إسلام ويب

شرح الحموية [11]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من المخالفين لمذهب السلف في باب الصفات: أهل التجهيل، وهم الذين يزعمون أن جبريل عليه السلام والنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان كانوا يجهلون معاني آيات الصفات، وهذا المذهب مردود ببداهة العقول، فضلاً عن نصوص الكتاب والسنة.

    1.   

    الصنف الثالث من أصناف المخالفين لمذهب السلف: أهل التجهيل

    قال المصنف رحمه الله: [وأما الصنف الثالث وهم: أهل التجهيل. فهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يعرف معاني ما أنزل الله إليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معاني الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك. وكذلك قولهم في أحاديث الصفات].

    هؤلاء هم أهل التجهيل، وأهل التخييل وأهل التأويل لهم مدارس مختصة عرفت بهم كمدرسة الفلاسفة باختلاف طرقها الباطنية والنظرية وغير ذلك، وكمدرسة المعتزلة والأشاعرة والماتريدية.

    أما أهل التجهيل فهو -إن صح التعبير- رأي شاع في كثير من الطوائف، وليس له طائفة مختصة تعرف بأنها طائفة أهل التجهيل أو طائفة أهل التفويض أو أهل التوقف، أي: ليس هناك طائفة مختصة تلتزم هذا المذهب باطراد، كما أنك تقول: المعتزلة، الأشاعرة.. إلخ، إنما هي نظرية -أعني التجهيل أو التفويض أو التوقف- شاعت في كثير من الطوائف.

    والمصنف هنا يشير إلى أن أخص من اعتنى به -أي: بمسلك التجهيل أو بعبارة أشهر وهي: مسلك التفويض- هم قوم من المنتسبين إلى السنة والأئمة الذين لم يحققوا مذهب السلف، وهو في الغالب يقع عند طائفة من فقهاء المذاهب الأربعة الذين عندهم ميل إلى صحة الطرق الكلامية ولكنهم ليسوا حذاقاً في العلم الكلامي، وإنما عندهم ميل وأثر من أثر المتكلمين من أصحاب أبي الحسن أو أصحاب أبي منصور الماتريدي ، بسبب الصحبة الفقهية، حيث إن هذا المتكلم شافعي وهذا الفقيه شافعي، وكما هو معلوم كثير من المتكلمين فقهاء كـالرازي ، والغزالي ، والجويني ، وبعض أصحابهم الفقهاء الذين يشاركونهم في الفقه وفي أصول الفقه أو يشاركونهم في التمذهب على مذهب الشافعي أو مالك أو نحو ذلك ولم يشتغلوا بالعلم الكلامي تجد في الغالب أنهم يميلون لهذه الطريقة لا سيما وأن أئمتهم المتكلمين قرروا أن هذه الطريقة هي طريقة السلف، أو بعبارة أقرب أيضاً: هي طريقة الأئمة الذين ينتحلون مذهبهم كالشافعي ومالك وأمثالهما.

    إذاً: هذا صنف اشتغلوا بطريقة التفويض الذي يسميها المصنف طريقة التجهيل ، وهم خلط من الفقهاء الذين تأثروا بأصحابهم من المتكلمين لما يجمعهم من الجوامع الفقهية والمذهبية في مسائل الشريعة.

    الصنف الثاني: وهم قوم من المتكلمين من متكلمة الصفاتية، وهؤلاء طائفتان:

    الأولى: تشتغل بالتأويل وتشتغل بالتفويض، أو تجوز التأويل وتجوز التفويض، وهذا هو الغالب على أصحاب أبي الحسن الأشعري .

