إسلام ويب

تفسير سورة الكهف [1-6]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    بين يدي السورة

    في هذه السورة أّمن الله تعالى أولياءه من أعدائهم، وزادهم الإغناء الكلي عن الأشياء، وذلك لما آمنوا به سبحانه وتعالى، وفيها أيضاً بعض الكرامات العجيبة التي هي ثمرة من ثمرات الإيمان، وهذا كله من أعظم مقاصد القرآن، فهو يبين لهم ثمرة الإيمان، وعواقب أهل الإيمان، وكيف أن الله يكرم أهل الإيمان. وهي سورة مكية، وقيل: أولها إلى قوله: (جرزاً)، وقوله: (واصبر نفسك)، وقوله: (إن الذين آمنوا): إنها مكية كلها، وآيها مائة وعشرة، وقد روي في فضلها أحاديث كثيرة ساقها الحافظ ابن كثير وغيره. ومن أشهر وظائف سورة الكهف: استحباب تلاوتها يوم الجمعة، وقد صح في ذلك بعض الأحاديث، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق)، وفي حديث آخر: (من قرأ سور ة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور إلى الجمعة التي تليها). ومعلوم أيضاً فضائل أول عشر آيات من سورة الكهف، فهي عصمة من فتنة المسيح الدجال. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا [الكهف:1].

    تفسير قوله تعالى: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب).

    قال تعالى (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ))، يقول القاسمي رحمه الله تعالى: قدمنا أن كثيراً ما تفتتح السور وتختم بالحمد؛ إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى هو المحمود على كل حال، والمحمود أولاً وآخراً، كما قال عز وجل: لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ [القصص:70]، وتعليماً للعباد أدب افتتاح كل أمر ذي بال واختتامه بحمد الله، والثناء عليه تبارك وتعالى بنعمه العظمى، ومننه الكبرى. وفي إنشار إنزال التنزيل من بين سائر نعوته العالية تنبيه على أنه أعظم نعمائه سبحانه وتعالى، فالحمد لله: إشارة إلى حمد الله، والثناء عليه، والشكر له بمقابل نعمه عز وجل، فالحمد يكون لله عز وجل على نعمه العظمى، ومننه الكبرى، فاختص هنا في أول هذه السورة الحمد على نعمة هي أعظم نعمة على الإطلاق، وهي إنزال الوحي. يقول: وفي إنشار إنزال التنزيل بقوله: (الذي أنزل على عبده الكتاب) من بين سائر نعوته سبحانه وتعالى العالية: تنبيه على أنه -أي: القرآن- أعظم نعمائه، فإنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد، والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش والمعاد، ولا شيء في معناه يماثله.

    مقامات وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالعبودية في القرآن

    وفي ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بعنوان العبودية تنبيه على عظمة المنَّزل والمنزَّل عليه، فذكره صلى الله عليه وسلم بصفة العبودية من أعظم ما يمدح به النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لإمعانه في التذلل والخضوع والتواضع والعبودية لربه تبارك لله تعالى، فمن تواضع لله رفعه، فالنبي عليه السلام أشد الخلق وأعظمهم تحقيقاً للعبودية لله عز وجل؛ فلذلك رفعه الله على سائر الأنبياء والمرسلين، قال: في ذكره بعنوان العبودية تنبيه على عظمة المنزل والمنزل عليه، كما تدل عليه الإضافة الاختصاصية، كما تقدم في سورة الإسراء، وقد تقدم في عدة مواضع من القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى وصفه بالعبودية في أعلى المقامات، وهنا أيضاً وصفه بالعبودية في أشرف الأشياء وهي: أنه أنزل عليه الكتاب، وهذا أمر معروف في القرآن الكريم، كما في قوله تبارك وتعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى [الإسراء:1] ، وهذا في مقام الإسراء، وهو آية عظمى من آيات الله سبحانه وتعالى، وقد صفه الله فيه بالعبودية، وفي مقام الدعوة أيضاً: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:19]، أي: تزاحمت عليه الجن طبقة فوق طبقة، وفي مقام التحدي: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، وفي هذا كله أن شأن الرسول أن يكون عبداً للمرسِل، فما دام أنه قد أرسل من قبل الله سبحانه وتعالى فهو عبد له، لا كما زعمت النصارى في حق عيسى عليه السلام.

