إسلام ويب

شرح كتاب الإيمان [10]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • معتقد أهل السنة أن مرتكب المعصية لا يصرف عنه مسمى الإيمان، ولا يطلق عليه مسمى الكفر، حتى وإن كان المقصود به كفر النعمة، وقد فرع أهل السنة على مسألة زيادة الإيمان ونقصه أن نفي الإيمان عن مرتكب المعصية لا يقصد به نفي الأصل وإنما نفي الكمال.

    1.   

    باب الخروج من الإيمان بالمعاصي

    [قال أبو عبيد : أما هذا الذي فيه ذكر الذنوب والجرائم، فإن الآثار جاءت بالتغليظ على أربعة أنواع:].

    أراد رحمه الله بهذا الباب بيان الأوصاف الشرعية في الكتاب والسنة في ذكر الذنوب المخالفة للإيمان؛ فإن الشارع وصفها بأربعة أوصاف سيذكرها المصنف رحمه الله، ويبين المذاهب في تفسيرها، ثم يبين الصواب عند السلف، وهذا باب فاضل، ولا سيما أن بعض المذاهب التي ذمها المصنف عند ذكره لها قد دخلت على كثير من متأخري أهل السنة، ففسروا ما هو من هذه الأحاديث بها.

    أنواع الذنوب والمعاصي المخالفة للإيمان

    [فاثنان منها فيها نفي الإيمان، والبراءة من النبي صلى الله عليه، والآخران فيها تسمية الكفر وذكر الشرك وكل نوع من هذه الأربعة تجمع أحاديث ذوات عدة.

    فمن النوع الذي فيه نفي الإيمان حديث النبي صلى الله عليه: (لا يزني الرجل حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن) وقوله: (ما هو بمؤمن من لا يأمن جاره غوائله) وقوله: (الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن)وقوله: (لا يبغض الأنصار أحد يؤمن بالله ورسوله).

    ومنه قوله: (والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا) وكذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: (إياكم والكذب، فإنه يجانب الإيمان) وقول عمر رضي الله عنه: (لا إيمان لمن لا أمانة له) وقول سعد : (كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب). وقول ابن عمر : (لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وإن كان محقاً، ويدع المزاحة في الكذب).

    ومن النوع الذي فيه البراءة، قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا) وكذلك قوله: (ليس منا من حمل السلاح علينا) وكذلك قوله: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا) في أشياء من هذا القبيل.

    ومن النوع الذي فيه تسمية الكفر قول النبي صلى الله عليه وسلم حين مطروا فقال: (أتدرون ما قال ربكم؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما الذي يقول: مطرنا بنجم كذا وكذا، كافر بي مؤمن بالكوكب، والذي يقول: هذا رزق الله ورحمته مؤمن بي وكافر بالكوكب) وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)وقوله: (من قال لصاحبه: كافر فقد باء به أحدهما) وقوله: (من أتى ساحراً أو كاهناً فصدقه بما يقول أو أتى حائضاً أو امرأة في دبرها فقد برئ مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، أو كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم)وقول عبد الله : (سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر)، وبعضهم يرفعه.

    ومن النوع الذي فيه ذكر الشرك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر؛ قيل: يا رسول الله! وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء) ومنه قوله: (الطيرة شرك، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل)، وقول عبد الله في التمائم والتيولة: (إنها من الشرك)، وقول ابن عباس : (إن القوم يشركون بكلبهم! يقولون: كلبنا يحرسنا، ولولا كلبنا لسرقنا)].

    فالنوع الأول: أدلة شرعية ورد فيها نفي الإيمان لموجب عمل.

    ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة - وهو في الصحيحين-: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)

    والنوع الثاني: أدلة شرعية ورد فيها البراءة من النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة أيضاً -وهو في مسلم -: (من غش فليس منا).

    والنوع الثالث: أدلة شرعية ورد فيها تسمية الكفر.

    ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة أيضاً -وهو في مسلم -: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت) وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود -وهو في الصحيحين-: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جرير بن عبد الله -وهو في مسلم -: (أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم) وأمثال ذلك.

    والنوع الرابع: أدلة شرعية ورد فيها تسمية الشرك.

    ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عمر -وهو في الترمذي وغيره-: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).

    فهذه أربعة أوصاف: نفي الإيمان.. البراءة.. تسمية العمل كفراً.. تسمية العمل شركاً.

    مذاهب المخالفين للسلف في نصوص الوعيد

    [فهذه أربعة أنواع من الحديث، قد كان الناس فيها على أربعة أصناف من التأويل ، فطائفة تذهب إلى كفر النعمة، وثانية تحملها على التغليظ والترهيب، وثالثة تجعلها كفر أهل الردة، ورابعة تذهبها كلها وتردها.

    فكل هذه الوجوه عندنا مردودة غير مقبولة، لما يدخلها من الخلل والفساد، والذي يرد المذهب الأول ما نعرفه من كلام العرب ولغاتها، وذلك أنهم لا يعرفون كفران النعم إلا بالجحد لأنعام الله وآلائه، وهو كالمخبر على نفسه بالعدم، وقد وهب الله له الثروة، أو بالسقم وقد منَّ الله عليه بالسلامة. وكذلك ما يكون من كتمان المحاسن ونشر المصائب، فهذا الذي تسميه العرب كفراناً إن كان ذلك فيما بينهما وبين الله، أو كان من بعضهم لبعض إذا تناكروا اصطناع المعروف عندهم وتجاحدوه. ينبئك عن ذلك مقالة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء: (إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير- يعني الزوج- وذلك أن تغضب إحداكن فتقول: ما رأيت منك خيراً قط)

    فهذا ما في كفر النعمة.

    وأما القول الثاني المحمول على التغليظ فمن أفظع ما تأول على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن جعلوا الخبر عن الله وعن دينه وعيداً لا حقيقة له، وهذا يؤول إلى إبطال العقاب، لأنه إن أمكن ذلك في واحد منها كان ممكناً في العقوبات كلها.

