إسلام ويب

شرح الحموية [9]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من القواعد التي يذكرها العلماء في باب الصفات: أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فمن أثبت لله تعالى السمع والبصر ونحوهما فيلزمه أن يثبت باقي الصفات كالعلو والاستواء ونحوها، وإلا فإنه متناقض فيما يثبته وينفيه، وإن زعم أن العقل يدل على ما ذهب إليه، فإن العقل الصريح موافق للنقل الصحيح، وليس فيهما ما يوجب مخالفة العقيدة السلفية أصلاً، وإن نفوا الصفات بحجة التأويل فإنها حجة باطلة داحضة، معلومة الفساد من أوجه كثيرة.

    1.   

    القول الحق هو ما عليه الأمة الوسط

    قال المصنف رحمه الله: [والقول الفاصل: هو ما عليه الأمة الوسط: من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله، ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك].

    يستعمل المصنف رحمه الله هذه الصفات لأن الرسالة موجهة -في الغالب- لمتأخري الأشاعرة؛ لأن متأخري الأشاعرة يقرون بهذه الصفات: العلم والقدرة والسمع والبصر. فيقول لهم: كما أنكم أقررتم بهذه الصفات ولم يلزم من الإقرار بها أن تكون كصفات المخلوق فكذلك القول في الاستواء وبقية الصفات.

    العقل قوة غريزية لها حد

    [ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرهم، وكذلك هو سبحانه فوق العرش، ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق ولوازمها.

    واعلم أنه ليس في العقل الصريح ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريق السلفية أصلاً].

    هذا معنىً فاضل: أنه إذا قال قائل: الدليل العقلي يكون كذا.

    نقول: العقل لا يعارض النقل، والتعبد إنما هو بالنقل وليس بالعقل، ولكن إذا قلنا: التعبد بالنقل وليس بالعقل؛ فلا يعني هذا أن العقل فيه دلائل يتعذر على السالك مسلك النقل أن يجيب عنها، وإن كانت بعض ما جاءت به الشريعة يتعذر على العقل أن يدركه على التفصيل، وهذا لا إشكال فيه، ولهذا قال شيخ الإسلام : الرسل قد تخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول . ومعنى قوله: محارات العقول أي ما يتحير العقل في إدراك تفصيله، ومعنى قوله: بمحالات العقول أي: ما يستحيل في العقل أو يمنعه.

    وليس غريباً أن يقال: إن العقل قد يتحير أو يعجز عن إدراك التفصيل؛ لأن العقل قوة بشرية خاصة وقوة غريزية في الإنسان له حد، كما أن السمع في الإنسان له حد، والبصر في الإنسان له حد، والذوق في الإنسان له حد، والشم في الإنسان له حد، فكل قوة في الإنسان لها حد، فكذلك هذه القوة الباطنة وهي قوة الإدراك والعقل هي أيضاً قوة لها حد، لكن بحكم أنها غير مشاهدة -أي: ليست حسية- قد يصعب إدراك هذا.

    فأنت تعرف أن لبصرك حداً؛ لأنك تبصر به، ولهذا لا يوجد شخص عنده شبهة في أنه يبصر وهو لا يبصر، أي: لا تكون عند شخص شبهة يقول: أنا أبصر. فنقول: لا، أنت لا تبصر؛ لأن هناك أدلة متناقضة ومتعارضة على أنه يبصر أو لا يبصر؛ لأنها قضية حسية، لكن لأن العقل ليس قضية حسية يقع الوهم عند الكثيرين أنهم يدركون بعقولهم، مع أن العقل في نفس الأمر واقف عما يتكلمون في إدراكه، سواء من يدعي ذلك في مسائل الصفات وغيرها أو حتى من يدعي ذلك في مسائل التشريعات؛ حيث يدعي البعض أن الحكم الشرعي الفلاني لا يناسب العقل، أو أن الحد الفلاني لا يناسب العقل.

