إسلام ويب

تفسير سورة البقرة - الآية [30]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد قص الله عز وجل علينا في القرآن الكريم بداية خلق آدم، والحوار الذي دار بينه سبحانه وتعالى وبين الملائكة الكرام، حيث أخبرهم بأنه جاعل في الأرض خليفة، فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ فأجابهم الله عز وجل بأنه يعلم ما لا تعلمه الملائكة، وهو أدرى بحكمة خلقه سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ...)

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    يقول الله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30].

    الله سبحانه وتعالى هو الخالق لكل شيء, وهو رب العالمين, فخلق السموات وخلق الأرض وخلق الأفلاك, وخلق ما ذرأ في السماء وما ذرأ في الأرض.

    وجاءت مخلوقات على هذه الأرض قبل بني آدم كما هو معروف, فخلق الله الجن قبل بني آدم, وصار على هذه الأرض من البهيم والحيوان ما خلقه الله سبحانه وتعالى مما أدركه الإنسان ومما فات ولم يدركه.

    فخلق الجن وصاروا هم البصراء في هذه الأرض باعتبار ما امتازوا به من العقل والإدراك, فإنهم مدركون -أعني: الجن- ولهذا صاروا مكلفين، كما قال الله جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] .

    فهم مكلفون؛ لأنهم مدركون, وأعطاهم الله ملكة الإدراك والعقل والتمييز على خلاف البهيم والحيوان, فصاروا هم في هذه الأرض, وكثر منهم الفساد وإن كان فيهم إيمان, لكن غلب عليهم الفساد في الأرض.

    فلما خلق الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه, كما جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لما خلق الله آدم تركه ما شاء الله أن يتركه, فجعل إبليس يطيف به ) , جعل إبليس يدور حوله، أو يمر به على وجهين في تفسير معنى قوله: (يطيف به).

    ( فلما رآه أجوف ), أي: إبليس رأى آدم أجوف, ( عرف أنه خلق خلقاً لا يتمالك ) ثم صار من أمر آدم لما بث الله فيه الروح أن الله جعله في الجنة, ونهاه عن الأكل من الشجرة, كما هو في كتاب الله في غير موضع. فلما عصى آدم ربه وأكل من الشجرة, أمر الله جل وعلا آدم أن يهبط هو وزوجه إلى الأرض.

    المراد بالخليفة في قوله تعالى: (جاعل في الأرض خليفة)

    في خطاب الله لملائكته في شأن آدم في هذا السياق من كتاب الله قوله: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30] , وهذا الخليفة هو آدم وذريته فهم خلفاء في الأرض عن الجن؛ لأن الموجودين في الأرض ليسوا مدركين من الحيوان والبهيم, وما في الأرض من المدرك المميز العاقل إلا الجن.

    والخليفة يكون هو الأعلى, كما يستعمل اسم الخليفة في الولاية فيكون هو الأعلى, فقال: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30] , أي: إني جاعل في الأرض من يكون له من الولاية على الأرض والتدبير والشأن فيها ما ليس للجن, وهذا يبين أن كونه خليفة لا يعني زوال أمر الجن, وإنما يكون له من العلو والشأن والتمكين أكثر مما للجن.

    ولا يصح أن يقال: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30] , أي: عن الله, تعالى الله عن ذلك, فهذا فهم خطأ, ولا ينسب إلى القرآن, فإن الله سبحانه وتعالى له ما في السموات وما في الأرض, وإنما المعنى: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30] , أي: عن الجن؛ لأنهم سابقون لبني آدم, وإبليس منهم: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50]. فالقرآن صريح أن إبليس كان من الجن, وليس ملكاً من ملائكة الله؛ لأن ملائكة الله: عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء:26-27] .

    والاستثناء في قوله: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ [الحجر:30-31] , هذا استثناء منقطع وليس استثناءً متصلاً.

    فقد صرح به في القرآن في قول الله: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50] , فهذا صريح لا يحتمل الوجهين كما يحتمله الاستثناء.

    فقوله تعالى: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30] , أي: عن الجن ليكون أعلى مقاماً منهم.

    معنى قوله تعالى حكاية عن الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)

    قالت الملائكة: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:30] .

    عرفت الملائكة ذلك من أمر الجن؛ لأن الجن كثر منهم الفساد في الأرض, وطبيعة الأرض ليست محلاً للملائكة؛ لأن فيها من التداخل والتدافع والأحوال التي ليست مناسبة لحال الملائكة أصلاً؛ ولهذا: قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ [البقرة:30] .

    فهم علموا من ربهم سبحانه وتعالى حكمته, وأنه لا يخلق إلا لحكمة؛ فلذا قالوا: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة:30] , فكان قوله جل وعلا للملائكة ليس نفياً بأن هذا الخليفة معصوم عن الفساد في الأرض أو سفك الدماء, لأنه لم يقل لهم: إنه ليس كذلك، وإنما قال الله جل وعلا: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30] .

    والأمر الذي خشيته الملائكة وظنته وهو سفك الدماء والفساد في الأرض وقع من هذا الخليفة ووقع من ذريته, كما هو معلوم أن الفساد ظهر في الأرض، كما قال الله جل وعلا: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم:41] , فهذا من بني آدم.

    وسفك الدماء كما هو معلوم وقع في بنيه, بل في أول بنيه، كما قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [المائدة:27-29]. قال الله تعالى: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [المائدة:30-31] .

    فحصل القتل من بني آدم؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن مسعود في الصحيح: ( لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سن القتل ).

    حكمة الله تعالى من جعل آدم وذريته خلفاء في الأرض

    فقوله جل وعلا: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30] , إشارة إلى حكمته جل وعلا البالغة في جعل آدم وذريته خلفاء في الأرض؛ ولذلك صار فيهم النبوة والكتاب, فإن جميع الأنبياء والرسل وما أنزله الله من الهدى والنور والحكمة, وما أقيم من الخير, وما أقيم من العدالة كل هذا صار في بني آدم.

    ومع ما ظهر منهم من الفساد في البر والبحر وإزهاق النفس بسبب الظلم والعدوان إلا أن بني آدم صار فيهم الأولياء وصار فيهم قبل ذلك أئمتهم وهم الأنبياء والرسل, وأنزل الله على هذه الأرض الخير, وساق إليها أوجهاً من الخير, كل ذلك بفضل هذا الخليفة, وإجلالاً من الله سبحانه وتعالى لما بعث به رسله من كلامه والنور الذي أنزله عليهم.

    فصار في هذه الأرض من الخير الكثير بسبب آدم وذريته, وهذا معتبر بالصالحين منهم, وإن كان عرض الفساد من عقب بني آدم إلا أن هذا مضت فيه سنة الله بالمدافعة, فهذا معنى قول الله جل وعلا: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30] .

    وبهذا تعلم أن حكمة الرب سبحانه وتعالى بالغة, وأن حجته بالغة, وأن العباد حتى ولو كانوا من أخص عباد الله بل أخص عباد الله وهم الملائكة والأنبياء, فإذا كان أخص العباد وهم الملائكة في هذا المقام قبل مجيء النبوات في ولد آدم, لم يحيطوا بحكمة الرب جل وعلا فغيرهم من باب أولى.

    وهذا يبين للمؤمن ويثبت إيمانه أن كل ما أمر الله به وقضاه فضلاً عما شرعه، فإنه يكون لحكمة بالغة يطلع العباد على قدر منها, ولكن الإحاطة بحكمة الله وعلمه لا يحيط بها أحد, لا ملك مقرب ولا نبي مرسل: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة:255] .

    وبالله التوفيق. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315036

    عدد مرات الحفظ

    723486374