    وأما الثالث الذي بلغ به كفر الردة نفسها فهو شر من الذي قبله، لأنه مذهب الخوارج الذين مرقوا من الدين بالتأويل، فكفروا الناس بصغار الذنوب وكبارها، وقد علمت ما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المروق وما أذن فيهم من سفك دمائهم. ثم قد وجدنا الله تبارك وتعالى يكذب مقالتهم، وذلك أنه حكم في السارق بقطع اليد، وفي الزاني والقاذف بالجلد، ولو كان الذنب يكفر صاحبه ما كان الحكم على هؤلاء إلا القتل، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من بدل دينه فاقتلوه)أفلا ترى أنهم لو كانوا كفاراً لما كانت عقوباتهم القطع والجلد؟ وكذلك قول الله فيمن قتل مظلوماً: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً [الإسراء:33] فلو كان القتل كفراً ما كان للولي عفو ولا أخذ دية، ولزمه القتل.

    وأما القول الرابع الذي فيه تضعيف هذه الآثار فليس مذهب من يعتد بقوله، فلا يلتفت إليه، إنما هو احتجاج أهل الأهواء والبدع الذين قصر عملهم عن الاتساع، وعييت أذهانهم عن وجوهها، فلم يجدوا شيئاً أهون عليهم من أن يقولوا: متناقضة. فأبطلوها كلها!].

    أحاديث الوعيد تأتي على جهتين:

    1- وعيد في الآخرة.

    2- وعيد اسمي.

    فالوعيد في الآخرة كقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً [النساء:10] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما أسفل من الكعبين ففي النار).

    وأما الوعيد الاسمي فهو: إخراج مرتكب المعصية عن مسمى اسم شرعي، أو عدم إضافته إلى المسلمين أو إلى المؤمنين أو ما إلى ذلك.

    وهو كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) وما إلى ذلك.

    المذهب الأول: من يفسر نصوص الوعيد بأنها من باب كفر النعمة

    المذهب الأول: هو قول من يذهب إلى تفسير هذه النصوص بأنها من باب كفر النعمة، وقد اعترض المصنف على هذا بأن العرب لا تعرف هذا الطرد.. وهذا صحيح؛ فلا يجوز أن تفسر جميع هذه النصوص في جميع مواردها بأنها من باب كفر النعمة؛ لأن كفر النعمة هو الجحد للآلاء... أو ما إلى ذلك، هذا هو الذي تعرفه العرب.

    ولكن ينبه إلى أن المصنف رحمه الله لم يرد إبطال هذا التفسير في جميع الموارد، وإنما أراد إبطال الطرد له، وإلا فإن الله يقول: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان:2-3]فلا شك أن من خالف فقد كفر شيئاً من النعم.

    إذاً أراد المصنف أن بعض الأحاديث لا تناسب هذا التفسير لغة.. وهذا صحيح، أما أن هذا حكم على جميع مواردها.. فهذا لم يرده المصنف، وإنما الذي أراد نفيه: أن هذا يسمى في باب كفران النعم.

    وكأن المصنف إنما رفض هذا التفسير طرداً؛ لأنه من جنس تفسير الإباضية من الخوارج؛ فإنهم يحملون أحاديث الوعيد على تفسير واحد، وهو أنها تدل على كفر النعمة، فالجمهور من الخوارج يقولون: مرتكب الكبيرة كافر كفر ملة. والإباضية منهم يقولون: كافر كفر نعمة؛ فالتزموا تفسير جميع هذه الأحاديث بكفران النعمة.

    وهذا الطرد مخالف للغة، ومخالف لطريقة السلف، فقد كان السلف يفسرون كل وعيد من الوعيد الاسمي بحسب ما يقتضيه السياق، فقد يكون السياق يقتضي أنه كفر نعمة فيجعلونه كفر نعمة، وقد يكون السياق يقتضي غير ذلك فيفسرونه بموجبه.

    وقد يقال: إن كل من عصى الله سبحانه وتعالى فإنه يلزمه أن يكون كافراً لشيء من نعمه.

    فيقال: إن هذا من باب اللوازم صحيح، ولكن فرق بين تفسير الاسم بحقيقته وتضمنه وبين تفسيره بلازمه؛ فإن الأسماء تفسر بحقائقها المطابقة أو المتضمنة، وأما اللوازم فإنها باب آخر.

    فصحيح أن كل من أتى كبيرة من الكبائر فقد كفر؛ لأن الله لم يجعل الناس إلا أحد شخصين: إما شاكراً وإما كفوراً، ولكن هذا من باب اللوازم في بعض الموارد، وقد يكون من باب المطابقة في بعض الموارد، وأما جعله مطرداً مطابقاً، فهذا هو الذي أراد المصنف عيبه.

    المذهب الثاني: من يحملها على التغليظ

    المذهب الثاني: وهو مذهب من يحملها على التغليظ، وهذا المذهب قد شاع عند بعض المتأخرين من أهل السنة كذلك، ونسبوه إلى السلف، فقالوا: إن السلف يذهبون إلى أن هذه الأحاديث في الوعيد الاسمي -وبعضهم طرد هذا حتى في وعيد الآخرة- إنما هي من باب التغليظ والترهيب، وليست على ظاهرها أو حقيقتها..

    وهذا القول أيضاً بدعة لم ينطق بها السلف، وإنما موجب إضافتها إلى طائفة من السلف: أنه جاء عن بعض السلف أحرف قد كانت زمن السلف من المفصل، وصارت زمن المتأخرين من المجمل.. فقد قال طائفة من السلف -مثلاً-: أمروها كما جاءت. وهذا كما قالوا في الصفات، أي: ترك تفسير أحاديث الوعيد، ولما سئل بعضهم عنها قال: هي على ما قال الله ورسوله، وعلى ما أراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    فكان بعضهم -أحياناً- يترك التفسير لها، ففهم من هذا بعض المتأخرين أنهم ما كانوا يذهبون إلى أنها على حقيقتها وظاهرها، فقالوا: إذاً يراد بها الترهيب والتغليظ..

    فتفسير هذه النصوص بهذا المذهب طرداً وقصراً هو من باب تفسير المرجئة، بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "من التزم أنها ترهيب محض فهذا من جنس تفسير الفلاسفة" . أي: من جنس قول المتفلسفة الذين عطلوا الوعيد عن حقيقته، وأنكروا حقيقة الثواب والعقاب الجسماني.

    إذاً هذا قول منكر على هذا الوجه، وإن كانت هذه النصوص -بلا شك- تسمى ترهيباً، ويراد بها الترهيب والتغليظ، ولكن الذي قصد المصنف وغيره من أئمة السنة إبطاله هو أنه لا يصح أن تقصر على مجرد الترهيب الذي معناه أنها لا حقيقة لها في نفس الأمر.

