إسلام ويب

تفسير سورة الفاتحةللشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يفتتح القرآن الكريم بسورة هي من أعظم السور، وهي فاتحة الكتاب وأم القرآن والسبع المثاني والقرآن العظيم، وتعتبر خلاصة ما حواه القرآن الكريم من التوحيد لله ولأسمائه وصفاته، ومن توحيد الربوبية والألوهية، ومن انقسام الناس في عبادة الله بين من علم وعصى، ومن جهل وضل، ومن علم واتبع وهم أهل الصراط المستقيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    قال الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1]: البسملة آية من كتاب الله بإجماع العلماء, وإنما اختلفوا في كونها آية من كل سورة, أو أنها آية في أوائل السور وليست آية من السورة نفسها.

    وفيها قولان مشهوران: أحدهما: أنها آية من السورة نفسها, والثاني: أنها ليست آية من السورة, وإنما هي آية من كتاب الله.

    والصحيح: الإجماع على أن البسملة آية من القرآن, أما في سورة النمل فهذا ظاهر, وأما على الإطلاق حيث وردت فإنها آية من كتاب الله, وإنما محل الخلاف المحفوظ بين الصحابة في كون هذه الآية أول السور آية من السورة نفسها أو أنها آية واحدة حيث وجدت.

    وإلا فهي آية من كتاب الله بإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم, وقد ذكرها الله سبحانه وتعالى في سياق الآيات، كما في سورة النمل: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [النمل:30] . فهي على هذا في سياق القرآن نفسه من آيات القرآن نفسها.

    دلالة تسمية الفاتحة بالسبع المثاني والقرآن العظيم

    قال الله تعالى في هذه السورة وهي أعظم سورة في كتاب الله, وفيها قال النبي صلى الله عليه وسلم بياناً لقول الله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87], وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال لسورة الفاتحة: ( هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ).

    وسماها الله سبحانه وتعالى القرآن من باب تسمية البعض باسم الكل, وهذا لا يتأتى في اللغة ولا يتأتى في خطاب الشارع إلا فيما كان أصلاً؛ ولهذا ترى أن الفقهاء رحمهم الله صاروا يأخذون من مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الحج عرفة ) دليلاً على ركنية الوقوف بعرفة؛ لقوله: ( الحج عرفة )، فسمى البعض باسم الكل.

    وهذا يقوي أن قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة, سواء سميتها باصطلاح الركن أو سميتها باصطلاح الواجب, لكن على معنى الوجوب الشرعي العام تقول: إنها واجبة؛ لأن الفاتحة سميت الصلاة في الحديث: ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ), فسميت الفاتحة باسم الكل, وهو الصلاة, مثلما سمي الوقوف بعرفة بالحج، فقال صلى الله عليه وسلم : ( الحج عرفة ).

    وكذلك هنا قال عليه الصلاة والسلام: ( قال الله تعالى: قسمت الصلاة ) والمقصود بالصلاة هنا: فاتحة الكتاب, فهذا يدل على أنها لازمة في الصلاة؛ لأن الصلاة سميت بها, كما كان الوقوف بعرفة لازماً وركناً لما سمي الحج به.

    وكذلك في قول الله: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87] فهذا يدل على أنها أصل جامع في كتاب الله وهي كذلك, فهي أعظم سورة في كتاب الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين)

    جمع الله في سورة الفاتحة ذكر أصول الإيمان وأصول الشرائع؛ فقال الله تعالى في هذه السورة: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] , فهذا أصل الإيمان, وهو معرفة الله سبحانه وتعالى, فإن فيها الحمد له, وبيان أنه جل وعلا هو رب العالمين وهو المستحق للحمد وحده لا شريك له؛ ولهذا جاء في الصحيح: ( ليس أحد أحب إليه المدح من الله ) , كما في حديث عبد الله بن مسعود , فهو المحمود بالحمد الواجب له وحده لا شريك له.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الرحمن الرحيم)

    قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] , لما ذكر الله جل وعلا أنه رب العالمين بين سبحانه وتعالى في اسم الرحمن والرحيم ما كان من أفعاله في خلقه, فجمعت في هذين الاسمين؛ ولهذا قال كثير من السلف: (الرحمن) بالمؤمنين وغير المؤمنين, فهو رحمان بالعباد, و(الرحيم) يختص بالمؤمنين.

