إسلام ويب

قراءة موضوعية في كتاب الاعتصام [1]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عُرف الإمام الشاطبي بسعة علمه ودقة فهمه، وبراعته في تأليف الكتب، ومن ذلك كتابه الاعتصام، وسبب تأليفه كثرة انتشار البدع والمبتدعين، وقد وضع فيه قواعد وضوابط تعرف بها السنة من البدعة. وقد كان رحمه الله شديداً أحياناً في ردوده على أهل البدع.

    1.   

    التعريف بالإمام الشاطبي ومنهجيته العلمية

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وأصحابه أجمعين. أما بعد:

    فسنبدأ في هذا المجلس وما يليه القراءة في كتاب الاعتصام للعلامة أبي إسحاق الشاطبي رحمه الله.

    وأحب ابتداء من هذا المجلس أن ينتظم الكلام على وجه من ترتيب المسائل؛ حتى يكون ذلك مهيئاً لضبط ما يقال والنظر فيه, فيكون هذا المجلس مبنياً على جملة من المسائل والوقفات على هذا الكتاب.

    التعريف بالإمام الشاطبي

    أول مسألة ما يتعلق بمؤلف هذا الكتاب, فإنه كما ترجم له أهل التراجم, هو: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي , ولم تنضبط سنة ولادته, ولكنه توفي رحمه الله سنة تسعين وسبعمائة للهجرة النبوية.

    و الشاطبي من أهل العلم الذين اشتهروا, ولا سيما بما أصَّله وكتبه, فهو من كبار المتأخرين من أهل العلم, ويطلق عليه وصف: علامة محقق, وفقيه أصولي, وهو من أهل التتبع للعلم وما إلى ذلك.

    أهم كتب الشاطبي

    هذا الإمام العلامة الفقيه له عناية بالتحقيق وبتتبع كلام أهل العلم وضبطه, وحسن الاختيار في الأمور العلمية, فإنه من أحسن أهل العلم المتأخرين ضبطاً واختياراً وعناية.

    ومن هنا اشتهر له كتابان: أحدهما: كتاب الموافقات. والثاني: كتاب الاعتصام.

    فالأول: هو مختار من تحقيق الشاطبي وتتبعه لكلام أهل العلم في أصول فقه الشريعة.

    والثاني: هو ما تحصل لهذا العلامة المحقق في أصول الاعتصام بالسنة.

    إذاً: هذان الكتابان هما من أخص ما كتب الشاطبي , وإن كان له جملة من الرسائل والكتب, ولكن إنما كثرت العناية بكتبه عند من جاء بعده, ولا سيما في هذا العصر, فإنك تجد أن هذا العلامة المحقق يرد على كثير من الألسنة؛ لما عني به في مسائل من أصول الفقه، فإنه أتى بها على غير القدر المعتاد في الرتابة التي نظمها الأصوليون؛ فعلماء الأصول كتبوا في أصول الفقه معتبرين المذاهب الفقهية التي هم عليها, فجاءت كتب في أصول فقه الشافعية والحنفية والحنابلة والمالكية, وجاء ما يسمى بطريقة الفقهاء وطريقة المتكلمين في كتابة الأصول, فـالشاطبي في كتاب الموافقات لم ينتظم على هذه الطريقة تماماً, وإنما حصل له كثير من النظر المختص به, وحصل عنده كثير من الاختيار, وكثير من التنبيه, وكثير من الإشارات؛ ولهذا صار له هذا الامتياز.

    موقف الشاطبي من إثبات الصفات

    أما ما يتعلق بكتابه الاعتصام بالسنة, فإنه كتب هذا الكتاب في بيان قدر السنة والاعتصام بها, والتحذير من البدع وأصنافها وبيان مضمونها ومعانيها, فمن هنا اشتهر هذا المؤلف الذي يطلق عليه أنه علامة محقق, وإن كان هذا لا يستدعي بطبيعة الحال أن يُسَلم بجميع ما ورد من كلامه, أو بجميع ما أخذه من النظر والتأصيل لهذه المسائل في هذا الباب: باب أصول الفقه, أو في باب الاعتصام بالسنة, فإنه كغيره من أهل العلم يقع من كلامه ما يكون صواباً، ويقع من كلامه ما يتردد في قبوله, ويقع من كلامه ما يعلم بوزنه بكلام الأئمة الذين سبقوه, وبوزنه قبل ذلك بنصوص الشريعة وأصولها أنه من الخطأ الذي عَرض له, وقد يكون هذا الخطأ إنما عَرض له من باب التقليد الذي اتخذه أو لسبب آخر؛ ولهذا أخذ على الشاطبي بعض المآخذ العلمية المحققة؛ ككلامه في مسائل الصفات, فإنه اعتبر الطريقة المعروفة عند أهل التفويض, وهي طريقة معروفة عند خلق من متكلمة الصفاتية المتأخرين, فإن متكلمة الصفاتية الذين لا يقررون مسائل الصفات، ولا سيما ما يتعلق بمسائل الصفات والأفعال على ما هو معروف عند متقدمي هذه الأمة وأئمة السلف, فإنهم إما أن يعتبروا طريقة التأويل أو يعتبروا طريقة التفويض, فـالشاطبي مال إلى طريقة التفويض واعتبرها, فله كلام في باب الصفات لا يُسلم له, وليس مما هو معروف عند أئمة السنة والجماعة.

    كذلك إذا نظرت في كلام له في مسائل القدر, فإنه في بعض مسائل القدَر كمسألة التحسين والتقبيح ونحو ذلك مال إلى غير المعروف عن سلف هذه الأمة؛ كالأئمة الأربعة, وأئمة السنة والجماعة من قبلهم, وأولهم أئمة الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    أساليب الشاطبي في بعض المسائل

    وله كلام يشتد فيه في تقريره لكثير من مسائل البدع إلى درجة من الازدياد في القطع، والازدياد في الحكم, فربما كانت المسألة على قدر من الظن أو على قدر من الاحتمال, أعني: في بعض الفروع التي جزم بها أو قطع بها أو غلظ شأنها, فربما كانت المسألة لا تستدعي هذا القطع أو الجزم أو هذا الإصرار وهذا العزم, فتجد عند الشاطبي في كلماته وفي حروفه خاصة في الاعتصام, أو في الموافقات أحياناً ما هو من التأنيب لغيره، والتعريض بمخالفه تعريضاً يباعده عن فهم السنة أو فهم مقاصدها أو ما إلى ذلك, ففي كلامه وحروفه أحياناً بعض العزم والقوة التي ينبغي للناظر في كلامه في كتبه أن ينتبه لها, وربما أخذ على بعض الفقهاء أخذاً ليس هادئاً؛ كأخذه على الظاهرية، فإنه اشتد عليهم في بعض الأحوال اشتداداً ليس بضروري على هذه الدرجة, فعنده نفس من العزم وإن كان هذا ليس غالباً عليه رحمه الله, ولكن إنما أذكره وأشير إليه؛ لأن هذا هو المقصود في فقه تراجم الأعيان, فإنك إذا عرفت أحد العلماء باسمه واسم أبيه واسم جده؛ فإن كثرة الكلام في اسمه وقبيلته ولقبه وكُناه وأين ذهب، وبمن التقى وما إلى ذلك ليس نافعاً كثيراً؛ لأن هذه أمور موجودة في كتب التراجم, لكن الأهم في معرفة الأعيان من أهل العلم هو أن تُعرف طبيعته العلمية, أو ما هو عليه من الحالة العلمية الممثلة لكلامه ولكتاباته التي كتبها في مؤلفاته.