    ومثال ذلك: أن نفي الإيمان الذي ورد في قول الشارع صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) له حقيقة؛ فالزاني لا يسمى مؤمناً.

    فإن قيل: كيف لا يسمى مؤمناً؟

    قيل: لأن الإيمان هو ما ذكره الله بقوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1] ومن صفاتهم: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المؤمنون:5] وهذا لم يحفظ فرجه؛ فلا يسمى مؤمناً، فهذا تطابق مع القرآن وليس مخالفةً له.

    إذاً لا شك أنها تغليظ وترهيب، لكن من قصد أنها تغليظ وترغيب بمعنى أنها لا تفسر، أو أن معانيها غير معلومة، أو أنه لا حقيقة لها.. فكل هذه المعاني بدعة من بدع المرجئة، ومن نسبها إلى أحد من السلف فقد غلط عليه.

    المذهب الثالث: من يجعلها من باب كفر أهل الردة

    المذهب الثالث: وهو مذهب من يجعلها في باب كفر أهل الردة.

    وهذا المذهب لم يختلط على أحد من أهل السنة؛ فهو معروفٌ أنه قول الجمهور من الخوارج، وقولهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "لم يدخل شيء من مادته على أئمة السنة والجماعة، أو من انتسب إليهم، وإنما الذي دخل شيءٍ من مادته على بعض أئمة السنة ومن اشترك معهم، ونصر مذهبهم، فهو قول المرجئة" .

    إذاً تفسيرها بأنها من باب كفر الردة.. هذا لم يقل به أحد من أئمة السنة، ولا أشكل على أحد؛ لأنه مذهب معروف لجمهور الخوارج، وهو قولٌ بدعي، بخلاف التفسير الأول والتفسير الثاني فإن فيهما اشتباهاً كثيراً، وموجب اشتباههما أنهما ليسا غلطاً محضاً، وإنما الغلط في طردهما أو في القصر عليهما، أو ما إلى ذلك.

    المذهب الرابع: من يذهبها كلها ويردها

    المذهب الرابع: وهو مذهب من يذهبها كلها ويردها.

    وهذا قولٌ أشد نكارة من سابقه.

    فإن قيل: فمن الذي يذهب إلى هذا القول؟

    قيل:لم يعرف عن طائفة معينة في المسلمين أنها تبطل سائر الوعيد، حتى من يقول بترك أخبار الآحاد وعدم الاستدلال بها لا يقولون هذا؛ لأن هذا الوعيد مستعمل في القرآن، وقد ذكر المصنف مثالاً له من القرآن، وهو قول الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]

    إذاً: من هي الطائفة التي ترد كل هذه الأحاديث؟

    هنا يفسر كلام المصنف على أحد وجهين:

    الوجه الأول: أنه أراد الأحاديث؛ لأن أمثلته في الجملة من الأحاديث، وهو في مبدأ كلامه يقول: "فهذه أربعة أنواع من الأحاديث..." إلى أمثال ذلك.

    فإن أراد الأحاديث فكأنه قصد من طعن في هذه الأحاديث، فلا معنى أنها ليست من المتواتر.

    الوجه الثاني: أنه أراد بهذا النوع حتى ما دخل فيه من نصوص القرآن، فالطائفة التي ترد هذا كله ليست طائفة معينة، وكأنه أراد الطوائف البدعية التي لم تحقق هذه الأحاديث، ولم تعتبر حقائقها، وخالفتها في أقوالها... وما إلى ذلك؛ فيكون من باب المرادات العامة، وليس من باب المرادات الخاصة.

    وننبه هنا إلى أن مسألة تعيين الطوائف ليست أمراً مقصوداً لذاته.

    ونضرب مثالاً على هذا: أنه شاع عن غلاة المرجئة أنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، وأن مرتكب الكبيرة في الآخرة إلى الجنة، وأنه ليس هناك وعيد لأهل الكبائر... إلى غير ذلك. مع أنه لم ينضبط قولاً لأحد من الأعيان، وقد نص الإمام ابن تيمية على هذا في منهاج السنة، وإن كان الأشعري في المقالات وكذلك ابن حزم قد نسبا هذا القول إلى مقاتل بن سليمان ، لكن ابن تيمية يقول: "إن من أهل المقالات من ينسبه إلى مقاتل بن سليمان ، ولا يصح ذلك عنه".

    1.   

    مذهب السلف في مرتكب المعصية

    [وإن الذي عندنا في هذا الباب كله أن المعاصي والذنوب لا تزيل إيماناً، ولا توجب كفراً].

    قوله: "لا تزيل إيماناً" أي: لا تزيل أصل الإيمان.

    "ولا توجب كفراً" أي: لا توجب كفر الردة، ولا توجب اسم كفر النعمة على الإطلاق، وهذا من فقه المصنف؛ فإنه أراد أن مرتكب الكبيرة لا يصح أن يسمى كافراً، حتى لو أريد بالكفر كفر النعمة.

    [ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الذي نعت الله به أهله واشترطه عليهم في مواضع من كتابه فقال: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:111]إلى قوله: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة:112]وقال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2]إلى قوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:9-11]وقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:2-4].

    قال أبو عبيد : فهذه الآيات التي شرحت وأبانت شرائعه المفروضة على أهله ونفت عنه المعاصي كلها، ثم فسرته السنة بالأحاديث التي فيها خلال الإيمان في الباب الذي في صدر هذا الكتاب، فلما خالطت هذه المعاصي هذا الإيمان المنعوت بغيرها، قيل: ليس هذا من الشرائط التي أخذها الله على المؤمنين ولا الأمانات التي يعرف بها أنه الإيمان، فنفت عنهم حينئذ حقيقته ولم يزل عنهم اسمه].

    أي: الإيمان الفاضل الكامل المطلق، المذكور في قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1] وفي قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:2] وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة)وقال: (أدناها إماطة الأذى).

    فهذا الإيمان الكامل الفاضل المطلق يتضمن الأركان والواجبات والمستحبات، فلا شك أن مرتكب الكبيرة ينفى عنه هذا الاسم، فهو لا يعتبر ممن قام بالإيمان على التحقيق والتمام.