    الثانية: لم تر التفويض، وكانت تذم التفويض، لكن فيما بعد لما تبين لهم قصور طريقة التأويل سلكوا مسلك التفويض؛ لأنهم قصدوا الرجوع إلى مذهب السلف ولم يكن في علمهم أن مذهب السلف ليس هو التفويض، وهذا هو الذي تراه في كلام أبي المعالي الجويني في الرسالة النظامية ، فإنه لما رجع عن طريقته التي قررها في الشامل والإرشاد ، وذكر تحريم التأويل ومنعه، مال إلى طريقة ظنها مسلك السلف، وهي طريقة التفويض، ولهذا لو قيل: هل رجع الجويني إلى مذهب السلف وأهل السنة؟

    قيل: من حيث الانتساب قصد ذلك، فقد تبين له أن طريقته الأولى فيها أغلاط شديدة، لكنه لم يصب المذهب من حيث التحقيق، وإن كان ينتسب إليه في الجملة.

    ويدخل في الصنف الأول -الفقهاء- بعض المنشغلين بشروح الأحاديث ونحوه.

    الصنف الثالث: وهم قوم من الصوفية الذين أعرضوا عن طرق الصوفية الباطنية، وعن طرق متكلمة الصوفية،وإن كان المتكلمون في الصوفية قليلين، لكن يقع لهم بعض ذلك، كما هي طريقة القشيري صاحب الرسالة ، وكما هي طريقة أبي حامد الغزالي ، فإن القشيري والغزالي من أعيان المتكلمين، وهم أيضاً من أعيان المتصوفة، لكن ثمة صنف من المتكلمين عادةً من الصوفية ليسوا باطنيةً كما هي طريقة المتفلسفة منهم، وليسوا مائلين إلى الطريقة الكلامية كـالقشيري والغزالي ، وإنما هم بين هذا وهذا، فلديهم تأثر بأصحابهم أصحاب هذه الطرق، ففضلوا هذه الطريقة التي انضبط عند كثير من المتأخرين أنها طريقة السلف فاشتغلوا بها، وموجب الاشتغال: ما شاع عند كثير من أصحابهم وغيرهم أنها طريقة السلف، فهذا موجب.

    وثمة موجب آخر: وهي أن علومهم الصوفية الأحوالية الإرادية تناسب هذه الطريقة؛ فإنهم ليسوا من أرباب النظر، وطريقة التأويل طريقة نظرية بخلاف طريقة التفويض؛ فإنها تناسب أرباب الأحوال والإرادات الذين لا يستعملون الطرق النظرية وإنما يستعملون الطرق -كما يسمى- الرياضية أو نحوه.

    هذا هو الصنف الثالث الذين شاعت فيهم هذه الطريقة، وهم خلق من المتصوفة.

    وقد شاعت هذه الطريقة -ولا سيما في هذا العصر- في نوع ممن اشتغل بالعمل للإسلام من وجه عام في بعض الطوائف والجماعات الإسلامية الذين قصدوا مذهب السلف ولكنهم ليسوا من أهل العلم، وتوهموا كما توهم من قبلهم خلق من الفقهاء وغيرهم أن طريقة السلف هي طريقة التفويض، فتقلدوا هذه الطريقة وهم ينتسبون إلى السلف ظانين أنها هي طريقة السلف مما فاتهم من العلم والاختصاص بمعرفة هذا الباب.

    هل علم النبي عليه الصلاة والسلام معاني آيات الصفات؟

    [وكذلك قولههم في أحاديث الصفات: إن معناها لا يعلمه إلا الله. مع أن الرسول تكلم بها ابتداءً، فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه، وهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ [آل عمران:7].

    إذاً: طريقة التفويض طريقة باطلة قطعاً؛ لأنه إذا قيل: إن المعنى مفوض، فهنا يقع السؤال: هل هو مفوض والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلمه أو لا يعلمه؟

    فهنا لهم طريقان:

    إما أن يقولوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم المعاني. وهذا لا شك أنه نقص في مقام النبوة؛ ويكون القرآن قد جاء باحتياطات لا يعرف معناها حتى النبي صلى الله عليه وسلم ، ويكون القرآن على هذا جاء بظاهر لا يليق بالله ولا يستطيع أحد أن يعرف المقصود به حتى الأنبياء، وهكذا في غير القرآن والكتب السماوية.