    فمن آثار رحمته سبحانه وتعالى ما أنزله من الرزق, وقضاه من الأسباب الكونية، فإنه رحمة بالخلق كافة، وكذلك ما أنزله من الشرائع فإنه رحمة بالخلق كافة, وما هدى الله له أهل الإيمان فإنه رحمة بالمؤمنين, كما أخبر سبحانه وتعالى عن نفسه.

    فقوله جل وعلا: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] تضمنت أفعاله في خلقه, فإن اسم (الرحمن) يدل على الرحمة دلالة مطابقة, ولكن اسم (الله) جل وعلا يدل بالمطابقة من حيث اللغة ويدل بالتضمن, فإن (الرحمن) يدل على الفعل بالتضمن ويدل على القدرة بالتضمن, ويدل على الحكمة بالتضمن, ويدل على جملة من الصفات بالتضمن.

    فقوله: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] بعد قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] لما ذكر أنه (رب للعالمين) وهي ربوبيته بين أوجه هذه الربوبية في خلقه, وأنه اختص المؤمنين بما اختصهم به فضلاً, وأعطى بقية خلقه منه فضلاً وعدلاً سبحانه وتعالى.

    ولهذا قامت الحجة على الخلق كافة بالأنبياء والرسل, قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:2-3].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (مالك يوم الدين)

    لما بين أن ما قضى من الأفعال في حقهم, المضمنة في قوله: رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:2-3] بين أن مآلهم إليه جل وعلا فقال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4], فهذا ذكر لابتداء أحوالهم، وانتهائها، كما قال جل وعلا: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد:3] , فهذا ذكر لكمال الرب جل وعلا, فهو الأول الذي ليس قبله شيء, والآخر الذي ليس بعده شيء, والظاهر الذي ليس فوقه شيء, والباطن الذي ليس دونه شيء, فهو مالك يوم الدين, وهذا مآل العباد. و(يوم الدين) هو: يوم القيامة على ما ذكره عامة السلف والخلف رحمهم الله.

    فقوله تعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] , فيه ذكر معرفة الله سبحانه وتعالى وربوبيته وإلهيته بقوله: (الحمد لله) والله هو: المعبود سبحانه وتعالى, وهو اسم يختص بالله, ولا يشتق منه لغيره بوجه من الوجوه؛ كما ذكره كبار أئمة اللغة والديانة كـ الخليل بن أحمد وغيره.

    فهو اسم يختص بالخالق سبحانه وتعالى، ولا يقبل أي وجه من الاشتقاق لغيره.

    (الحمد لله) الله هو المعبود, واسمه سبحانه وتعالى (الله) تضمن اختصاصه وحده لا شريك له بالعبادة, وتحقيق عبوديته؛ لكونه جل وعلا رب العالمين, وهذا جمع لمقام أسمائه وصفاته, ومقام ربوبيته وعبوديته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم)

    ثم قال بعد ذلك مبيناً الشرائع التي أنزلها على الرسل والمنهاج الذي هدى إليه العباد, قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] , فصار الخطاب من الخبر في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] فهذا خبر, الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] وهذا خبر, مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] وهذا خبر, ثم انتقل الخطاب في السياق إلى الطلب, فقال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] , فهذا فيه ذكر النبوات على سبيل التضمن, فما الصراط المستقيم إلا ما بعث الله به الرسل, فهذا فيه ذكر للكتب وللرسالة والنبوة على سبيل التضمن.