    وإذا قيل: ما المراد من هذا النفي؟

    قيل: المراد أنه تارك لواجب من واجبات الإيمان، فإن الاسم الشرعي كاسم الإيمان لا ينفى إلا إذا كان المخاطب قد ترك ما هو واجبٌ فيه، وأما تفسير هذا النص بأنه نفي الكمال؛ فإن ابن تيمية يقول: "إن هذا تفسيرٌ غلط".

    وقد ذكر ابن تيمية قاعدة وانتصر لها -وهي مستقرأة من كلام السلف- فقال: "إن الله ورسوله لا ينفي اسم مسمى أمر -أمر الله به ورسوله- إلا إذا ترك بعض واجباته... ثم قال: أما إذا كان الفعل مستحباً في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب، فإن هذا لو جاز لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج، لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ، بل ولا أبو بكر ولا عمر ، فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه لجاز أن ينفي عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل" .

    ولهذا يقول: "فمن قال: أن المنفي هو الكمال. فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة فقد صدق، وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله" قال: "والعرب لا تعرف نفي اسم إلا لترك ما هو واجبٌ فيه" . وهذا الكلام من شيخ الإسلام كأنه مفرع عن كلام المصنف رحمه الله؛ فإن المصنف كان يميل إلى هذه القاعدة، كما سيأتي توضيحه.

    المراد بنفي الإيمان عمن ارتكب بعض المعاصي

    [فإن قال قائل: كيف يجوز أن يقال: ليس بمؤمن، واسم الإيمان غير زائل عنه؟].

    "غير زائل عنه" أي: من جهة أصله وليس من جهة كماله، وهذا فرع عن قول السلف: "إن الإيمان يزيد وينقص".

    [قيل: هذا كلام العرب المستفيض عندنا غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله إذا كان عمله على غير حقيقته، ألا ترى أنهم يقولون للصانعِ إذا كان ليس بمحكمٍ لعمله: ما صنعت شيئاً، ولا عملت عملاً، وإنما وقع معناهم هاهنا على نفي التجويد، لا على الصنعة نفسها، فهو عندهم عاملٌ بالاسم، وغير عامل في الإتقان، حتى تكلموا به فيما هو أكثر من هذا، وذلك كرجلٍ يعق أباه ويبلغ منه الأذى، فيقال: ما هو بولد، وهم يعلمون أنه ابنه من صلبه. ثم يقال مثله في الأخ والزوجة والمملوك وأنما مذهبهم في هذا المزايلة من الأعمال الواجبة عليهم من الطاعة والبر.

    وأما النكاح والرق والأنساب، فعلى ما كانت عليه أمكانها وأسماؤها، فكذلك هذه الذنوب التي ينفى بها الإيمان، إنما أحبطت الحقائق منه الشرائع التي هي من صفاته، فأما الأسماء فعلى ما كانت قبل ذلك ولا يقال لهم: إلا مؤمنون، وبه الحكم عليهم].

    هذا الكلام يبين أن سبب استشكال كثير من المتأخرين -حتى من أهل السنة- لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)وأمثاله من النصوص إنما هو فساد اللغة، ولهذا وقفوا عند هذا الحديث على قدرٍ من التخريجات، وكل تخريج يُورَد عليه سؤالات وإشكالات ومعارضات، حتى لا يبقى إلا وجه مقارب.

    والأصل في شرح هذه الأسماء: أنها لا تقال بنوعٍ من الترجيح والظن والاحتمال والتقوية، بل تقال بتفسيرٍ واحدٍ صحيحٍ، فليس هناك مادة لمسألة التردد والاحتمال من جنس ما يقع في تفسير المسائل الفقهية الواقعة في باب العبادات والمعاملات وأمثال ذلك؛ لأن هذه الأسماء أسماء محققة المعاني وليست من محتمل المعاني، ولهذا لم يكن الصحابة يستشكلون مثل هذه الأحرف.

    وهذه قاعدة لابد لطالب العلم أن يتفطن لها، وهو أن الصحابة قد سألوا سؤالات في مواضع للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأما ما نهوا عنه من سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكن لما يتحصل به الفقه للدين. فمن يقول: إن معنى قول أنس وغيره: (نهينا أن نسأل رسول الله عن شيء)، أنهم كانوا ينهون عن السؤال مطلقاً.. فهذا غلط على الصحابة.

    فالصحابة إنما نهوا عن السؤال عما سُكت عنه، أو عما لم يأت أمره... إلى أمثال ذلك، أما أنهم نهوا عن السؤال في أمرٍ لم يفقهوه، بل يسمعون الأحاديث أو يسمعون القرآن ويترددون في المعاني، ويستشكلونها، ومع ذلك أمروا ألا يستفصلوا ولا يتفقهوا.. فهذا ليس بصحيح، ولا يجوز أن يضاف إلى نبوة نبي من الأنبياء فضلاً عن نبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: كان سكوت الصحابة في هذه الأحرف لأنها أحرف بينة، وليست مشتبهة، فهم سكتوا عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)لأنهم عرب، والعرب يقولون عن الرجل: ليس بشجاع، مع أنه شجاع، أو ليس بعادل مع أنه يعدل أحياناً، لكن لما ترك العدل في هذه القضية قيل: ليس بعادل.. وهلم جرا.

    إذاً: مسألة اللغة أصل في التفسير.

    الأدلة على أن المراد بنفي الإيمان عمن ارتكب بعض المعاصي نفي كماله لا أصله

    [وقد وجدنا مع هذا شواهد لقولنا من التنزيل والسنة، فأما التنزيل فقول الله جلّ ثناؤه في أهل الكتاب حين قال: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ [آل عمران:187]

    قال أبو عبيد : حدثنا الأشجعي عن مالك بن مغول عن الشعبي في هذه الآية قال:

    (أما إنه كان بين أيديهم، ولكن نبذوا العمل به).

    ثم أحل الله لنا ذبائحهم ونكاح نسائهم فحكم لهم بحكم الكتاب إذا كانوا به مقرين، وله منتحلين، فهم بالأحكام والأسماء في الكتاب داخلون، وهم لها بالحقائق مفارقون، فهذا ما في القرآن.