    فهذه الحدود الشرعية التي قد يراها كثير من الناظرين أنها قوة على الإنسان أو شدة على الإنسان، أو كما يصنفها الكفار بأنها غير مناسبة للإنسانية نجد أنها في القرآن تذكر على أنها هي الموافقة للطبيعة البشرية؛ لأن البشر لو لم يحدوا بهذه الحدود لحصل بينهم من الفساد والتعدي ما لا ينبغي، ولهذا كان قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:179] وكان قوله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً [النساء:27]ثم قال: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً [النساء:28] حتى بالحدود يخفف عنهم فقال: وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً [النساء:28] فترى أن هذه الحدود -التي هي كفارات كما وصفها النبي صلى الله عليه وآله وسلم - هي تخفيف على الإنسان، وضبط لميزان الإنسانية والبشرية؛ ولهذا إذا خلا منها مجتمع من المجتمعات يحصل فيه من العدوان والضلال والبغي ما لا ينبغي.

    لا يمكن أن يكون العقل مصدراً للتلقي

    [لكن هذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الواردة على الحق. فمن كان في قلبه شبهة وأحب حلها فذلك سهل يسير.

    ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة -من المتأولين لهذا الباب- في أمر مريج، فإن من أنكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها].

    بدأ المصنف هنا يضرب أمثلةً، وهي أنهم يقولون: تعارض العقل والنقل. فيقول: إن العقل الذي يزعمونه معارضاً للنقل يضطربون فيه، فالمعتزلة يقولون: إن العقل يحيل الرؤية. في حين أن جمهور الأشاعرة يقولون: العقل يدل على ثبوت الرؤية.. وهلم جرا.

    [وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علماً وقدرة، وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: أن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل].

    بمعنى أنه لا يمكن أن يكون العقل مصدراً للتلقي؛ لأنه لا يمكن أن ينضبط، والدليل على ذلك: أن من هؤلاء الطوائف الذين استعملوا العقل من يثبت شيئاً بالعقل ويزعم الآخر أن العقل ينفيه، فالأشاعرة -مثلاً- تقول: الحياة والكلام والبصر والسمع والإرادة والعلم والقدرة صفات تثبت بالضرورة العقلية.. لكن المعتزلة تقول: إن هذه الصفات منتفية بالضرورة العقلية. ويقول المتكلمون: نعيم الجنة يثبت بضرورة العقل، لكن المتفلسفة تقول: هذا النعيم لا يثبت بضرورة العقل، بل العقل يدل على نفيه.. وهلم جرا.

    إذاً: الدليل على أن العقل ليس دليلاً ومصدراً للمعرفة الحقة أن من شرط الدليل الحق -وهذا قاعدة-: أن يكون قابلاً للاطراد إذا أُحسن النظر فيه، والعقل لا يمكن أن يكون قابلاً للاطراد مهما وقع النظر فيه على جهة من الحسن؛ لأن العقل يغلب عليه إشكالان:

    الأول: أنه يغلط فيه من يغلط.

    الثاني: أنه لا يمكن أن يطرد؛ لأن العقل قوة قاصرة.

    إذاً: يمتنع أن يكون دليلاً؛ لأنه لا يقبل الاطراد من جهة قصوره ومن جهة اختلاف الناظرين فيه، حتى لو افترضنا جدلاً أن الناظرين يتفقون في العقل فنقول: يمتنع أن يكون دليلاً مطرداً؛ لأنه لا يقبل الاطراد؛ وذلك لأن العقل قوة قاصرة، كما أن البصر قوة قاصرة، فلا يمكن للإنسان أن يبصر ببصره كل شيء؛ فكذلك العقل لا يمكن أن يدرك به كل شيء.

    [ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل.

    ويكفيك دليلاً على فساد قول هؤلاء: أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل].

    وهذا دليل قاطع: أنه إذا تناقض المخالف تحت القاعدة الواحدة أو تحت الدليل الذي يزعمه دليلاً -وهو الدليل العقلي- وتناقضوا فيه دل على أن هذا الدليل الذي زعموه ليس دليلاً حقاً.

    [بل منهم من يزعم أن العقل جوز أو أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله.. فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟!].