    استثمار الشاطبي لكتابات السابقين

    والشاطبي من أجود المتأخرين تتبعاً لكلام أهل العلم, وأوتي ذكاء وحسن انتقاء, فإنه أخذ أطرافاً من الكلمات المحققة التي نطق بها السالفون من قبله فاستثمرها ونظمها؛ ولهذا تجد في كتبه كالموافقات والاعتصام خاصة فرائد من العلم كثير منها قد سبق إليه, ولكنه أحسن نظمه وضبطه، ورتبه على الأصول, فإنه جمع أطرافاً من كلمات الشافعي وفقهه رحمه الله, وتتبع ما كتب من كتب الأصول وبخاصة كتب الغزالي , فإنه متأثر بكتب أبي حامد الغزالي في هذا الباب, ويظهر أيضاً أنه قد اطلع على شيء من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله, فإنه توافق في كلام له على نحو يدل على أن ثمة اطلاعاً أو نقلاً, وإن كان قد لا يصرح بحروف النقل فضلاً عن أن يصرح باسم ابن تيمية رحمه الله, فإنه لم يقع في كتبه أنه ذكر النقل عنه على سبيل التصريح, فهو حسن الاختيار, هذا هو المقصود, وليس بالضرورة أن نقول: إنه تأثر بفلان وفلان, إنما المقصود أنه قادر على الاختيار من كلام أهل العلم.

    الوصية لطلاب العلم باقتفاء طريقة الشاطبي في تحصيله

    وهذه الميزة التي تحصلت للشاطبي أوصي طلبة العلم أن يعنوا بها, ولا سيما في هذه العصور؛ لأن علم الشريعة يحسن أن يحصر على وجه عام, وكذلك ما كتب في العقائد أو في الفقه أو في أصوله أو في التفسير أو في غير ذلك, والمعلوم أنه قد كتب في ذلك جملة من الكتب بالمئات بل بالآلاف, وإذا نظرت كتب الفقهاء وجدتها عدداً طويلاً, وكذلك إذا نظرت كتب التفسير وكتب السلوك والعقائد .. إلخ, لكن لنا أن نقول: إنه في كل فن من هذه الفنون التي سميت بهذا الاصطلاح هناك كتب محققة, بمعنى أنه كتبها علماء محققون اعتنوا بكتابتهم لها؛ فلهذا لو أن طالب العلم اختار سلسلة من الكتب العلمية التي تعتبر أصولاً محققة في هذه العلوم، وأكثر النظر فيها والتأمل لتحصل له كثير من التحقيق والعلم والانضباط؛ فإنك إذا جئت إلى كتب المفسرين مثلاً فستقبل ابتداء على كتاب أبي جعفر الطبري , فإن كتاب الطبري في التفسير -وهو الإمام المفسر الأول- يعتبر جامعاً لأصول هذا النوع من العلم وكذلك إذا جئت إلى كتب الفقه المقارن مثلاً، وأقبلت على ما كتبه الموفق ابن قدامة في كتابه المغني، وهو شرح لمختصر أبي القاسم الخِرَقي وهلم جرا, وكذلك إذا جئت إلى كتب أصول الفقه وجدت كتاب المستصفى لـأبي حامد الغزالي على ما فيه من المآخذ، ولكنه يعتبر من أجود الكتب الأصولية المتأخرة سبكاً ونظماً وما إلى ذلك.

    فينصح طالب العلم بتتبع كلام المحققين.

    ومن المحققين الأعيان: الإمام ابن تيمية رحمه الله, وكذلك الحافظ ابن رجب , وكثير من كلام أبي محمد بن حزم ، فضلاً عن كلام أئمة السلف الأوائل؛ لأن هذا شأن هو أظهر من أن ينبه إليه، أي الاهتمام بكتب الأئمة, أو المسائل التي رويت عنهم؛ كالمسائل المنقولة عن أحمد و مالك و الشافعي و أبي حنيفة وهلم جرا.

    فإذاً: ما يتعلق بهذا الرجل الإمام العلامة المحقق الشاطبي رحمه الله مما سبق ذكره من أهم ما ينبه إليه في شخصيته أو في شأنه.

    1.   

    فكرة كتاب الاعتصام بالسنة ومحتواه

    المسألة الثانية تتعلق بالتنبيه على هذا الكتاب, فهذا الكتاب اسمه: كتاب الاعتصام, وقد كتبه الشاطبي رحمه الله ليبين فيه الأصول العلمية التي انتهى إليها في فقه الاعتصام بالسنة والتباعد عن البدعة, فابتدأه بمقدمة فيها ذكر الله وحمده سبحانه تعالى.

    التنويه بذكر غربة الدين

    ثم بعد ذلك ذكر مقدمة ساق فيها الآثار النبوية الواردة في غربة هذا الدين في ابتدائه، وأنه سيعود غريباً كما بدأ, وهذا جاء في صحيح مسلم , والسنن والمسند من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم, ومن ذلك ما رواه ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ, وهو يأرز بين المسجدين؛ كما تأرز الحية في جحرها أو قال: إلى جحرها ), وجاء في رواية أخرى: ( إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ, فطوبى للغرباء ), ثم ذكر أحرفاً مروية في السنن وغيرها في صفة هؤلاء الغرباء، وذكر بعد ذلك حديث الافتراق الذي جاء من رواية أبي هريرة , وله شواهد من رواية بعض الصحابة في مسند الإمام أحمد والسنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة, وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة, وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ), وما جاء في الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام: ( لتتبعن سنن من كان قبلكم .. ) إلخ.

    فنبه في هذه المقدمة على غربة هذا الدين في آخر أمره كما كان غريباً في أول أمره..

    ثم بعد هذه المقدمة التي نبه فيها إلى هذه الأمور ذكر أبواباً عشرة, تحت كل باب بعض الفصول, وربما جعل تحت بعض الفصول ما هو من الفروع لهذا الفصل, وبدأ ذلك بتعريف البدعة, وانتقل بعد ذلك إلى سلسلة من الأحكام؛ ولهذا ما قلناه يعتبر مقدمة وقراءة في هذه المسائل التي أشرت إليها, وستكون طريقتنا في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى أننا نعلق على كل باب من الأبواب العشرة, ثم بعد ذلك نقوم باستخلاص أهم النتائج التي خرجنا بها من قراءة هذا الكتاب. فهذا هو الشكل العام لنظام الكتاب.

    الغرض من تأليف الشاطبي لكتابه الاعتصام

    أما محتوى الكتاب فإنه كما ترى كتبه في أصول الاعتصام بالسنة, وهناك مقصود بسيط يمكن أن يعبر عنه, وهو فكرة الكتاب, ومعنى الكتاب عند الشاطبي أنه يريد أن يبين لك الأصول التي بها تعرف أن هذا الأمر سواء كان قولاً أو فعلاً أو منهجاً أنه سنة أو بدعة, فهو حاول في هذه الأبواب العشرة أن يفكك هذه المعاني وأن يخرج بضوابط وبنتائج علمية يراها مناسبة لتحديد ذلك.

    وهو يحتاج بطبيعة الحال إلى جملة من المقدمات؛ كفضل السنة، والدعوة إليها، والتحذير من البدع والآثار في ذلك, فيجعل هذه المقدمات العلمية ليخرج بعد ذلك بتعريف للسنن، وتعريف للبدع وأقسام البدع، وأسباب ذلك وما إلى هذا, فهذا هو المعنى الذي تضمنه الكتاب بشكل مجمل.