    ولهذا ترى أن هذه السورة ذكرت معرفة الله وحمده والثناء عليه, وذكرت عبوديته وهذا هو جامع الإيمان, فإن الإيمان: قول وعمل، وهو معرفة الله وعبوديته سبحانه وتعالى.

    فالكتب والنبوة متضمنة وإن لم يصرح بذكرها، لكنها متضمنة في قوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6], فإن الصراط المستقيم هو: دين الأنبياء: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الشورى:13] , ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا [الجاثية:18] .

    فتضمن قوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] ذكر مقام النبوة ومقام الكتب السماوية؛ لأنها هي الصراط المستقيم؛ ولهذا لا يقع في الشريعة أن يكون ثمت صراط مستقيم أو أن يكون الصراط المستقيم على خلاف الكتاب والسنة، وكذلك في دين سالف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

    وذكر الصراط معرفاً؛ لأنه واحد؛ ولأن الحق الذي بعث الله به الرسل واحد؛ ولأن الفروع حتى في شريعة النبي الواحد إنما هي من عند الله واحدة وإن وقع الاجتهاد والاختلاف في بعض الفروع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)

    قال تعالى: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] .

    فذكر المنعم عليهم وهم المؤمنون، وبين الله سبحانه وتعالى أن الهداية نعمة من عند الله جل وعلا؛ ولهذا وصفوا بالمنعم عليهم في هذا المقام, وهم المؤمنون في مقام آخر.

    إبطال مذهب القدرية بقوله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم)

    وقوله تعالى: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7] أضيف الصراط إليهم, فإضافة الصراط إليهم دليل على أن لهم فعلاً وإرادة, وهو إيمانهم الذي أمرهم الله به.

    وذكر نعمت الله في قوله تعالى: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7] بيان أنهم لم يختصوا بفعلهم عن ربهم, وأنما فعلوه وقاموا به فهو توفيق وفضل ونعمة من الله, فهذا فيه جمع لمقام الشرع ومقام القدر, وبيان أن الإنسان ليس مجبوراً لكونه أضاف الصراط إليهم, إذاً: فهم مختارون في سيرهم على هذا الصراط, وبين أنهم ليسوا مستقلين بأفعالهم كما تقول القدرية بقوله: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7] فهو اجتباء من الله.

    التحذير من التفريق بين العلم والعمل بقوله: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)

    ثم قال تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، روي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي عليه الجماهير من المفسرين: ( اليهود هم: المغضوب عليهم، والنصارى هم: الضالون ) , فهذا من جهة المرفوع, لكن من جهة المعنى فإن اليهود فاتهم العمل بالعلم, والنصارى فاتهم المعرفة وعبادة الله حيث عبدوا الله على ضلالة, فعلم أن جماع الدين تحقيق العلم وتحقيق العمل, وعلم أن العلم أصل بذاته, وأن العمل أصل بذاته, وعلم أنه لا يناسب أن يقال: العلم وسيلة -إذا أريد علم الشريعة- وليس غاية.

    بل عند التحقيق لا يتأتى الانفكاك بين العلم والعمل إلا في التصور النظري, بمعنى: أن العامي الذي لا يقرأ ولا يكتب ولم يتعلم العلم الشرعي إذا صلى فإنه صلى بعلم, أليس يعلم أن الركوع يكون قبل السجود؟! فهذا علم. فهو يعلم أن صلاة الظهر أربع ركعات, وهذا جزء من علم الشريعة.

    إذاً: لا يتأتى انفكاك العلم عن العمل إذا وقع ديانة.

    فمن ترك العمل، كما قال سفيان بن عيينة : من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود, ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى.

    وقوله: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] إغلاق للابتداع في الدين, فما ذكر من هذه الإشارات والمعاني في هذه السورة التي هي أعظم سورة في كتاب الله يكون هو تمام أو ختام التعليق على هذا القدر اليسير من معاني هذه السورة الشريفة.

    وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016887648

    عدد مرات الحفظ

    723869432