، وكان قرار الإدارة أن يتم لقاء بين الطرفين لسماع وجهتي نظريهما والبت في الشكوى.

    ولما جاء الموعد المحدد حضر أغلب أعضاء هيئة التدريس، وكنا متحمسين جداً لحضور هذه الجولة التي تعد الأولى من نوعها عندنا في الجامعة، بدأت الجلسة والتي ذكرت فيها الطالبة أن المدرس يبغض ديانتها؛ ولأجل هذا يهضم حقوقها العلمية، ثم ذكرت أمثلةً عديدةً على هذا.

    حاول الدكتور على إثر هذا أن يدافع عن نفسه، واستمر بالحديث حتى خاض بسب دينها؛ فقامت تدافع عن الإسلام، وكان لحديثها قدرة على جذبنا، وفي نهاية الجلسة قامت الطالبة بتوزيع ورقتين كُتب فيها تحت عنوان (ماذا يعني لي الإسلام؟) الدوافع التي دعتها لاعتناق هذا الدين، ثم بينت ما للحجاب من أهمية وأثر، وشرحت مشاعرها الفياضة صوب هذا الجلباب وغطاء الرأس الذي ترتديه؛ والذي تسبب بهذه الزوبعة. لقد كان موقفها عظيماً!

    ولأن الجلسة لم تنته بقرار لأي طرف فقد قالت: إنها تدافع عن حقها، وتناضل من أجله، ووعدت إن لم تظفر بنتيجة لصالحها، أن تبذل المزيد حتى لو اضطرت لمتابعة القضية وتأخير الدراسة نوعاً ما!

    لقد كان موقفها موقفاً قوياً، ولم نكن أعضاء هيئة التدريس نتوقع أن تكون الطالبة بهذا المستوى من الثبات، ومن أجل المحافظة على مبادئها، وكم أذهلنا صمودها أمام هذا العدد من المدرسين والطلبة!

    وبقيت هذه القضية يدور حولها النقاش داخل أروقة الجامعة، أما أنا فقد بدأ الصراع يدور في نفسي من أجل تغيير الديانة، فما عرفته عن الإسلام حببني فيه كثيراً، ورغبني في اعتناقه، وبعد عدة أشهر أعلنت إسلامي، وتبعني دكتور ثان وثالث في نفس العام، كما أن هناك أربعة طلاب أسلموا.. وهكذا في غضون فترة بسيطة أصبحنا مجموعةً لنا جهود دعوية في التعريف بالإسلام والدعوة إليه، وهناك الآن عدد من الأشخاص في طور التفكير الجاد، وعما قريب إن شاء الله عز وجل وينشر خبر إسلامهم داخل أروقة الجامعة، والحمد لله وحده.

    أرأيتِ عزيزتي أثرك الفاعل في أمتك؟ إنك بحق فتاة رائعة، وقد تقولين بتواضعك المعهود وأدبك المحمود: ماذا فعلت؟ ماذا فعلت حتى تصفني بأني امرأة رائعة؟! وأقول لك: إذا لم تكوني أنت امرأة رائعة فمن تكون؟ من تكون؟ هل هي الممثلة اللامعة؟ أم الراقصة الشهيرة؟ أم المغنية الكبيرة؟ أم عارضة الأزياء؟ أم هي فتاة الأغلفة -كما يسمونها- التي قد تهاوت في ذلك الواقع الأليم والحقيقة المرة في مكان سحيق؟

    1.   

    الروعة المزيفة لرموز الفن الساقط

    لعلك سمعت أيتها الفاضلة في مناسبات كثيرة مآل كثير من رموز الفن الساقط، ولعلي لا أطيل عليك حين أشنف مسامعك بذكر نهاية أحد تلك الرموز اللامعة التي قد أدركتها الشفقة على بنات جنسها من الفتيات الراكضات خلف سراب الشهرة الكاذب، والذي قد تعتبره كثير من الفتيات من أعلى معاني الروعة، حيث تتجه صوبها الأنظار، وتُلتقط لها الصور، وتبدو على صفحات الجرائد والمجلات، وتظهر على الشاشات... إلى آخر تلك المظاهر الخادعة.

