إسلام ويب

شرح الفتوى الحموية [18]للشيخ : خالد بن عبد الله المصلح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صفات الله عز وجل لا تنسخ، والله سبحانه متصف بها أزلاً وأبداً، ولا يعارض بعضها بعضاً، ومن رام تأويلها وقع في التناقض والاضطراب ولابد؛ لأنه ليس أعلم بالله من الله ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم، وهنا ينقل الشيخ كلام الحارث المحاسبي الذي يرد به على أهل البدع.

    1.   

    مواصلة كلام الحارث المحاسبي في عدم النسخ في آيات الصفات ونحوها

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

    أما بعد:

    فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [ وكذلك قوله: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ [الشعراء:15] ليس معناه أن يحدث له سمعاً، ولا تكلف بسمع ما كان من قولهم، وقد ذهب قوم من أهل السنة أن لله استماعاً في ذاته، فذهبوا إلى أن ما يعقل من أنه يحدث منهم علم سمع لما كان من قول؛ لأن المخلوق إذا سمع حدث له عقل فهم عما أدركته أذنه من الصوت.

    وكذلك قوله: وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة:105] لا يحدث بصراً محدثاً في ذاته، وإنما يحدث الشيء فيراه مكوناً، كما لم يزل يعلمه قبل كونه.

    إلى أن قال: وكذلك قوله تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام:18]، وقوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] وقوله: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16]، وقوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10].

    وقال: يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [السجدة:5]، وقال: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج:4]، وقال لعيسى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران:55] وقال: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء:158]، وقال: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ [الأعراف:206]، وذكر الآلهة: أن لو كان آلهة لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً حيث هو، فقال: قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء:42] أي: طلبه، وقال: سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1] قال أبو عبد الله : فلن ينسخ ذلك لهذا أبداً.

    كذلك قوله: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف:84] وقوله: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16]، وقوله: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ [الأنعام:3]، وقوله: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة:7] الآية، فليس هذا بناسخ لهذا، ولا هذا ضد لذلك ].

    هذا النقل عن الحارث المحاسبي له صلة بما تقدم من النقل السابق الذي بدأه رحمه الله بقوله: (وأن النسخ لا يجوز في الأخبار) وسبب سياق هذه القاعدة أن بعض المشبهين يتمسكون ببعض النصوص التي يضربون بعضها ببعض، ويحتجون بها على إبطال ما أثبته الله تعالى لنفسه من الصفات. فذكر رحمه الله قوله تعالى: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ [الشعراء:15] وقوله: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ثم ذكر آيات العلو التي يثبت بها علو الله سبحانه وتعالى، وذكر ما قد يشكل عليها من الآيات التي قد يفهم منها أن الله سبحانه وتعالى غير مستوٍ على عرشه، كقوله: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ ، وقوله: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ التي يستدل بها من يستدل على أنه سبحانه وتعالى في كل مكان.

    ثم بين أن هذه الآيات ليست بناسخة للتي فيها إثبات العلو، أو فيها إثبات أنه سبحانه وتعالى بصير وأنه سميع. فإذا كانت ليست بناسخة فيجب أن تفهم على الوجه الذي وردت به، فصفة السمع والبصر صفات ذاتية له سبحانه وتعالى، فهو ما زال سميعاً بصيراً أزلاً وأبداً، وهو سبحانه وتعالى السميع البصير في الأزل والأبد، وهو لا ينفك عن هذه الصفة.

    السمع صفة ذاتية باعتبار الأصل حادثة عند حدوث المسموع

    وما أخبر به من استماعه سبحانه وتعالى لحديث معين كقوله: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ وكقوله جل وعلا في سورة المجادلة: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ) فهذا كما تقدم بيانه وأن السمع حادث عند حدوث المسموع، فالسمع صفة ذاتية باعتبار الأصل، وأما باعتبار أفراد المسموعات وأفراد المبصرات فإن السمع صفة فعلية، وقد قررنا مثل هذا أيضاً في الإرادة والعلم، وفي غير ذلك من الصفات الذاتية، ولا تنافي بين هذا وبين ما أثبته الله لنفسه مطلقاً، فقوله تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، لا ينافي قوله: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ وقوله: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ) وقوله : وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وقوله أيضاً: (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) وما إلى ذلك من الآيات، فلا تعارض بين هذه الآيات.

