إسلام ويب

سلسلة تأملات قرآنية تأملات في سورة الإسراء [2]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرآن الكريم مليء بالعجائب، ومن تأمل في آياته وجد من العلم ما لا يجده في غيره، وسورة الإسراء من أعظم سور القرآن التي تتضمن آيات عظيمة وتاملات عميقة.

    1.   

    وقفة مع قول الله تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً)

    الحمد لله خالق الكون بما فيه، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاءً أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فقد مضى القول: أن سورة الإسراء جملة سورة مكية وأن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه كان يسميها من العتاق الأول، ويقول: إنها من تلادي أي: من القديم الذي أخذته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر إلى المدينة، ومعلوم أن ابن مسعود كان ملازماً للنبي عليه الصلاة والسلام كثيراً، وأخذ عنه كثيراً من القرآن، وقد عده عليه الصلاة والسلام أحد من يؤخذ عنهم القرآن رضي الله عنه وأرضاه.

    وقلنا: إن هذه السورة تسمى -كذلك- سورة بني إسرائيل، فلها عند العلماء اسمان شهيران: اسمها المدون في المصحف اليوم: سورة الإسراء، والاسم الآخر: سورة بني إسرائيل، كما بينا أنها سورة مكية، لكن بعض آياتها مدنية.

    وسوف نتحدث الآن عن قول الله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].

    فنقول: ورد ذكر البصر في كلام الله جل وعلا كثيراً، إلا أنه في آية أو آيتين أو ثلاث على الأكثر قدم البصر على السمع، وفي كثير منها يقدم السمع على البصر.

    والبصر جاء في القرآن على صورة الإفراد وجاء على صورة الجمع، أما السمع فلم يرد إلا على صورة الإفراد.

    والطب الحديث يشهد أن المولود الجنين الصغير يسمع أولاً ثم بعد ذلك يبصر، فحاسة السمع عندهم مقدمة عملاً على حاسة البصر، والله جل وعلا قال: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا [مريم:38]، وإنما ذكر البصر مقدماً في عرصات يوم القيامة؛ لأن الإنسان يرى قبل أن يسمع إذا بعثر ما في القبور وحشر الناس، لذلك قدم الله في آية الكهف البصر على السمع، أما قول الله جل وعلا: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، فهذا من جنس ما في القرآن من وعيد وتحذير للعباد، وأن الناس مكلفون وأن الله جل علا سائلهم عما استرعاهم عليه.

    1.   

    تأملات في قول الله تعالى: (ولا تمش في الأرض مرحاً...)

    ثم قال الله جل وعلا: وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [الإسراء:37].

    هذه الآية أصل في ذم الكبر، والكبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: كبر على الله، وكبر على الرسل، وكبر على سائر الخلق.

    أما الكبر على الله وعلى رسوله فهو مخرج من الملة، بل إن الكبر على الله أعظم الكفر، ومما ورد في القرآن قول فرعون: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، وقوله: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، وقول النمرود : قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة:258]، فهذا من الكبر على الله جل وعلا، ولم يعرف عبر التاريخ الإنساني إلا في أفراد معينين تكبروا على الله ووصلوا إلى هذه المرحلة وادعوا الألوهية.

    أما الكبر على الرسل فهو عامة ذنوب الأمم، قال الله جل وعلا عن بعض الأمم: أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا [التغابن:6]، وقال عن آل فرعون: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا [المؤمنون:47]، وقال عن كفار قريش: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31]، فالكبر على الرسل عامة ذنوب الأمم وهو مخرج من الملة.

    أما الكبر على الناس فالأصل: أنه غير مخرج من الملة، لكن قد تقع حالات تكون متلبسة بانتقاص الله جل وعلا أو انتقاص رسوله فتكون مخرجة من الملة، وإلا فالأصل أنه غير مخرج من الملة، لكنه من أعظم الذنوب، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، وتخريج الحديث -على معتقد أهل السنة أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار إذا ماتوا على التوحيد- على أنه لا يدخل الجنة ابتداءً.

    ثم قال الله جل وعلا: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء:38]، (كل) جاءت مضافة إلى اسم الإشارة (ذلك).

    و(ذلك) عائد على جملة ما تقدم من قوله سبحانه: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الإسراء:22]، وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32]، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ [الإسراء:31].

    وما مضى من كل ذلك فيه السيئ وفيه الحسن، ولهذا قيد الله فقال: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء:38]، ولم يقل كله؛ لأنه يوجد فيه شيء حسن.

    وكلمة (مكروهاً) هنا بمعنى: محرم، ليس بمعنى المكروه في اصطلاح الفقهاء، وإنما هو محرم أشد التحريم، ولذلك نهى الله جل وعلا عنه.

    1.   

    تأملات في قول الله تعالى: (وإذا قرأت القرآن جعلنا...)

    قال تعالى: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا [الإسراء:39]، إلى أن قال سبحانه: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا [الإسراء:45-46].