    فالكتاب إجمالاً هو في تقرير أصول علمية يضبط من خلالها الناظر في الكتاب الفرق بين السنة والبدعة, ومتى يكون هذا القول أو هذا الفعل أو هذا المنهج أو هذه الطريقة سنة ومتى يكون بدعة.

    وهذا الكتاب يعطي نظرية في أمر يعد من الكليات العلمية, ولا يتكلم عن أطراف من المسائل, فهو يعتبر رسماً فاصلاً في نظريته بين السنة والبدعة.

    ويعتبر ما كتبه الشاطبي من باب المحاولة العلمية، أو النظرية العلمية ونحن نقول: المحاولة والنظرية، ومع ذلك نصفها بأنها محققة؛ لأننا يجب أن نكون فقهاء فيما نقرأ وفيما ننظر فيه. إذاً نسميها محاولة؛ لأن الشاطبي جمع كثيراً منها من أطراف كلام أهل العلم, واستقرأ النصوص الواردة من الكتاب والسنة، واستنتج منها جملة من النتائج العلمية التي وصل إليها.

    فإذاً: هذا الكتاب يعد نتيجة استقراء من الشاطبي رحمه الله؛ استقراء أولاً للنصوص, فهو حسن الاستقراء, ثم استقراء لكلام أهل العلم, ولا سيما الذين اشتغلوا بهذا الشأن أو عرفوا بالتحقيق في هذا الشأن.

    فإذاً: هذه محاولة علمية لا بد أن تكون على هذه الدرجة, هي نظرية علمية.. ولماذا نقول نظرية أو نقول محاولة؟

    حتى لا يكتسب هذا الكتاب القطعية المطلقة, هذا كتاب أصل.. كتاب جيد.. كتاب متميز في بابه.. ويعد من أجود وأفضل الكتب التي وصلت إلينا في هذا الباب, مؤلفه محقق, مدقق, فقيه, أصولي, علامة .. إلخ, هذا أمر قد انضبط وانتهى لا إشكال فيه, ولكن ما أردت أن أنبه إليه أنه ليس معنى هذا أن يصل الكتاب إلى درجة يكتسب فيها القطعية، بمعنى أن يكون مرجعاً فاصلاً في كل جزئياته وفروعه التي ذكرها الشاطبي في الفرق بين السنة والبدعة, وليس من الفاضل أن نأخذ الكتاب على أنه ميزان مطلق؛ لأنه لا يوجد كتاب يعد ميزاناً مطلقاً إلا كتاب الله جل وعلا, وكذلك ما حفظ من سنة النبي صلى الله عليه وسلم, فإن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم لا شك أنه ميزان يُعرف به الحق من الباطل. أما هذا الاجتهاد الذي اجتهده الشاطبي فهو اجتهاد فاضل.. هو اجتهاد شريف.. هو اجتهاد متين.. هو اجتهاد محقق, لا شك أن جملة من الأصول التي ذكرها أصول قطعية معلومة من الدين بالضرورة, وهناك أصول أيضاً قطعية معلومة بالإجماع قد انضبطت عند أئمة أهل السنة والجماعة؛ كالأئمة الأربعة وأمثالهم, ومن قبلهم من أئمة الصحابة, لكن يبقى بعد ذلك أن ثمة أوجهاً من الاجتهاد -إن صح التعبير- أو من تلخيص النتائج التي لخصها الشاطبي إما فهماً في النصوص وإما التقاطاً من كلام العلماء المحققين وصل بها إلى جملة من الأحكام أو جملة من المبطلات, فلا يلزم أن هذا الكتاب يكون على هذا الإطلاق.

    تقسيم كتاب الاعتصام من جهة القبول

    النظرة العادلة لهذا الكتاب هو أنه كتاب محقق، ولكن يبقى بعد ذلك أنه قد تفوته بعض الحروف والكلمات, بمعنى: أنه يأخذ في الأخير درجة معينة, وهو أنه ينقسم إلى قسمين:

    قسم من مسائل الكتاب تكتسب الصواب والقطعية؛ لأنها أصول معلومة بالمتواتر من النصوص, وأصول معلومة بالإجماع.

    وهناك قسم آخر من الكتاب هو جملة من الاجتهادات التي حاولها الشاطبي لا تصل إلى هذه الدرجة, ولكنها اجتهادات فاضلة, حتى لو أخذ بها فيؤخذ بها على أنها نمط من أنماط الاجتهاد.

    إذاً: ليس بالضرورة أن كل جزئيات الكتاب تكون على هذا القبول, بل هناك بعض الأمور التي ينبه إليها في هذا الكتاب؛ كمسائل تتعلق بالصفات, أو مسائل تتعلق ببعض الجوانب التي أشرت إلى أن الشاطبي رحمه الله لم يكن موافقاً للمأثور عن سلف هذه الأمة في هذه المسائل.

    عناية طلبة العلم بكتاب الاعتصام

    هذا ما يتعلق بتقييم هذا الكتاب, وإن كان ليس من الفاضل أن نتكلم بكلمة تقييم, لكن لكون هذا الكتاب أصبح اليوم على ألسنة طلبة العلم بكثرة, وعني به الإخوة الذين يعنون بتتبع منهج السلف وما إلى ذلك, فهذه العناية بشكلها العام عناية فاضلة, العناية بقصد السنة والبعد عن البدعة, بل هذه عناية واجبة كما نعرف, فإنه يجب على المسلمين أن يقصدوا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وهديه وأن يلتزموه ظاهراً وباطناً, وأن يتجانبوا البدع والمحدثات في الدين, وأن يلتزموا ما كان عليه سلف هذه الأمة من أئمة الصحابة الذي مضى الإجماع فيه.

    لكن ضبط هذه المسائل, ومتى يقال: إن هذا القول بدعة، أو إن هذا الفعل بدعة، أو هذا من السنة، أو ليس منها؟ هذا تارة يكون منضبطاً بيناً, وتارة يدخله قدر من الاجتهاد, وقدر من اختلاف الرأي بين أهل العلم, فلا بد من اعتبار هذا في هذا الكتاب.

    إذاً: هذا الكتاب هو على هذه الدرجة من الوسطية في النظر إليه, فهو كتاب محقق, ولكنه ليس كتاباً نهائياً في هذا الباب.

    أيضاً مما ينبه عليه أن من يقرأ هذا الكتاب ليس بالضرورة أنه يكون انتهى إلى نتيجة كلية في فقه الاعتصام بالسنة والبعد عن البدعة, بل يكون هذا الكتاب ضم سلسلة من القراءة العلمية لطالب العلم، وليس وحده يكون مرجعاً مطلقاً, فإنه لا يوجد مرجعية مطلقة إلا لكتاب الله وللمحفوظ من سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم, وهذا هو المفهوم الذي كان عليه سلف الأمة وأئمتها؛ كما قال مالك رحمه الله: كل يؤخذ من قوله ويترك.

    فإذاً: هناك بعض ما يسمى متروكاً, بل هناك ما يرد وينبه عليه من كلام الشاطبي رحمه الله, خاصة ما يتعلق بمسائل القدَر والصفات التي لم يكن فيها على ضبط بالمأثور عن أهل السنة المتقدمين فيها, وإنما جرى على تقليد بعض المذاهب المتأخرة من مذاهب المتكلمين, وإن كانوا ينتسبون إلى السنة والجماعة انتساباً, فهذه مسألة أخرى. إذاً هذا ما يتعلق بالكتاب.

