إسلام ويب

شرح الحموية [14]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وردت عن الأئمة رحمهم الله تعالى روايات كثيرة تدل على أن مذهب السلف هو إثبات الصفات على الحقيقة على الوجه اللائق بالله تعالى، وممن ورد عنهم ذلك من أقوالهم -تمثيلاً لا حصراً-: عبد الله بن المبارك، وحماد بن زيد، وسعيد بن عامر الضبعي -إمام البصرة وعالمها- وإمام الأئمة ابن خزيمة، وعباد بن العوام الواسطي، وعبد الرحمن بن مهدي، والأصمعي، وعاصم بن علي بن عاصم، ومالك بن أنس، والشافعي، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وابن أبي زمنين المالكي، والخطابي، وأبو نعيم الأصبهاني، ومعمر بن أحمد الأصبهاني، والفضيل بن عياض، والحارث المحاسبي.. وغيرهم رحمهم الله تعالى.

    1.   

    من أقوال الأئمة في إثبات صفات الله عز وجل

    قال المصنف رحمه الله: [وروى اللالكائي والبيهقي بإسنادهما عن عبد الله بن المبارك : أن رجلاً قال له يا أبا عبد الرحمن ! إني أكره الصفة -عنى صفة الرب- فقال له عبد الله بن المبارك : وأنا أشد الناس كراهية لذلك ولكن إذا نطق الكتاب بشيء قلنا به وإذا جاءت الآثار بشيء جسرنا عليه ونحو هذا.

    أراد ابن المبارك : أنا نكره أن نبتدئ بوصف الله من تلقاء أنفسنا حتى يجيء به الكتاب والآثار. وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحاح عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ولا نقول كما تقول الجهمية إنه ههنا في الأرض - وهكذا قال الإمام أحمد وغيره.

    وروي بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب الإمام سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية. فقال: إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء.

    وروى ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن سعيد بن عامر الضبعي -إمام أهل البصرة علما ودينا من شيوخ الإمام أحمد - أنه ذكر عنده الجهمية فقال: أشر قولا من اليهود والنصارى وقد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش وهم قالوا: ليس على شيء.

    وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة: من لم يقل: إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة.

    ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح.

    وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده عن عباد بن العوام -الواسطي إمام أهل واسط من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد - قال: كلمت بشر المريسي وأصحاب بشر ; فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا: ليس في السماء شيء.

    وعن عبد الرحمن بن مهدي الإمام المشهور أنه قال: ليس في أصحاب الأهواء شر من أصحاب جهم يدورون على أن يقولوا: ليس في السماء شيء أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا.

    وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الرحمن بن مهدي قال: أصحاب جهم يريدون أن يقولوا: إن الله لم يكلم موسى ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء وإن الله ليس على العرش أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا.

    وعن الأصمعي قال: قدمت امرأة جهم فنزلت بالدباغين فقال رجل عندها: الله على عرشه. فقالت: محدود على محدود فقال الأصمعي : كفرت بهذه المقالة.

    وعن عاصم بن علي بن عاصم - شيخ أحمد والبخاري وطبقتهما- قال: ناظرت جهمياً; فتبين من كلامه أنه لا يؤمن أن في السماء رباً.

    وروى الإمام أحمد بن حنبل الشيباني قال: أخبرنا سريج بن النعمان قال: سمعت عبد الله بن نافع الصائغ قال: سمعت مالك بن أنس يقول: الله في السماء وعلمه في كل مكان; لا يخلو من علمه مكان.

    وقال الشافعي : خلافة أبي بكر الصديق حق قضاه الله في السماء وجمع عليه قلوب عباده.

    وفي الصحيح عن أنس بن مالك قال: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول:زوجكن أهاليكن،وزوجني الله من فوق سبع سموات. وهذا مثل قول الشافعي .

    وقصة أبي يوسف -صاحب أبي حنيفة - مشهورة في استتابة بشر المريسي حتى هرب منه لما أنكر أن يكون الله فوق عرشه قد ذكرها ابن أبي حاتم وغيره].

    1.   