    وأما الآيات التي ذكرها بخصوص العلو فالآيات الدالة على علوه سبحانه وتعالى كثيرة، وقد تقدم ذكر أدلة العلو، وأن العلو دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وأما الآيات التي شغبوا بها على هذه الصفات كقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ فلا تعارض بينها وبين بقية الآيات، فهو جل وعلا إله من في السماوات وإله من في الأرض، وقوله: (في) هنا ليست مكانية، يعني: لا تدل على أن الله سبحانه وتعالى حالٌّ في الأرض تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فأنت تقول: زيد أمير البصرة وأمير الكوفة وهو في أحدهما. ولا يفهم من قولك: إنه أمير للبصرة والكوفة أنه حالٌّ في البصرة وحالٌّ في الكوفة، وهذا أسلوب عربي لا إشكال فيه، ولا يبطل ما ثبت في النصوص من أن الله سبحانه وتعالى عالٍ على عرشه، بائن من خلقه.

    الكلام على نصوص قرب العباد من الله

    وقوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ هذه الآيات اختلف أهل التفسير في مرجع الضمير هنا، هل هو عائد إلى الله جل وعلا أم إلى ملائكته؟ والراجح عوده إلى الملائكة، وأن قوله: (ونحن) هنا للتعظيم وهو قرب العبيد، كقوله سبحانه وتعالى في الآيات التي أخبر سبحانه وتعالى فيها بإرجاع الضمير إليه والفاعل فيها غيره سبحانه وتعالى.

    ويدل على هذا التوجيه أن القرب هنا مقيد، فالآية التي سبقتها هي قوله جل وعلا: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [ق:16-17] أي: والعامل في الظرف (إذ) هو في الجملة: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ، فإذا كان كذلك فإن هذا القرب قرب خاص، وهو قرب الملائكة الذين أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم أنهم يكتبون على العبد ويحصون عليه أعماله.

    والقرب المذكور في كتابه سبحانه وتعالى وفي سنة رسوله ليس كالمعية، فالمعية معية عامة، كما جاء ذلك في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ [المجادلة:7]، وأما القرب فهو قرب خاص، وهو قرب في أحوال محددة وفي أوصاف محددة، فمن الأحوال التي يكون جل وعلا فيها قريباً لعبيده: قربه سبحانه وتعالى من أهل الموقف يوم عرفة، وأما قرب الأوصاف فكقربه من الداعي، كما في قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]فهو قريب من الداعي، وكقربه أيضاً من الساجد، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) وكقربه أيضاً من المستغفر، كما في قوله تعالى: فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [المائدة:61]، فهذه الآيات والنصوص كلها تدل على أن القرب الذي أثبته الله لنفسه قرب خاص وليس قرباً عاماً.

    وهذه الآية فيها أنه قرب عام، وهذا ليس له سبحانه وتعالى، وإنما لجنده من الملائكة الذين يحصون ويكتبون ما يحصل ويكون من الخلق، فلا تعارض هذه الآية دلالة النصوص الأخرى الدالة على علوه جل وعلا.

    وكذلك قوله:وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ [الأنعام:3] على القول بوصل القراءة وأن الوقف فيها في آخرها ليس في قوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ)؛ لأن بعض القراء يقف على قوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ) ثم يقول (وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ)، وبعضهم يقول: الوقف عند قوله: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وعلى كلا القراءتين لا إشكال، والثانية قد بين معنى كونه جل وعلا في الأرض، وأنه مع الخلق في الأرض بعلمه جل وعلا، وأما هو سبحانه وتعالى فهو العالي على خلقه البائن منهم.

    وكذا في قوله: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) هذه آية المعية، وهي معية العلم، كما فسرها بذلك سلف الأمة.

    آيات المعية لا تنسخ آيات العلو ولا توجب أن الله في كل مكان

    قال رحمه الله: [ واعلم أن هذه الآيات ليس معناها أن الله أراد الكون بذاته فيكون في أسفل الأشياء، أو ينتقل فيها لانتقالها، ويتبعض فيها على أقدارها، ويزول عنها عند فنائها جل وعز عن ذلك ]

    فمقتضى كونه جل وعلا في كل مكان أن يكون متبعضاً، وأن ينتقل فيها بانتقالها، ويتبعض فيها على أقدارها، ويزول عنها عند فناءها. وهذا من لوازم القول بأنه سبحانه وتعالى في كل مكان، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، ولذلك اشتد نكير أئمة السلف على من قال: إن الله جل وعلا في كل مكان، وجعلوه من الأقوال الكفرية البينة؛ لتكذيبه ما في القرآن وما في السنة، ولما يلزم عليه من اللوازم الباطلة.