    1.   

    ما اعتمد عليه الشاطبي في مقدمة الاعتصام

    المسألة الثالثة تتعلق بمقدمة هذا الكتاب.

    ذكر غربة الإسلام وافتراق الأمة

    أنا أشرت في عرض هذا الكتاب إلى أنه بدأ بمقدمة ذكر فيها غربة الإسلام, وذكر فيها افتراق هذه الأمة, وذكر فيها جملة من المقدمات, وهذه الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم هي في باب الخبر، وهذه جملة من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها المؤلف كمقدمة, وفي الغالب أن ذكره لها هو نوع من بيان هذا الافتراق أو هذا الاختلاف وقد حَدَّث به الرسول صلى الله عليه وسلم, فهو جزء من الاختلاف الذي وقع بخبر النبي صلى الله عليه وسلم, وهذه العناية التي ابتدأ الإمام الشاطبي بها في مقدمته لكتابه هي في الجملة عناية جيدة، ولكن تحتاج من طالب العلم إلى أن يكون فقيهاً في قراءته لها, هذا الفقه أنبه إليه فيما يأتي إن شاء الله تعالى من المسائل, لكن بوجه عام مقدمته ليست مقدمة مطولة, بل هي مقدمة مختصرة ذكر فيها هذه الجملة من الآثار.

    وأشار الشاطبي في هذه المقدمة إلى أنه بمنهجه الذي قصد إليه, وهو قصد شريف فاضل, أعني: قصد إلى السنة واتباعها والبعد عن البدعة, قال: إنه استُعدي عليه, ورُمي ببعض التهم, فرمي بأنه رافضي؛ لأنه لم يذكر الخلفاء الراشدين على المنبر, وهذه من الجزئيات ولعلها مثال؛ لأن بعض الفقهاء المتأخرين قالوا: ذكر الخلفاء الراشدين في منبر الجمعة بالترضي أو تخصيصهم بدعة؛ لأنه لم يكن موجوداً في زمنهم, وهذا المثال الذي عرض الشاطبي لذكره يصلح أن يكون مثالاً لنا فيما نقول: إنه من القسم الثاني.

    تخريج الفروع على الأصول عند الشاطبي

    بعض المسائل ينتهي الشاطبي فيها إلى نتائج؛ لأنه يبني أصولاً.. يبني قواعد.. يبني ضوابط, ثم يريد أن يخرج الفروع على الأصول, فهنا تأتي إشكالية التخريج, وهي لا تتعلق بـالشاطبي نفسه, بل قد تتعلق أيضاً بغير الشاطبي من طلبة العلم الآن أو من أهل العلم الذين جاءوا من بعده, هكذا هو شأن أهل العلم, فهو تسلسل علمي تاريخي, ولذلك إذا أخذت قاعدة من قواعد الشاطبي , فإن الإشكال يقع أحياناً في تطبيق الفرع على هذا الأصل أو على هذه القاعدة.

    وأضرب لذلك مثلاً حتى تكون الصورة أوضح:

    ابن تيمية رحمه الله وهو أضبط تحقيقاً من أبي إسحاق الشاطبي في هذه الأصول, ومن القواعد التي ذكرها في مسألة السنة والفرق بينها وبين البدعة: أن كل أمر انعقد سببه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لم يفعل في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم لا منه ولا من أصحابه بإقراره, ثم فعل بعد ذلك فإنه يكون بدعة. هذا الأصل أو هذا الضابط يذكر بأكثر من عبارة منسوباً لشيخ الإسلام ابن تيمية أو للشاطبي أو لجملة من أهل العلم, هذا الأصل وهذه القاعدة بحروفها العامة لا إشكال فيها؛ لأن لها ما يكون مبرراً لها, ولكن الإشكال يأتي بعد ذلك إذا جئت لتطبيق الفروع, أو ما يسمى بتخريج الفرع على الأصل؛ وأضرب لكم مثلاً بمسألة وهي: ما حكم تلقين الميت في قبره؟

    لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم, وما أمر به, وما نقل أن أئمة الصحابة فعلوه في عصره, وإنما نقل ذلك عن بعض الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وليس المقصود هنا أن نعطي حكماً في هذه المسألة, ولو أخذنا هذه المسألة مجردة لقلنا فيما أرى: إن هذا الفعل بدعة؛ لأنه يتعلق بمسائل القبور، والشارع قد سد الذرائع المفضية إلى البدع التي تقود إلى أسباب من الضلال, أو إلى الشرك الأكبر في مسائل الشرك ونحوها, هذا الرأي الذي نقوله, أن هذا الأمر من البدع.

    لكن نريد أن نصل إلى تفريق بين ابن تيمية وبين القاعدة التي يقول بها رحمه الله، فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما ذكر التلقين؛ قال: إن من أهل العلم المتأخرين من قال: إنه محرم, ومنهم من كرهه, ومنهم من أجازه, ولم يذهب هو إلى تحريمه, قال: والقول بتحريمه بعيد؛ لأن بعض الصحابة نقل عنهم أنهم فعلوا ذلك, مع أنه كان يفترض ظناً أن هذا الفرع مناسب للقاعدة التي قالها ابن تيمية وأن يقول بذلك.

    كذلك لما تكلم مثلاً عن مسألة التسبيح بالسبحة التي تنظم من الخرز ونحوه, قال: إذا كان هذا ليس على سبيل الرياء, وليس على سبيل هجر التسبيح بالأنامل والأصابع, وإنما يفعل في بعض الأحوال فهذا حسن. الآن ليس المهم أن ننتهي إلى نتيجة في بحث هذه المسألة, هل هذا جائز أو ليس بجائز, سنة أو ليس بسنة, أو بدعة أو لا يكون بدعة .. إلخ, لكن أريد أن أقول: إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ينتهي أحياناً إلى مسائل كهذه, فهل هو يتعارض مع قاعدته التي قالها؟

    الجواب: لا, لا يوجد عنده ما يتعارض, فالقواعد التي يقررها العلماء تحتاج إلى فقه, فليس كل من فرع فرعاً وأعاده إلى القاعدة تكون إعادته إلى القاعدة صحيحة تماماً، وليس كل من فهم فهماً من كلام الله أو كلام رسوله, أو فهم من حديث أو من آية من كتاب الله فهماً وأضاف هذا الفهم إلى الدليل من الكتاب والسنة, أن يكون فهمه صواباً؟ لا, تظل كلماته كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث عمرو بن العاص المتفق عليه: ( إذا حكم الحاكم باجتهاده فأصاب فله أجران, وإذا حكم باجتهاده فأخطأ فله أجر ).