    كمال القرآن وسلامته من العوج

    لقد حُلَّى الكتاب في قوله: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ )) بأل العهدية، والمقصود بالكتاب هنا القرآن الكريم، فالمقصود به: الكتاب الكامل الغني عن الوصف بالكمال المعروف بذلك من بين الكتب، الحقيق باختصاص اسم الكتاب به، وهو عبارة عن جميع القرآن المنزل حينئذٍ. ثم أخر الكتاب على الجار والمجرور فقال: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) ولم يقل: (الذي أنزل الكتاب على عبده)، مع أن حقه التقديم عليه؛ ليتصل به قوله سبحانه وتعالى: (ولم يجعل له عوجا)، ولو قال: ( الحمد لله الذي أنزل الكتاب على عبده ولم يجعل له عوجا) لم يكن الكلام متصلاً في شأن الكتاب؛ لأن هذا الكتاب هو الذي لم يجعل الله له عوجاً. ومعنى: (لم يجعل له عوجا) أي: ليس فيه اختلال في نظمه، ولا تنافٍ في معانيه، أو زيغ أو انحراف عن الدعوة إلى الحق، بل إن القرآن هو الدستور الذي يعالج ويزيل العوج؛ لذا فقد جعله فقد جعله الله سبحانه وتعالى: قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا [الكهف:2-3] . ومعنى: (قيماً)، أي: قيماً بمصالح العباد، وما لابد لهم منه من الشرائع، فهذا وصف له بأنه مكمل لهم بعد وصفه بأنه كامل في نفسه: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً ). قوله: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب)، ولم يقل: (الكتاب الكامل)، من أل العهد؛ لأن أل في الكتاب هنا للعهد، وكأنه لا يوجد كتاب غيره باعتباره أكمل الكتب على الإطلاق، واختصاص هذا القرآن الكريم بالكتاب كأنه لا كتاب غيره، ثم قال: (ولم يجعل له عوجا)؛ فنفى عنه العوج، وأثبت له ضد ذلك، وهو أنه يقوم بالناس، ويصلح حالهم، ويعالج عوجهم، فقال: (قيماً لينذر بأساً شديداً من لدنه)، يقول: (فهو وصف له بأنه مكمَّل لهم بعد وصفه بأنه كامل في نفسه)، أو قيماً على الكتب السالفة مهيمناً عليها، أو قيماً متناهياً في الاستقامة والاعتدال، فيكون ذلك تأكيداً لما دل عليه من نفي العوج، مع إفادة كون ذلك من صفاته الذاتية اللازمة له حسبما تنبئ عنه الصيغة. وانتصبت كلمة (قيماً) بمضمر تقديره: جعله، وهناك قول آخر -وإن كان الأظهر ما ذكرناه- وهو: أن (قيماً) متعلقة بالقرآن الكريم. وقلنا: إن الحكمة في تقديم الجار والمجرور على الكتاب ليتصل الكلام؛ لأن (قيماً) ستكون استمراراً لوصف القرآن الكريم، فهذا الوجه الأول، وهو الأظهر. وأما الوجه الثاني: فقد ذهب القاسمي إلى أن الضمير في قوله: (ولم يجعل له عوجا)، وما بعده إنما يعود إلى كلمة (عبده)، وهو النبي عليه الصلاة والسلام، والمعنى: لم يجعل لعبده زيغاً ولا ميلاً، وجعله صلى الله عليه وسلم قيماً مستقيماً كما أمر في قوله: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112] ، أو قيماً عليه الصلاة والسلام بأمر العباد وهدايتهم؛ إذ التكميل يترتب على الكمال؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من تقويم نفسه وتزكيتها أقيمت نفوس أمته مقام نفسه، فأمر بتقويمها وتزكيتها، ولهذا المعنى سمي إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: أمة، وهذه القيمية -أي: القيام بهداية الله- داخلة في الاستقامة المأمور هو بها، والأظهر هو الوجه الأول، وأن الكلام إنما هو في شأن القرآن الكريم.

    نذارة القرآن وبشارته

    قال الله: قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ [الكهف:2]، أي: لينذر من خالفه ولم يؤمن به عذاباً شديداً عاجلاً وآجلاً، والبأس هو القهر والعذاب، وخصصه بقوله تعالى: (من لدنه)، إشارة إلى زيادة هوله، وأنه من عند الله سبحانه وتعالى، ولذلك عظمه بالتنكير، لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ [الكهف:2]، أي: بهذا القرآن الكريم. وقال القاسمي : (ويبشر المؤمنين)، أي: الموحدين؛ لكونهم في مقابلة المشركين الذين قالوا: اتخذ الله ولداً، (الذين يعملون الصالحات)، أي: الخيرات والفضائل، (أن لهم)، أي: بأن لهم بمقابلة إيمانهم وأعمالهم المذكورة، (أجراً حسناً)، وهو: الجنة، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا [الكهف:3]. قوله: وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا)[الكهف:4] وهؤلاء أصناف، أي: أن الذين قالوا: (اتخذ الله ولداً)، ليسوا النصارى فقط، ولكن ذلك يشمل أيضاً مشركي العرب؛ لأنهم قالوا: (الملائكة بنات الله) وخصهم بالذكر وكرر الإنذار متعلقاً بهم استعظاماً لكفرهم. (وينذر)؛ لأنه قال قبل ذلك: (لينذر بأساً شديداً من لدنه) وهذا عام، ثم خص نوعاً من هذا الكفر لفظاعته وشناعته، وهو زعم الولد لله سبحانه وتعالى. (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً)، أي: من المشركين الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله، أو من النصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، فخصهم بالذكر وكرر الإنذار متعلقاً بهم استعظاماً لكفرهم، وترك إجراء الموصول على الموصوف كما فعل في قوله تعالى: (ويبشر المؤمنين)، للإيذان بكفاية ذات حيز الصلة في الكفر على أقبح الوجوه. أي: أنه هنا قال: (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً)، في حين أنه قال في وصف المؤمنين: (ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات)، ولم يقل: (ويبشر الذين يعملون الصالحات)، فاستغنى في الكلام عن الكفار بذكرهم بلفظ الموصول (الذين)، ولم يقل: (الذين كفروا)؛ لأن هذا من أعظم وأشنع وأقبح أنواع الكفر. قوله: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ [الكهف:5] الهاء في قوله: (به) تعود إلى الولد، أي: ما لهم بهذا الولد المزعوم علم، أو ما لهم علم باتخاذ الله الولد، ولم يقم على هذا دليل، بل إن هذا القول لا يصدر إلّا عن جهل مفرط، وتوهُّم كاذب، وتقليد للآباء، لا عن علم ويقين، ويؤيده قوله تعالى: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم).