    قول ابن أبي زمنين في إثبات صفات الله عز وجل

    [وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين الإمام المشهور من أئمة المالكية في كتابه الذي صنفه في أصول السنة قال فيه:

    باب الإيمان بالعرش

    قال: ومن قول أهل السنة أن الله عز وجل خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق ثم استوى عليه كيف شاء كما أخبر عن نفسه في قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ [الحديد:4] الآية. فسبحان من بعد وقرب بعلمه فسمع النجوى. وذكر حديث أبي رزين العقيلي; قلت: (يا رسول الله أين ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء) قال محمد : العماء السحاب الكثيف المطبق -فيما ذكره الخليل - وذكر آثارا أخر. ثم قال:

    باب: الإيمان بالكرسي:

    قال محمد بن عبد الله: ومن قول أهل السنة أن الكرسي بين يدي العرش وأنه موضع القدمين . ثم ذكر حديث أنس الذي فيه التجلي يوم الجمعة في الآخرة وفيه: (فإذا كان يوم الجمعة هبط من عليين على كرسيه ثم يحف الكرسي على منابر من ذهب مكللة بالجواهر; ثم يجيء النبيون فيجلسون عليها).

    وذكر ما ذكره: يحيى بن سالم صاحب التفسير المشهور: حدثني العلاء بن هلال عن عمار الدهني; عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الكرسي الذي وسع السموات والأرض لموضع القدمين; ولا يعلم قدر العرش إلا الذي خلقه.

    وذكر من حديث أسد بن موسى ; ثنا حماد بن سلمة عن زر عن ابن مسعود قال: ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماء خمسمائة عام وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام وبين الكرسي والماء خمسمائة عام والعرش فوق الماء والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه.

    ثم قال في باب الإيمان بالحجب قال: ومن قول أهل السنة إن الله بائن من خلقه يحتجب عنهم بالحجب فتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً [الكهف:5]وذكر آثاراً في الحجب.

    ثم قال في باب الإيمان بالنزول قال: ومن قول أهل السنة أن الله ينزل إلى سماء الدنيا ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حدا وذكر الحديث من طريق مالك وغيره.

    إلى أن قال: وأخبرني وهب عن ابن وضاح عن الزهري عن ابن عباد . قال: ومن أدركت من المشايخ مالك وسفيان وفضيل بن عياض وعيسى بن المبارك ووكيع : كانوا يقولون: إن النزول حق. قال ابن وضاح : وسألت يوسف بن عدي عن النزول قال: نعم أومن به ولا أحد فيه حدا وسألت عنه ابن معين فقال: نعم أقر به ولا أحد فيه حدا.

    قال محمد : وهذا الحديث يبين أن الله عز وجل على العرش في السماء دون الأرض وهو أيضا بين في كتاب الله وفي غير حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [السجدة:5] وقال تعالى: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً [الملك:16-17] وقال تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10] يرفعه وقال: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام:18] وقال تعالى: يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران:55] وقال: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء:158].

    وذكر من طريق مالك : قول النبي صلى الله عليه وسلم للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: فأعتقها).

    قال: والأحاديث مثل هذا كثيرة جدا فسبحان من علمه بما في السماء كعلمه بما في الأرض لا إله إلا هو العلي العظيم.

    وقال قبل ذلك في الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه قال: واعلم بأن أهل العلم بالله وبما جاءت به أنبياؤه ورسله يرون الجهل بما لم يخبر به عن نفسه علما والعجز عن ما لم يدع إليه إيمانا وأنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه على لسان نبيه. وقد قال -وهو أصدق القائلين- كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص:88] وقال: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الأنعام:19] وقال: وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28] وقال: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [الحجر:29] وقال: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48]وقال: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] وقال: وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64] وقال: وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ [الزمر:67]الآية. وقال: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] وقال: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:164] وقال تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [النور:35] الآية وقال: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] الآية. وقال: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد:3] ومثل هذا في القرآن كثير. فهو تبارك وتعالى نور السموات والأرض كما أخبر عن نفسه وله وجه ونفس وغير ذلك مما وصف به نفسه ويسمع ويرى ويتكلم هو الأول لا شيء قبله والآخر الباقي إلى غير نهاية ولا شيء بعده والظاهر العالي فوق كل شيء والباطن بطن علمه بخلقه فقال: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:3] قيوم حي لا تأخذه سنة ولا نوم.

    وذكر: أحاديث الصفات ثم قال: فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه ووصفه بها نبيه وليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] لم تره العيون فتحده كيف هو؟ ولكن رأته القلوب في حقائق الإيمان.اهـ].

    1.   