    أو يقولوا: إن النبي يعرف المعنى. فهنا يقال: فإن كان هذا المعنى الذي عرفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الحق إما أن يكون بينه أو لم يبينه، فإن لم يبينه فقد كتم الحق، وإن كان بينه فإن البيان وقع في أصحابه ومن بعدهم ممن أخذ عن الصحابة.

    تناقض الأشاعرة في دعواهم أن مذهب السلف هو التفويض مع دعواهم تعارض العقل والنقل

    وبهذا يتبين أن طريقة التفويض هذه طريقة ممتنعة في العقل، والدليل على امتناعها في العقل: أن الناس قبل ظهور هذه الطريقة في زمن القرون الثلاثة الفاضلة في الجملة -حتى الذين انحرفوا عن طريقة السلف من المعتزلة والجهمية والمشبهة- لم يشتغل أحد منهم بطريقة التفويض؛ لأنها طريقة ممتنعة ببداهة العقول، وإن كان افتتن بها خلق ممن انتسب إلى السنة والأئمة ممن لم يحقق طريقتهم.

    ومتكلمة الأشاعرة الذين يجوزونها ويرون أنها طريقة السلف حتى لا يكون مذهبهم مناقضاً لمذهب السلف بنوها على معنىً متناقض؛ لأنهم قرروا تعارض العقل والنقل -أعني علماء الأشاعرة ولا سيما بعد طبقة أبي المعالي - والتعارض الذي قصدوه تعارض في الدلالة -أي: الدلالة النقلية المعارضة للدلالة العقلية- هكذا يقررها أبو المعالي ومن بعده ممن تكلم في الأشاعرة.

    فهنا السؤال: إذا كان الأشعرية ولا سيما بعد طبقة أبي المعالي يقرون بتعارض الدلالة النقلية مع الدلالة العقلية أليس العلم بالتعارض فرعاً عن العلم بمعنى الدلالتين؟ الجواب: بلى، لأنك إن فرضت أن الدلالة النقلية ليست معلومة فكيف تقول: إن الدلالة النقلية عارضت الدلالة العقلية؟

    وإذا كانت الدلالة النقلية مجهولة مفوضة، ومتوقف فيها، أي: لا يعرف معناها، فكيف فرضت أنها معارضة للدلالة العقلية؟! لأنه قد يكون في نفس الأمر أنها لا تعارضه، وهذا هو الأصل حتى عند المتكلمين: أن النقل يجب أن يؤول إلى موافقة العقل.

    إذاً على كل حال: طريقة متكلمة الأشاعرة طريقة ساذجة، ولهذا لما قرر المعتزلة قبلهم تعارض العقل والنقل لم يفرضوا صحة مسألة التفويض؛ لأن هذا مناقض لأصل التقرير البدهي: كونك تقول أن الدلائل النقلية معارضة للدلائل العقلية. حسناً: هو التعارض بين الثبوت أو بين الدلالة؟ لا شك أنهم لا يقولون: الثبوت؛ لأن القرآن ثبوته قطعي، وإذا كان ثبوت القرآن قطعياً -وهذه بديهة عند المسلمين- ثم فرض التعارض في الثبوت وليس في الدلالة فبالضرورة أن العقل ليس قطعياً؛ لأن القول بأنه قطعي يؤدي إلى التعارض بين قطعيين في الثبوت.. وهذا لا يمكن.

    إذاً يرجع التعارض إلى الدلالة، وإذا رجع التعارض إلى الدلالة فمن شرط القول بأن الدلالتين بينهما تعارض العلم بمعنى الدلالتين؛ أي: أن هذه الدلالة تدل على معنى كذا وهذه الدلالة تدل على معنى كذا وبهذا العلم يقع العلم بالتعارض، أما إذا لم يعرف معنى الدلالتين أو أحدهما فإنه لا يمكن القول بأن التعارض قد وقع بينهما.

    ومن هنا كان هذا القول ممتنعاً عند أرباب العقل من حذاق النظار من المعتزلة وأمثالهم، أي: أن المعتزلة أرعى لهذه القواعد العقلية في هذا المورد من الأشاعرة، وإن كان الأشاعرة أقرب إلى السنة والجماعة منهم، كما أن المصنف قبل ذلك قال: وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس.. قال: هي بعينها تأويلات بشر . ثم قال: بكلام إذا طالعه العاقل والذكي الذي عرف أن بشر المريسي وأمثاله أقعد بها من هؤلاء -يعني المتأخرين- .

