إسلام ويب

تفسير سورة البقرة - الآيات [1-5]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة البقرة من السور العظيمة في القرآن الكريم، وهي أطول سوره، وقد افتتحها الله عز وجل بالحروف المقطعة؛ دلالة على أن القرآن مكون من هذه الحروف، وتحدياً للعرب وإعجازاً لهم بأن يأتوا بمثله، ثم يبين الله حال الناس وأقسامهم تجاه وحي الله عز وجل، فمنهم المؤمن به، ومنهم الكافر الجاحد له، كما أن منهم المنافق الذي يظهر خلاف ما يبطن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الم)

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    هذه السورة الشريفة وهي سورة البقرة, وهي أطول سورة في القرآن, جاء فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اقرءوا البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان يحاجان عن أصحابهما ) والحديث في الصحيح.

    وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( اقرءوا سورة البقرة, فإن أخذها بركة, وتركها حسرة, ولا يستطيعها البطلة ) وهم: السحرة, فهي من أنفع ما يكون في دفع السحر وأسبابه.

    قال الله جل وعلا: بسم الرحمن الرحيم الم [البقرة:1].

    هذه الآية التي سماها من سماها من أهل العلم والتفسير بالحروف المقطعة, وهي تسمية اصطلاحية, وكان الأولى أن يقال: (أوائل السور) هذا أولى من كلمة الحروف المقطعة؛ لأن هذه تسمية لم يرد بها نص, فالأولى أن يقال: (أوائل السور), وينصرف القصد إليها.

    والراجح فيها: أنها مما استأثر الله بعلمه, وهذا من إعجاز القرآن, وفيها دلالة على تحقيق الإيمان, فإنهم يؤمنون بالكتاب وبما تضمنه هذا الكتاب في أوائل سوره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)

    قال الله تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2] , الكتاب هو: القرآن, والله جل وعلا يسميه الكتاب, ويسميه القرآن, ويسميه الفرقان, ويوصف بأوصاف كالنور والحق وغير ذلك, فهذه كلها أسماء وأوصاف لكتاب الله، وهو كلام الله جل وعلا الذي أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

    وقوله: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:2] أي: لا شك فيه, فبين الله سبحانه وتعالى أنه كتاب من عنده, وذكره بالتعريف ليدل على كماله, فذكره معرفاً كما في قوله: ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة:2]. وأكد ذلك بقوله سبحانه: لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:2] أي: أنه بريء من الشك وبريء من النقص, فكل ريب يعرض بموجب من العقل أو موجب من النفس فإن القرآن منزه عنه.

    أقسام بني آدم تجاه الوحي

    ثم قال جل وعلا: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2] أي: إنما يوفق الله سبحانه وتعالى المتقين للانتفاع به, وإن كان الله يهدي به غير المؤمنين وغير المتقين من جهة الدلالة, لكن بين شرف المتقين.

    هذه السورة بين الله جل وعلا فيها أقسام بني آدم بعدما استقرت أقسامهم من جهة الديانة, فإن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثه كان الناس في الأرض على جاهلية, كما في حديث عياض بن حمار المجاشعي الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء كلهم, فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم, وحرمت عليهم ما أحللت لهم, وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً ).

    ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب ) . فهذه كانت حال الناس قبل البعثة, ثم قال: ( وإنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك, وأنزلت عليك كتاباً تقرؤه نائماً ويقظاناً لا يغسله الماء )؛ ولهذا حفظه الله جل وعلا وجعله آيات في صدور الذين أوتوا العلم.

    فقوله جل وعلا: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2] إبانة لحال الناس, لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم صار الناس إما مؤمن ظاهراً وباطناً, وهم من آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام, وإما كافر ظاهراً وباطناً. والمؤمن ظاهراً وباطناً على ثلاث درجات ذكرها الله في قوله جل وعلا: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32] .

    فهؤلاء جميعهم مؤمنون ظاهراً وباطناً وإن كانوا متفاضلين, أو كافر ظاهراً وباطناً سواء كان بعبادة وثن أو بغير ذلك.

    ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ظهر قسم ثالث, وهم المؤمنون في الظاهر الكفار في الباطن؛ وهم الذين قال الله فيهم: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145], وهم المنافقون, فهذه هي الأقسام الواقعة.

    وبقي من حيث التقسيم العقلي قسم رابع, وهو: من يكفر ظاهراً وهو مؤمن باطناً, فهذه ليست حالاً لبني آدم إلا حالاً عارضة, كما في المكره المذكور في قول الله جل وعلا: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106] , لكن من حيث الأحوال غير العارضة فالناس على ثلاثة أقسام, وهذه الأقسام الثلاثة بينها الله في هذه السورة، فبدأ سبحانه بذكر المتقين، فقال: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2].

    ثم بعدما ذكر المتقين ذكر الذين كفروا, فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ [البقرة:6] , فهنا ذكر الكفار ظاهراً وباطناً، فيدخل فيه كفرة أهل الكتاب وكفرة العرب في الجاهلية وغيرهم.

    ثم بعد ذلك ذكر القسم الثالث, وبين صفتهم وحالهم ما لم يبين فيما سبق؛ تنبيهاً على سوء أمرهم, وأن حالهم مبني على الإخفاء, فصار كشف القرآن لحالهم أظهر من هذا الوجه, وهم الذين ذكرهم الله بقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:8] . فالسورة في أوائلها ذكر لأقسام بني آدم من جهة الديانة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون)

    قال تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3] , وهذا أصل من أصول الإيمان, وهو إيمانهم بالغيب.

    وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:3] , وهذا الجمع بين مقام التصديق ومقام الصلاة ومقام الزكاة هو من أخص الأوجه دلالة على أن الإيمان قول وعمل, قال تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة [البقرة:3] , والزكاة معروفة أوجبها الله على عباده مثل فريضة الصلاة.

    وتجد في القرآن أن الصلاة تذكر معها الزكاة تارة باسمها وتارة باسم النفقة, فحيث ذكرت باسمها فهذا بين, وحيث ذكرت النفقة فإن المقصود بها الزكاة, فالمقصود بقوله: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:3]: فريضة الزكاة؛ لأن هذا في بيان أصول الإيمان وأصول العمل, فتفسر النفقة لا بمطلقها بل بفريضة الزكاة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ [البقرة:4] وهو: القرآن وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة:4] , وهذا بيان أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فإنه ليس بدعاً من الرسل, بل بعثه الله بالحكمة التي بعث بها سائر الأنبياء, وإن كان الله جل وعلا فضله بتمام نبوته وختم النبوة به.

    والكتاب الذي نزل عليه لم يكن في شريعة نبي قبله, لكن أصول الأنبياء واحدة؛ ولهذا صار من أصول الإيمان الإيمان بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله من الكتب السماوية, ومنها التوراة والإنجيل التي أنزلها الله على موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام.

    وقوله: وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة:4], ذكر يقينهم باليوم الآخر مبايناً لما كان عليه العرب الذين زعموا أن لن يبعثوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون)

    قال تعالى: أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:5] أي: أنهم بإيمانهم واستجابتهم وتحقيقهم للإيمان قولاً وعملاً وعبادة أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:5], أي: على هداية الله سبحانه وتعالى وتوفيقه لهم.

    وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:5] أي: الفائزون, فالفلاح هو: الفوز, أي: الفائزون برضا الله جل وعلا وثوابه.

    نسأل الله التوفيق, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017233889

    عدد مرات الحفظ

    723912199