    ذكر الله جل وعلا هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن جعل الله بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً، وهذا الحجاب يحتمل أحد معنيين:

    المعنى الأول: أن يكون حجاب رؤية، بمعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن لا يتمكن كفار قريش من رؤيته وإيذائه، وهذا المعنى يدل عليه ما في الأحاديث من أن أم جميل التي جاءت في القرآن بأنها حمالة الحطب حملت فهراً -يعني: حجراً كبيراً- وأرادت أن تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يجلس بجوار أبي بكر فجاءت وهي تولول وتقول: مذمماً عصينا، ودينه قلينا، وأمره أبينا. فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: لو تواريت عنها فإنها امرأة بذيئة اللسان، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنها لن تراني)، وأخذ يقرأ القرآن، فجاءت أم جميل فكلمت أبا بكر وتخاطبت معه وسألته عن النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي بجوار أبي بكر وهي لا تراه.

    وقد قال العلماء: إن هذا الأمر مجرب، وقد حكاه بعض الصحابة، ونقل القرطبي رحمه الله صاحب التفسير -وكان أندلسياً يسكن في غرناطة- قال: إنه خرج من أحد القصور وتبعه أهل أسبان آنذاك يريدون قتله، حتى جاء في أرض عراء فأخذ يقرأ بعض آيات القرآن، وهي آيات في الجاثية والنحل والكهف ويس.. كلها فيها كلمة: أَكِنَّةً [الإسراء:46]، قال: وهم يعدون أمامي ثم يقول بعضهم لبعض -بلغتهم وهو يعرفها-: إنه شيطان يعني: اختفى. وهذا انتشر عند العلماء في كثير من الأخبار الثابتة عنهم رحمة الله تعالى عليهم. هذا المعنى الأول للآية.

    والمعنى الثاني: أن يكون المعنى: جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [الإسراء:45]، أي: شيئاً على قلوبهم فلا يفقهون القرآن ولا يقبلونه. والراجح -والله أعلم- هو المعنى الأول؛ لأن الله قال بعدها: وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [الإسراء:46]، فلا حاجة لإيراد معنيين متتابعين، فيصبح المعنى الأول أرجح، والعلم عند الله جل وعلا. والمقصود: أن القرآن جملة مما يحفظ الله جل وعلا به عباده.

    1.   

    تأملات في قوله تعالى: (وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس...)

    ثم قال سبحانه وتعالى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا [الإسراء:60].

    تقدم معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وقلنا: إنه يوجد قول للبعض أن الرؤيا رؤيا منامية، ورددنا على هذا، وهذه الآية إحدى الحجج عند من يقول: إن الإسراء كان رؤيا منامية.

    والله جل وعلا يقول هنا: وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ [الإسراء:60]، كلمة (الناس) هنا لفظ عام يراد به الخاص، والمقصود به كفار قريش على الأظهر، والمعنى: أن الله يخبر نبيه أنه سبحانه محيط بأمر هؤلاء، وأن أمرهم ومردهم إلى سفال ووبال، كما حصل في بدر.

    أما الشق الثاني من الآية: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء:60]، الذين احتجوا بأن الإسراء كان مجرد رؤيا منامية قالوا: إن (رؤيا) في لغة العرب مصدر من الفعل رأى، وهذا محل اتفاق، فالفعل رأى يأتي المصدر منه بصيغتين، إما أن يقال رأى رؤيا بالألف، وإما أن يقال: رأى رؤية بالتاء المربوطة.

    قالوا: إن رؤية بالتاء المربوطة يعنى بها الرؤيا البصرية، ورؤيا بالألف يراد بها الرؤيا المنامية التي يسميها الناس أحلاماً، وقالوا: من الأدلة على ذلك قول الصديق يوسف لما رأى الرؤيا: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:100]، ولم يقل: هذا تأويل رؤية، وهذه حجة من يقول: إن الرؤيا كانت منامية.

    ونحن نقول: إن الإسراء كان حقيقة، والرد على هذا من طريقين: الطريق الأول: تفصيل الآية، والطريق الثاني: التقعيد، ونبدأ بالتقعيد العلمي، فنقول: إن العالم يأخذ بأصل، ثم إذا عارض هذا الأصل شيء من الشبهات لا يرد الأصل ويدفعه إلا بأصل مثله، ولا يرده بشبهة، لأنه لا يوجد شيء لا تقع فيه شبهات لكن يبقى على الأصل حتى يأتيه أصل مثله يدفعه، هذا التقعيد العلمي.

    أما شرح الآية الذي سيجلو الخطاب، فإن الله يقول: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء:60]، أي: يا نبينا! ما جعلنا الرؤيا إلا لنختبر الناس ونفتنهم، فلو كانت رؤيا منامية لم يكن فيها فتنة للناس؛ لأنه ليس النبي صلى الله عليه وسلم فقط هو الذي يرى في المنام، بل كل الناس ممكن أن يروا هذه الرؤيا، فلا يعقل أن القرشيين يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم وتصبح منقبة لـأبي بكر أنه صدق النبي صلى الله عليه وسلم في رؤيا منامية، هذا أمر لا يعقل أن يكون اختباراً وفتنة.

    ثم إن الأصل الذي نستمسك به جملة الأحاديث المتواترة معنى ورواية ودراية على أن الله جل وعلا أسرى بنبيه، وقول الله جل وعلا لكفار قريش: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى [النجم:12]، وقوله جل وعلا: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:1]، فهل يقول الله في رؤيا منامية يراها البر والفاجر والمؤمن والكافر: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:1]، فلا يعقل أن يدفع هذا الأصل بشبهة المصدر في رؤيا.