    1.   

    أثر استخدام الألفاظ المجملة

    [وهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ [آل عمران:7]فإن وقف أكثر السلف على قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ [آل عمران:7]وهو وقف صحيح، ثم فرقوا بين معنى الكلام وتفسيره، وبين التأويل الذي انفرد الله تعالى بعلمه، وظنوا أن التأويل في كلام الله تعالى هو التأويل المذكور في كلام المتأخرين، وغلطوا في ذلك].

    هذه قاعدة مهمة: وهي أن كثيراً من الغلط في هذا الباب موجبه الألفاظ المجملة، سواء كانت هذه الألفاظ مجملة من حيث الأصل أم مجملة من حيث الاستعمال، أي: استعمال المستعملين لها.

    ومن أمثلة الإجمال من حيث الاستعمال: أن النفاة للعلو لما ذكروا العلوا نفوه بحجة تنزيه الله عن الجهة، وهذا اللفظ حادث لم يذكر لا في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام الصحابة إثباتاً ولا نفياً، فهذا الإجمال هو الذي أوقع الوهم فيه.

    ولهذا الطريقة الفاضلة في هذا المقام أن يقال لمن نفى الجهة: أخبرنا عن العلو والفوقية، أو أخبرنا هل الله في السماء، أو هل هو بائن عن الخلق. فتستخدم الألفاظ: إما القرآنية أو التي ليس فيها إجمال، مثل أنه بائن عن خلقه، فمن نفى الجهة يقال: أخبرنا هل تقول أن الله بذاته فوق العالم أو فوق السموات أو أنه بذاته فوق العرش أم لا؟

    فإذا أجرى هذا على لفظ الجهة -أي: نفاهما معاً- فقد تحقق ظهور الغلط فيه.

    المقصود: أن الألفاظ المجملة الحادثة هي من أخص موجبات الوهم والغلط.

    ولفظ التأويل ليس لفظاً مجملاً من حيث الأصل ولا لفظاً حادثاً، فهو ليس حادثاً لأنه مذكور في الكتاب والسنة، وأما أنه ليس مجملاً من حيث الأصل لأن معناه من حيث الأصل مفصل، ولكن لاستعمال المستعملين له من المتكلمين وأمثالهم صار فيه الإجمال، حيث أحدثوا معنىً ثالثاً أضافوه للتأويل وسموه تأويلاً هو المستعمل عندهم في مقام الصفات، فإذا رأوا قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:7]امتدحوا طريقة التأويل بأن الراسخين في العلم يعرفون التأويل، ويقصدون هنا بالتأويل: التأويل الذي اصطلحوا عليه. وإذا أرادوا تصحيح طريقة التفويض وقفوا عند قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ [آل عمران:7]ولا شك أن هذا غلط من جهتين: من جهة أن التأويل المذكور في القرآن سواء وقف على قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ [آل عمران:7]أو وقف على قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:7]ليس هو التأويل الذي اصطلح عليه أهل الكلام.

    ومن وجه آخر: أن تصحيح الوقفين يستلزم أن يكون التأويل معناه متعدداً وليس واحداً؛ لأنك إن جعلت المعنى المقصود بالتأويل في السياق الواحد لزم أن تجعل الوقف على موضع واحد، ولهذا ترى أن أهل السنة صححوا الوقف في الموضعين، ولكنهم فسروا التأويل في موضع الوقف على قوله: إلا الله بغير التأويل الذي يقع عند الوقف على قوله: والراسخون في العلم .

    أما على طريقة المتكلمين فليس لهم في تفسيره إلا معنىً واحد، وهو صرف الكلام عن ظاهره إلى مجازه، فإن وقفت على قوله: إلا الله أفسدت طريقة التأويل، وإن وقفت على قوله: والراسخون في العلم وصمت السلف الذين وقفوا على هذا بالجهل.