    وأما السنة فحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يحدث به رفاعة في الأعرابي الذي صلى صلاة، فخففها فقال له رسول الله صلى الله عليه: (ارجع فصل، فإنك لم تصل)حتى فعلها مراراً كل ذلك يقول: (فصل) وهو قد رآه يصليها، أفلست ترى أنه مصلٍ بالاسم، وغير مصل بالحقيقة، وكذلك في المرأة العاصية لزوجها، والعبد الآبق، والمصلي بالقوم الكارهين له أنها غير مقبولة. ومنه حديث عبد الله بن عمر في شارب الخمر: (أنه لا تقبل له صلاة أربعين ليلة)وقول علي عليه السلام: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)وحديث عمر رضي الله عنه في المقدم ثقله ليلة النفر: (أنه لا حج له) وقال حذيفة : (من تأمل خلق امرأة من وراء الثياب وهو صائم أبطل صومه).

    قال أبو عبيد : فهذه الآثار كلها وما كان مضاهياً لها فهو عندي على ما فسرته لك وكذلك الأحاديث التي فيها البراءة، فهي مثل قوله: من فعل كذا وكذا فليس منا، لا نرى شيئاً منها يكون معناه التبرؤ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من ملته].

    قوله: "فهو عندي على ما فسرته لك" أي: أنها نفي لتمام الإيمان الواجب.

    [إنما مذهبه عندنا أنه ليس من المطيعين لنا، ولا من المقتدين بنا، ولا من المحافظين على شرائعنا... وهذه النعوت وما أشبهها. وقد كان سفيان بن عيينة يتأول قوله: (ليس منا) أي: ليس مثلنا وكان يرويه عن غيره أيضاً، فهذا التأويل وإن كان الذي قاله إمام من أئمة العلم فإني لا أراه، من أجل أنه إذا جعل من فعل ذلك ليس مثل النبي صلى الله عليه وسلم، لزمه أن يصير من يفعله مثل النبي صلى الله عليه وسلم ، وإلا فلا فرق بين الفاعل والتارك وليس للنبي صلى الله عليه وسلم عديل ولا مثل من فاعل ذلك ولا تاركه.

    فهذا ما في نفي الإيمان وفي البراءة من النبي صلى الله عليه وسلم إنما أحدهما من الآخر وإليه يؤول].

    " يتأول" أي: يفسر، "ليس مثلنا" أي: أنه ليس على شريعتنا المحققة الواجبة، ولم يرد سفيان بقوله: "ليس مثلنا" أي: أنه ليس كالنبي صلى الله عليه وسلم في التمام والإيمان، فإنه لا أحد -حتى من لم يغش- يكون مثل النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما مراده وأمثاله من السلف: أن هذا التارك لهذا العمل أو الفاعل لهذه الكبيرة قد خرج عن الولاية النبوية العامة، ولهذا أصبح لا يضاف إليه في مثل هذا المقام، وهذا يدل على أن هذه الفعلة كبيرة، أو أنها تركٌ لواجبٍ من واجبات الشريعة.

    المراد بالكفر والشرك المذكور عن بعض المعاصي التي ليست كفراً ولا شركاً

    قال: [وأما الآثار المرويات بذكر الكفر والشرك ووجوبهما بالمعاصي، فإن معناها عندنا ليست تثبت على أهلها كفراً ولا شركاً يزيلان الإيمان عن صاحبه].

    إذاً: ليس المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (اثنتان في الناس هما بهم كفر) أي: أنهم كفروا وارتدوا ككفر أبي جهل ؛ فإن هذا مجمع على بطلانه.

    [إنما وجوهها أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون].

    ولا يقال: إنها كفر النعمة باطراد؛ لأنه قد لا يكون المقام مناسباً، وإنما الغالب على مناسبتها: أن هذه من خصال الكفار، وهذا أضبط من قول: إنها من خصال الكفر. فهي من سننهم وأخلاقهم وأفعالهم، أي أنها ليس من سنن المؤمنين، ولا من هدي المرسلين، ولا من طرائق المسلمين، وإنما هي من أفعال الكفار وسننهم، والواجب على المسلمين الهجر لهذا الجنس: وهو ما كان من سنن الكفار وطرائقهم المباينة لسنن المؤمنين، فإن هذا هو تحقيق الولاء والبراء.

    وتسمية النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الأفعال كفراً تدل على أن هذه الأفعال من الكبائر المفارقة لتمام السنة ووجوبها.

    [وقد وجدنا لهذين النوعين من الدلائل في الكتاب والسنة نحواً مما وجدنا في النوعين الأولين.

    فمن الشاهد على الشرك في التنزيل قول الله تبارك وتعالى في آدم وحواء عند كلام إبليس إياهما: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ [الأعراف:189]إلى: جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا [الأعراف:190]

    وإنما هو في التأويل أن الشيطان قال لهما: سميا ولدكما عبد الحارث. فهل لأحدٍ يعرف الله ودينه أن يتوهم عليهما الإشراك بالله مع النبوة والمكان من الله، فقد سمي فعلهما شركاً، وليس هو الشرك بالله.

    وأما الذي في السنة، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر) فقد فسر لك بقوله: (الأصغر) أن هاهنا شركاً سوى الذي يكون به صاحبه مشركاً بالله، ومنه قول عبد الله : (الربا بضعة وستون باباً، والشرك مثل ذلك) فقد أخبرك أن في الذنوب أنواعاً كثيرة تسمى بهذا الاسم وهي غير الإشراك التي يتخذ لها مع الله إله غيره، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فليس لهذه الأبواب عندنا وجوه إلا أنها أخلاق المشركين وتسميتهم وسننهم وألفاظهم وأحكامهم ونحو ذلك من أمورهم.

    وأما الفرقان الشاهد عليه في التنزيل فقول الله جلّ وعز: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]وقال ابن عباس : (ليس بكفرٍ ينقل عن الملة). وقال عطاء بن أبي رباح : (كفر دون كفر).

    فقد تبين لنا أنه كان ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باقٍ على حاله وإن خالطه ذنوب، فلا معنى له إلا خلاف الكفار وسنتهم، على ما أعلمتك من الشرك سواء؛ لأن من سنن الكفار الحكم بغير ما أنزل الله، ألا تسمع قوله: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [المائدة:50]تأويله عند أهل التفسير: أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون].

    هنا مسألتان في قول الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ [المائدة:44].

    1.   