    الثالث: أنه ورد في كلام العرب التعبير برؤيا عن الرؤية البصرية، وإن كان قليلاً.

    ثم قال الله: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [الإسراء:60].

    الشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم، والآية فيها تقديم وتأخير، والمعنى أن الآية مقصودها: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس، فتكون الفتنة بأمرين: الأول: رحلة الإسراء والمعراج، والثاني: الشجرة الملعونة في القرآن.

    أما الفتنة في رحلة الإسراء والمعراج فلا شك أنه اختبار للناس أن يأتي رجل يقول: إنني البارحة ارتحلت من مكة إلى بيت المقدس في بضع من الليل، وهم يضربون إليه المطي في أربعين ليلة.

    وهذا من حيث العقل يرد، لكن يقبل بالقلب، ونحن نؤمن بقلوبنا قبل أن نؤمن بعقولنا، ولما قيل لـأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه أتؤمن بهذا القول؟ قال: إنني أصدقه فيما هو أعظم من ذلك.. أصدقه في الخبر يأتيه من السماء، فإذا جاز أن أصدقه أن الوحي يأتيه من السماء فمن باب أولى أن أصدقه أنه يغدو في برهة من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. هذه الفتنة في الرؤيا التي في رحلة الإسراء والمعراج.

    أما الفتنة في شجرة الزقوم فإن الله قال عن شجرة الزقوم: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ [الصافات:64]، أي: في النار، والعقل يرد هذا؛ لأن الشجر لا ينبت في الأرض اليابسة فكيف ينبت في النار، لكن هذا المنطق تعامل به القرشيون بالعقل ولم يتعاملوا معه بالقلب فكذبوه، حتى قال ابن الزبعرى -ويقال: إن القائل أبو جهل -: لا نعرف الزقوم إلا الزبد مع التمر فقوموا بنا نتزقم أي: نطعم الزبد مع التمر، فقال الله لنبيه: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [الإسراء:60]، فالأمر يتضح بكل يسر وسهوله إذا نظر إليه الإنسان بقلبه لا بعقله البسيط، حتى لو استخدم العقل فإن الذي منح الشجرة أن تنبت في اليابسة قادر على أن يجعلها تنبت في أصل الجحيم، والمثال ينطبق على نار إبراهيم، فإن الرب جل وعلا هو الذي أعطى النار خصيصة أن تحرق، فلما وضع فيها إبراهيم منع الله جل جلاله النار أن تعطى تلك الخصيصة، فهو الذي جعل النار ذات قدرة على الإحراق، وهو ربها وخالقها، فقال لها سبحانه: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا [الأنبياء:69]، فمنعت خصيصتها وتحولت إلى خصيصة أخرى بأمر ربها ... برداً وسلاماً على إبراهيم، فخرج عليه السلام يمشي على قدميه والناس ينظرون، هذا معنى قوله جل وعلا جملة: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [الإسراء:60].

    1.   

    وقفة مع قول الله تعالى: (ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً)

    قال سبحانه: وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا [الإسراء:60].

    الله جل جلاله يخوف بكل شيء، والناس يرون الأمور فيختلفون فيها، فقد يخسف القمر فيكون الإنسان في بيته لا يدري أن القمر خسف، وآخر يلعب الورق فينظر إلى القمر وقد خسف فيقول لأصحابه: انظروا إلى القمر قد خسف، ثم يكمل لعبته، وقد يكون الإنسان في غرفته عاكفاً على محرم فيقدر له أن يفتح النافذة فيرى القمر وقد كسف فيتعجب ويغلق النافذة، ويراه إنسان يحب البحث العلمي فيأخذ الآلة ويصور، ويراه إنسان يحب المسائل الحسابية فيدون، ويراه مؤمن -جعلنا الله من أهل الإيمان- فيعلم أنها آية يخوف الله جل وعلا بها عباده، ويفزع إلى المسجد إن كان قريباً منه، أو إلى مصلاه في بيته فيصلي، كما فزع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه في مسجده، فلما كسفت الشمس خرج صلى الله عليه وسلم يجر رداءه حتى إنه ورد أنه صلى الله عليه وسلم من عجلته لبس الإزار مكان الرداء ثم خرج يجر ردائه صلوات الله وسلامه عليه وهو يعلم يقيناً أن الأرض لن تهلك وهو حي؛ لأن الله جل وعلا جعله أمنة للأمة: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال:33]، ومع ذلك لما رأى تلك الآية صلوات الله وسلامه عليه خرج فزعاً إلى الصلاة.

    والمقصود: أن الله يقول هنا عن مشركي قريش: وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا [الإسراء:60]، وجبار القلب -عياذاً بالله- من لم يعرف الله، حيث يسمع المواعظ ويقرأ عليه القرآن ويذكر بالله، ويرى الشمس تكسف، والقمر يخسف، ويرى الزلازل، والبراكين، ويرى الفيضانات ولا يتغير في قلبه شيء، بل يزيده طغياناً يخرج منه إلى معصية أكبر، وهذا هو الفرق بين من وهب قلبه لله ومن وهب قلبه لغير الله، قال الله جل وعلا عن الراسخين في العلم: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ * رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:7-8].