    ولهذا هذه الآية لا تفيدهم شيئاً -أعني: أهل الكلام الذين فسروا التأويل بأنه صرف اللفظ عن ظاهره إلى المجاز.. إلخ-.

    وهذا دونه خرط القتاد من جهات كثيرة، وهذه الجهات معروفة، وهو مبني على ثبوت المجاز وقد تقدم الطعن فيه، ومبني على مسائل كثيرة، ولهذا هذا التأويل لا يفيدهم شيئاً.

    1.   

    معاني التأويل

    المعنى الأول

    [والتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح دليل يقترن بذلك].

    وقد يقولون: صرف اللفظ من الحقيقة إلى المجاز.

    [فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة تأويلاً على اصطلاح هؤلاء، وظنوا أن مراد الله تعالى بلفظ التأويل ذلك، وأن للنصوص تأويلاً يخالف مدلولها لا يعلمه إلا الله أو يعلمه المتأولون.

    ثم كثير من هؤلاء يقولون: تجرى على ظاهرها. فظاهرها مراد مع قولهم: إن لها تأويلاً بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله. وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم].

    كذلك لفظ الظاهر لفظ فيه إجمال من جهة نصه وإن كان من حيث النوع ليس مجملاً، فقد ذكر في القرآن لفظ الظاهر، لكنه لم يذكر في موطن الصفات، إنما جاء في مثل قوله: وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام:120]

    فإذا قيل: هل ظاهر النصوص مراد أو ليس مراداً؟

    قيل: هذا بحسب المراد من لفظ الظاهر، فإن قصد بالظاهر المعاني اللائقة بالله سبحانه فهو مراد، وإن قصد بالظاهر التشبيه كما هو مقصود جمهور المتكلمين فإن الله منزه عن ذلك، وتنزه نصوص القرآن أيضاً أن يكون ظاهرها التشبيه.

    المعنى الثاني

    [والمعنى الثاني: أن التأويل هو تفسير الكلام، سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه، وهذا هو التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم].

    التأويل: بمعنى التفصيل.

    [وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم، وهو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:7]كما نقل ذلك عن ابن عباس ومجاهد ومحمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن إسحاق وابن قتيبة وغيرهم، وكلا القولين حق باعتبار كما قد بسطناه في موضع آخر].

    قوله: وكلا القولين لا يقصد به معاني التأويل التي قدمها آنفاً، وإنما يقصد الوقف على قوله: (إِلاَّ اللَّهُ) والوقف على قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) فالوقف على قوله: (إِلاَّ اللَّهُ) يتخرج على المعنى الثالث للتأويل وهو الحقيقي، والوقف على قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) يتخرج على المعنى الثاني.

    [كما بسطناه في موضع آخر؛ ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا، وكلاهما حق].

    المعنى الثالث

    [والمعنى الثالث: أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول الكلام إليها].

    على هذا المعنى يوقف على قوله: (إِلاَّ اللَّهُ)، ويكون المعنى، أي: حقائق الصفات، ويمكن إذا رجعنا إلى القواعد المشتهرة في كلام السلف نقول: المعنى والكيفية، فإن قصد الكيفية فإنه يوقف على قوله: (إِلاَّ اللَّهُ)، وإن قصد المعنى من حيث هو فإنه يوقف على قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ).

    1.   

    هل آيات الصفات من المتشابه؟

    [وإن وافقت ظاهره فتأويل ما أخبر الله به في الجنة].

    هنا مسألة: هذا التقرير مفروض على أن هيئات الصفات تدخل بوجه ما في المتشابه، فهنا طريقتان:

    الأولى: أن يقال: إن آيات الصفات ليست من المتشابه.

    الثانية: أن يقال: إنه إذا قصد التشابه هنا فإن المقصود أنها لا تعلم من حيث الكيفية، أي: أن إطلاق القول بأن آيات الصفات من المتشابه غلط؛ ولهذا لم يطلقه أحد من السلف، وإن كان السلف أجمعوا على أن كيفية الصفات لا يعلمها إلا الله.