    قول الخطابي في إثبات صفات الله عز وجل

    [وكلام الأئمة في هذا الباب أطول وأكثر من أن تسع هذه الفتيا عشره. وكذلك كلام الناقلين لمذهبهم. مثل ما ذكره أبو سليمان الخطابي في رسالته المشهورة في الغنية عن الكلام وأهله قال: فأما ما سألت عنه من الصفات وما جاء منها في الكتاب والسنة فإن مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف وإنما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي والمقصر عنه.

    والأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله. فإذا كان معلوما أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. فإذا قلنا يد وسمع وبصر وما أشبهها فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه; ولسنا نقول: إن معنى اليد القوة أو النعمة ولا معنى السمع والبصر العلم; ولا نقول إنها جوارح ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل ونقول: إن القول إنما وجب بإثبات الصفات; لأن التوقيف ورد بها; ووجب نفي التشبيه عنها لأن الله ليس كمثله شيء; وعلى هذا جرى قول السلف في أحاديث الصفات هذا كله كلام الخطابي .

    وهكذا قاله أبو بكر الخطيب الحافظ في رسالة له أخبر فيها أن مذهب السلف على ذلك.

    وهذا الكلام الذي ذكره الخطابي قد نقل نحوا منه من العلماء من لا يحصى عددهم مثل أبي بكر الإسماعيلي والإمام يحيى بن عمار السجزي وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي صاحب منازل السائرين وذم الكلام وهو أشهر من أن يوصف وشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني وأبي عمر بن عبد البر النمري إمام المغرب وغيرهم].

    الخطابي رحمه الله من كبار أهل العلم المعتبرين المعروفين، لكنه وإن كان مائلاً عن علم الكلام -وهو كـالبيهقي في هذا- فلم يتقلده، بل إن له ذماً فيه، إلا أنه تارةً يوافق بعض أئمة المتكلمين وبخاصة الأشعري ومن هو على شاكلته في بعض الموارد، ولهذا صار الخطابي -وكذلك البيهقي - عند طائفة من الناظرين يضاف إلى الأشعرية على مثل هذا المعنى، من جهة أنهم لم يصححوا العلم الكلامي، ولهم امتداح مفصل لمذهب السلف لا يقع عند كثير من متكلمة الأشاعرة بل عند عامتهم، لكنهم يوافقون الأشعري في بعض الموارد وبخاصة في مسائل الصفات الفعلية.

    1.   

    قول بعض من نسبوا إلى التصوف في إثبات صفات الله عز وجل

    [وقال أبو نعيم الأصبهاني صاحب الحلية في عقيدة له قال في أولها: طريقتنا طريقة المتبعين الكتاب والسنة وإجماع الأمة; قال فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العرش واستواء الله يقولون بها; ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه: لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه .

    وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه محجة الواثقين ومدرجة الوامقين تأليفه: وأجمعوا أن الله فوق سمواته عال على عرشه مستو عليه لا مستول عليه كما تقول الجهمية إنه بكل مكان; خلافا لما نزل في كتابه: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:10] الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] له العرش المستوي عليه والكرسي الذي وسع السموات والأرض وهو قوله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255] وكرسيه جسم والأرضون السبع والسموات السبع عند الكرسي كحلقة في أرض فلاة; وليس كرسيه علمه كما قالت الجهمية; بل يوضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه; كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وأنه - تعالى وتقدس- يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده والملائكة صفا صفا; كما قال تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [الفجر:22] وزاد النبي صلى الله عليه وسلم: وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده فيغفر لمن يشاء من مذنبي الموحدين ويعذب من يشاء. كما قال تعالى: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران:129].

    وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني -شيخ الصوفية في حدود المائة الرابعة في بلاده- قال: أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة وموعظة من الحكمة; وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر بلا كيف وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين قال فيها: وإن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل والاستواء معقول والكيف فيه مجهول. وأنه عز وجل مستو على عرشه بائن من خلقه والخلق منه بائنون; بلا حلول ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ملاصقة; لأنه الفرد البائن من الخلق الواحد الغني عن الخلق. وإن الله عز وجل سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء: فيقول: (هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر)ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل. فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال وسائر الصفوة من العارفين على هذا . اهـ.