    حكم ترك الحكم بما أنزل الله

    المسألة الأولى: هل ترك الحكم بما أنزل الله كفر مخرج من الملة أم ليس مخرجاً من الملة؟

    هذه المسألة -كما هو معلوم- عند المتأخرين -ولاسيما المعاصرين- مسألة خفض ورفع، فمنهم من يقول: إن ترك الحكم بغير ما أنزل الله كفرٌ بالإجماع، ويستدلون على ذلك ببعض كلام إسحاق بن إبراهيم رحمه الله في مثل قوله: "أجمع أهل العلم أن من دفع شيئاً أنزله الله على نبيه أنه كفر" . وهذا كلام لا جدال فيه، وليس هو من المشكلات، بل هو من بدهيات الإسلام، فإن قوله: " من دفع شيئاً". بمعنى: أباه ورده وطعن فيه أو كذبه، وهذا لا شك أنه كافر؛ ولهذا قال إسحاق رحمه الله: "من دفع شيئاً". أي: ولو كان شيئاً واحداً. ومعلوم أن ترك الحكم في مسألةٍ واحدة لم يذهب أحد من السلف ولا الخلف إلى أنه كفر يخرج من الملة.

    فتفسير كلام إسحاق لابد أن يكون على وجهه، وهو أن مراده بالدفع هنا الطعن وما إلى ذلك من أوجه الكفر الأكبر كالتكذيب ونحوه، وليس مجرد الترك؛ لأن آحاد الترك بالإجماع ليس كفراً.

    بقي إجمالٌ في هذه المسألة وليس تفصيلاً: هل الحكم بغير ما أنزل الله يعد كفراً مخرجاً من الملة، أم أنه كفر دون كفر؟

    يقال: هذا المعنى -وهو الحكم بغير ما أنزل الله- معنى له إطلاقٌ وله تقييد، وفيه قدرٌ يخرج من الملة، وقدرٌ لا يخرج من الملة.

    والنتيجة من هذا: أن الإطلاق في هذه المسألة ليس فاضلاً، وإنما كان السلف يطلقون على مراداتهم من المعاني، بمعنى: أن ثمة صوراً من الحكم بغير ما أنزل الله يُعلم ضرورةً أنها كفر مخرجٌ من الملة، وثمة صور تسمى حكماً بغير ما أنزل الله، ومع ذلك نعلم إجماع السلف على أنها ليست من الكفر المخرج من الملة كبعض الآحاد وأمثال ذلك.

    وهنا صور قد تكون من باب التردد والمشتبه الذي يتردد المجتهدون في إلحاقه: هل يسمى كفراً مخرجاً من الملة أو ليس كذلك؟

    ولذلك يوجد في تفسير السلف رحمهم الله لقول الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]وما شابهه من الآيات في سورة المائدة يوجد فيه بعض التعدد، وهذا من باب التنوع؛ فإن من السلف من حمل ذلك على الكفر الأكبر وعلقوه بالاستحلال وأمثال ذلك.. وهذا من باب أن ثمة صوراً من الحكم بغير ما أنزل الله تعد من الكفر المخرج من الملة، وأن الاستحلال أحد هذه الصور، وثمة صور أخرى تعرف بالدلائل الشرعية.

    لكن ثمة صور من الحكم بغير ما أنزل الله تسمى حكماً بغير ما أنزل الله هي بإجماع السلف وبدلائل الشريعة لا تعد من الكفر المخرج من الملة.

    وثمة صور -أيضاً- هي محل تردد واجتهاد، وقد يقع لها قدرٌ من الاشتباه، وهذا بحسب مقامات العلماء.

    وعليه: فالقصد إلى التزام حرفٍ واحد، وهو: أن الحكم بغير ما أنزل الله مخرج من الملة، وهذه طريقة السلف، ثم يأتي مقابل ذلك من يقرر من السلفيين الفضلاء أن الحكم بغير ما أنزل الله ليس مخرجاً من الملة عند السلف، يؤدي إلى مثل هذا التعارض..

    فإذا قيل: إن من السلف من حمل تفسير الآية على المخرج من الملة، ومنهم من حمله على غير المخرج من الملة.

    قيل: هذا بحسب فهم السلف للمراد من السياق، فمنهم من فهمه على مراد لا يخرج من الملة فسر الآية به، ومنهم من حمله على مراد يخرج من الملة ففسر الآية به.

    ولو فرُض جدلاً أن السياق المراد في كلام الله على أحد الصورتين، فإن هذا لا ينفي وجود الصورة الأخرى.

    أي: لو فرض أن السياق في ذكر الكفر الأكبر، قيل: لا شك أن ثمة حكماً بغير ما أنزل الله يسمى كفراً أكبر، فإن اليهود والنصارى كفار، وهم لا يحكمون بغير ما أنزل الله، ويسمى فعل اليهود والنصارى حكماً بغير ما أنزل الله مخرجاً لهم من ديانة المسلمين وديانة المرسلين، وهو كفرٌ بالكتاب... إلى غير ذلك.

    وقد يراد بالآية ما هو من أخلاق المشركين أو ما إلى ذلك، فهذا هو الكفر الذي دون كفر، ولهذا تعدد تفسير السلف.

    وعليه إذا قيل: هل تفسير السلف لهذه الآية من باب خلاف التضاد؟

    قد يقال: ظاهره أنه من باب خلاف التضاد؛ لأن منهم من يقول: كفرٌ دون كفر، ومنهم من يقول: كفرٌ أكبر -وهو الكفر بالله-.

    لكن الصواب: أنه خلاف تنوع؛ لأن من يقول: إنه كفرٌ دون كفر أراد به صوراً لا ينازع الآخر أنها ليست من الكفر بالله، ومن قال: إنه كفرٌ بالله في من استحل أو كذّب أو أنكر أو عظمَّ شرع غير الله على شرع الله، أو نحو ذلك من الصور، فهنا لا يمكن أن يقال: إن ابن عباس وأصحابه الذين قالوا: كفرٌ دون كفر ينازعون في أن هذا كفراً أكبر، ويلتزمون فيه أنه كفرٌ دون كفر.

    إذاً: إنما صار وجه الخلاف كالتضاد؛ لأن المرادات مختلفة، وهذا يبين لك أن المسألة عند السلف -وبحسب أدلة الشريعة- لها صور، بعضها كفر أكبر كحكم اليهود والنصارى، أو غيرهم من أجناس الكفار الذين يكذبون شرع الله، أو يعظمون غيره عليه، أو يستحلون، أو ما إلى ذلك من الصور.