    1.   

    تأملات في قول الله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم...)

    قال سبحانه: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:61-62].

    مر معنا كثيراً قضية ما كان من خلق الله لآدم وأمره للملائكة بالسجود له وامتناع إبليس، ونتكلم هنا عما لم نتكلم عنه فيما سبق.

    يقول الله: إنه قال للملائكة اسجدوا فامتنع إبليس وقال يخاطب ربه: أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ [الإسراء:62]، وهذا استفهام، أي: أخبرني لماذا كرمته علي؟ وكان المفروض أن ينتظر إبليس جواب رب العزة، لكن إبليس استعجل وقال: أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:62].

    الحنك: أسفل الحلق، والعرب تضع الرسن -الحبل- للفرس مع حنكه حتى يسهل عليها أن تقوده ميمنة وميسرة، ومعنى الآية: إنني سأستولي على من خلقت، وإبليس لم يكتف بعداوته حسداً لآدم بل تجاوزه إلى ذريته.

    وقول إبليس: ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:62]، هذا من الظن الذي أصاب فيه، والدليل أن الله جل وعلا أخبر أن إبليس أصاب في هذا الظن فقال سبحانه: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ:20]، فإبليس قال: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:62]، فعلم إبليس وقال: بظني أن أكثر الذرية سيسيطر عليها إلا قليلاً. فقال الرب جل شأنه: قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا [الإسراء:63]، نقول: (اذهب) هنا ليست الفعل الذي هو ضد المجيء، وإنما معناه: امض لشأنك، والأمر هنا غرضه البلاغي الإهانة، أي: مهما فعلت فلن تصد أوليائي عن ديني، أي عن دين الله.

    1.   

    تأملات في قول الله تعالى: (واستفزز من استطعت منهم...)

    قال الرب جل وعلا: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [الإسراء:64].

    وهذه الأربع المقصود من الأمر فيها: التهديد، ومعنى (استفزز) أي: استخف، ولا يطيع الشيطان إلا من فيه خفة في العقل؛ لأن الاستفزاز الاستخفاف، والإنسان إذا كان ثقيلاً لا يستفزه شيء فهذا أمر محمود، وأعظم منه ألا يقع في المغريات، كأن يكون تاجراً من التجار يظل وقتاً طويلاً لا يبيع شيئاً فإذا أتاه مشترٍ ليشتري منه يأتيه الشيطان بوسوسته لاستفزازه ويقول له: انتهى الوقت ولم تربح شيئاً فغش هذا الرجل واحصل على ربح كبير، فيغش ويخدع ويظن أن هذا المال رزق حلال.

    وهكذا فكل إنسان يتلبس بشيء يمتحنه الله جل وعلا ويختبره فيه إن كان حقاً فحق وإن كان باطلاً فباطل، حتى من يعلن التوبة ما إن يخرج من المسجد، أو من المحاضرة أو من الخطبة إلا ويتصل به رفيق السوء، ويعرض عليه فيلماًً، أو يعرض عليه دخاناً، أو يعرض عليه شيئاً محرماً ليعلم هل قالها عن حقيقة فيثبت، أو قالها عن ضعف وعجز فينجرف، أعاذنا الله من ذلك وثبتنا على هديه؛ هذا المعنى العام لهذه الآية.

    1.   

    تأملات في قول الله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر...)

    قال سبحانه: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء:70].

    الأصل أن يقال: إن الله جل وعلا كرم بني آدم بأمور شتى ذكر منها العلماء أشهرها وهي نعمة العقل الذي يميز به المرء النافع من الضار، ومن أوتي نعمة العقل فقد أوتي خيراً عظيماً وفضلاً كبيراً، ولذلك جعل الله جل وعلا العقل مناط التكليف، يقول صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يكبر) ؛ لأن عقله لم يتم، (وعن المجنون حتى يعقل) ؛ لأن جنونه يمنعه من استخدام عقله، (وعن النائم حتى يستيقظ) ؛ لأن النوم سلطان على العقل، والمؤمن مثلاً: قد يكون شديد المرض، لكن ما دام يعي ويعقل يكلف بالصلاة، وقد يكون مرضه في عقله فلو كان صحيح البدن لا يكلف بالصلاة؛ لأن العقل مناط التكليف.

    إن الأصل أن الإنسان يميز بعقله كل شيء، وهو من أعظم ما كرم الله به بني آدم.

    ومما كرم الله به بني آدم أن جعلهم هامة قائمة ولم يجعلهم كالدواب منتكسين.

    ومما كرم الله به بني آدم أنهم يأكلون بأيديهم ولا يتناولون طعامهم بأفواههم كسائر الدواب.

    والله جل وعلا يفاضل حتى بين الدواب، فالعلماء يقولون: إن من أعظم الدواب ممن أكرمه الله الكبش والنعجة فإن الله جل وعلا ستر عورتهما عن الخلق أجمعين، مع أن سائر الدواب ظاهرة العورة للعيان.

    ومن تكريم الله لبني آدم: أن الله حملهم في البر والبحر ورزقهم من الطيبات وفضلهم على كثير ممن خلق.

    1.   

    تأملات في قول الله تعالى: (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم...)