    استعظام نسبة الولد لله جل وعلا

    قوله: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ [الكهف:5] هذا أسلوب تعجب، أي: ما أكبرها كلمة (تخرج من أفواههم)، وذلك لأن الولد لله مستحيل، ولا معنى لنسبة الولد إلى الله سبحانه وتعالى، فهذا علم يقيني يشهد أن الوجود الواجدي أحدي الذات -الوجود الواجدي: من مصطلحات المتكلمين، ومعناه واجب الوجود، وهو الله سبحانه وتعالى- فهو أحدي الذات لا يماثله الوجود الممكن، والولد مماثل لوالده في النوع، والله سبحانه وتعالى لا مثل له، ولا مكافئ له في القوة، قال الله عز وجل: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4]. وإعراب قوله: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم)، إعرابها: صفة لكذب، في محل نصب صفة للكذب؛ لأن الجمل بعد النكرات صفة، فقوله تعالى: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم)، تفيد استعظام اجترائهم على إخراجها من أفواههم، وهذا شيء عظيم جداً؛ لأن الكلمة تخرج من أفواههم، كيف ساغ للشعوب أن تنطق بهذه الكلمة؟ والمعنى: كبر خروجها من أفواههم- أي: عظمت بشاعته وقباحته بمجرد التفوه- فما بالك باعتقاده، لمجرد أن الفم ينطق بهذه الكلمة وهي الزعم بأن لله ولداً هذه من أقبح وأشنع ما يرتكب، فكيف باعتقاد ذلك في قلوبهم؟ قوله: (إن يقولون إلا كذباً)، أي: إن يقولون إلا خوضاً لا يكاد يدخل تحت إمكان الصدق أصلاً، وذلك لتطابق الدليل القطعي والوجدان الروحي على استحالة أن يكون لله عز وجل ولد.

    1.   

    تفسير مطلع سورة الكهف من أضواء البيان

    أما العلامة الشنقيطي فقد فصل في مقدمة الجزء الرابع من تفسير أضواء البيان في الكلام على هذه الآية، فيقول بعد ما ذكر الآيات التي فسرناها: علم الله جل وعلا عباده في أول هذه السورة الكريمة أن يحمدوه على أعظم نعمة أنعمها عليهم، وهي إنزاله على نبينا صلى الله عليه وسلم هذا القرآن العظيم، الذي لا اعوجاج فيه، بل هو في تمام الاستقامة؛ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، وبين لهم فيه العقائد والحلال والحرام، وأسباب دخول الجنة والنار، وحذرهم فيه من كل ما يضرهم، وحضهم فيه على كل ما ينفعهم، فهو النعمة العظمى على الخلق، ولذا علمهم ربهم كيف يحمدونه على هذه النعمة الكبرى، بقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا الآية. وما أشار له هنا من عظيم الإنعام والامتنان على خلقه بإنزال هذا القرآن العظيم منذراً من لم يعمل به، ومبشراً من عمل به، ذكره جل وعلا في مواضع كثيرة كقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:174-175]. وقوله: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [العنكبوت:51]. وقوله: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [النمل:76-77]، وقوله: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82]. وقوله: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [فصلت:44]. وقوله تعالى: إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:106-107]. وقوله: وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص:86] الآية. وقوله: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فاطر:32]. وهو تصريح منه جل وعلا بأن إيراث هذا الكتاب فضل كبير.

    كتاب الله مستقيم لا عوج فيه

    قال الشنقيطي : وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (( وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا ))، أي: لم يجعل في القرآن عوجاً -و(له) هنا بمعنى (فيه)- أي: لا اعوجاج فيه البتة، لا من جهة الألفاظ، ولا من جهة المعاني، أخباره كلها صدق، وأحكامه عدل؛ سالم من جميع العيوب في ألفاظه ومعانيه وأخباره وأحكامه، لأن قوله: (عوجاً) نكرة في سياق النفي، فهي تعم نفي جميع أنواع العوج. فلا يمكن أن يحصل في القرآن أي نوع من العوج أو الاضطراب، بخلاف ما يفعله البشر، فالإنسان مهما كانت ملكاته الأدبية أو العلمية فلابد أن تجد خللاً في الكتاب، كما قال سبحانه وتعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82]، فالذي يبدأ بتأليف كتاب يكون نفسه طويلاً وفي الآخر يبدأ يضعف، بل الأسلوب في بعض المواضع يكون أضعف منه في مواضع أخرى، ولابد أن يأخذ على كل كتاب أي نقص، ما عدا كتاب الله سبحانه وتعالى، ولهذا عجز الكافر مع شدة عداوتهم له وحرصهم على إباطاله عن أن يمسكوا أي عيب أو عوج في القرآن، بل انطلقت ألسنتهم بعبارات الانبهار بإعجاز القرآن الكريم. بخلاف ما تجرأ به أحد الملاحدة في هذا الزمان وهو طه حسين حينما كان أستاذاً في كلية الآداب، وأراد عدو الله أن يحطم قدسية القرآن الكريم، فكان يطالب طلبة الكلية بأن يتعاملوا مع القرآن كأي كتاب آخر عند النقد، فهذا من زندقته وكفره بكتاب الله عز وجل، وهذا معروف من تاريخه الأسود في عداوة الإسلام وعداوة اللغة العربية. فهذه الآية كانت تكفي في إحباط ضلالته وزندقته: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا [الكهف:1]. فكيف يوضع كلام الله على مائدة النقد والفحص والعياذ بالله؟! قال: وما ذكره جل وعلا هنا من أنه لا اعوجاج فيه بينه في مواضع أخرى كثيرة، كقوله: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر:27-28]. وقال عز وجل: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام:115]، فقوله: (صدقاً) أي: في الأخبار، قوله: (عدلاً) أي: في الأحكام، وكقوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82]، والآيات في ذلك كثيرة جداً. وقوله عز وجل: (قيماً)، أي: مستقيماً لا ميل فيه ولا زيغ، وهذا بينه أيضاً قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة:1-3]، يعني: لا اعوجاج فيها. وقال تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]، وقال عز وجل: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:37]. وقال عز وجل: مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف:111] ، وقال عز وجل: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2] ، وقال عز وجل: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1] ، وقال: وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52]. وهذا الذي فسرنا به قوله تعالى: (قيماً) هو قول الجمهور، وهو الظاهر، وعليه فهو تأكيد في المعنى لقوله: (ولم يجعل له عوجاً)، لكن هذا فيه نفي العوج وإثبات القيمية؛ لأن الشيء قد يكون مستقيماً في الظاهر وهو لا يخلو من اعوجاج في حقيقة الأمر، ولذا جمع تعالى بين نفي العوج وإثبات الاستقامة. وفي قوله: (قيماً) وجهان آخران من التفسير: الأول: أنه قيم على ما قبله من الكتب السماوية ومهيمناً عليها، وعلى هذا التفسير فالآية تكون كقوله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة:48]، ولأجل هيمنته على ما قبله من الكتب قال تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [النمل:76]، وقال: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:93]، وقال: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ)[المائدة:15]، فهذه بعض مظاهر الهيمنة والتصحيح والقيمية. الوجه الثاني: أنه قيم بمصالح الخلق الدينية والدنيوية، قال القاسمي : وصف القرآن بأنه مكمل للخلق بعد وصفه بأنه كامل في نفسه بأل العهدية في قوله: (الذي أنزل على عبده الكتاب)، أي: الكامل في نفسه، (قيماً) يعني: الذي يعالج عوج الناس ويزيل العوج الذي في الخلق، ويحقق لهم مصالحهم الدينية والدنيوية.