    وقال الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال في كتاب السنة ثنا أبو بكر الأثرم ثنا إبراهيم بن الحارث يعني العبادي حدثنا الليث بن يحيى قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث -قال أبو بكر : هو صاحب الفضيل - قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؟ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ فقال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه. وكل هذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع; كما يشاء أن ينزل وكما يشاء أن يباهي وكما يشاء أن يضحك وكما يشاء أن يطلع. فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف؟. فإذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء.

    ونقل هذا عن الفضيل جماعة منهم البخاري في أفعال العباد .

    ونقل شيخ الإسلام بإسناده في كتابه الفاروق فقال: ثنا يحيى بن عمار ثنا أبي ثنا يوسف بن يعقوب ثنا حرمي بن علي البخاري وهانئ بن النضر عن الفضيل . وقال عمرو بن عثمان المكي في كتابه الذي سماه التعرف بأحوال العباد والمتعبدين قال: باب ما يجيء به الشيطان للتائبين وذكر أنه يوقعهم في القنوط ثم في الغرور وطول الأمل ثم في التوحيد. فقال: من أعظم ما يوسوس في التوحيد بالتشكل أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه أو بالجحد لها والتعطيل. فقال بعد ذكر حديث الوسوسة:- واعلم رحمك الله أن كل ما توهمه قلبك أو سنح في مجاري فكرك أو خطر في معارضات قلبك من حسن أو بهاء أو ضياء أو إشراق أو جمال أو سنح مسائل أو شخص متمثل: فالله تعالى بغير ذلك; بل هو تعالى أعظم وأجل وأكبر ألا تسمع لقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] وقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:4] أي لا شبيه ولا نظير ولا مساوي ولا مثل أولم تعلم أنه لما تجلى للجبل تدكدك لعظم هيبته؟ وشامخ سلطانه؟ فكما لا يتجلى لشيء إلا اندك: كذلك لا يتوهمه أحد إلا هلك. فرد بما بين الله في كتابه من نفسه عن نفسه التشبيه والمثل والنظير والكفؤ. فإن اعتصمت بها وامتنعت منه أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب -تعالى وتقدس- في كتابه وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فقال لك: إذا كان موصوفا بكذا أو وصفته أوجب له التشبيه فأكذبه; لأنه اللعين إنما يريد أن يستزلك ويغويك ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين الجاحدين لصفة الرب تعالى. واعلم -رحمك الله تعالى- أن الله تعالى واحد لا كالآحاد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد -إلى أن قال- خلصت له الأسماء السنية فكانت واقعة في قديم الأزل بصدق الحقائق لم يستحدث تعالى صفة كان منها خليا واسما كان منه بريا تبارك وتعالى; فكان هاديا سيهدي وخالقا سيخلق ورازقا سيرزق وغافرا سيغفر وفاعلا سيفعل ولم يحدث له الاستواء إلا وقد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل فهو يسمى به في جملة فعله. كذلك قال الله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [الفجر:22] بمعنى أنه سيجيء; فلم يستحدث الاسم بالمجيء وتخلف الفعل لوقت المجيء فهو جاء سيجيء ويكون المجيء منه موجودا بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه لأن ذلك فعل الربوبية فيستحسر العقل وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود فلا تذهب في أحد الجانبين; لا معطلا ولا مشبها وارض لله بما رضي به لنفسه وقف عند خبره لنفسه مسلما مستسلما مصدقا; بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير. إلى أن قال: فهو تبارك وتعالى القائل: أنا الله لا الشجرة الجائي قبل أن يكون جائياً; لا أمره المتجلي لأوليائه في المعاد; فتبيض به وجوههم وتفلج به على الجاحدين حجتهم المستوي على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان -تبارك وتعالى- الذي كلم موسى تكليما. وأراه من آياته فسمع موسى كلام الله؟ لأنه قربه نجيا. تقدس أن يكون كلامه مخلوقا أو محدثا أو مربوبا الوارث بخلقه لخلقه السميع لأصواتهم الناظر بعينه إلى أجسامهم يداه مبسوطتان وهما غير نعمته خلق آدم ونفخ فيه من روحه -وهو أمره- تعالى وتقدس أن يحل بجسم أو يمازج بجسم أو يلاصق به تعالى عن ذلك علواً كبيراً الشائي له المشيئة العالم له العلم الباسط يديه بالرحمة النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا ليتقرب إليه خلقه بالعبادة وليرغبوا إليه بالوسيلة القريب في قربه من حبل الوريد البعيد في علوه من كل مكان بعيد ولا يشبه بالناس. إلى أن قال: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10] القائل: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً [الملك:16-17]تعالى وتقدس أن يكون في الأرض كما هو في السماء جل عن ذلك علواً كبيراً اهـ].