    قال سبحانه: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71]، وهناك وقفة علميه ووقفه إيمانية مع هذه الآية.

    اختلف العلماء رحمهم الله في المقصود بقوله جل وعلا: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71]، أما اليوم فهو يوم القيامة قطعاً، والداعي هو الله.

    بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71]، قال العلماء: فيها ثلاثة أقوال شهيرة، وقول غير شهير، لكن القائل به عالم كبير، وسنبين هذا تفصيلاً.

    قالوا: إن المقصود بكلمة إمام: الكتاب، ثم إن القائلين بأن المقصود بكلمة إمام الكتاب انقسموا إلى قسمين: قسم يقول: إن المقصود الكتاب الذي أنزل على الأمة التي يتبعها ذلك الشخص، والمعنى: ندعو: يا أهل القرآن، يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل، يا أهل الزبور.

    وقال آخرون: إن المقصود كتاب الأعمال، وهؤلاء حجتهم قول الله جل وعلا: وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12]، فسمى الله الكتاب إماماًً وهذا عليه أكثر العلماء؛ هذا القول الأول.

    الفريق الثاني قالوا: (بإمامهم) أي: بنبيهم، فيقال: يا أتباع موسى، يا أتباع إبراهيم، يا أتباع محمد، يا أتباع يوسف، يا أتباع يعقوب، ويؤيده قول الله جل وعلا في أهل الإشراك: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [القصص:41].

    القول الثالث: أن الإمام هي الأعمال أنفسها، فينادى كل إنسان بعمله، وأكثر العلماء يدور قولهم في هذا الفلك.

    وقال بعض العلماء: إن المقصود بإمامهم أي: بأمهاتهم، والمعنى: أن الإنسان ينسب يوم القيامة إلى أمه ولا ينسب إلى أبيه، ثم قالوا: يكون هذا لحكم:

    منها: أن فيها تكرمة لعيسى بن مريم.

    ومنها: أن فيها ستراً على أولاد الإثم.

    وهذا القول منسوب إلى محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه ورحمه، وهو أحد سادات التابعين، وأصله يهودي من بني قريظة، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة لم يقتل من لم ينبت من الغلمان، وهذا أبوه كعب كان ممن لم ينبت يوم قريظة فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فكبر وأسلم وتزوج وأنجب محمداً هذا، فأصبح من سادات التابعين ومن أئمة التفسير، وكان جليل القدر عند الناس، وممن يغلب على الظن آنذاك أنه كان مجاب الدعوة، وقد حصل له ذات مرة مال كثير، فقال له أقرانه: ادخره لولدك، قال: إنما أدخره لنفسي عند ربي، وأدخر ربي لولدي، فادخر الله لولده بالعمل الصالح، ولم يدخر المال للولد.

    ولا يمكن أن يقدم الأب لأبنائه عطية أعظم من العمل الصالح، قال الله جل وعلا: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21]، إن الرجل إذا مات على خير فأول من يتعزى بموته أبناؤه، فإذا كان يوم القيامة وأدركه الأبناء على خير جمع الله جل وعلا بين الآباء والأبناء في جنات النعيم.

    هذا هو محمد بن كعب القرظي رحمه الله صاحب القول، وأنا تعمدت أن أذكر سيرته حتى لا ترد القول وأنت تجهل قائله، صحيح أن هذا القول فيه نظر، حتى قال الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان: هذا قول باطل.

    والذين قالوا: إنه قول باطل حجتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيح مرفوعاً عن ابن عمر : (يقال يوم القيامة: هذه غدرة فلان بن فلان)، ونحن نقول والعلم عند الله: إن قول القرطبي أيسر أن يقال فيه نظر، أما قول الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه على جلالة قدرة وفضله وعلمه أنه قول باطل كلمة فيها شيء من الصعوبة، وإن كان الشيخ رحمه الله لا يقصد القدح في القائل وإنما يقصد القول، ولذلك قال: هذا قول باطل ولم يتعرض الشنقيطي رحمه الله للقائل، لكن نقول: لو قال فيه نظر تكون أرق، والعلم عند الرب تبارك وتعالى، هذه الوقفة العلمية.

    أما الوقفة الإيمانية: فإن يوم القيامة يوم جليل القدر عظيم الخطب تعرض فيه الصحائف على العباد، وقد جاءت به أحاديث كثر يشيب لها الغلمان، والمقصود: أن أي عمل كان منك في ليل أو نهار، في ظلمة أو ضياء، فهو مدون عليك، ويوم القيامة كما أخبر الله -ولا يجهل هذا أحد من المؤمنين- يعطى الإنسان صحيفة عمله فيرى ذنوبه كلها، إلا أن الكافر يراها كلها فيقول: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف:49].

    أما المؤمن فإن الله جل وعلا يستره ثم يعرض عليه كتابه فيريه صغائر الذنوب، ويخفي عنه كبارها حتى يقرره على الصغائر فلا يردها ويعترف بها واحداً واحداً، وهذا حديث صحيح، فيقول في آخر الأمر عندما يرى أن الله لا يعرض عليه الكبار: يا رب قد بقيت ذنوب لا أراها هنا! فيقول الله جل وعلا: إنني قد سترتها عليك في الدنيا وإنني أغفرها لك في الآخرة.