    أي: هب أن القرآن يحتاج إلى تأويل عقلي، فبأي عقل هذا التأويل؟

    هل هو بعقل الأشاعرة أو بعقل المعتزلة أو بعقل الماتريدية أو بعقل المتفلسفة أو بعقل الكرامية أو بعقل المشبهة.. وهلم جرا من الطوائف؟

    وهذا يدل على أنه يمتنع أن يرد الله سبحانه وتعالى المعرفة إلى عقول متناقضة مختلفة، أو إلى عقول تلقت معقولها من قوم هم من أعظم من ناقض الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم المتفلسفة الذين بعث فيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

    وقد أسلفنا أن أجوبة السلف رحمهم الله في هذا الباب هي أسد الأجوبة، ولهذا من يقول: إن علماء السلف لم يشتغلوا بالردود العقلية. نقول: هم لم يشتغلوا بالردود العقلية حسب التنظيمات العقلية الاصطلاحية، لكن أن تكون جوابات السلف ليس فيها جوابات عقلية.. فهذا غلط على السلف، فقد تقدم معنا أن في جواب الإمام أحمد في مسألة العلو ومسألة القرآن أجوبة عقلية، وإن كان قد لا يستعمل فيها الاصطلاحات العقلية.

    والإشكال أن بعض طلبة العلم وبعض الشباب كما أن هذا وقع فيه بعض النظار: ظنوا أن الدليل العقلي هو الدليل الذي ينظم باصطلاحات الفلسفة أو المنطق أو علم الكلام، فإذا لم يستعمل ضمن الدليل كلمة الجوهر والعرض والهيولى.. إلخ ظن أن الدليل ليس دليلاً عقلياً، مع أن الأمر ليس كذلك، ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: الدلائل العقلية معتبرة بمعانيها التي يقبلها العقل، وليس بترتيبها واصطلاحها، فإن التركيب والاصطلاح يختلف فيه الناس ، أما الترتيب فلأن العقول تختلف، وأما الاصطلاح فلأنه عبارة عن لسان، واللسان بين بني آدم يختلف، بخلاف المعنى المدرك؛ فإنه لا يختلف بين بني آدم.

    1.   

    الانشغال بمسائل الجدل والمناظرات لا ينبغي أن يكون شأناً لطالب العلم

    [فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء ].

    وهذه القاعدة التي قالها مالك رحمه الله قاعدة فاضلة لطالب العلم، وهي أن مسألة الظهور بشيء من الشبهة عند بعض الناس لا يعني في نفس الأمر أن الحق الذي معك انقلب إلى باطل، ولكن يبقى أن الشخص بحكم ضعفه قد لا يستطيع دفع هذا الباطل؛ ولهذا قال: أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء . وغالباً أن الجدل يقع إذا ترك الأثر، وقد جاء في حديث -لكن فيه ضعف - في السنن: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)فالاشتغال دائماً بمسائل الجدل والنقاشات هذا لا ينبغي أن يكون شأناً لطالب العلم؛ لأنه ينبغي أن يكون له شأن في تقرير الاتفاق وتقرير الإجماعات... إلخ.

    وربما ترى بعض الشباب قد يشغل نفسه أو يشغل من حوله، وربما أشغل بعض العامة في مسائل يسيرة قد اختلف فيها الأئمة الكبار، والخلاف فيها ليس شديداً، مع أنه كان الخليق والأخلق به أن يشتغل بعبادات أجمع عليها الرسل. وهذا -سبحان الله!- من قلة الفقه. وهب أن النزاع فيها له قدر وأهمية فإن كونها لها أهمية ينبغي أن يقدر ذلك بقدره، فإن غيرها من المسائل لها أهمية، وبالقطع والضرورة أنها ليست هي أهم المسائل، فإن أهم المسائل هو توحيد الله سبحانه وتعالى وهذا مستقر.

    فكون طالب العلم دائماً يكون اصطحابه لمثل هذه المسائل، ويشغل بها نفسه، ويحدث بها الخاصة والعامة ويؤدبهم بها.. هذا ليس من أدب الشرع، فإن الناس أحوج ما يحتاجون إلى أن يؤدبوا بالعلم البين، وهو: العلم بالله سبحانه وتعالى وأسمائه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، هذا هو الإيمان الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل، وقال الله تعالى لنبيه: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ [محمد:19]ويؤدب بالعمل الصالح وبخاصة الأعمال التي هي أصول في الشرائع السماوية كلها، كالصلاة والصيام والإحسان إلى الخلق، وإتيان العبادات الخاصة، وحج بيت الله الحرام... وأمثال ذلك.