    الحث على التثبت من القواعد والضوابط قبل تخريج الفروع عليها

    والذي أريد أن أبينه في مقدمة الكتاب: هو أن هذه القواعد التي قالها الشاطبي ينبغي لطالب العلم أن يأخذها إذا تبين له أنها قاعدة منضبطة. وبمعنى آخر: هل هي قاعدة مسلمة منضبطة بالإجماع أم أنها قاعدة من الأمور الاجتهادية. فإذا عرف الفرق بين الأمرين، وأخذ القاعدة بدرجتها أنها اجتهادية أو أنها قطعية أو مجزوم بها, أو ما إلى ذلك من العبارات, بعد ذلك يكون فقيهاً في تطبيق الفروع عليها, وهذا هو الإشكال؛ لأن بعض العلماء أو طلبة العلم أحياناً يأتي يطبق فرعاً بطريقة خاطئة, تجد البعض يقول مثلاً: الانتساب للمذاهب الأربعة بدعة؛ لأنه لا يوجد دليل من الكتاب والسنة على هذا الانتساب, نقول: إذا أردت أن هذا الانتساب هو نوع من العبادة التي تقصد كعبادة قولية أو قلبية أو فعلية فعلى هذا المفهوم يكون الانتساب بدعة, لكن هل العلماء أرادوا بالانتساب للشافعي أو لـأحمد أو لـمالك أن هذا وجه من أوجه التعبد الخاص بقصد هؤلاء الأعيان دون غيرهم، أم أن هذا من باب الترتيب العلمي والاختيار بين اجتهادات الأئمة في أصول فقه الشريعة؟

    هذا من باب الاختيار العلمي والترتيب العلمي والانضباط العلمي ليس إلا؛ ولهذا الحنبلي يجري على أصول الحنابلة، والشافعي كذلك, وليس معناه أن هذا المنهج هو اللازم, بل ليس بلازم, ولكنه ليس من البدعة أيضاً, ربما يكون خطأ إذا دخله التعصب أو الغلو أو ما إلى ذلك, أو تركت السنة من أجل المذهب، فلا شك أن هذا يكون ضلالاً وشراً, بل وخطأ كبيراً في هذا الشأن.

    الحث على الاهتمام بتخريج الفروع

    هنا أنبه الإخوة إلى فقه تخريج الفرع على الأصل, والتفريق بين درجة الأصول التي قالها الشاطبي , فهما درجتان وربما أكثر, الفروع التي تلتحق بها سواء من تفريع الشاطبي أو تفريعات لم تحصل في زمن الشاطبي وإنما تحصل في زمننا اليوم؛ لأن بعض الإخوة ربما يقطع بأن هذا الشيء بدعة بالإجماع, تقول له: لماذا؟ يقول: لأنه يرجع إلى قاعدة مجمع عليها, قد تكون القاعدة مجمعاً عليها, ولكن يكون التخريج لهذا الفرع على هذه القاعدة ليس تخريجاً صحيحاً أو مناسباً. إذاً: هذا أمر ينبغي أن يتفطن له.

    الأذى الذي لحق الإمام الشاطبي وابتلي به

    الشاطبي كما أسلفت رمي بجملة من التهم, فرمي بأنه مبغض للصحابة, ورمي بأنه ليس موقراً للأئمة أحياناً, ورمي بجملة من التهم التي يقول: إنه رمي بها لكونه قصد إلى هذه السنن وإحيائها وترك البدع, فيقع لطالب العلم إذا تمسك بالسنة ولا سيما في مجتمع ما تسود فيه العناية بالسنة والآثار وما إلى ذلك, يقع أنه يرمى بشيء من هذه الأمور, ولكني أنبه من هنا إلى أن هذا وإن كان مما يبتلى به من يعنى بهدي النبي صلى الله عليه وسلم أو بسنته, فهو ليس من الأمور التي ينبغي لطالب العلم أن يستجلبها, يعني: لا ينبغي أن يكون في داخله شعور بأنه ينبغي أن يعادى أو يميز في آرائه, أو تخالف آراؤه, وحتى تتميز من كونها سنة أو كونها بدعة, أو أنه إذا كثرت مخالفته اشتدت ثقته برأيه, هذا ليس بالضرورة أنه هو الأمر القطعي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: ( إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ), هذا الأمر يتعلق بغربة الإسلام في آخر الزمان, وغربة الإسلام في آخر الزمان إما أن تكون غربة خاصة, أي: لمجتمع دون مجتمع, أو لشخص دون شخص, أو لأشخاص دون أشخاص, هذه الغربة الخاصة.

    وهناك الغربة العامة, وهي أن الإسلام يكون غريباً غربة عامة, ولنعلم أن غربة الإسلام العامة هذه لا تقع إلا في طرف الزمان الذي قضى الله جل وعلا أن يبقى الناس فيه إلى أن تقوم الساعة, هذا هو الذي تكون فيه الغربة المستحكمة, الغربة العامة التي أشار النبي صلى الله عليه وسلم إليها، وذكر عليه الصلاة والسلام أن ( الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق ), لكن الذي يقع اليوم للناس هو الغربة الخاصة, ينتاب مجتمعات من المجتمعات, ينتاب أحوالاً من الأحوال.

    والذي أريد أن أنبه إليه أنه لا ينبغي لطالب العلم أن يستجلب الغربة وأن يصطنع الغربة أحياناً, ويتكلف أنه غريب, ويتكلف أن أقواله غريبة, وأن ما يأخذ به غريب على غيره, وربما تكون هذه الغربة التي يصطنعها البعض أحياناً مخالفة للسنة؛ ومثال ذلك: التميز عن الناس في عرفهم الذي يوافق الشريعة أو لا يخالف الشريعة, التميز عنهم ببعض الأشكال أو بعض الرسوم أو بعض الأحوال من اللباس ونحو ذلك؛ فهذا لا شك أنه ليس مما يحسن, والشارع نبه إلى هذا الباب في جملة من المعاني النبوية؛ كالنهي عن لبس ثياب الشهرة, وأمور لا تخفى على طلبة علم.

    إذاً هذا المعنى يجب أن يكون مقصوداً, يعني: إذا قرأت مقدمة الشاطبي وأنه عودي بكذا وعودي بكذا, هذه حال عرضت له رحمه الله وتختص به كإمام أو كعالم, لكن لا ينبغي أن يكون هناك نوع من الاستجلاب الشعوري عند طالب العلم إلى أنه لا بد أن يكون خارجاً عن المألوف دائماً ويخالف الناس دائماً, وكلما تميز واختص بآراء تبين له أنه أكثر انضباطاً وأكثر ديناً أو ما إلى ذلك, إنما يكون ميزانه في هذا الحق, وإلا لا شك أن آخر هذه الأمة سيكون فيها غربة؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: ( وسيعود غريباً كما بدأ ), بل قال في حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم : ( فإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها, وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها ), إلى آخر سياق حديثه عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    مقدمات فقهية في باب الاعتصام بالسنة والابتعاد عن البدعة

    المسألة الرابعة: مقدمات في فقه باب الاعتصام بالسنة والبعد عن البدعة.

    وأحب أن أؤكد على جملة من المقدمات العلمية في فقه الاعتصام بالسنة والبعد عن البدعة.

    المقدمة الأولى: تعظيم السنة

    المقدمة الأولى: تعظيم السنة, فإن هذا من أخص مقامات الإيمان وأخص مقامات الديانة، وأنه يجب على المسلمين خاصة وعامة أن يعظموا سنة نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم, وأن يعنوا بها وبالتزامها, والاجتماع عليها, والحذر من البدع وأنماطها وطرقها؛ لأن الناس لا يجمعهم إلا السنة, وأما إذا كانوا على غير السنة فإنهم يكونون على أهواء, وعلى سبل؛ ولهذا إذا ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الحق سبيلاً واحداً: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمَاً [الأنعام:153], فهو هنا جعله سبحانه وتعالى سبيلاً واحداً, صراطاً مستقيماً, وإذا ذكر غيره ذكره سبلاً, ذكره خطوات: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [البقرة:168], ولهذا شرع في الصلاة بفاتحة الكتاب التي هي السبع المثاني أن نقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].