    وهذا محمول والعلم عند الله على التائبين، فمن تاب تاب الله جل وعلا عليه، والله جل وعلا أكرم وأرحم وأعظم وأجل وأغنى من أن يتوب على مؤمن في الدنيا من ذنب أياً كان ثم يوبخه عليه يوم القيامة، هذا لا يقع من كرام الملوك والسلاطين والأمراء، فكيف يقع من أرحم الراحمين جل جلاله.

    1.   

    تأملات في قول الله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل...)

    قال الله جل وعلا: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78].

    هذه الآية إلى مسار الفقه أقرب.

    أولاً: أجمع المفسرون على أن المقصود بهذه الآية الصلوات الخمس، والصلوات الخمس أربع منهن متعاقبات، بمعنى أنه لا تفصل واحدة عن الأخرى في الوقت.

    وتبدأ الصلوات من الظهر، وقد مر معنا أن صلاة الظهر أول صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم فريضة، حيث نزل جبريل فأمه عند الكعبة بصلاة الظهر، وما إن ينتهي وقت صلاة الظهر حتى يدخل وقت صلاة العصر، وينتهي وقت صلاة العصر بغروب الشمس وهو دخول وقت صلاة المغرب، وينتهي وقت صلاة المغرب بغياب الشفق، وهو غياب الهلال الليلة الثالثة من كل شهر، فيدخل وقت صلاة العشاء فيمتد حتى نصف الليل كوقت اختيار، وإلى ثلث الليل الثاني كوقت اضطرار، ثم ينقطع وقت الصلوات، فيبقى من ثلث الليل الثاني إلى طلوع الفجر الصادق ليس وقت فريضة.

    ومع طلوع الفجر الصادق يدخل وقت الفجر إلى طلوع الشمس، ثم من طلوع الشمس إلى زوال الشمس الذي هو دلوك الشمس لا يوجد صلاة فريضة، فأصبحت أربع متعاقبات وواحدة مفصولة، فالله يقول: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78]، أي: زوالها على الأظهر.

    إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ [الإسراء:78]، أي: اجتماع ظلمته واشتدادها.

    وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78]، (قرآن) إما أن تكون منصوبة بالفعل المضمر المعطوف أي: وأقم قرآن الفجر، وإما أن تكون منصوبة على الإغراء فيصبح المعنى: عليك بقرآن الفجر، وقد قال العلماء: إن الله قال: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78]، مما يدل على أن القراءة في صلاة الفجر ركن مهم جداً، كما دل قوله سبحانه: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78]، على أن الأصل في صلاة الفجر الإطالة. وقد يعرض عارض ينقلها عن الإطالة كما نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر بالمعوذتين في سفر، لكن الأصل أنه كان يقرأ فيهما ما بين الستين ومائة وعشرين آية، وقرأ فيهما ذات مرة في الركعة الأولى بـقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1]، حتى وصل إلى الآية التي فيها ذكر موسى وهارون فأخذته بحة صلوات الله وسلامه عليه فركع.

    وكان أبو بكر رضي الله عنه ممن يطيل القراءة في صلاة الفجر، لكن قلنا قد يعرض عارض فيقرأ الإمام تخفيفاً، كقراءة بعض الأئمة أيام الامتحانات وما أشبه ذلك، ويحسن من الإمام أن يخفف إذا كان يعلم أن وراء الناس قضية مهمة.

    ورد عن الشيخ عبد العزيز بن صالح في الحرم أنه في صلاة العيد كان يقرأ سورة الرحمن في الفجر، يطيل ويقرؤها ترتيلاً؛ ولكن لا يحسن أن يطيل الأئمة في بعض المساجد كما يطيلون في الحرم؛ لأن الذين في الحرم ليس وراءهم شيء، إنما ينتظرون الصلاة الأخرى، ولن يخرجوا، لكن لو قدر أن أحد الأئمة يوم العيد أطال على الناس في صلاة الفجر وقرأ سورة المؤمنون مثلاً فسوف يغضب الناس لأنه لم يدع لهم وقتاً يخرجون فيه حتى يغتسلوا ويذهبوا إلى صلاة العيد، لكن يكون هذا الأمر محموداً لو كان الناس سيصلون العيد في نفس المصلى، كما في الحرمين.

    فعلى الإنسان أن يفقه الدين ويفقه أحكام الفقه قبل أن يتصدر في إمامة الناس، ويعرف متى يطيل ومتى يقصر!

    نقول: إن الأصل في قرآن الفجر الإطالة، والعلماء يقولون: إن أطول الصلاة التي يقرأ فيها: الفجر، ثم الظهر، ثم العصر والعشاء، ثم المغرب، ويقرنون بالظهر صلاة الجمعة.

    فالأصل في صلاة المغرب التخفيف، والأصل في العصر والعشاء التوسط، والأصل في الظهر أن تكون طويلة نسبياً.

    وقد دلت السنة على أن أطول الصلوات صلاة الفجر، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام تفسيراً لقوله جل وعلا: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، أن قرآن الفجر تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، وهنا أخذ العلماء فائدة وقالوا: بما أن صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل والنهار، فصلاة الفجر لا توصف بأنها من صلاة الليل ولا توصف بأنها من صلاة النهار، والعلم عند الله.