    فهذا مقام، والقول بأن آيات الصفات من المتشابه مقام آخر.

    [فتأويل ما أخبر الله به في الجنة من الأكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك هو الحقائق الموجودة أنفسها لا ما يتصور من معانيها في الأذهان، ويعبر عنه باللسان، وهذا هو التأويل في لغة القرآن كما قال تعالى عن يوسف أنه قال: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً [يوسف:100] وقال تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف:53] وقال تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء:59] وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله.

    وتأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرد الله تعالى بعلمها، وهو الكيف المجهول الذي قال فيه السلف -كـمالك وغيره-: الاستواء معلوم، والكيف مجهول. فالاستواء معلوم يعلم معناه ويفسر ويترجم بلغة أخرى، وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم، وأما كيفية ذلك الاستواء فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.

    وقد روي عن ابن عباس ما ذكره عبد الرزاق وغيره في تفسيرهم عنه أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل ، فمن ادعى علمه فهو كاذب.

    وهذا كما قال تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17]وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) وكذلك علم وقت الساعة ونحو ذلك، فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى].

    إذاً: قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث القدسي: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) مع أن المعاني في هذا الثواب معلومة، وهذا متفق عليه بين أهل السنة والمتكلمين، فالماء المذكور في الجنة والخمرة المذكورة في الجنة والنعيم المذكور في الجنة هو من حيث المعنى معروف، وإن كان من حيث الماهية والحقيقة لم يتصور؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه هذا.

    أما أن يكون بعض النعيم لم يحدث به الناس؛ حيث إن من نعيم الجنة ما لم يذكر أصلاً؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه عن ربه: (ولا أذن سمعت) ومن النعيم ما حدث به، أي جاء ذكره في الكتاب أو في السنة لكنه لا يتحقق تصوره في القلب أو في العقل؛ لأن ماهيته تناسب ذاك المقام.

    وهذا النعيم الأخروي الذي يقر به عند أهل السنة والمتكلمين دليل على أن صفات الباري سبحانه وتعالى صفات تليق به وإن وقع الاشتراك بينها وبين صفات المخلوقين في بعض الموارد من حيث الاسم المطلق، فتقول: رحمة الله ورحمة زيد. فلفظ الرحمة لفظ مشترك مطلق، وإذا أضيف وخصص فلكل موصوف ما يناسبه، كما يقال: ماء ثم يقال: ماء الدنيا وماء الآخرة. فلكل ما يليق به، وكذلك خمر الدنيا وخمر الآخرة. فلكل ما يليق به.

    وترى أن خمر الآخرة يمتنع ببداهة العقول وضرورة العقول أن تكون كخمر الدنيا، مع أن هناك نسبة -في الجملة- مشتركة يفهم بها الخطاب؛ ولهذا يمتنع أن يكون نعيم الآخرة مع نعيم الدنيا أو مع المواد التي في الدنيا مقروناً بالاشتراك اللفظي.

    1.   

    الأمر بتدبر القرآن كله

    [وكذلك علم وقت الساعة ونحو ذلك، فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.

    وإن كنا نفهم معاني ما خوطبنا به، ونفهم من الكلام ما قصد إفهامنا إياه كما قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]وقال: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ [المؤمنون:68]فأمر بتدبر القرآن كله لا بتدبر بعضه].

    هذا وجه في الاستدلال لمذهب أهل السنة: أن الله أمر في غير آية بتدبر القرآن، بل ذم سبحانه من لم يتدبر القرآن، ولو كان الحق في آيات الصفات في سائر مواردها هو التفويض أو أنه لا يفقه معناها إلا باستعمال الدلائل الكلامية لكان هذا الأمر -الذي من الله بتدبر سائر القرآن- ليس في محله، ولا شك أن هذا ممتنع بضرورة العقل والشرع، فهذا الأمر الإلهي بتدبر القرآن كله دليل على أن سائر آياته تقبل التدبر، ودليل على أن سائر آياته من حيث المعنى تقبل التدبر، أي: تقبل الفهم والعقل، وإلا لو كانت لا تفهم ولا تعقل فكيف يؤمر بتدبر القرآن لا سيما أن آيات الصفات ليست يسيرةً في القرآن، بل هي كثيرة ولا تكاد تخلو سورة من سور القرآن من ذكر أو إشارة إلى هذا الباب؟!