    إنذار الكفرة وتخويفهم وبشارة المؤمنين

    قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: وقوله في هذه الآية الكريمة: (لينذر بأساً شديداً) هذه اللام متعلقة بقوله تعالى: (أنزل)، يعني: (أنزل على عبده الكتاب لينذر). وقيل: هي متعلقة بقوله: (قيماً)، والأول هو الظاهر، أما الإنذار فهو الإعلام المقترن بتخويف وتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذار، والإنذار يتعدى إلى مفعولين، كما في قوله تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى [الليل:14]؛ لأن المفعول الأول هو ضمير: (كم). وفي أول هذه السورة الكريمة كرر تعالى الإنذار، فحذف في الموضع الأول مفعول الإنذار الأول، وحذف في الثاني المفعول الثاني، فكان المذكور دليلاً على المحذوف في الموضعين، وتقدير المفعول الأول: لينذر الذين كفروا بأساً شديداً، وتقدير المفعول الثاني المحذوف في الموضع الثاني: وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً بأساً شديداً. وقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى أن القرآن العظيم تخويف وتهديد للكافرين، وبشارة للمؤمنين المتقين؛ إذ قال في تخويف الكفرة به: لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وقال: وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا . وفي بشارة المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً بينه قوله جل وعلا: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [مريم:97]، وفي قوله: آلمص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [الأعراف:1-2]. أما البأس الشديد الذي أنذرهم الله إياه فهو العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، والبشارة الخبر بما يسر، لكن العرب قد تطلق البشارة على الخبر بما يسوء أحياناً، ومنه قوله تعالى: فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الجاثية:8] ومنه قول الشاعر: وبشرتني يا سعد أن أحبتي جفوني وقالوا الود موعده الحشر يعني: أخبرتني بما يسوءني وأن أحبتي جفوني. وقول الآخر: يبشرني الغراب ببين أهلي فقلت له ثكلتك من بشير إذاً: إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء أسلوب من أساليب اللغة العربية، وهذا عند الشنقيطي مجاز مرسل، وهو من أساليب اللغة العربية، ويسميه البلاغيون استعارة عنادية، ويقسمونها إلى تهكمية وتلميحية كما هو معروف في محله، والشنقيطي كان من فطاحل البلاغة، وقد تتلمذ عليه الشيخ ابن باز في البلاغة.

    شروط العمل الصالح

    هناك بعض الشروط التي لابد منها في العمل لكي يكون صالحاً: الشرط الأول: أن يكون مطابقاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فيعبد الله بما شرع ولا يعبده بالبدعة، ولابد أن تتقرب إلى الله بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فكل عمل مخالف لما جاء به صلوات الله وسلامه عليه فليس بصالح بل هو باطل، قال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وقال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80]، وقال: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]، وقال: وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:158]، وقال تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، إلى آخر الآية، فلابد من شرط المتابعة. الشرط الثاني: أن يكون العامل مخلصاً في عمله بالله فيما بينه وبين الله تعالى، قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5] ، وقال تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الزمر:11-15]. الشرط الثالث: أن يكون العمل مبنياً على أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة؛ لأن العمل كالسقف والعقيدة كالأساس، وإذا لم توجد العقيدة انهار السقف، كالروح في البدن إذا خرجت منه أصبحت لا قيمة لك ولا للجوارح الموجودة، فالعمل بدون إيمان، كما قال تبارك وتعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النحل:97] فقيده بالإيمان. فالعمل الصالح لا يكون مقبولاً ونافعاً في الآخرة إلا بأن يكون مؤسساً على العقيدة الصحيحة، أما الكافر فمهما عمل من الأعمال الخيرية أو الحسنة فإنه لا يثاب عليها في الآخرة على الإطلاق، قال تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]، تحبط كل أعمالهم في الآخرة، وقد يثابون في الدنيا إذا شاء الله ذلك؛ لأنها جنة الكافر، فيثاب الكافر بالعافية وبكثرة الولد والرزق وغير ذلك من أنواع التخفيف عن هذا الكافر في الدنيا فقط؛ لأنه المكان الوحيد الذي يمكن أن يثاب فيه، أما في الآخرة فلا يمكن أن ينفعه أي عمل بدون إيمان. فقوله: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97]، مفهومه: أن من لم يكن مؤمناً لا ينفعه عمله، وصرح به في قوله تبارك وتعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]، وفي قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور:39] وقوله عز وجل: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ)[إبراهيم:18]، إلى غير ذلك من الآيات الكريمات.