    1.   

    تأملات في قول الله تعالى: (ويسألونك عن الروح قل الروح...)

    قال جل وعلا: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].

    الروح وردت في القرآن بمعنى القوة، ووردت بمعنى الوحي، رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52].

    ووردت في القرآن اسماً لجبريل، ووردت صفة لعيسى بن مريم أو اسماً له.

    ووردت في هذه الآية: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [الإسراء:85]، واختلف العلماء في معناها، لكن أظهر الأقوال: أنها الروح المتصلة بالبدن، لكن الله لم يذكر في كتابه قضية الروح بمعنى: أنها متصلة بالبدن، إنما يسميها: نفساً، قال تعالى: وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:2]، إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف:53]، يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر:27]، فلم يقل في القرآن (روح) للنفس داخل الجسد، ولهذا نقول: إذا خرجت من الجسد تسمى روحاً، والنبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: مر على ملأ من يهود فقال بعضهم لبعض: سلوه، قالوا: يا أبا القاسم ما الروح؟ فاتكأ صلى الله عليه وسلم على عسيب نخل ومعه عبد الله بن مسعود ، فأنزل الله جل وعلا: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].

    فالله جل وعلا يقول: إن الروح من أمره، ويقول: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، بمعنى ليس من السهل أن نتكلم عنها.

    لكن نذكر فوائد: العلماء يقولون: إن الروح لها في البدن خمس اتصالات: تعلق حال كونه جنيناً، وتعلق حين خروجه، وتعلق حين منامه، وتعلق في البرزخ، وتعلق بعد البعث والنشور. فيكون الاتصال اتصالاً كلياً، أما الاتصال الموجود حالياً ففيه شيء من الانفكاك، بدليل أن الإنسان ينام وترتفع روحه؛ هذه فائدة.

    الفائدة الثانية: ما يجري من الأحكام على الأجساد لا يجري على الأرواح، فمثلاً: الجسد بطيء الحركة، ومع ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو الصادق المصدوق: (إنه صلى بالنبيين إماماً في المسجد الأقصى) ، ثم هؤلاء النبيون بعضهم صلى وراءه ثم لقيه في السموات، فقد رأى صلى الله عليه وسلم أرواحهم؛ لأن أجسادهم موجودة في الأرض لم تبعث، ومع ذلك فالأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، فروح نبينا صلى الله عليه وسلم في أعلى عليين لكن جسده في حجرة عائشة .. في مدفنه إلى اليوم.

    فنقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أرواحهم، ولهذا يقول العلماء: إن تنقل الأرواح لا يجري عليه نفس الحكم الذي يجري على تنقل الأجساد.

    أما كيف تتنقل فالله أعلم، قال تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36]؛ لأن هذا أمر لم نحط به علماً ولم يخبرنا الله جل وعلا به.

    إن العلماء يقولون: إن أرواح الموتى تتلاقى، وقد دلت على هذا آثار ورؤىً للصالحين تكاد تكون متواترة لا تكذب. كما أن أرواح الموتى وأجسادهم تنتفع بدعاء الناس، والمؤمن يعلم أن من أعظم ما يعين في الدنيا والآخرة دعاء الله، فلا يحتقرن أحد أن يدعو الله لنفسه أو لغيره، فإن الإنسان لا يدري أي الدعاء أسمع، فكم من مكروه حميت منه بدعائك أو بدعاء والدتك أو برجل يحبك.

    ذكر ابن القيم وغيره: أنه كان رجل صالح بينه وبين المسجد مقبرة في الطريق، فإذا غدا إلى المسجد أو راح يسلم على أهل المقبرة ويقول: اللهم آنس وحشتهم وارحم غربتهم، ويمضي، فذات يوم نسي أن يدعو لهم، فلما رجع إلى بيته ونام رأى في المنام رجالاً في ثياب بيض يسلمون عليه قال: من أنتم يرحمكم الله؟ قالوا: نحن الموتى الذين في المقبرة التي بجوارك كان الله جل وعلا ينفعنا بدعائك ويخفف عنا فلما نسيتنا اليوم لم ننتفع بشيء.

    والمقصود: أن الميت لا ينفع غيره وإنما هو الذي ينتفع، فهو ميت انقطع أجله، ولا يملك لنفسه ولا لغيره حولاً ولا طولاً، لكن قد ينتفع الميت وغير الميت بدعاء المؤمنين، ولو لم يكن للدعاء فائدة ونفع لما قال الله عن الصالحين: إنهم يقولون: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    هذا بعض ما يتعلق بعالم الأرواح، والعلم عند الرب تبارك وتعالى.

    1.   

    تأملات في قول الله تعالى: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات...)

    قال الله جل وعلا: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْألْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا * وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا * فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا * وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [الإسراء:101-104].

    هذه الآية فيها أن الله أعطى موسى التسع الآيات، لكن نريد أن نبين فيها التدرج في الدعوة، فإن الله قال لموسى لما بعثه إلى فرعون مع أخيه: فَقُوْلَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44]، لكن موسى هنا قال: وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء:102]، وهذا ليس قولاً ليناً؛ إذ أن معنى الآية: أن موسى بدأ بالقول اللين حتى استفزه فرعون وأراد أن يخرجه من الأرض وآذاه، فغير موسى خطابه وقال: وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء:102].