    هل تدرين من هي وماذا كانت نهايتها؟ بل هل تدرين ماذا كانت رسالتها الأخيرة؟ إنها مارلين أشهر ممثلة في العالم، وذلك قبل أن تنتحر، والتي كتبت على غلاف رسالتها كلاماً تطلب فيه عدم فتح الرسالة قبل وفاتها، وحين فُتحت الرسالة بعد انتحارها وُجد أنها رسالة موجهة إلى فتاة تطلب نصيحة مارلين عن الطريق إلى التمثيل.

    قالت مارلين في رسالتها إلى الفتاة وإلى كل من ترغب في العمل في (السينما) احذري كل من يخدعك بالأضواء، إني أتعس امرأة على هذه الأرض، لم أستطع أن أكون أماً، إني امرأة أفضل البيت والحياة العائلية الشريفة على كل شيء، إن سعادة المرأة الحقيقية في الحياة العائلية الشريفة الطاهرة، بل إن هذه الحياة لهي رمز سعادة المرأة بل الإنسانية. ثم تقول في النهاية: لقد ظلمني كل الناس.. كل الناس ظلمني إن العمل في (السينما) يجعل من المرأة سلعةً رخيصة تافهة مهما نالت من المجد أو الشهرة الزائفة، إني أنصح الفتيات بعدم العمل في (السينما) والتمثيل، إن نهايتهن إذا كن عاقلات كنهايتي.

    ويحق لنا أن نتساءل: ما الذي دعاها إلى الانتحار وتحذيرها لبنات جنسها أن يسلكن مسلك الفن؟ أينقصها الجاه والمال أو الشهرة والجمال؟ كلا، كل هذه الأمور قد غرقت فيها، ولكن دعاها إلى ذلك؛ لأنها لم تحصل على أهم أمر في الحياة ألا وهو: الارتباط بالله عز وجل.

    ولعلكِ قد قرأت قصص التائبات ممن مارسن تلك الأعمال ومُهدت لهن السبل بالورود والرياحين والوعود الماكرة والإغراءات الكبيرة في الاستمرار في تلك الصناعة الرخيصة الهابطة.

    1.   

    سمات المرأة الرائعة

    إن الفتاة بطبيعتها وفطرتها تحب أن تكون امرأةً رائعة، امرأة لها تميزها، ولا تلام على ذلك؛ لأنه من فطرتها التي جبلها الله عليها، بل هو قرين كمالها ومعدن جمالها، كما قال الله عز وجل: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف:18] فقد ذكر الله عز وجل المرأة في آيات كثيرة بوصف محاسنها وجمالها؛ لذا يحسن بكِ أيتها الفتاة أن تدركي معاني الروعة الحقيقية في دنيا الجمال التي تتعدد فيها المشارب وتختلف فيها الآراء.

    التضحية بكل شيء ابتغاءً لمرضاة الله عز وجل

    أيتها الفاضلة! إن المرأة الرائعة هي المرأة التي ضحت بكل ما تملك من مال وأبناء وجاه ابتغاء مرضات الله عز وجل، أرأيتِ ماذا قص الله عن امرأة فرعون؟ تلك المرأة التي ضحت بكل وسائل الرفاهية المختلفة، ضحت بمالها، وبجاهها، وبسلطانها.. فعلت ذلك كله ابتغاء مرضات الله عز وجل، نعم. كانت زوجة الملك فمن يوازيها؟ من يوازيها في النعيم والسعادة في نظر الناس؟ ومع ذلك تركت كل ذلك، وأعلنت إسلامها لله رب العالمين، فنقلها فرعون من القصور إلى السجون، ومن الرفاهية والدلال إلى التعذيب وتقييدها بالأغلال، وهنا دعت الله عز وجل فقالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11] أليست هذه هي الروعة الحقيقية؟

    مراقبة الله عز وجل في الأقوال والأفعال

    المرأة الرائعة هي تلك المرأة التي تراقب الله عز وجل في أقوالها وأفعالها، ما رأيك بموقف الفتاة التي قالت لها أمها: ضعي الماء في اللبن. فرفضت.. لماذا؟ لأن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه منع من ذلك، فقالت الأم: يا بنية! قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء فإنك في موضع لا يراك فيه عمر . فقالت الفتاة لأمها: إن كان عمر لا يرانا فرب عمر يرانا.. حقاً إنها رائعة! بل في قمة الروعة، وأي روعة أعظم من مراقبة الله عز وجل واستحضار أنه يرانا، ومطلع على أعمالنا، ويعلم أسرارنا وما نخفي من أعمالنا؟!