    قال رحمه الله: [ وقد نزع بذلك بعض أهل الضلال، فزعموا أن الله تعالى في كل مكان بنفسه كائناً كما هو على العرش، لا فرقان بين ذلك، ثم أحالوا في النفي بعد تثبيت ما يجوز عليه في قولهم ما نفوه؛ لأن كل من يثبت شيئاً في المعنى ثم نفاه بالقول لم يغن عنه نفيه بلسانه، واحتجوا بهذه الآيات أن الله تعالى في كل شيء بنفسه كائناً، ثم نفوا معنى ما أثبتوه فقالوا: لا كالشيء في الشيء ].

    أي: أنهم يقولون: إن الله في كل مكان، ثم يقولون : هو في كل مكان لا كالشيء في الشيء؛ حتى يتخلصوا من أن تحله الحوادث أو أن يحل الحوادث، ولذلك لما تناقضوا في قولهم كان تناقضهم دليلاً على فساد قولهم.

    قال المؤلف رحمه الله: [ قال: أبو عبد الله لنا قوله: (حَتَّى نَعْلَمَ) وقوله: (فَسَيَرَى اللَّهُ) وقوله: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ إنما معناه حتى يكون الموجود فيعلمه موجوداً، ويسمعه مسموعاً ويبصره مبصراً، لا على استحداث علم ولا سمع ولا بصر ]

    هذا معناه: لا على استحداث علم ولا سمع ولا بصر.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وأما قوله: وَإِذَا أَرَدْنَا [الإسراء:16] إذا جاء وقت كون المراد فيه.

    وأن قوله: (عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ)، (أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)، (إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً) فهذا وغيره مثل قوله: (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ)، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) هذا منقطع يوجب أنه فوق العرش، فوق الأشياء كلها، منزه عن الدخول في خلقه لا يخفى عليه منهم خافية؛ لأنه أبان في هذه الآيات أنه أراد أنه بنفسه فوق عباده؛ لأنه قال: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ [الملك:16] يعني: فوق العرش، والعرش على السماء؛ لأن من قد كان فوق كل شيء على السماء في السماء ].

    يريد أن يبين أن (في) في قوله : (أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) بمعنى (على).

    قال رحمه الله: [ وقد قال مثل ذلك في قوله: فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ [التوبة:2] يعني: على الأرض؛ لا يريد الدخول في جوفها، وكذلك قوله: يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ [المائدة:26] يعني: على الأرض، لا يريد الدخول في جوفها، وكذلك قوله: وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71] يعني: فوقها عليها.

    وقال: (أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) ثم فصل فقال: (أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ) ولم يصل، فلم يكن لذلك معنى -إذا فصل قوله: (مَنْ فِي السَّمَاءِ) ثم استأنف التخويف بالخسف- إلا أنه على عرشه فوق السماء ]

    لو كان في الأرض كما هو في السماء على قولهم: إنه في كل مكان لكان مخسوفاً به، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. هذا معنى قوله: (أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) ثم فصل فقال : (أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ) فذكر جل وعلا علوه ثم ذكر تهديده، وهو خسفه سبحانه وتعالى لمن خالف أمره.

    ثم قال رحمه الله: [ وقال تعالى: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ) وقال: (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ) فبين عروج الأمر وعروج الملائكة، ثم وصف وقت صعودها بالارتفاع صاعدة إليه فقال: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4] فقال: صعودها إليه، وفصله من قوله إليه كقول القائل: أصعد إليّ فلان في ليلة أو يوم، وذلك أنه في العلو، وأن صعودك إليه في يوم، فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله عز وجل وإن كانوا لم يروه، ولم يساووه في الارتفاع في علوه، فإنهم صعدوا من الأرض وعرجوا بالأمر إلى العلو، قال تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ولم يقل: عنده ].

    لو كان سبحانه في غير العلو لما احتاجت الملائكة إلى الصعود، ولا الأعمال إلى صعود، ولا أن يقول جل وعلا :بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ إذا كان في كل مكان.