    بشرى المؤمنين بالحسنى

    قال عز وجل: وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا [الكهف:2]، يعني: وليبشرهم بأن لهم أجراً حسناً، والأجر هو جزاء العمل، وجزاء عملهم المعبر عنه هنا بالأجر هو الجنة. ولهذا قال: مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا [الكهف:3] فلذلك صح تفسير الأجر الحسن بأنه الجنة؛ لأنهم ماكثون فيه أبداً. أما وجه الصدق لهذا الأجر فالقرآن الكريم مليئ بالآيات التي توضح وصف كونه أجراً حسناً؛ كقوله تعالى: ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ [الواقعة:13-16]، كل هذا وصف الجنة، وشرح لكلمة (حسناً)، وقال تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17]. مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ، أي: خالدين فيه بلا انقطاع، كما في قوله وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108]، أي: غير مقطوع، وقال عز وجل: خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف:108]، الدنيا مهما كان فيها من قصور أو جنات لابد أن يصيب صاحبها الملل، لذا تجده يرغب دائماً في التغيير، حتى أن صاحب البساتين يفزع إلى الصحراء، ويسعد جداً بتغيير الجو كما يقولون، أو العكس. أما الجنة فلا يمكن أبداً أن يتطرق أي ملل إلى أهلها كما قال الله: لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف:108] ، وقال تبارك وتعالى: إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ [ص:54]، يعني: ما له من انقطاع ولا انتهاء، وقال تعالى: مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96] ، وقال أيضاً: وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:17].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً)

    قال الله تعالى: وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا [الكهف:4]. أي: ينذرهم بَأْسًا شَدِيدًا من عنده، وهذا من عطف الخاص على العام: لأن قوله: لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ [الكهف:3] شامل لكل الكفار سواء الذين قالوا اتخذ الله ولداً، أو غيرهم من الكفار. وقد تقرر في فن المعاني أن عطف الخاص على العام يكون إذا امتاز الخاص عن سائر أفراد العام بصفات حسنة أو قبيحة، تنزيلاً للتغاير في الصفات منزلة التغاير في الذوات، ومثاله في الممتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة قوله تعالى: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ [البقرة:97-98]، فهنا صفة حسنة ثم خص جبريل وميكائيل بالذكر مع أنهم من الملائكة، فهذا ما يسمى بالإطناب المقبول، فهو إطناب لكنه إطناب مقبول؛ لأنه جعل هذا النوع الخاص المذكور بصفات معينة كذاه أخرى اقتضت العطف، وكأنهما خارجان عن الملائكة. ومن هذا أيضاً قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ)[الأحزاب:7]، خص هؤلاء بالذكر مع أنهم من النبيين، لأنهم أولو العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام . ومن الممتاز بصفات قبيحة ما جاء في الآية التي نحن بصددها: (لينذر بأساً شديداً من لدنه)، قلنا في التفسير: لينذر الذين كفروا بأساً شديداً من لدنه، ومن هؤلاء الذين كفروا (الذين قالوا اتخذ الله ولداً)؛ لكن خصهم بالذكر هنا لامتيازهم في كفرهم بأنه من أشنع وأقبح أنواع الكفر؛ لأنه شتم لله سبحانه وتعالى بأن نسبوا إليه الولد؛ فإن الذين قالوا: اتخذ الله ولداً. امتازوا عن غيرهم بفرية شنعاء، ولذا ساغ عطفهم على اللفظ الشامل لهم ولغيرهم. والآيات الدالة على عظم فريتهم كثيرة جداً، كقوله هنا: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ [الكهف:5]، وقوله تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم:88-92]، لكن الله سبحانه وتعالى بمشيئته هو الذي يمسكها عن ذلك، وهذا القول يبلغ من شناعته أن السماوات تكاد من شدة الغيظ والانفعال والغضب والقشعريرة تكاد تشقق وتفطر، تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم:90-92]. وقال تبارك وتعالى: أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا [الإسراء:40]. والآيات مثل هذا كثيرة معلومة، وقد قدمنا أن القرآن بين أن الذين نسبوا الولد لله سبحانه تعالى ثلاثة أصناف من الناس: اليهود والنصارى، إذ قال عز وجل: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ)[التوبة:30] إلى آخره، والصنف الثالث مشركو العرب، كما قال تعالى عنهم: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ [النحل:57]، يعني الملائكة في زعمهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما لهم به من علم...)