    تغلغل الإيمان في القلب

    المرأة الرائعة: هي التي تغلغل الإيمان في قلبها، وتمكن من سويداء فؤادها؛ فإذا بها تمتثل أوامر ربها عز وجل، وتنقاد لمنهاج نبيها صلى الله عليه وسلم بكل طواعية وتسليم، فهي تؤدي صلاتها بخشوع وخضوع، وفي وقتها المحدد المشروع، وتحافظ على حجابها وعفافها وطهرها وحيائها تعبداً لله عز وجل، الذي خلقها من العدم وأسبغ عليها من النعم.

    غرس الإيمان ومحبة الرحمن في قلوب الأبناء

    المرأة الرائعة: هي تلك المرأة التي تزرع في أبنائها الإيمان، وتغرس في قلوبهم محبة الرحمن عز وجل وإذا بهم يصبحون قادة فاتحين، أو علماء ربانيين، أو أطباء بارعين، يحملون هم هذا الدين، ما رأيك بأم الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله؟ تلك الأم التي أنجبت للأمة إمام أهل السنة والجماعة ، تلك الأم التي ربت ولدها على طلب العلم، وعلمته القرآن الكريم؟ وما رأيك بأم الإمام سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث؟ التي كانت تقول له أمه: يا بني! اذهب فاطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي. حقاً لقد أصبحت هذه الأم رائعة، رائعة في تربيتها لأبنائها هذه التربية، ورائعةً أن خلّفت للأمة هؤلاء العظماء الذين كانت لهم لمسات مباركة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

    مفتاح خير للناس

    المرأة الرائعة: هي تلك المرأة التي أصبحت مفاتيح خير للناس؛ فإذا بها تُساهم بكل ما تستطيع في مجالات الخير المتعددة.

    يقول عليه الصلاة والسلام: (إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه).

    وهل يمكن أن ننسى تلك المرأة التي كانت مقطعة الأطراف ومع ذلك لم تتوان في خدمة دينها، والدعوة إلى الله عز وجل؟ لقد كان من أمرها أنها أحضرت خادمتين للقيام بعمل جميل وهو: تعبئة الظروف بالكتاب الإسلامي والشريط النافع، ثم إرساله إلى مختلف دول العالم الإسلامي من خلال البريد الذي يُنشر عبر الصحف والمجلات في زاوية التعارف، فيا لله! يا لله! أي وصف تستحقه هذه المرأة؟! أي ثناء يمكن أن يُقال لها؟! ولكن أجرها على الله عز وجل الذي يجازي بالقليل الكثير.

    الحياء والعفاف والوقار

    المرأة الرائعة: هي تلك المرأة التي يغمرها الإيمان، ويحفها الحياء، ويحوطها العفاف، ويلفها الوقار، وتغشاها السكينة، قاصرةً طرفها، خافضةً صوتها، مطيعةً لربها، صالحةً في نفسها، مصلحة لمجتمعها.

    1.   

    المكاسب التي تجنيها المرأة الرائعة

    أيتها الكريمة! لعلك أدركت الآن سمات المرأة الرائعة وصفاتها الفائقة، وكيف كانت حياتها، فتحققي تلك المعاني في شخصيتك تتحقق لكِ مكاسب كبيرة، فمن تلك المكاسب:

    الشعور بالسعادة والراحة النفسية

    أولاً: أنك تشعرين بالسعادة والراحة النفسية التي ينشدها كثير من الناس؛ لأنك أطعت الله عز وجل، وصدق الله ومن أصدق من الله قيلاً: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97] فأنتِ، أنتِ بحفاظك على إيمانك، أنتِ يا من تسمعين أو تقرئين بحفاظك على إيمانكِ وحجابكِ فعلتِ الصالحات؛ فأنت إذاً موعودة بالحياة الطيبة بإذن الله عز وجل.

    تسابق الخطاب إليها

    ثانياً: من المكاسب أن من يُرضى دينه وخلقه يتسابقون للتقدم لخطبة من كانت تلك صفاتها؛ لأنها وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها. فاظفر بذات الدين تربت يداك) ويقول الله عز وجل: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:26] حتى أصحاب الشهوات والملذات إذا رغبوا في الزواج لم يبحثوا عن عشيقاتهم؛ لأن المرأة التي خانت أسرتها ومجتمعها ووالدها تخون زوجها، نعم تخون زوجها، وهو لا يحب ذلك، فيبحث عن المرأة الصالحة الرزان، والتي يأمن معها على ماله وذريته، والتي تصون فرجها وتحفظ بيتها وتربي أولادها، وتكون عوناً له فيما يستقبل من حياته.