    فإن قال قائل: إن هذا قد يعترض عليه؛ لأنه قد أمر بتدبر سائر القرآن مع أن في مطلع كثير من السور حم الم ص ، فكيف يقال: إن الأمر بتدبر القرآن على عمومه مع وجود هذه الحروف المقطعة؟

    قيل: هذا درس في التدبر، فإنك إذا قرأت هذه الآيات ولو وقف الفهم والعقل -كما هو طريقة طائفة من أهل العلم أن الله أعلم بمراده منها، وهذا وجه حسن جيد- فإن هذا لا ينافي التدبر؛ لامتناع العلم بمعنى مناسب لهذه؛ لأنه ليس لها معنى في اللغة، حيث إنك إذا بحثت في سائر كلام العرب لا تجد أن العرب تطلق حم على شيء منها؛ فهو اختصاص قرآني، والوقوف عنده بهذا التدبر والتسليم هو من تدبره المناسب له، لكن في آيات الصفات المعاني معلومة في لسان العرب، فمن جعل آيات الصفات بمنزلة قوله تعالى: (حم) وأمثالها فقد سوى بين المختلفين تماماً، فمثل هذه الآيات لا يشكل ذكرها على هذه القاعدة، لهذا يقال: إن القرآن جميعه يتدبر، حتى مطلع هذه السور كقوله: حم وأمثالها؛ فإنها تتدبر على ما يناسبها من التدبر.

    تدبر السلف لكتاب الله سبحانه كاملاً

    [وقال أبو عبد الرحمن السلمي : حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: عثمان بن عفان ، وعبد الله بن مسعود ، وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم العمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً.

    وقال مجاهد : عرضت المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما من فاتحته إلى خاتمته أقف عن كل آية وأسأله عنها].

    مثل هذه الآثار كثير، وقد ذكر المصنف طرفاً يسيراً منها، وهي كثيرة في كلام السلف في المصنفات وكتب التفسير المسندة، يتحصل منها أنه كان شائعاً عند السلف أن كل القرآن يتدبر، وأن معناه في سائر موارده -سواء موارد الصفات أو غيرها- معلوم؛ مما يدل على أن طريقة التفويض طريقة باطلة، فضلاً عن بطلان كونها مضافة إلى السلف رحمهم الله.

    [وقال الشعبي : ما ابتدع أحد بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها. وقال مسروق : ما سأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن علمنا قصُر عنه.

    وهذا باب واسع قد بسط في موضعه.

    والمقصود هنا: التنبيه على أصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلالة في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن من جعل الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي أنزل إليه، ولا جبريل جعله غير عالم بالسمعيات ولم يجعل القرآن هدى ولا بياناً للناس].

    وهذا لازم لطريقة التفويض الذي نسبه كثير من المتأخرين للسلف، فإنه إذا كان الله أعلم بالمعنى فما فائدة الخطاب بها، ولا سيما أن الذين يقرون بطريقة التفويض يلتزمون قولاً واحداً، وهو أن الظاهر ليس مراداً، بل هو على طريقتهم تشبيه لا يليق بالله، وتشبيه الباري كفر، فإذا كان كذلك فما الحكمة من مجيء هذا الظاهر الذي هو كفر ليخاطب به العقلاء ليدخلوا في دين الإسلام؟!

    فإن من أخص الموجبات لدخول المشركين في الإسلام آيات الصفات؛ ولهذا تأخر نزول كثير من الشرائع، لكن لم يتأخر نزول آيات الصفات والتوحيد؛ لأن الاقتضاء العقلي والفطري يناسبها ابتداءً، بخلاف كثير من الشرائع فهي وإن كانت على مقتضى العقل والفطرة إلا أن ما يتعلق بالنفس من الشهوات ونحوها قد يكون مانعاً من قبولها.