    فلما قال فرعون: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا [الإسراء:101]، قال موسى: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ [الإسراء:102]، أي: الآيات، إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ [الإسراء:102]، أي: حججاً وبراهين، وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا * فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا [الإسراء:102-103]، أي: أخرجناه وأنجينا موسى فالأرض هي أرض مصر؛ لأن القرآن يذكر أنها أرض مصر التي كان يسكنها بنو إسرائيل وأراد فرعون أن يخرج موسى منها.

    ثم قال الله: وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [الإسراء:104]، السابقون من المفسرين يقولون: إن المقصود بالأرض هنا: أرض مصر والشام، وقوله جل وعلا: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ [الإسراء:104]، أي: يوم القيامة، على القول بأن: جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [الإسراء:104]، أي: مخلوطين ممزوجين مع الناس.

    وعلى القول الآخر أي: أنكم مخلوطون قبل يوم القيامة مع الناس.

    والظاهر والعلم عند الله: أن الأرض هنا غير الأرض في الآية الأولى، فقوله جل وعلا: اسْكُنُوا الأَرْضَ [الإسراء:104]، لم يحدد لهم فيها موطناً يسكنون فيه، فهذا أمر قدري، والمعنى والعلم عند الله ولا نجزم به: أن الله فرقهم في الأرض، بمعنى اسكنوا الأرض جميعاً، ولذلك انتشر اليهود في أكثر أرجاء العالم.

    فقول الله بعدها: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ [الإسراء:104]، أي: باليهود: لَفِيفًا [الإسراء:104]، يعني: مجتمعين من كل مكان، وهذا واقع في عصرنا كما بينا في الدرس الأول: أن اليهود قدموا من جميع أصقاع العالم ونقلوا إلى دولة إسرائيل، فسكنوا الأرض متفرقين، ويدل عليه قول الله جل وعلا: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا [الأعراف:168]، أي: متفرقين، ولذلك يقال: يهود الدونمة، يهود الفلاشى الذين كانوا يسكنون الحبشة، وقلنا: كان في اليمن أربعة ألاف يهودي هاجروا إلى فلسطين، كما هاجر إليها يهود من بولندا، ولذلك فإن زعماء إسرائيل من دول متفرقة.

    ولذلك اليهود تاريخياً في سكناهم لدول العالم كانوا يأخذون حارات تسمى: حارات اليهود، واليهود ليسوا قوماً يملكون دعوة، أي فهم لا يدعون أحداً لليهودية، وليسوا كالمسلمين أو كالنصارى الذين يسمون دعوتهم تبشيراً، فديننا ولله الحمد دين هداية، ولذا ندعو غيرنا، أما اليهود فلا يدعون إلى دينهم؛ لأن دينهم بالتوارث عبر الأم، يعني: من خلال الأم لا من خلال الأب، وهو دين عنصري لا يتجاوزهم إلى غيرهم. فسكنوا الأرض في كل مكان، ثم لما قامت دولة إسرائيل تحقق الوعد القرآني: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [الإسراء:104]، هذا كله خطاب الله عن بني إسرائيل.

    1.   

    تأملات في قول الله تعالى: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل...)

    قال الله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ [الإسراء:105]، وهذا عائد إلى القرآن.

    قوله: وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [الإسراء:105]، أي: متلبساً به، والمعنى: أنزلناه متضمناً للحق متلبساً به، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الإسراء:105].

    قوله: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ [الإسراء:106]، تقرأ بالتشديد وتقرأ بالتخفيف: ففرقناه، بتخفيف الراء معناه: فصلنا فيه، و(فرّقناه)، بتشديد الراء أي: أنزلناه مفرقاً منجماً.

    قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا [الإسراء:107]، هذه آية وعيد، وأمر يراد به التهديد.

    قال جل وعلا: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:107-109].

    قال محمد بن إبراهيم التيمي رحمه الله: إن من لم يبكه القرآن لخليق ألا يكون قد أوتي علماً، ثم تلا قول الله: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:107-109].

    ختم الله جل وعلا السورة بقوله سبحانه: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا [الإسراء:111].

    وسأذكر فائدتين حول هذه الآية:

    فهذه الآية يسميها العلماء: آية العز، وفيها حديث وإن كان في سنده مقال، لكن أكثر أهل العلم يرتضي هذه التسمية، وبعض الآيات لها أسماء، فآية الكرسي: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255]، وآية السيف: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [النساء:89]، وآية المجادلة: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ [المجادلة:1]، وآية المباهلة: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ [آل عمران:61]، وآية العز هي التي بين أيدينا الآن: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ [الإسراء:111]، هذه الفائدة الأولى.

    الفائدة الثانية: قيل -والعلم عند الله-: إن هذه الآية ختم الله بها التوراة، والتوراة يقولون: إنها مستفتحة بقول الله تعالى في سورة الأنعام: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1]، فبعض العلماء يقول: إن أول آية في التوراة أول الأنعام، وآخر آية في التوراة آية العز التي هي آخر آية في الإسراء.

    هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده، والعلم عند الله.

    وصلى الله على محمد، وعلى آله.

    والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007969751

    عدد مرات الحفظ

    720800833