    قال الله تعالى: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ [الكهف:5]. لماذا تعرض عز وجل هنا لنفي العلم عن آبائهم؟ لأن آباءهم هم قدوتهم، كما قال تعالى: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22]، يعني: أن ما نسبوه له جل وعلا من اتخاذ الولد لا علم لهم به؛ لأنه مستحيل، والآية تدل دلالة واضحة على أن نفي الفعل لا يدل على إمكانه. ومن الآيات الدالة على ذلك، قوله تعالى: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة:57]؛ لأن ظلمهم لربنا وحصول العلم لهم باتخاذه الولد كل ذلك مستحيل عقلاً، ولا يدل على إمكانه، ومن هذا القبيل: قول المنطقيين: (السالبة لا تقتضي وجود الموضوع)، وهذا كلام منطقي لا يخصنا الآن. ما نفاه عنهم وعن آبائهم من العلم باتخاذه الولد سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً بينه في مواضع أخر، كقوله: وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ [الأنعام:100]، وقوله في آبائهم: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ [البقرة:170]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله هنا عز وجل: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ [الكهف:5]، يعني: أن ما قالوه بأفواههم من أن الله اتخذ ولداً. أمر كبير عظيم كما دلت الآيات على عظمه، كقوله: إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا [الإسراء:40]، وقوله: تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا [مريم:90-91]. وكما قلنا: كلمة (تخرج من أفواههم) تفيد استعظام افترائهم على إخراجها من أفواههم؛ لأن المعنى: كبر خروجها، أي عظمت بشاعته وقباحته بمجرد التفوه به، فما بالك باعتقادهم له، وفي الحديث قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: (إن أحدنا ليجد في نفسه ما أن يكون حممة أحب إليه من أن ينطق به)، يعني: أن يحترق حتى يكون فحمة سوداء أهون عليه من أن ينطق به بلسانه لكنه يجد في نفسه هذه الوساوس، فقال: (أوقد وجدتموه؟ ذلك صريح الإيمان، أو قال: الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة). فالإنسان قد لا يقوى على النطق بهذه الوساوس، وقد ترد له بعض هذه الخواطر لكن من شدة استعظامها لا يمكنه النطق بها، فاجتراء المشركين على النطق بهذه الأشياء يدل على شناعة الفعل الذي أتوا به، فلذلك أتى بكلمة: (تخرج من أفواههم) ، أي: كيف طاوعتهم أنفسهم أن يتفوهوا بهذه الكلمة فضلاً أن يعتقدوها؟ وقال بعض علماء العربية: إن قوله: (كبرت كلمة): معناه التعجب، فهو بمعنى: ما أكبرها كلمة! أو: أكبر بها كلمة! فهو أسلوب تعجب؛ لأن فَعُل بالضم تصاغ لإنشاء الذم والمدح، فتكون من باب نعم وبئس، ومنه قوله تعالى: (كبرت كلمة ) كما هنا. وإليه إشار ابن مالك في الخلاصة بقوله: واجعل كبئس ساء واجعل فعلا من ذي ثلاثة كنعم مرسلا إذا تقرر ذلك ففاعل كبر، ضمير محذوف، و(كلمة): نكرة مميزة للضمير المحذوف على حد قوله في الخلاصة: ويرفعان مضمراً يفسره مميز كنعم قوم معشره والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير: كبرت هي كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة التي فاهوا بها، فالمخصوص بالذم تلك المقالة التي فاهوا بها، وهي قولهم: (اتخذ الله ولداً). وأعرب بعضهم (كلمة): بأنها حال، أي: كبرت نيتهم في حال كونها كلمة خارجة من أفواههم، وهذا مذهب ضعيف! والصحيح أنها تمييز. وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (تخرج من أفواههم) : أي: ليس لها مستند سوى قولهم، ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم، ولذا قال: (إن يقولون إلا كذباً). وهذا المعنى له شواهد من القرآن كقوله: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران:167] ونحو ذلك من الآيات. (إن يقولون إلا كذباً) الكذب هو مخالفة الخبر للواقع على أصح الأقوال. (قالوا اتخذ الله ولدا): فعل وفاعل ومفعول، وكل هذه العبارة تذكرنا بقول ابن مالك : (وكلمة بها كلام قد يؤم)، يعني: قد تطلق الكلمة ويقصد بها مجموعة من الكلمات، كما تقول: قرأت كلمة لبيد ، يعني: قصيدة لبيد ، وقال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ)[المؤمنون:99-100]، كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا [المؤمنون:100] أي: كل هذه أطلق عليها كلمة، فإذاً: قد يطلق على مجموعة من الكلمات لفظ كلمة، وقال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأن جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:119]، كل هذا أطلق عليه أيضاً كلمة. قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (ولم يجعل له عوجا) -بكسر العين- في المعاني، أي يكون نفي العوج في المعاني، أما العوج في الشيء الحسي فهو ما كان منتصباً، تقول: هذا الحائط ليس فيه عوج بفتح العين. وقرأ هذا الحرف حفص عن عاصم في الوصل (عوجا)، بالسكت على الألف المنزلة من التنوين، وهي سكتة يسيرة من غير تنفس إشعاراً بأن (قيماً) ليس متصلاً (بعوجا) في المعنى، بل للإشارة إلى أنه منصوب بفعل مقدر، أي: جعله قيماً، على أن الجار الأول منفي أما (قيماً) فهو مثبت فجاءت السكتة من أجل أن تفصل بين المنفي والمثبت، ونحن نريد في المعنى أن نثبت الاستقامة والقيمية، فلذلك جاءت هذه السكتة لتشير إلى أن (قيماً) منصوب بفعل مقدر، يعني: جعله قيماً. (ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات): قرأ الجمهور بضم الياء وفتح الباء الموحدة، وكسر الشين المشددة، وقرأ حمزة والكسائي (يَبْشر) بفتح الياء وسكون الباء الموحدة.

    1.   

    وجوب إنذار الكفرة بالقرآن

    في قوله تبارك وتعالى: قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ [الكهف:2]، وقوله تعالى: وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا [الكهف:4] تنبيه إلى حقيقة مهمة جداً، وهي أنه ينبغي إنذار الكفار بالقرآن الكريم، وللأسف الشديد هناك فلسفة لا أدري ما مصدرها بالضبط، إذ بعض الناس المقصرين أو القاصرين يقول لك: لماذا تنذره بالقرآن وهو لم يؤمن بالقرآن؟ فيعطل بهذا أقوى أسلحة الإسلام في مجابهة الكافرين وإقامة الحجة عليهم. فالقرآن هو أقوى مصادر إقامة الحجج، عقلية ونقلية وغيرها، فعجباً لمن يقول: الكافر نكلمه بأي لغة أخرى ما عدا الاستدلال بالقرآن الكريم وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، بل نقول: ليس المطلوب أن يهتدي، بل المطلوب أن تبلغه هذه الحجة، كما قال تعالى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19]، يعني: لأنذركم به يا معشر قريش الذين تعيشون معي وتسمعون مني مباشرة. يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:1-2] ، أي بالقرآن. (لأنذركم به) أي: بهذا القرآن، (ومن بلغ)، يعني: ولأنذر أيضاً من بلغه القرآن ممن هم على وجه الأرض إلى قيام الساعة، فإذاً: نحن خلفاء النبي صلى الله عليه وسلم ونوابه في هذه الأمة المحمدية، ومسئوليتها أن تقوم برسالة البلاغ؛ لأنها شاهدة على الأمم، قال تعالى: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143]. فهذا الكلام مفاده تعطيل الاحتجاج بالقرآن الكريم؛ بحجة أنهم لا يؤمنون به، بينما القرآن الكريم له سلطان على القلوب لا يوصف، كان يحدثنا أخ إنجليزي قبل أسبوع أو أكثر وكان ممن يصلي معنا صلاة القيام، وكان يقول لي: أنا أصلي مع الإخوة في المسجد فتنتابني القشعريرة والعظمة، وأشعر بسلطان قوي على قلبي؛ يقول: لكن كانوا حينما يدعون في القنوت لا أشعر بنفس التأثر مع أني لا أفهم معاني القرآن! يسمع القرآن فيشعر بسلطان القرآن على قلبه، أما عند الدعاء فلا يشعر بذلك لأنه ليس بقرآن حتى وإن كان الناس من حوله يبكون في الصلاة. القرآن له سلطان على القلوب بلا شك، حتى على من سمع القرآن وهو لا يفهم معناه؛ لأنه كلام الله سبحانه وتعالى، وإذا كانت الجبال تخشع: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)[الحشر:21]، فكيف بالقلب الحي؟! فإذاً قوة معاني القرآن وقوة ألفاظه هما من إعجاز القرآن الكريم. وبلا شك أن هذه كلها عوامل مهمة جداً في إقامة الحجة على الناس وإنذارهم، فينبغي أن نتفطن لهذا الكلام ونلغي هذا المفهوم الذي يقول: كافر لم يسلم، ولم يؤمن بالقرآن، كيف تجادله بالقرآن؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم ...)