    وهذا ما صرح به كثير من الشباب الذين مارسوا سلوك الرذيلة، ورغبوا أن يبنوا بيوتاً ويُنشئوا أُسراً، ويبدءوا صفحةً جديدةً في عالم الفضيلة والحياء.

    ولعله من المناسب أن أذكر لكِ موقفاً حصل لأحد الشباب، وقد أُلقي القبض عليه مع فتاة قد خلا بها، فاقتُرِحَ على هذا الشاب أن يتزوج من هذه المرأة وقالوا له: أنت الآن قد خرجت بها، ورأيتها، وتحدثت معها، وقد كلمتها بأحاديث وردية، وعاهدتها بالزواج، فنحن الآن نُيسر لك خطبتها، وإحضار عاقد الأنكحة ليكتب العقد. فيا ترى ماذا كانت إجابته؟ قال لهم بهذا اللفظ: أنا أتزوجها؟! أعوذ بالله. ثم رفض العرض الذي قُدم له.

    وهل يُنتظر من مثل هذا الشاب إلا هذا الرد وأمثاله؟ فهل تنتبهين أيتها الغالية؟

    غفران الذنوب وإعظام الأجر وستر العيب

    ثالثاً: إن المرأة الرائعة يغفر الله تعالى لها ذنبها، ويستر عيبها، ويعظم لها أجرها، يقول الله تبارك وتعالى: وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الأحزاب:35]، يقول الإمام ابن كثير -رحمه الله-: أي عن المحارم والمآثم إلا عن المباح.

    فالمرأة إذا حفظت نفسها عن المحرمات والمآثم؛ فإن الله تعالى وعدها بالمغفرة والأجر العظيم، ماذا يرجو العبد في هذه الحياة إلا أن يغفر الله عز وجل له ذنبه، ويُعظم له أجره، حتى يُقابل الله عز وجل وهو كالثوب الأبيض صفاءً ونقاءً، فنسأل الله تعالى أن يغفر ذنوبنا كلها دقها وجلها، سرها وعلانيتها إنه غفور رحيم.

    السلامة من لعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم

    رابعاً: المرأة الرائعة تسلم من لعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على السروج كأشباه الرجال ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات).

    وتصوري أيتها الغالية من حلت عليها لعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل ستسعد في دنياها؟ هل ستهنأ في أخراها؟ وأنى لامرأة دعا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإبعاد عن رحمة الله عز وجل أن تنال السعادة؟! إذاً احمدِ الله عز وجل أيتها الغالية أن جعلك عفيفة.

    الاستظلال بظل الله يوم لا ظل إلا ظله

    خامساً: المرأة الرائعة يظلها الله عز وجل بظله يوم لا ظل إلا ظله، يظلها الله عندما يشتد الكرب ويبلغ الهم والغم مبلغاً لا يطيقه الناس، حينما تدنو الشمس من الخلائق حتى تكون قيد ميل، وقد لا تتصورين صعوبة الموقف وهول الحدث؛ لذا سأقول: هل تستطيعين البقاء تحت الشمس المحرقة لمدة خمس دقائق فقط حافية القدمين حاسرة الرأس؟ بالطبع لا. هذا والشمس تبعد عنا ملايين الأميال، فكيف إذا كان بيننا وبينها مقدار ميل واحد فقط؟ فيا لله! هل أدركت الآن قدر النعمة التي أسأل الله أن تفوزي بها؟ فيا لسعادتك! ويا لفرحتك! ويا لبهجتك في ذلك الوقت العظيم! يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله -وذكر منهم- ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله) يقول العلماء: ويتصور هذا أيضاً في امرأة دعاها رجل جميل فامتنعت؛ خوفاً من الله عز وجل مع حاجتها.

    فنسأل الله تعالى أن يظلنا بظله يوم لا ظل إلا ظله.