    1.   

    الرد على أهل التأويل

    [وكل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر، وهو من وجوه:]

    الوجه الأول

    [أحدها: بيان أن العقل لا يحيل ذلك].

    قوله: أن العقل لا يحيل ذلك أي: ليس في العقل الدلالة على نفي شيء جاءت به النصوص.. وهذه قاعدة.

    الوجه الثاني

    [والثاني: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل].

    قوله: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل يمكن أن نقول بعبارة أخرى: أن النصوص الواردة يمتنع فيها التأويل.

    ونضرب لهذا مثالين: في قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له. فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر)والمخالفون من المعتزلة والأشاعرة لا يثبتون هذا النزول لائقاً بجلال الله سبحانه وتعالى ، بل يتأولونه. فمنهم من يقول: ينزل ملك من ملائكته. نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل ربنا) فمن أين جاء المؤول بقوله: ينزل ملك؟؟

    إن قال: لأن الله يمتنع عليه النزول. قيل: الله سبحانه وتعالى ليس كذلك؛ لأنه نزوله ليس كنزول المخلوق.

    ثم لو فرض جدلاً هذا فهل يعني امتناع النزول في حق الباري تعيين أن الذي ينزل ملك أو عدمه؟ الجواب: عدم التعيين؛ لأنه قد لا يكون في نفس الأمر، فقد يكون الذي ينزل ملكان أو جمع من الملائكة، فمن الذي قال: إنه ملك؟! وكذلك نقول لمن قال: تنزل رحمته أو أمره.

    إذاً: التأويلات التي تفرض متعددة وهي مختلفة، ففرق بين قول من يقول: ينزل جبريل أو ينزل ملك، أو ينزل جملة من الملائكة، وبين قول من يقول: ينزل أمره، أو تنزل رحمته.. فمن الذي عين واحداً منها؟

    أي: هب جدلاً أن النزول ممتنع فمن الذي عين واحداً منها؟ وبأي دليل؟

    ومن قال بأنه ينزل ملك وهو لا يدري هذا كذب؛ لأن الملك لا ينزل إلا بأمر الله.

    إذاً: فكما أن تأويلاتهم ممتنعة هي في حقيقتها كذب -وهذا مطرد في كل التأويلات ولكن هذا مثال- لأن التأويل ليس هو الذي جاء بالنص، أي: أن المعنى الذي أول إليه النص ليس هو المعنى الذي ذكره النص، فإن النص ذكر نزول الله والتأويل ذكر نزول الملك، ونزول الله غير نزول الملك، والقرآن ذكر استواء الله والتأويل ذكر استيلاء الباري، والاستيلاء هو الملك، وليس معنى الاستواء هو معنى الاستيلاء، وهكذا بقية التأويلات.

    إذاً: لما كان المعنى الذي يؤول إليه النص -وهذا باتفاق حتى المعتزلة ومن يوافقهم- هو في نفسه معنى غير المعنى الذي ذكره النص مضافاً إلى الله، أصبح عندنا معنيان: المعنى الذي أضيف إلى الله والمعنى الذي أول إليه النص عند المخالف، سواء كان هذا المؤول -الذي أول إليه النص- معنىً واحداً كاستولى، أو كان متعدداً كقولهم: نزول الملك، أو نزول الرحمة.

    فيقال: إن المؤول كذب؛ لأن هذه النصوص نصوص خبرية تدور بين النفي والإثبات، فمن نفى المعنى الأول الظاهر في القرآن قيل له: هب أنه كذلك فمن أين أتيت بالمعنى الثاني في هذا السياق؟

    ولهذا يكون المعنى الثاني كذب من حيث أن السياق القرآني أريد به، وإن كانت بعض المعاني هي من حيث هي صواب؛ فمن يقول: إن معنى قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]أي: استولى، أي: ملك، أي: أن هذا بيان لملكه سبحانه للعرش فما دونه، يقال: ملكه سبحانه وتعالى للعرش وما دونه حق، لكن تفسير النص به في هذا المقام غلط على النص.