    وبعضها -كآحاد المسائل- ليس من الكفر بإجماع أهل العلم، وهذا كالقاضي أو الحاكم إذا حكم في مسألة واحدة، كأن أتاه قريب له سارقٌ فما قطع يده، وقال: يكفي فيه التعزير.. فإن هذا حكم بغير ما أنزل الله لكنه بالإجماع لا يكفر، إلا إذا كان مكذباً للنص، وهذه مسألةٌ أخرى.

    وهناك صور -كما تقدم- محل تردد، وهذه الصور التي هي محل تردد أهم ما يقال من الواجب فيها: أنه لا ينبغي أن يخوض فيها بالتقرير إلا أهل العلم والبصيرة العارفون بالسنن والشرائع وهدي السلف والمصالح وما إلى ذلك.

    تضعيف البعض لأثر ابن عباس : أن ترك الحكم بما أنزل الله كفر دون كفر

    المسألة الثانية: وهي أن بعض من تكلم عن هذه المسألة -ولا سيما ممن ينزع إلى أن المقصود بالآية الكفر الأكبر المخرج من الملة- إذا ورد عليه ما روي عن ابن عباس أنه كفرٌ دون كفر، قال: هذا لم يصح عن ابن عباس، ومعتبره في عدم الصحة: أن الأسانيد التي روى بها ابن جرير في تفسيره هذه الآثار عن ابن عباس وأصحابه أسانيد منقطعة، وفيها إعلال من وجهٍ آخر.

    وعلى هذا يقول من يقول ممن يفسر الحكم بغير ما أنزل الله أنه كفر أكبر: إن هذا لم يصح عن أحدٍ من السلف، ونسبته إلى ابن عباس وأصحابه غير صحيحة لانقطاع إسنادها.

    وهذا غلط، بل الصواب: أن هذا قولٌ معروفٌ لـابن عباس .

    فإن قيل: فالإسناد عند ابن جرير ليس بصحيح أو منقطع أو ما إلى ذلك من التعبيرات.

    قيل: وليكن ذلك، ومن قال إن مدار أقوال ابن عباس على إسناد ابن جرير .

    فإن قيل: فيلزم على هذا أن إثبات إسناد آخر غير ما ذكر ابن جرير يصح إلى ابن عباس .

    قيل: إما أن يلزم هذا أو يكتفى بتصريح الأئمة بأن هذا قول لـابن عباس .. وهذا هو الذي يجزم به، فإنه لم يقع لي إلى الآن أن أتأكد من وجود أسانيد أخرى لـابن عباس . لكن الذي يجزم به أن هذا قولٌ معروف لابن عباس .

    ووجه الجزم به: أن الأئمة الكبار كانوا يعتبرونه قولاً لـابن عباس ، فالإمام أحمد كان يقول بهذا القول في بعض تفسيره للآية وينسب هذا القول إلى ابن عباس . والإمام البخاري يفسر الآية بهذا التفسير ويضيف هذا القول إلى ابن عباس ، والمصنف كذلك -وهو من أهل الحديث والفقه واللغة- يرويه إلى ابن عباس .

    وبهذا يظهر أن جملة من السلف نصوا على أن هذا قولٌ لـابن عباس ، وأن الإسناد الذي عند ابن جرير إنما هو أحد الأسانيد، ومن المعلوم أن بعض الأحاديث لها عند بعض المحدثين أسانيد مظلمة، مع أن الحديث قد يكون من الأحاديث المتفقة عليها بين أهل الحديث.

    إذاً: إسنادٌ واحد ليس مقياساً للصحة أو للضعف كما هو معروفٌ عند أهل العلم.

    ثم إنه في الجدل والنظر: من الذي يمنع أن ابن عباس يريد هذا؟ هل ابن عباس أراد أن الحكم بغير ما أنزل الله في جميع صوره ليس كفراً مخرجاً من الملة؟ هذا ليس مراده، ويمتنع أن ابن عباس وغيره من أهل العلم دونه يريدون ذلك، إنما أراد أن منه صوراً ليست مخرجة من الملة، وهذا ليس محل جدل.

    فهذه الصور التي ليست مخرجة من الملة، وهي حكم بغير ما أنزل الله هذا لا يوجب إلا شيئاً واحداً، وهو أنها تسمى كفراً، ولهذا قال ابن عباس : كفر دون كفر.

    1.   

    تسمية الشارع لبعض الأعمال كفراً أو نفاقاً مع عدم كفر فاعلها

    [وهكذا قوله: (ثلاثةٌ من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة، والأنواء)ومثله الحديث الذي يروى عن جرير وأبي البختري الطائي : (ثلاثةٌ من سنة الجاهلية: النياحة، وصنعة الطعام، وأن تبيت المرأة في أهل الميت من غيرهم)وكذلك الحديث: (آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعدَ أخلف، وإذا اؤتمن خان)، وقول عبد الله : "الغناء ينبت النفاق في القلب"].

    تحصّل من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى بعض الأعمال كفراً أو نفاقاً، كقوله: (آية المنافق ثلاث) في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وفي وجه عند مسلم : (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم)، وفي حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه: (أربعٌ من كُنّ فيه كان منافقاً خالصاً).

    وليس مراده صلى الله عليه وسلم بالمنافق هنا المنافق النفاق الأكبر الذي قال الله فيه: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ [النساء:145] .

    فإن قيل: قوله صلى الله عليه وسلم: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم)مشكل؛ لأن هذا اللفظ كأنه إخراج له عن الإسلام، أو حكمٌ عليه بالنفاق.

    قيل: لكن الواقع ليس كذلك؛ فإن الأسماء قد تتوارد على مسمىً واحد ويكون المقامُ مختلفاً؛ ولهذا صاحب الكبيرة نسميه مؤمناً في مقام، ونسميه مسلماً في مقام، ونسميه فاسقاً في مقام آخر.

    فإنه إذا ما أريد العتاق أو التوارث -مثلاً- قيل عن مرتكب الكبيرة: إنه مؤمن، على قول الله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92] فإنه لو أعتق فاسقاً صح بالإجماع، وهو معنى قول النبي: (أعتقها؛ فإنها مؤمنة).