    قال تعالى: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6]. قوله: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ ، أي: مهلك نفسك، عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ ، أي: بهذا القرآن، (أسفاً) أي: للتأسف على توليهم وإعراضهم عنه، والأسف: فرط الحزن والغضب. و(لعل) للترجي وهو الطمع في الوقوع أو الإشفاق منه، يقول القاسمي : (لعل) هنا استعارة. أي: وصلت إلى حالة يتوقع منك الناس ذلك، فمن شدة شفقته على الكافرين المعرضين عن القرآن الكريم، والذين سوف يهلكون بالنار إن استمروا على هذا الكفر، وصل إلى حالة يتوقع المشركون أنه سيموت غماً وأسفاً وحزناً وأسى. إذاً (لعل) تكون للترجي؛ لكن ليست هنا للترجي، بل للطمع في الوقوع أو الإشفاق منه، أي: وصلت إلى حالة يتوقع منك الناس أنك مهلك نفسك بسبب هذا الحزن لما يشاهد من تأسفك على عدم إيمانهم، وفي النظم الكريم استعارة تمثيلية بتسجيل حاله معهم وقد تولوا وهو آسف من عدم هدايتهم بحال من فارقته أحبته فهم بقتل نفسه، أو كاد يهلك وجداً عليهم وتحسراً على آثارهم. فكل ذلك كما قال القاسمي : إن الشفقة على خلق الله والرحمة عليهم من لوازم محبة الله ونتائجه، ولما كان صلى الله عليه وسلم حبيب الله، ومن لوازم محبوبيته محبته لله لقوله تعالى يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54]، وكلما كانت محبته للحق أقوى كان شفقته ورحمته على خلقه أكثر؛ لكون الشفقة عليهم ضمن محبته لله، وأشد تعطفه عليهم، فإنهم كأولاده وأقاربه بل كأعضائه وجوارحه في الشهود الحقيقي، فلذلك بالغ في التأسف عليهم حتى كاد يهلك نفسه عليه الصلاة والسلام، فهو لا يسألهم أجراً ولا يريد منهم جزاء ولا شكوراً، إنما يريد لهم السعادة والنجاة، ويشفق عليهم من عذاب الله، كما صرح صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله رحمة للعالمين، فقال في الحديث المتفق عليه: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيه، فأخذ يذبهن بيده وهن يتقحمن فيها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي). هذا تصوير لحاله صلى الله عليه وسلم مع الخلق، فهو من شدة الشفقة والرحمة لهؤلاء الخلق يشفق عليهم من العذاب فمن هلك يهلك رغماً عنه، وهو يحاول أن ينقذه بقدر الاستطاعة صلى الله عليه وسلم، فشبه حاله بحال رجل أوقد ناراً في الظلام، والفراشة ليس لها عقل فإذا رأت ضوءاً في الظلمة، ظنته كوة تنفذ إلى الضياء في الخارج، مثل أي نافذة في غرفة مظلمة تنفذ إلى نور الشمس في الخارج، فتريد أن تخرج إلى الضياء فتنجذب إليه، فإذا نفذت ظنت أنها قد بعدت عن هذه الفتحة، فتعود من جديد لهذا الضوء، فإذا بها تطالها النيران وتحرقها، فهذا الرجل من شدة شفقته على هذا الفراش الذي ليس عنده عقل، جعل يذبهن بيده؛ فيشبه النبي عليه الصلاة والسلام نفسه مع هذه الأمة -أمة الدعوة- أنه واقف على شفير جهنم، وهم يندفعون إليها بأقصى قوتهم، ويلقوا أنفسهم في النار وهو مشفق عليهم من هذا المصير، فجعل يذبهم ويدفعهم بيده، ليمسك بهم بأي طريق، ولو عشوائية. (وأنا آخذ بحجزكم عن النار)، الحجزة: موضع الخصر وفيها مركز ثقل الإنسان، فهو يحاول أن يمسكهم لأجل أن ينقذهم من النار، لكنهم يقاومونه ويلقون بأنفسهم في النار، فهذه صورته عليه الصلاة والسلام التي وصلت إلى حد أنه يكاد يهلك من شدة الحزن والشفقة عليهم أن يهلكوا في النار؛ فهل توجد رحمة بالبشرية أعظم من هذه الرحمة؟ لا توجد على الإطلاق، ولذلك فإن عدو البشرية كلها هو الذي يشوه الإسلام أو يصد الناس عنه، لأنه يحرمهم من أعظم حق من حقوق الإنسان. هؤلاء الضالون الكفرة: أمريكا ومن معها يتعلقون بشماعة حقوق الإنسان لاستذلال الأمم وقهرها، لكنهم أفلسوا تماماً، فأعظم حق من حقوق الإنسان أن لا يحال بينه وبين السعادة الأبدية وأن ينقذ من الموت، ومن الخلود فيها، والحياة في النار عذاب أليم بشع شنيع بلا نهاية، قال النبي عليه الصلاة والسلام عن هذه النار: (ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم)، يعني: نار الآخرة أقوى من النار التي في الدنيا سبعين مرة، هل الإنسان يطيق حمل كوب من الشاي؟ لن يستطيع الإنسان، هل سيقرب بدنه إلى النار بواحد على سبعين، فما بالك بهذا العذاب الرهيب الذي وصفه الله سبحانه وتعالى، وهذا كلام حقيقي وسيقع قطعاً، فالنار موجودة الآن وتنتظر سكانها والعياذ بالله. فالشاهد أن الموضوع خطير، والدعوة الإسلامية ما هي إلا إنقاذ للبشرية، وكما أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن، وأرسل الرسول وجاهد الصحابة لحمل هذا النور إلى العالمين، فيحاول هؤلاء الكفار أن يطفئوا نور الله سبحانه وتعالى بكل الأساليب القذرة، تارة بتسليط خبيث مصر سلمان رشدي ، وتارة بالتشنيع على الإسلام ليل نهار، والإعلام الآن في العالم كله معه، ليس له شغل غير التشنيع على الإسلام والغمز واللمز، وتسليط وكلائهم ونوابهم من العلمانيين والصحفيين الفجرة بالطعن في الدين ليل نهار، كل هؤلاء يتآمرون على البشرية، وهم يضيعون أعظم حق من حقوق الإنسان وهو -على الأقل- أن يطلع على الإسلام في صورته الصحيحة، لكنهم يشوهون لأنهم (يبغونها عوجا) يصورون (سبيل الله) على أنها طريقة معوجة. هذا كله جريمة في حق البشرية كلها؛ لأنه وضع حواجز دون إنقاذ الناس من النار، ودون الفوز بسعادة الدنيا وسعادة الآخرة، فهل هناك حق للإنسان أعظم من هذا؟ هؤلاء هم الذين يضيعون حق الإنسان. فانظر إلى رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بهؤلاء القوم مع كفرهم ، قال تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [الزخرف:74-75]، لا يخفف عنهم أبداً، وقال تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77]، أعظم أمنية أن يموتوا حتى يتوقف العذاب، ولكن انظر إلى الجواب: قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف:77-78]. فإذاً المصير خطير جداً، الدنيا أيام وتنقضي مهما طال العمر، ثم يكون الإنسان إما إلى الجنة في سعادة أبدية، وإما في شقاء أبدي لا يتوقف، فلو قلنا حضارة فرعون لها سبعة آلاف سنة إلى الآن، وقال تعالى: فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)[غافر:45-46]، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] فمعناه أنه منذ سبعة آلاف سنة وهو يعرض غدواً وعشياً على النار، وكم عاش، وكم كان عمره؟ مائة سنة، مائتين سنة، فالعذاب أطول بكثير، ثم انظر إلى الخلود؛ لأنه كان ينوي الكفر إلى الأبد، ولذلك عاقبه الله بعذاب مؤبد بلا نهاية، فالأمر جد خطير، ولذلك أوصي نفسي وإخواني بأن يتأملوا قليلاً في قوله: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن:23] سواء كانت في حق أهل الجنة أو في حق أهل النار؟ فالأمر في غاية الخطورة، ولو أن الإنسان تفكر فيه لما أكل ولا شرب ولا نام ولا هناه عيش. قوله عز وجل: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم). يقول الشنقيطي : اعلم أولاً أن لفظة (لعل) تكون للترجي في المحبوب، وللإشفاق في المحذور، واستظهر أبو حيان في البحر المحيط: أن لعل في قوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك)، للإشفاق عليه صلى الله عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم به. يعني كأن ربنا سبحانه وتعالى يقول له: أنت تهلك نفسك شفقة عليهم، فليست (لعل) للشك، وإنما هي مقدرة بالاستفهام الذي يعنى به التقرير، فالمعنى: هل أنت قاتل نفسك؟ لا ينبغي أن يطول أسفك على إعراضهم فإن من حكمنا عليه بالشقوة لا تجدي عليه الحسرة. وقال بعضهم: إن (لعل) في الآية للنهي، وممن قال به العسكري، وعلى هذا فالمعنى: لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم ، وقيل: هي في الآية للاستفهام المضمن معنى الإنكار. يقول الشنقيطي : وأظهر هذه الأقوال عندي في معنى (لعل): أن المراد بها في الآية النهي على الحزن عليه. يقول: إن إطلاق (لعل) مضمنة معنى النهي في مثل هذه الآية أسلوب عربي يدل عليه سياق الكلام، ومن الأدلة على أن المراد بها النهي عن ذلك: كثرة ورود النهي صريحاً عن ذلك، كقوله تعالى: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8])، ويقوي هذا المنحى وجود النهي عن أن يقتل نفسه حسرة عليهم في آية أخرى، وخير ما يفسر به القرآن القرآن، وقال تعالى: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ [النمل:70]، وقال تعالى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [المائدة:68] إلى غير ذلك من الآيات. والباخع: المهلك، أي: مهلك نفسك من شدة الأسف على عدم إيمانهم، ومنه قول ذي الرمة : ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه بشيء نحته عن يديه المقادر أي: الذي سيهلك الحزن نفسه. وقوله: (على آثارهم) قال القرطبي : الآثار جمع أثر. ويقال: إثر، فالمعنى: على أثر توليهم وإعراضهم عنك. وقال أبو حيان في البحر: ومعنى (على آثارهم) من بعدهم، أي: بعد يأسك من إيمانهم، أو بعد موتهم على الكفر، يقال: مات فلان أثر فلان. أي: بعده، أو: (لعلك باخع نفسك على آثارهم)، يعني: أنت تحزن عليهم بعد ما ماتوا على الكفر، فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [المائدة:68] فهم لا يستحقون ذلك. قال الزمخشري : شبهه وإياهم حينما تولوا عنه ولم يؤمنوا به وما دا

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007990971

    عدد مرات الحفظ

    720913853