    فإذاً: ينبغي على المسلمين بناء إيمانهم على تعظيم السنة وإمامها عليه الصلاة والسلام, ونصرتها والعناية بها, وتعظيم إمامها باتباع سنته ومحبته, فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:157].

    وأن يعرفوا أنه كان من هديه عليه الصلاة والسلام كثرة التنبيه على العناية بالسنة؛ فلهذا ينبغي لطلبة العلم خاصة وأهل الدعوة أن يكثروا من ذكر تعظيم السنة, والدعوة إليها, والعناية بها؛ ولهذا تجد أنه عليه الصلاة والسلام كما قال جابر بن عبد الله في الصحيح: ( كان إذا علا المنبر خطيباً قال: أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله, وخير الهدي هدي محمد, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة ), ولما أوصى أصحابه ومن بعده كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره قال: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ), وفي هذا الحديث إشارة علمية إلى أنه عليه الصلاة والسلام قد أكمل الله له الدين, وما جاء به الخلفاء الراشدون ليس معناه أن ثمة نقصاً في الدين؛ لأن الله قال في كتابه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3], ونزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في حجة الوداع.

    إذاً: لماذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ) ؟ ولم يقل: عليكم بسنتي ويقف عند هذا الحد؟ أليس الله قد أكمل الدين؟

    هنا أمر من المهم إدراكه وهو أيضاً يرجع إلى المعاني التي أشرت إليها, وهو أن كتاب الله وما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله عليه الصلاة والسلام فإن فهمها أكثر ما يكون من المخالطين لها، فالخلفاء الراشدون هم الذين وضعوا قواعد وأصول هذا الفقه بأفعالهم وأقوالهم وتقريراتهم, وهذا الذي بناه الخلفاء الراشدون بخلافتهم الراشدة التي هي على منهج النبوة, بنفس المنهج بفقه الإسلام وفقه الإسلام ليس بمعنى الفقه الاصطلاحي, الذي ينتظم مع التفسير والحديث وأصول الفقه وما إلى ذلك, وإنما أقصد بالفقه: الفقه الذي عناه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ).

    فإذاً: زمن النبوة أو كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم هو النصف, بقي فقه هذا النصف, من هم الذين وضعوا الفقه الأكبر والقواعد بفقه هذا النصف بأقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم؟

    إنهم الخلفاء الراشدون.

    إذاً: إنما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بسنتهم؛ لأن هذا المنهج الذي وضعه وطبقه الخلفاء الراشدون الأربعة: أبو بكر و عمر و عثمان و علي , رضي الله تعالى عنهم هو المنهج الراشد في فقه الإسلام, أما ما بعد منهج الخلفاء من الفقه فإنه فقه اجتهادي, كثرت فيه مادة الاجتهاد والاحتمال، وفيه الصواب وفيه الخطأ, وكثر فيه الاختلاف, بخلاف ما كان عليه الراشدون رضي الله تعالى عنهم.

    وهذه المسألة مما ينبغي العناية بها والإشارة إليها, وهذه قاعدة مطردة في كل أصل علمي, ولكن ينبغي كذلك أن يكون طالب العلم فقيهاً في دعوته إلى السنة وعنايته بها وتعظيمه لها, فإذا دعا إلى سنة فإنه لا بد أن يكون متحققاً أن الأمر الذي دعا إليه هو سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم, فإذا قال عن قول ما أو فعل ما: بأنه بدعة فلا بد أن يكون قد انضبط له انضباطاً معلوماً على القواعد العلمية المعروفة أن هذا القول بدعة, ولا يجوز بحال من الأحوال أن تكون العناية بالسنة أو تعظيم السنة توجب الاستطالة على الناس، ولا سيما على أهل العلم؛ ويعرض أحياناً من بعض المبتدئين في طلب العلم, وربما هذا عرض في بعض الأحيان من أهل العلم الذين تأثروا بطبيعة من أحوالهم الخاصة, كما أنه ربما استُطيل على كبار من أهل العلم الذين عرفوا بالسنة والجماعة، بمبرر أن هذا من باب تحقيق السنة, وهذا ليس من الهدي؛ لأن من أصول أهل السنة والجماعة في هديهم وأخلاقهم كما ذكر ابن تيمية رحمه الله في الواسطية وغيرها, وهو معروف من نصوص الشارع عليه الصلاة والسلام, يقول الإمام ابن تيمية في الواسطية: ومن طريقتهم -يعني: أهل السنة- ترك الاستطالة على الخلق, ولا يستطيلون على الحق؛ ولهذا ليس من خلق المؤمن أن يكون ساباً, وأن يكون لعاناً, وأن يكون شاتماً وما إلى ذلك, قالوا: ومن طريقة أهل السنة أنهم يرون ترك الاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق, يعني: حتى إذا كان الحق معك فإن العدل يكون واجباً ولا تجوز الاستطالة؛ لأن من تعود الاستطالة في لسانه والبذاءة في لسانه بحجة الدفاع عن السنة، فدفاعه هذا ليس على منهج النبوة.

    أرأيتم أن النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيح لما بعث رجلاً إلى دوس, وهي القبيلة أو ربما دون القبيلة من العرب، كما هو معروف في تاريخها وواقعها اليوم, قوم من جنوب جزيرة العرب بعث إليهم رجلاً يدعوهم إلى الإسلام, فرجع الرسول, أي: من أرسله النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: ( يا رسول الله! إن دوساً قد كفرت وأبت, يعني: عاندت وعصت, ردوا الداعي وعاندوا في رده, فادع الله عليهم, فقال عليه الصلاة والسلام كلمة قبل الدعاء عليهم كما في رواية الصحيح, قال: إني لم أبعث لعاناً ), مع أن الرجل ما قال: يا رسول الله! العنهم, قال: ادع عليهم, والدعاء قد لا يكون باللعن, قد يكون باللعن وقد يكون بغيره, فقال: ( إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة, اللهم اهد دوساً وائت بهم ).

    فإذاً: لا ينبغي أن يكون ضبط السنة وحفظها والدعوة إليها والتحذير من البدع محركاً للعدوان في النفس, ومحركاً للاستطالة على الخلق, فإن هذا يوجب على طالب العلم خاصة والمسلم عامة أن يكون فقيهاً فيه, معتدلاً فيه, منضبطاً فيه, فلا يقصر في الدعوة إلى السنة والعناية بها؛ لأن من أصول الإسلام: الدعوة إلى السنة, ولا سيما أن البدع مع توالي العصور لعبت بعقول المسلمين ونفسياتهم, وكثير من عوام المسلمين وسوادهم اليوم عاثت فيهم الخرافات والأساطير والخزعبلات والأوهام, وضلوا في مسائل من الشريعة, ووقعوا في أنماط ربما من الضلال أو من الشرك، فلا شك أن هذه الفتن البدعية يجب على أهل الإسلام عامة وأهل العلم خاصة أن يعنوا بدعوة العامة إلى السنة وأن يقربوهم إليها, وأن يبينوا لهم فساد هذه البدع, وأنها مخالفة للعقل والشرع, وما فيها من الخروج من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم, وربما كان فيها خروج عن شيء من أصول الدين الكلية؛ كمسائل توحيد العبادة, وقدَر الله, وصفات الله جل وعلا وما إلى ذلك, فهذه لا ينبغي التساهل فيها؛ لأن الخرافة التي نشاهدها اليوم قد عاثت في كثير من عقليات أو سواد المسلمين، ولا سيما العوام، وأصبحوا يفعلون أفعالاً منكرة في شريعة الله, بل ومنكرة حتى في العقل وفي الفقه.