    كذلك نزول الملك، فإن الملائكة تنزل من عند الله، لكن تفسير النص النبوي المعين به هو الذي يقال: إنه كذب في هذا السياق، فإذا قلنا: إنه كذب فلا يعني بالضرورة أن كل المؤولات هي في نفسها باطلة؛ فإنهم إذا قالوا: تنزل رحمته. فإن الله أنزل رحمته كما جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمةً واحدة في الأرض، وأبقى تسعاً وتسعين يرحم بها عباده يوم القيامة).

    فمثل هذه المعاني -أعني: معاني التأويل- بعضها قد يكون حقاً نطقت به النصوص، لكن تفسير سياقات معينة به هو الذي يقال: إنه كذب وغلط على النص.

    الوجه الثالث

    [والثالث: أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بها بالاضطرار، كما أنه جاء بالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان].

    هذا هو الوجه الثالث، وهو يرجع إلى قاعدة الاستدلال بما هو متفق على ما زعموه مختلفاً، فإن المتكلمين اتفقوا على الصلوات الخمس، وأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بها، فيقال: من باب الأولى أنه جاء بمسائل الأسماء والصفات.

    [فالتأويل الذي يحيلها عن هذه بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والصلاة والصوم وسائر ما جاءت به النبوات].

    فإذا كان المتكلمون يطعنون على أهل الباطنية الذين يأولون أوامر النهي أو يطعنون على جنس المتفلسفة الذين يأولون المعاد فإنه يقال في تأويلهم للصفات ما قالوه في تأويلات هؤلاء.

    الوجه الرابع

    [الرابع: أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك تفصيله].

    حينما يقول المصنف: إن العقل يوافق ما جاء في النقل.. فإن هذه قاعدة مطردة، لكن إذا قيل: إنه يوافق؛ فإن هذا لا يعني أن العقل يدرك كل ما جاء في النص، بل يوافقه أي: لا يعارضه، ثم يبقى أنه تارةً يدركه تفصيلاً وتارةً يقر به وهو لا يفقه تفصيله.

    [وإنما عقله مجملاً إلى غير ذلك من الوجوه].

    من الوجوه أي: من أوجه الرد والتقرير.

    1.   

    اعتراف أساطين الكلام بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية

    [على أن الأساطين من هؤلاء الفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية].

    على أن الأساطين أي: الكبار من أئمة هؤلاء.

    وممن صرح بأن هذا الباب -الباب الإلهي- ليس فيه يقين من الفلاسفة المتقدمين أفلاطون ، وقد صرح شيخ الإسلام في درء التعارض وغيره بهذا، يقول: وذكر أفلاطون وغيره أن هذا الباب الإلهي ليس فيه يقين عندهم . فهذا الباب الإلهي لا شك أن فيه يقيناً، لكن هؤلاء الفلاسفة -لأن تلقيهم من العقل والنظر أو من الرياضة والتجريد- لا يمكن أن يصلوا فيه إلى يقين، وقد ذكر محمد بن عمر الرازي في أول المطالب العالية هذا القول عن أفلاطون ، بعدما عقد فصلاً: هل هذا الباب مدرك بالعقل أو ليس مدركاً.

    وقد ذكر أرسطو ما يقارب ذلك؛ ولهذا نقل الرازي عن أرسطو أنه قال: من أراد الدخول في هذا فليشرع لنفسه مشرعةً أخرى . أي: ليشرع لعقله وتصوره تصوراً آخر؛ مما يدل على أن هذا الباب ليس مدركاً عندهم تماماً بالعقل، وإذا كان كذلك علم أن هذا الباب باب لا بد فيه من السمع، الذي هو الوحي المنزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

    [وإذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه].

    يعني: إذا شهد أئمة هؤلاء بأن العقل لا يدل على هذا الباب باليقين كما يذكره أرسطو وأفلاطون -وهم أخص من استفاد منهم هؤلاء الذين خالفوا السلف من أهل القبلة- فإن ذلك يدل على أن هذا الباب يتلقى من جهة النبوات.

    1.   