    كل قول أضيف إلى جميع السلف يلزم إضافته إلى النبي عليه الصلاة والسلام

    [ثم هؤلاء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية، فلا يجعلون عند الرسول وأمته في باب معرفة الله عز وجل لا علوماً عقلية ولا سمعية؛ وهم قد شاركوا الملاحدة من وجوه متعددة، وهم مخطئون في ما نسبوه إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإلى السلف من الجهل، كما أخطأ في ذلك أهل التحريف، والتأويلات الفاسدة وسائر أصناف الملاحدة].

    إذاً: يلزم من قولهم: إن الخلف اشتغلوا بالعلوم العقلية فحصلوا التأويل والسلف لم يشتغلوا ففوضوا. أن يكون السلف لم يعرفوا المعنى لا من جهته شرعياً؛ لأنه مجهول على طريقتهم، ولا من جهته عقلياً؛ لأنهم لم يشتغلوا بالتأويل، فيجرد السلف بهذا من العلوم الشرعية والعلوم العقلية في باب الصفات، وتكون النتيجة: أن السلف في باب الصفات ليس لديهم علم عقلي ولا علم شرعي.

    وهنا قاعدة: أن كل قول أضيف لسائر السلف -أي: هو إجماع للسلف- فإنه يلزم أن يكون مضافاً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    فنقول: إن الأشاعرة يحكون في كتبهم أن السلف أجمعوا على عدم التأويل.. وهذا صحيح، لكنهم يقولون: إنهم وقعوا في التفويض. فإذا وقعوا في التفويض والأشعرية تمتدح طريقة التأويل وتقصد أنها هي الطريقة العقلية والعلم العقلي الفاضل فإن معنى هذا أن السلف لم يكن لديهم علم عقلي وليس معهم علم شرعي؛ لأن المعاني مجهولة، لكن السلف وهم الأئمة أخذوها عمن قبلهم من الأئمة من التابعين، والتابعون أخذوها عن الصحابة.. وهلم جرا.

    وهنا يرد السؤال: الصحابة ماذا كان شأنهم؟ هل كالأئمة الذين أدركوا زمن الخلافة أم على خلافهم؟ هل الصحابة عندهم علم بتأويلها أو ليس لديهم علم؟ وهلم جرا.

    إذاً: بهذه الطريقة يتسلسل الأمر إلى الصحابة والصحابة تلقوا عن نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم.

    ويصبح أن يقال بعبارة أخرى: هذه النصوص هل يمكن العلم بمعناها أو لا يمكن؟

    فإن قالوا: لا يمكن. قيل: إذاً كيف اشتغلوا بتأويلها.

    وإن قالوا: يمكن. نقول: لِم لَمْ يبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا لأمته؟ إلا إن التزموا أن النبي كان محتاجاً إلى العلوم الفلسفية كاحتياجنا. إذاً لماذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يبين هذا الممكن؟ إن قالوا: إن البيان يتوقف على الدليل العقلي الكلامي للزم من هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتحقق دينه إلا بمعرفته صلى الله عليه وآله وسلم للمقالات الفلسفية.. وهذا شطط! ولهذا ترى أن السلف رحمهم الله بموقفهم من هؤلاء الذين ضلوا طريقهم وطريقة الصحابة، وما تراه من إغلاظ السلف على الجهمية وطعنهم فيهم هو ليس كثيراً، هو واقع على التحقيق، ومقالاتهم مقالات كفرية محضة وإن كان السلف رحمهم الله عدلاً منهم لم يشتغلوا بتكفير أعيانهم؛ لأنه اختلط هذا القول في قوم من الزنادقة مع قوم ممن أرادوا الحق وقصدوه ولكنهم غلطوا فيه، وإن كان هؤلاء الذين غلطوا في معرفة الحق ممن لم يكونوا من أهل الزندقة والإلحاد -في الجملة- مقصرين في طلب الحق.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015552123

    عدد مرات الحفظ

    723677374