    فالعناية بالسنة هذا أصل من أخص أصول الإيمان بالله ورسوله, ولكن يجب أن يكون ذلك على منهج الرحمة والعدل والفقه والوسطية التي قالها الشارع عليه الصلاة والسلام, وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143]، إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:86].

    ولهذا قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: لا بد لمن تكلم في أحد من الأعيان أن يجتمع فيه شرطان:

    الشرط الأول: أن تكون نيته صالحة, لا يقصد بذلك أنه فرح بخطئه, أو في نفسه عليه شيء, فلما أخطأ خطأ أراد أن يشهر به تحت مبرر هذا الخطأ, بل لا بد أن تكون النية خالصة لوجه الله.

    الثاني: أن يكون بعلم بين, فلا يتكلم في الناس بجهل أو حتى ظن؛ لأن المؤمن لا يتبع الجهل ولا يتبع الظن, وإنما الظن هو طريق أهل الأهواء, إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى [النجم:23], وإذا لم يكن عندك علم في هذا المعين أو في هذا الشخص؛ فإن السكوت هو الواجب, وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].

    فإذاً: ننبه إلى هذه الأصول العلمية.

    المقدمة الثانية: العناية بفقه الاستقراء

    المقدمة الثانية: العناية بفقه الاستقراء. أي: كيف تفقه السنة وامتيازها عن البدعة؟

    هذا الكتاب الذي نحن بصدد النظر فيه والقراءة العلمية العامة الموضوعية فيه, وهو كتاب الشاطبي وما كتبه علماء آخرون, الكتب التي تعنى بضبط هذه المسائل هذا نوع من الفقه يحتاج إليه طالب العلم, ولكن الفقه بالسنة وامتيازها عن البدعة وأحكام هذا الباب, إذا أردت تحصيله على سبيل الضبط والتحقيق فإن هذا لا يكون إلا بالاستقراء، وهو على نوعين:

    أولاً: استقراء نصوص الكتاب والسنة, وهذا يحتاج إلى سعة النظر في النصوص, وخاصة نصوص الكتاب, ثم بعد ذلك نصوص السنة التي فصلت القرآن وبينت أحكامه.

    ومما يشار إليه اليوم أن العناية بفقه القرآن منها العناية بفقه معاني الكلمات, وهذا تجده في كثير من كتب التفسير, وهو نوع من العلم, وليس هو الفقه كله في القرآن, فلا بد أن تفقه المعاني التي تضمنها القرآن, وغير المختصة بمسائل العبادات والمعاملات, التي تسمى بالفقه في الاصطلاح الخاص, إنما هو فقه أصول الاعتصام بالسنة.

    كذلك في السنة تجد المتأخرين كان عندهم العناية بالمختصرات المعنية بأحاديث الحلال والحرام في أبواب المعاملات والعبادات؛ بخلاف منهج المتقدمين من أهل العلم وأهل الرواية فإنهم إذا صنفوا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم جمعوا ما صح، أو ما أرادوا ضبطه في هذا الكتاب من السنة؛ ولهذا إذا نظرت إلى صحيح البخاري وجدت فيه كتاب الصلاة وكتاب الزكاة, ولكن تجد فيه أيضاً كتاب الإيمان, وتجد فيه كتاب التوحيد, وتجد فيه كتاب الاعتصام بالسنة, فلا بد أن يكون طالب العلم على استقراء للنصوص وتأمل فيها.

    ثانياً: أن يكون مستقرئاً لكلام العلماء. فالعناية بفقه الاستقراء هو الفقه الذي يحصل به لطالب العلم والضبط العلمي لهذا الباب؛ لأن هذا الباب باب شديد شأنه؛ لأن فيه حكماً على المسائل بأن هذا من السنة أو هذا من البدعة, وهذا الأمر ليس باليسير؛ لهذا لا بد لطالب العلم أن يكون على فقه واسع, وأنت إذا أخذت كتاباً واحداً مثل كتاب الشاطبي فهذا يسهل على أي طالب علم أنه يجلس شهراً أو شهرين أو أقل من ذلك أو أكثر من ذلك يقرأ هذا الكتاب إلى أن يختمه، وربما لخصه في أوراق أو جملة من الأوراق, فهل معنى هذا أنه فقه هذا الأصل الكبير؛ الفرق بين السنة والبدعة والاعتصام بها؟ لا, بل لا يوجد كتاب من كتب أهل العلم على الإطلاق إذا قرأته تكون قد انتهيت إلى نتيجة نهائية أو نتيجة مفصلة, فلا يعدو أن يكون هذا الكتاب مع قدره وشرفه وتحقيق مؤلفه, كتاب من أهم الكتب في هذا الباب, ولكنه ليس الكتاب الواحد, وليس هو الذي يحصل به الضبط لهذا الباب, بل ضبط هذا الباب لا بد أن يكون باستقراء نصوص الكتاب والسنة, واستقراء كلام العلماء, ولا سيما السابقين من أئمة هذه الأمة وفقهائها ومحدثيها وما إلى ذلك.

    وأنا دائماً أوصي طلبة العلم بأمرين:

    الأول: أن يعنوا بالاستقراء.

    الثاني: أن يعنوا بانتقاء كتب المحققين من أهل العلم.

    فإذا كان طالب العلم على هذه الدرجة من العناية باستقراء النصوص, بأن يتكلم في مفاصل السنة والبدعة, وتمييز السني من البدعي وما إلى ذلك, وربما تكلم في أحكام مغلظة في هذا القول أو هذا الفعل, أو هذا القائل أو هذا الفاعل, هذا لا بد أن يكون عارفاً بكلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام, وربما تفاجأت أنه ربما ما استكمل صحيح البخاري قراءة فضلاً عن فهمه, فينبغي لطالب العلم أن يتأمل في كتاب الله كثيراً, ويقرأ في تفسيره, ويقرأ في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا سيما التأمل في كتب السنة المشهورة وأخصها الكتب التسعة: الصحيحان, والسنن, والمسند, وسنن الدارمي , والموطأ للإمام مالك ، لا بد لطالب العلم أن يقرأ كتب الإسلام.

    ومع الأسف اليوم هناك أحكام, ولكن لا توجد خلفية لهذه الأحكام, وقد كان السابقون من أئمة هذه الأمة في قراءة, وفي اطلاع, وفي ضبط, وفي حفظ, وفي فهم, ومع ذلك تأتي الأحكام بنوع من التردد ونوع من الهدوء, وطبعاً نحن لا نريد أن نشكك في الأمور, فليس من العقل ولا من العلم ولا من الشرع أن يكون طالب العلم دائماً متردداً, بل لا شك أن ثمة مسائل يجب القطع والجزم بها حتى في مسائل الفقه.

    ولذلك إذا قرأت في مسائل الإمام أحمد , التي جمعها أبو داود و عبد الله ابنه وما إلى ذلك من كبار أصحابه, تجد أن هناك مسائل فقهية توقف فيها الإمام أحمد , لكن هل التوقف هذا ميزة دائماً؟ أو قيمة علمية دائماً؟ لا, بل هناك ما جزم به الإمام أحمد , وهو أكثر من المتوقف فيه, وهناك جزء من المسائل حلف عليها الإمام أحمد , يعني: يسأل: يا أبا عبد الله ! تذهب إلى كذا؟ فيقول: إي والله, فسماها بعض الأصحاب: المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد .

    إذاً: طالب العلم لا بد أن يكون مقدراً لدرجات المسائل ويعتني بكتب الفقه والاستقراء.

    المقدمة الثالثة: معرفة أقسام القواعد والضوابط في مؤلفات العلماء

    المقدمة الثالثة: أن يعرف طالب العلم أن ما جمع في هذا الباب, سواء في كلام الشاطبي في الاعتصام أو في كلام آحاد العلماء, وكان النتاج منه أصلاً أو قاعدة أو ضابطاً أو حداً في معرفة السنة وأصولها والبدعة وأحكامها, فإنه ينقسم إلى قسمين في الجملة:

    قسم منه يعلم أنه منضبط بدلالة النصوص وبإجماع أهل العلم عليها.

    وقسم منه هو نوع من الاجتهاد الذي يدخله الصواب والخطأ, باعتباره نظراً علمياً لآحاد من أهل العلم, فليس كل من سمى كلامه الذي وصل إليه أصلاً أو قاعدة أو ما إلى ذلك من التعبيرات يلزم أن يكون كذلك, بل لا بد أن يلزم هذا عند الاستقراء في نصوص الكتاب والسنة, وفي كلام أهل العلم السابقين, فإذا تبين أنه إجماع وأنه منضبط صح أن يكون كذلك وإلا أصبح نوعاً من الاجتهاد.

    ثم بعد ذلك يشار إلى فقه تخريج الفروع على هذه الأصول بدرجاتها, فالمخرج على الظن ليس كالمخرج على القطع, والمخرج على القطع لا يلزم أن يكون ضرورة بدرجته؛ لأنه قد يختلف الناظرون من أهل العلم في مناسبة هذا الفرع لهذا الأصل, وهذا المعنى أشرنا إليه في أول الكلام.

    المقدمة الرابعة: فقه الجمع والفرق بين الحكم القدري والحكم الشرعي

    المقدمة الرابعة والأخيرة تتعلق بفقه الجمع والفرق بين الحكم القدري والحكم الشرعي.

    ومن هدي أهل السنة والجماعة العناية بالجمع بين الشرع والقدر, وأن القدر ليس حجة على إسقاط الشرع, وهذا أمر معروف, وإنما احتج بالقدر على إسقاط الشرع أهل الإشراك, الذين قالوا كما ذكر الله عنهم: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام:148], فهذا جمع بين الشرع والقدر, ولكن ثمة فرق بين الحكم القدري والحكم الشرعي؛ فليس كل ما أراده الله قدراً يكون أراده وأحبه شرعاً كما هو معروف.

    ومناسبة هذه المقدمة أن هذه الأحاديث الواردة في افتراق هذه الأمة وغربة الإسلام وما إلى ذلك, هل هو من باب الأمر الشرعي أو من باب الخبر القدري؟

    مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ), هذا نص خبري قدري, كذلك قوله: ( افترقت اليهود ) إلى أن قال: ( وستفترق هذه الأمة ), مع أن الحديث عن غربة الإسلام مخرج في صحيح مسلم , أي: أنه حديث محفوظ منضبط الصحة, بخلاف حديث ( افترقت اليهود ) .. إلخ, فإنه حديث حسنه وصححه كثير من أهل العلم, لكن من أهل العلم من تكلم فيه, فليس هو من الأحاديث المنضبطة على التمام عند سائر أهل العلم, و البخاري لم يخرج حديث غربة الإسلام، وإن كان بعض من نظر في تراجم البخاري وما قاله من قاله من الحفاظ أن فقه البخاري في تراجمه قالوا: إنه أشار للحديث؛ لأنه خرج حديث عمر في أول كتابه وهو حديث غريب, وختم كتابه بحديث غريب, فكأنه يشير إلى حديث ( إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً )، مع أني أرى أن مثل هذا التكلف في إظهار مناسبات في صحيح البخاري ليس محموداً, وله فقه في تراجمه، لكن ليس إلى هذه الدرجة من التكلف التي لا مبرر لها؛ فـالبخاري لم يخرج الحديث؛ لأنه ليس على شرطه, أو لسبب آخر رآه في ذلك.

    المهم أن هذه الأحاديث هي من الأحاديث المتعلقة بقدر الله جل وعلا, وليس معنى هذا أننا مأمورون بتطلب هذه المعاني, فلا ينبغي أن نتطلب غربة الإسلام, وإذا كان الخير والسنة شائعة في بلد يتطلب الإنسان بعض الاختصاص أو بعض الامتياز, لا نتطلب هذا الافتراق, وهذه أحكام قضاها الله جل وعلا وقدرها, لكن المسلم مأمور بحفظ الشريعة والاعتصام بالسنة والاجتماع عليها؛ لأن الله ما أمرنا بأمر واحد وهو الاعتصام بالسنة, بل أمرنا بالاعتصام وأمرنا بالاجتماع, فهذان الأصلان بهما قوام الدين, قال تعالى: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى:13], وليس معنى حديث: ( إن الإسلام بدأ غريباً ) أو ما في معناه؛ أن طالب العلم أو المسلم يلقى في روعه أنه يتطلب إيجاد الغربة، وهذا إشكال يقع فيه الكثير من الناس اليوم حتى بعض المبتدئين في طلب العلم, والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر إخباراً قدرياً بفتنة في آخر الزمان, فليس معناه أننا نحاول أن نفتعل وجودها؛ لأنه إذا أراد الله أن توجد وجدت, شئنا أو أبينا, فليس وقوع ذلك في عصرنا بالضرورة بل يتباعد المسلم عنها.

    إذاً: لا ينبغي أن يلقى في روع الإنسان, أو في شعوره حركة أحياناً تكون واعية, وأحياناً ليست بواعية أنه يتطلب اصطناع الغربة لنفسه أو لخاصته أو ما إلى ذلك, ويتقيد برجل واحد, وبشيخ واحد, ولا يكون عنده في هذا الزمان إلا هذا الرجل هو القائم بالسنة, أو المحيي لها, أو الحافظ لها, أو ما إلى ذلك, وينعزل بمقاله أو بحاله أو بشعوره عن الناس وعن أهل العلم, ولا شك أنه ومنذ عصر الخلفاء الراشدين ظهرت السنة والبدعة، والسنة هي موجودة من بعث الرسول صلى الله عليه وسلم, لكني أقصد ظهور البدعة أيضاً، فقد ظهرت الخوارج والشيعة، وما تزال هذه الفرق والبدع قائمة إلى اليوم.

    الحاصل أنه لا نتصور أن الناس يجتمعون على سنة واحدة, ولا شك أن البدع قائمة وموجودة ومتكاثرة, لكن أيضاً لا ينبغي أن نبالغ في تضييق السنة وفي تضييق دائرتها, فإن الاختصاص برجل واحد أو بمكان واحد ليس معناه الحفاظ على السنة, بل السنة ولله الحمد اليوم موجودة في عامة بلاد المسلمين, فتوجد صور وعنايات واهتمامات بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يكون فقيهاً في الجمع والفرق بين الحكم القدري والحكم الشرعي.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وأصحابه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016151496

    عدد مرات الحفظ

    723785069