    وإذا أريد بيان ما هو عليه من الكبيرة، والمفارقة للسنة والشريعة، وبيان الطعن عليه لإسقاط عدالته أو لذمه أو لذم فعله أو أمثال ذلك سمي فاسقاً.

    وإذا اعتبر الأصل فيه سمي مسلماً.

    وإذا تبين أن هذه الأسماء الثلاثة تستعمل في حق صاحب الكبيرة؛ فإنه يقال بعد ذلك: الأصل فيه اسم الإسلام.

    وأما من يقول: الأصل فيه اسم الفسق، فهذا خطأ؛ فإن الصحابة ما كانوا يلتزمون تسمية كل من أتى جرماً أو كبيرةً باسم الفسق، حتى لا يذكر بالإسلام في شيء.

    لكنه يسمى فاسقاً إذا اقتضى الأمر ذلك؛ وذلك إما بياناً لعدالته أو ذماً له أو لفعله أو ما إلى ذلك.

    وكذلك يسمى مؤمناً إذا اقتضى الأمر ذلك أو دخل في جملة الخطاب، كقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:104]فإنه يدخل في ذلك كل مسلم ولو كان فاسقاً.

    حكم تسمية بعض الكبائر كفراً أو نفاقاً قياساً على تسمية الشارع لبعض المعاصي كفراً أو نفاقاً

    هنا مسألة، وهي: أن الشارع سمى بعض الأعمال نفاقاً أو كفراً، فهل يصح أن تسمى بعض الكبائر كفراً أو نفاقاً من باب الطرد للتسمية، أم أنه يجب الاقتصار على تسمية الشارع؟

    مثلاً: لو أن قائلاً قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما عبدٍ أبق من مواليه فقد كفر) وهنا كبائر مثل إباق العبد أو أشد منه، فكما سمى الشارع إباق العبد كفراً ساغ لنا أن نسمي ما كان أشد منه مخالفة لله ولرسوله كفراً؟

    قيل: هذا لا يصح؛ لأن الشارع إنما سمى ما سماه من الأقوال أو الأعمال كفراً أو نفاقاً مع عدم خروج صاحبها من الملة؛ لأنه اعتبر في ذلك القدر والمناسبة.

    ويظهر اعتبار الشارع للقدر - أي: لقدر الذنب- بعدم تسميته صغيرة من الصغائر كفراً أو نفاقاً، بل كل ما سماه كفراً أو نفاقاً هو من الكبائر.

    أما وجه اعتبار المناسبة فالمقصود مناسبة العمل للاسم الذي سمي به، ولهذا نرى المناسبة واضحة في تسمية الإباق كفراً؛ وذلك لأن على العبد لأهله نعمة، وهو ملك لهم... إلى غير ذلك.

    إذاً الشارع إنما سمى ما سماه اعتباراً للقدر واعتباراً للمناسبة، وفي هذا التقرير منعٌ للقياس والطرد كما يستعمله ابن القيم رحمه الله ؛ فإنه ليس بصحيح.

    ومما يبين ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم التفصيل في حديث ابن مسعود في الصحيح فقال: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر).

    ولهذا خالف العامة من السلف الحسن البصري فيما روي عنه أنه يسمي الفاسق منافقاً، وإن أراد بذلك أنه منافق النفاق الأصغر.

    وبهذا يتبين أن الصواب هو الاقتصار على تسمية الشارع، فلا يسمى عملٌ أو قولٌ أنه كفرٌ أو نفاق إلا إذا كان الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم سماه كذلك، وأما القياس فليس بصحيح؛ لأن مبنى ذلك على القدر والمناسبة، والعلم بالمناسبة هو من خصائص صاحب الشريعة، فهو الذي يضبط المناسبات.

    وأما الناس فإنهم يسمون الأعمال بمطلقها، وإذا انغلق هل يسمى نفاقاً أو يسمى كفراً أو ما إلى ذلك؟

    قيل: لقد أورد الشارع أسماء مطلقة في الكبائر كاسم المعصية، والفسق، فيصح أن تسمى أي كبيرة معصية أو فسقاً، أما تسميتها كفراً ونفاقاً فهذا مختص بتسمية الشارع.

    [ليس وجوه هذه الآثار كلها من الذنوب أن راكبها يكون جاهلاً ولا كافراً ولا منافقاً وهو مؤمن بالله وما جاء من عنده، ومؤدٍ لفرائضه، ولكن معناها أنها تتبين من أفعال الكفار محرمة منهي عنها في الكتاب وفي السنة، ليتحاماها المسلمون ويتجنبوها فلا يتشبهوا بشيء من أخلاقهم ولا شرائعهم، ولقد روي في بعض الحديث: (إن السواد خضاب الكفار)فهل يكون لأحد أن يقول: إنه يكفر من أجل الخضاب؟! وكذلك حديثه في المرأة إذا استعطرت ثم مرت بقوم يوجد ريحها (أنها زانية) فهل يكون هذا على الزنا الذي تجب فيه الحدود؟ ومثله قوله: (المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان). أفيتهم عليه أنه أراد الشيطانين الذين هم أولاد إبليس؟! إنما هذا كله على ما أعلمتك من الأفعال والأخلاق والسنن. وكذلك كل ما كان فيه ذكر كفر أو شرك لأهل القبلة فهو عندنا على هذا، ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبه للردة إلا بكلمة الكفر خاصة دون غيرها، وبذلك جاءت الآثار مفسرة.

    قال أبو عبيد : حدثنا أبو معاوية عن جعفر بن برقان عن ابن أبي نشبة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من أصل الإسلام: الكف عن من قال لا إله إلا الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض من يوم بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار كلها).

    قال أبو عبيد : حدثنا عباد بن عباد عن الصلت بن دينار عن أبي عثمان النهدي قال: دخلت على ابن مسعود وهو في بيت مال الكوفة فسمعته يقول: (لا يبلغ بعبد كفراً ولا شركاً حتى يذبح لغير الله أو يصلي لغير الله).

    قال أبو عبيد : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان قال: (جاورت مع جابر بن عبد الله بمكة ستة أشهر، فسأله رجل: هل كنتم تسمون أحداً من أهل القبلة كافراً؟ فقال: معاذ الله! قال: فهل تسمونه مشركاً؟ قال: لا)].

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015421491

    عدد مرات الحفظ

    723640795