    الرسول صلى الله عليه وسلم أعلم الأمة وأنصحهم لها

    [ومن المعلوم للمؤمنين أن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، وأنه بين للناس ما أخبرهم به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالله واليوم الآخر يتضمن الإيمان بالمبدأ والمعاد، وهو الإيمان بالخلق والبعث، كما مع بينهما في قوله تعالى: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8]وقال تعالى: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لقمان:28]وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم:27]وقد بين الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ما هدى الله به عباده وكشف به مراده.

    ومعلوم للمؤمنين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم من غيره بذلك، وأنصح للأمة من غيره، وأفصح من غيره عبارة وبياناً، بل هو أعلم الخلق بذلك وأنصح الخلق للأمة وأفصحهم، فقد اجتمع في حقه كمال العلم والقدرة والإرادة].

    هذه الصفات النبوية قاطعة بأنه لا بد أن يكون مبيناً للحق على جهة التفصيل وخاصة في مسائل أصول الدين، وهذا يدل على أن هذا الباب هو كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى تأويل، وإلا لو كان قوله صلى الله عليه وسلم في باب الأسماء والصفات ليس على ظاهره ويحتاج إلى تأويل لما نُسب هذا البيان إليه، بل إلى من أوله بالعقل؛ أي: لو كان بيانه صلى الله عليه وسلم وأحاديثه التي حدث بها في صفات الله ليست على ظاهرها بل تحتاج إلى تأويل يستدعي دلائل عقلية، بل يستدعي فلسفة لكان أهل التأويل هم الذين بينوا هذا الباب للأمة، ولا شك أن هذا يستلزم الطعن في مقام النبوة!

    [ومعلوم أن المتكلم أو الفاعل إذا كمل علمه وقدرته وإرادته كمل كلامه وفعله]

    يعني أن هذا سؤال آخر: من الذي أمر بتأويل هذا الباب من كلام الله ورسوله؟ لم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم عنه بظاهر مناقض للحق؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا) والمؤول يدعي أن الله يمتنع عليه النزول؟ حتى لو قال: إنه في ظاهره، حتى في ظاهره لم تكلم بنقيض الحق؟

    ما الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول: ينزل ملك من الملائكة حين يبقى ثلث الليل الآخر؟

    ما الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول: تنزل رحمة الله؟

    لماذا قال: (ينزل ربنا) وهو لا يقصد بذلك نزول الباري؟

    ثم إنه لو لم يقصد بذلك نزول الباري فهل أفاد الأمة شيئاً معيناً؟ لم يفدها شيئاً معيناً؛ لأنه هذا المحتمل الذي تأولوا إليه مختلف متعدد.

    [وإنما يدخل النقص إما من نقص علمه، وإما من عجزه عن بيان علمه، وإما لعدم إرادته البيان.

    والرسول هو الغاية في كمال العلم، والغاية في كمال إرادة البلاغ المبين، والغاية في قدرته على البلاغ المبين، ومع وجود القدرة التامة والإرادة الجازمة يجب وجود المراد، فعلم قطعاً أن ما بينه من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر حصل به مراده من البيان، وما أراده من البيان فهو مطابق لعلمه، وعلمه بذلك أكمل العلوم، فكل من ظن أن غير الرسول أعلم بهذا منه أو أكمل بياناً منه أو أحرص على هدى الخلق منه فهو من الملحدين لا من المؤمنين].

    فمن وصف النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف فهو من الملحدين، وهو كافر بعينه، وقد وقع في هذا الذي أشار إليه المصنف قوم من غلاة المتفلسفة الذين انتسبوا للإسلام كـالمبشر بن فاتك وأمثاله الذين وصفوا بأن الفلاسفة أو الحكماء أعلم بهذا من الأنبياء، أي: أن الأنبياء لم يعلموا هذا الباب على وجهه، وأن الفلاسفة أعلم منهم بهذا، فهؤلاء كفار بأعيانهم.

    ولهذا لما ذكر شيخ الإسلام المتفلسفة الذين انتسبوا للإسلام قال:

    وهم صنفان: منهم من يقول أن غير الرسول من أئمتهم وحكمائهم أعلم بها من النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء، كما هي طريقة المبشر بن فاتك وأمثاله، ومنهم من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمها كما هي طريقة ابن سينا وأمثاله، ولكنه كتمها الخلق .

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015688023

    عدد مرات الحفظ

    723716238