    هذه النقولات عن الصوفية، وإن كان في بعض الأحرف كلام لا يوافقون عليه على التمام والتفصيل، لكن غرض المصنف بها: أن يبين أن هذا الإثبات الذي ذكره في رسالته وفي كتبه مفصلاً هو مذهب معروف حتى عند المتصوفة.

    والإشكال في الصوفية أنهم طوائف متباينة تماماً، فمن الصوفية من أضيفوا إلى التصوف، وهم أئمة معتبرون من كبار أهل السنة والجماعة، كـالفضيل بن عياض وأمثاله، فإن هذا وإن لم يسم نفسه صوفياً إلا أن جمهور كتب الصوفية يضيفونه إليهم.

    وصنف آخر من الصوفية: وهو من وقع في بدع عملية، أي: قد يكون عنده زيادة في التعبد أو بعض التكلف أو ما يشاكل ذلك، ولكنه من حيث الأصول -أصول الديانة- مستقر على قول أهل السنة والجماعة.

    وطائفة من الصوفية: يميلون إلى الطرق الكلامية ويركبون عليها الطرق الصوفية كما هي حال القشيري صاحب الرسالة .

    وطائفة من الصوفية: ينتحلون الطريقة الكلامية والطريقة الصوفية، ويرون الفرق بينهما، لكنهم يجعلون هذا خطاباً وهذا خطاباً، كما هي الطريقة التي انتهى إليها أبو حامد الغزالي صاحب الإحياء ، فإنه انتهى إلى طريقتين، بل إلى ثلاث طرق كما ذكر ذلك في كتابه ميزان العمل ، فهو يمتدح طريقة المتكلمين باعتبار أنها طريقة جدلية ينازل بها الخصوم؛ ولهذا استعملها في رده على المتفلسفة، ولكنه من حيث التحقيق والمعرفة واليقين كما يقول: فإن اليقين هنا يقع في طريقة الصوفية.. .

    وطائفة من الصوفية: الصوفية المتفلسفة الذين وقعوا فيما يقارب الطرق الإلحادية، بل في مقالات إلحادية محضة من مقالات الزنادقة من الفلاسفة وغيرهم، كما هي طريقة ابن عربي وابن سبعين والتلمساني وابن الفارض وأمثال هؤلاء أصحاب وحدة الوجود، وكما هي طريقة الإشراقيين كـالسهروردي الإشراقي وأمثالهم، فهؤلاء متصوفة متفلسفة، مقالاتهم مقالات إلحادية زندقية، ولم يعرفوا عند المسلمين بخير ولا بعمل فاضل ولا بشريعة متبعة، بل عرفوا بالبدع ومنكرات الأحوال والأقوال، حتى في مسائل الأمر والنهي، فإن كثيراً من غلاتهم عطلوا الأمر والنهي كما عطلوا باب المعرفة الإلهية على التفصيل المذكور في الكتب السماوية لما قالوا بنظرية وحدة الوجود.

    وقد شاع في الصوفية كثيراً الضلال والبدع، بل انحرف بعضهم إلى الكفر المحض، وإن كان هذا لا يضاف إلى كل من أضيف إلى التصوف، ولهذا قد يكون من الفاضل التفريق بين من ينتسب إلى الصوفية بنفسه، حيث إنه -في الجملة- لا يخلو من شيء من الوهم والبدع، وبين من أضيف إلى التصوف، وليس فيه أثر من أثر البدع كـالفضيل بن عياض وأمثاله.

    إذاً: غرض المصنف من نقله عن الصوفية: أمثال أبي إسماعيل الأنصاري الهروي ، وأبي نعيم صاحب الحلية وأمثالهم؛ هو أن الفاضل من المتصوفة -والمتصوفة فيهم فضلاء- يثبت مسائل الصفات في الجملة، بل منهم -وبخاصة من أضيف إليهم- من يحققها تحقيقاً تاماً كـالفضيل بن عياض وأمثاله.

    1.   