    النجاة من عذاب النار

    سادساً: المرأة الرائعة تنجو بإذن الله عز وجل من عذاب النار، والتي أخبار أهلها شنيعة، وأحوال أصحابها فظيعة، يقول عليه الصلاة والسلام: (صنفان من أهل النار لم أرهما.. وذكر عليه الصلاة والسلام: ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) ويقول صلى الله عليه وسلم: (خير نسائكم الودود الولود المواتية المواسية إذا اتقين الله، وشر نسائكم المتبرجات المتخيلات وهن المنافقات، لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم) والغراب الأعصم: قيل هو أحمر المنقار والرجلين، وهذا الوصف في الغربان قليل قليل، فهو كناية عن قلة من يدخل الجنة من النساء؛ وذلك لكثرة تلبسهن بتلك الأوصاف.

    فلا إله إلا الله، ما أعظم ذلك اليوم! عندما تسلمين من النار وترين النساء يتهافتن في النار ويتساقطن فيها وأنت قد نجوتِ منها! فيا لله ما أعظم ذلك الفوز! وما أعظم تلك النهاية! فأسأل الله عز وجل أن تفوزي بالنجاة من النار إنه سميع عزيز غفار.

    الفوز بجنة عرضها السماوات والأرض

    سابعاً: المرأة الرائعة تفوز بجنة عرضها السماوات والأرض، نعم. الجنة أيتها المباركة الغالية المؤمنة! الجنة.. ما أعظم النعيم عندما تطئين بقدميك الجنة! الجنة التي عرضها السماوات والأرض، من دخلها لا يهرم ولا يندم، ولا يفنى شبابه ولا تبلى ثيابه، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر!

    كيف بك أيتها الفاضلة؟ كيف بك أيتها الغالية؟ إذا دخلت الجنة مع زوجك ونالك من الإشراقة والنور، والبهجة والسرور، وقد نلت السعادة والحبور، والرضوان بطاعتك لربك، ومناصحتك لزوجك، وتربيتك لولدك على الدين؟!

    عن عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت).

    الفوز بالمنزلة العظيمة والمكانة السامية في الآخرة

    ثامناً: المرأة الرائعة التي أطاعت ربها، وسارت على منهاج نبيها صلى الله عليه وسلم، فأقامت فرضها، وصانت نفسها، فإن منزلتها في الآخرة عظيمة، ومكانتها سامية، يقول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً [النساء:69] أي: من عمل بما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله؛ فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقاً للأنبياء، ثم لمن بعدهم في الرتبة وهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين، وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم، ثم أثنى عليهم الله تعالى فقال: وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً [النساء:69].

    وقد روي (أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا فلان! ما لي أراك محزوناً؟ فقال: يا نبي الله! شيء فكرت فيه. فقال: ما هو؟ فقال: نغدو عليك ونروح، ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغداً تُرفع مع النبيين فلا نصل إليك. فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، حتى جاءه جبريل عليه السلام بهذه الآية: وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء:69] فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليه يُبشره).

    فيا لله! ما أجمل تلك اللحظات التي يكون فيها الإنسان مصاحباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، وما أحلاها من ساعات! نسأل الله الكريم من فضله.

    الفوز بأجور أولئك الذين تأثروا بأخلاقها

    تاسعاً: المرأة الرائعة تفوز بأجور أولئك الذين تأثروا بأخلاقها، واهتدوا بسبب صلاحها، واستقاموا بحفاظها على دينها وعفافها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه غير أنه لا ينقص من أجورهم شيء) فهنيئاً لكِ بتلك المغانم وهاتيك المكارم!

    الحصول على دعوات المسلمين بالخير

    عاشراً وأخيراً: المرأة الرائعة تنهال دعوات المسلمين لها بالخير، نعم. أهل الخير والفضل يدعون لها في مساجدهم، وسجودهم، وبالأسحار؛ لأنها كفَّت عن المسلمين شروراً عظيمة، وجلبت مصالح كثيرة، ونبينا صلى الله عليه وسلم أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه) فنحن نرفع أيدينا وندعو الله تعالى لهذه المرأة الرائعة أن يغفر الله لها ذنبها، وأن يسعدها في الدنيا والآخرة، وأن يصلح لها النية والذرية، وأن يجعل لها من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلاءٍ عافية، إنه سميعٌ قريب مجيب الدعاء.

    وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007957279

    عدد مرات الحفظ

    720412358