    قول الحارث المحاسبي في إثبات الصفات

    [وقال الإمام أبو عبد الله الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي في كتابه المسمى فهم القرآن قال في كلامه على الناسخ والمنسوخ:

    وأن النسخ لا يجوز في الأخبار قال: لا يحل لأحد أن يعتقد أن مدح الله وصفاته ولا أسماءه يجوز أن ينسخ منها شيء. إلى أن قال: وكذلك لا يجوز إذا أخبر أن صفاته حسنة عليا أن يخبر بذلك أنها دنية سفلى فيصف نفسه بأنه جاهل ببعض الغيب بعد أن أخبر أنه عالم بالغيب وأنه لا يبصر ما قد كان ولا يسمع الأصوات ولا قدرة له ولا يتكلم ولا كلام كان منه وأنه تحت الأرض لا على العرش جل وعلا عن ذلك. فإذا عرفت ذلك واستيقنته: علمت ما يجوز عليه النسخ وما لا يجوز فإن تلوت آية في ظاهر تلاوتها تحسب أنها ناسخة لبعض أخباره كقوله عن فرعون: حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ [يونس:90] الآيات وقال: حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد:31]وقال: قد تأول قوم: أن الله عنى أن ينجيه ببدنه من النار لأنه آمن عند الغرق وقال: إنما ذكر الله أن قوم فرعون يدخلون النار دونه وقال: فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ [هود:98] وقال: وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ [غافر:45]ولم يقل بفرعون. قال: وهكذا الكذب على الله; لأن الله تعالى يقول: فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى [النازعات:25] كذلك قوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا [العنكبوت:3] فأقر التلاوة على استئناف العلم من الله عز وجل عن أن يستأنف علما بشيء لأنه من ليس له علم بما يريد أن يصنعه لم يقدر أن يصنعه -نجده ضرورة- قال: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] قال: وإنما قوله: حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ [محمد:31]إنما يريد حتى نراه فيكون معلوما موجودا; لأنه لا جائز أن يكون يعلم الشيء معدوما من قبل أن يكون; ويعلمه موجودا كان قد كان; فيعلم في وقت واحد معدوما موجودا وإن لم يكن وهذا محال. وذكر كلاما في هذا في الإرادة. إلى أن قال: وكذلك قوله: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ [الشعراء:15]ليس معناه أن يحدث له سمعا ولا تكلف بسمع ما كان من قولهم وقد ذهب قوم من أهل السنة أن الله استماعا في ذاته فذهبوا إلى أن ما يعقل من أنه يحدث منهم علم سمع لما كان من قول; لأن المخلوق إذا سمع حدث له عقل فهم عما أدركته أذنه من الصوت، وكذلك قوله: وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة:105]لا يتحدث بصرا محدثا في ذاته وإنما يحدث الشيء فيراه مكونا كما لم يزل يعلمه قبل كونه. إلى أن قال: وكذلك قوله تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام:18]وقوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]وقوله: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] وقوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10] وقال: يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [السجدة:5] وقال: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج:4] وقال لعيسى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران:55] الآية وقال: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء:158] وقال: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ [الأعراف:206] وذكر الآلهة: أن لو كان آلهة لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا حيث هو فقال: قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء:42]أي: طلبه، وقال: سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1] قال أبو عبد الله : فلن ينسخ ذلك لهذا أبداً. كذلك قوله: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف:84]وقوله: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16]وقوله: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ [الأنعام:3]وقوله: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة:7]الآية فليس هذا بناسخ لهذا ولا هذا ضد لذلك. واعلم أن هذه الآيات ليس معناها أن الله أراد الكون بذاته فيكون في أسفل الأشياء أو ينتقل فيها لانتقالها ويتبعض فيها على أقدارها ويزول عنها عند فنائها جل وعز عن ذلك وقد نزع بذلك بعض أهل الضلال; فزعموا أن الله تعالى في كل مكان بنفسه كائنا كما هو على العرش; لا فرقان بين ذلك ثم أحالوا في النفي بعد تثبيت ما يجوز عليه في قولهم ما نفوه; لأن كل من يثبت شيئا في المعنى ثم نفاه بالقول لم يغن عنه نفيه بلسانه واحتجوا بهذه الآيات أن الله تعالى في كل شيء بنفسه كائنا ثم نفوا معنى ما أثبتوه فقالوا: لا كالشيء في الشيء. قال أبو عبد الله : لنا قوله:

    حَتَّى نَعْلَمَ [محمد:31] فَسَيَرَى اللَّهُ [التوبة:105] إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ [الشعراء:15] فإنما معناه حتى يكون الموجود فيعلمه موجودا ويسمعه مسموعا ويبصره مبصرا لا على استحداث علم ولا سمع ولا بصر. وأما قوله: وَإِذَا أَرَدْنَا [الإسراء:16] إذا جاء وقت كون المراد فيه. وإن قوله: عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام:18] الآية.. أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء:42] فهذا وغيره مثل قوله: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج:4] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:10] هذا منقطع يوجب أنه فوق العرش فوق الأشياء كلها منزه عن الدخول في خلقه لا يخفى عليه منهم خافية; لأنه أبان في هذه الآيات أنه أراد أنه بنفسه فوق عباده; لأنه قال:

    أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ [الملك:16]يعني: فوق العرش والعرش على السماء; لأن من قد كان فوق كل شيء على السماء في السماء وقد قال مثل ذلك في قوله: فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ [التوبة:2]يعني على الأرض; لا يريد الدخول في جوفها وكذلك قوله: يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ [المائدة:26]يعني: على الأرض; لا يريد الدخول في جوفها وكذلك قوله: وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71] يعني فوقها عليها. وقال: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] ثم فصل فقال: أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ [الملك:16] ولم يصل فلم يكن لذلك معنى -إذا فصل قوله: مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] ثم استأنف التخويف بالخسف - إلا أنه على عرشه فوق السماء. وقال تعالى: يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [السجدة:5] وقال: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج:4] فبين عروج الأمر وعروج الملائكة ثم وصف وقت صعودها بالارتفاع صاعدة إليه فقال: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4] فقال: صعودها إليه وفصله من قوله إليه كقول القائل: أصعد إلى فلان في ليلة أو يوم وذلك أنه في العلو وإن صعودك إليه في يوم فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله عز وجل وإن كانوا لم يروه ولم يساووه في الارتفاع في علوه فإنهم صعدوا من الأرض وعرجوا بالأمر إلى العلو قال تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء:158] ولم يقل عنده. وقال فرعون: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى [غافر:36-37] ثم استأنف الكلام فقال: وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً [غافر:37] فيما قال لي إن إلهه فوق السموات. فبين الله سبحانه وتعالى أن فرعون ظن بموسى أنه كاذب فيما قال: وعمد لطلبه حيث قاله مع الظن بموسى أنه كاذب ولو أن موسى قال: إنه في كل مكان بذاته لطلبه في بيته أو في بدنه أو حشه. فتعالى الله عن ذلك ولم يجهد نفسه ببنيان الصرح. قال أبو عبد الله : وأما الآي التي يزعمون أنها قد وصلها - ولم يقطعها كما قطع الكلام الذي أراد به أنه على عرشه - فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [المجادلة:7]فأخبر بالعلم ثم أخبر أنه مع كل مناج ثم ختم الآية بالعلم بقوله: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7] فبدأ بالعلم وختم بالعلم: فبين أنه أراد أنه يعلمهم حيث كانوا; لا يخفون عليه ولا يخفى عليه مناجاتهم. ولو اجتمع القوم في أسفل وناظر إليهم في العلو. فقال: إني لم أزل أراكم وأعلم مناجاتكم لكان صادقا - ولله المثل الأعلى أن يشبه الخلق - فإن أبوا إلا ظاهر التلاوة وقالوا: هذا منكم دعوى خرجوا عن قولهم في ظاهر التلاوة; لأن من هو مع الاثنين فأكثر; هو معهم لا فيهم ومن كان مع شيء خلا جسمه وهذا خروج من قولهم. وكذلك قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16]لأن ما قرب من الشيء ليس هو في الشيء ففي ظاهر التلاوة على دعواهم أنه ليس في حبل الوريد. وكذلك قوله: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ [الزخرف:84] لم يقل في السماء ثم قطع - كما قال: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16]ثم قطع فقال: أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ [الملك:16]- فقال: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ [الزخرف:84] يعني إله أهل السماء وإله أهل الأرض وذلك موجود في اللغة تقول: فلان أمير في خراسان وأمير في بلخ وأمير في سمرقند; وإنما هو في موضع واحد ويخفى عليه ما وراؤه فكيف العالي فوق الأشياء لا يخفى عليه شيء من الأشياء يدبره فهو إله فيهما إذ كان مدبرا لهما وهو على عرشه وفوق كل شيء تعالى عن الأشباه والأمثال. اهـ].

    الحارث بن أسد المحاسبي له كتاب مطبوع اسمه فهم القرآن ، وهو من أصحاب عبد الله بن سعيد بن كلاب، لكن الفرق بينه وبين ابن كلاب أن ابن كلاب متكلم نظار، بخلاف الحارث بن أسد ؛ فإنه معروف بالتصوف والأحوال وليس من أعيان المتكلمين، ولكنه تقلد طريقة ابن كلاب بعد شيوع القول في مسائل الصفات الفعلية، وحدوث النزاع في ذلك عند بعض المنتسبين للسنة، وأخص من أحدث ذلك وقرره -وهو الذي نزع الحارث بن أسد إلى قوله- هو عبد الله بن سعيد بن كلاب .

    والحارث بن أسد ينتسب إلى أهل السنة، ولكنه في كتابه فهم القرآن وفي بعض كتبه الأخرى انتهى إلى أن لأهل السنة والجماعة في الصفات الفعلية قولين:

    الأول: إثبات الصفات الفعلية.

    الثاني: عدم إثبات الصفات الفعلية وجعلها واحدةً أزلية كما هي طريقة ابن كلاب .

    ويرجح هو -أعني: الحارث المحاسبي - القول الثاني.

    ومن هنا شاع هذا القول، وهذا من أسباب نسبة هذا القول إلى أهل السنة كما تجده في كلام الأشعرية وغيرهم، أو أنه أحد القولين لهم، فـالحارث بن أسد وإن كان له مقام فاضل ونسك معروف، وهو من فضلاء العبَّاد، حتى إنه في عبادته كان مائلاً كثيراً إلى السنة والجماعة، ولم يكن معروفاً بانحراف ظاهر في عبادته، وإن كان الإمام أحمد رحمه الله قد ثبت عنه أنه أمر بهجر الحارث بن أسد ، وبعض من تكلم في طريقة أحمد قال: إنما هجره لما رآه عليه من طريقة الأحوال والإرادات والتصوف.. وهذا -فيما يظهر- غير صحيح، بل المرجح -وهو الذي رجحه شيخ الإسلام في درء التعارض وغيره- أن الإمام أحمد إنما أمر بهجر الحارث بن أسد ؛ لأنه انتحل القول الذي قاله عبد الله بن سعيد بن كلاب وهو عدم إثبات الصفات الفعلية.

    فهذا القول لما انتحله وصار يضيفه إلى أهل السنة مع أنه لم يعرف بعلم الكلام، بل عرف بالعبادة والأحوال؛ صار من المصلحة الإعراض عنه، ولهذا هجره الإمام أحمد لهذا السبب: حتى لا ينزع بعض أهل السنة إلى قوله وطريقته.. وهذا من فقه الإمام أحمد ؛ لأن الهجر عند أهل السنة ليس مطرداً في معصية معينة، ما دام أن الشخص من أهل الإسلام فليس هناك اطراد في الأمر بهجره، إلا إذا خرج من الملة وهذا شأن آخر، لكن في ما يتعلق بأهل الأخطاء أو حتى من يقعون في بعض البدع فهذا بحسب البدعة التي وقع فيها، ولهذا هجر السلف أعيان المبتدعة الذين بدعهم مغلظة كأئمة الجهمية والرافضة ونحوهم.

    ولكن من يغلط في بعض المسائل التي دون هذا، وهو في الجملة على السنة والجماعة، وله تعظيم للسنن والآثار ومقاصد السلف.. الخ فهذا بحسب المصلحة في هجره، ولهذا هجر الإمام أحمد المحاسبي من هذا الوجه، كما أنه -كما تقدم- منع أن يدخل عليه داود بن علي الأصبهاني ، مع أن هذا ليس بالضرورة أن يكون منهجاً مطرداً؛ ولهذا ترى أن بعض أئمة الحديث الكبار ممن هم في درجة أحمد أقروا داود بن علي على الدخول عليهم، وهذا لأنه لم يكن هذا قاعدةً لزومية مطردة عند سائر الأئمة، مما يدل على أن هذا معمول به حسب مقاصد الشريعة ومصالحها.

    إذاً: النقل عن الحارث بن أسد يلاحظ فيه هذا المقصد: أنه ليس فاضلاً من جهة قوله في مسألة الصفات الفعلية، وإن كان قوله في الصفات الأخرى -وخاصة صفة العلو- يعتبر من الأقوال الفاضلة.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017245771

    عدد مرات الحفظ

    724005309