    1.   

    تناقض أهل البدع المؤولين لصفة العلو

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال فرعون: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً [غافر:36-37] ثم استأنف الكلام فقال: (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً) فيما قال لي: إن إلهه فوق السماوات، فبين الله سبحانه وتعالى أن فرعون ظن بموسى أنه كاذب فيما قال، وعمد لطلبه حيث قاله مع الظن بموسى أنه كاذب، ولو أن موسى قال: إنه في كل مكان بذاته لطلبه في بيته أو في بدنه أو حشه -فتعالى الله عن ذلك- ولم يجهد نفسه ببنيان الصرح.

    قال أبو عبد الله : وأما الآي التي يزعمون أنها قد وصلها، ولم يقطعها كما قطع الكلام الذي أراد به أنه على عرشه فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [المجادلة:7] فأخبر بالعلم، ثم أخبر أنه مع كل مناجٍ، ثم ختم الآية بالعلم بقوله: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7] ].

    هذه الآية فيها أنه سبحانه وتعالى أخبر عن نفسه بأنه مع كل مناج فقال: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7] فبدأ هذه الآية التي فيها الإخبار بمعيته سبحانه وتعالى لكل مناجٍ بالعلم فقال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) وختمها بقوله: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فدل ذلك على أن المعية المذكورة في هذه الآية هي معية العلم.

    قال المؤلف رحمه الله: [ فبدأ بالعلم وختم بالعلم، فبين أنه أراد أنه يعلمهم حيث كانوا لا يخفون عليه، ولا يخفى عليه مناجاتهم، ولو اجتمع القوم في أسفل وناظرٌ إليهم في العلو فقال: إني لم أزل أراكم وأعلم مناجاتكم لكان صادقاً، ولله المثل الأعلى أن يشبه الخلق ].

    أي: إذا كان هذا ليس ممتنعاً في حق الخلق فكيف نقول: إنه يمتنع في حق الخالق؟

    قال رحمه الله: [ فإن أبوا إلا ظاهر التلاوة وقالوا: هذا منكم دعوى، خرجوا عن قولهم في ظاهر التلاوة ].

    الآن يلزمهم على قولهم بأن الآية تدل على أنه في كل مكان، فبعد أن أجاب بالمنع الآن يجيب بالتسليم، فيقول :نسلم أن الآية تدل على ما تقولون، ثم يناقشهم فيقول:

    [خرجوا عن قولهم في ظاهر التلاوة؛ لأن من هو مع الاثنين فأكثر هو معهم لا فيهم، ومن كان مع شيء خلا جسمه، وهذا خروج من قولهم ].

    أي: أن كونه مع الشيء لا يستلزم أن يخالطه وأن يكون ممازجاً له، فقد يكون مع الشيء وهو بعيد عنه، فعلى قولكم بأن الآية تدل على هذا نقول: إن ظاهر التلاوة يدل على أنه سبحانه وتعالى في كل مكان، بل هو سبحانه وتعالى مع كل أحد إلا أنه بعيد عنه سبحانه وتعالى.

    وكذلك قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16]؛ لأن ما قرب من الشيء ليس هو في الشيء، ففي ظاهر التلاوة على دعواهم أنه ليس في حبل الوريد، وكذلك قوله: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ لم يقل: (فِي السَّمَاءِ) ثم قطع كما قال: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) ثم قطع فقال: (أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ) فقال: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ ].

    وقوله: (ومن كان مع شيء خلا جسمه) هناك كلام بعد هذا، وهذه النقول موجودة في (درء تعارض العقل والنقل) المجلد الثاني والثالث، فلو يؤتى بها أو أحد يتكفل بمراجعة بعضها، فما زال الكلام للحارث المحاسبي أبي عبد الله فيراجع المقطع هذا لعله يتبين لنا ما سقط.

    ظاهر التلاوة: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) وما قرب من الشيء ليس هو في الشيء. فقرب الشيء من الشيء لا يلزم حلوله فيه، وهم قد ادعوا أن ظاهر التلاوة يدل على أنه في كل شيء، لكنه ما قال: إنه في حبل الوريد، بل هو قد أخبر سبحانه وتعالى على القول بأن المقصود بالضمير هو الله جل وعلا أنه أقرب إليه من حبل الوريد، ولم يقل إنه سبحانه وتعالى في حبل الوريد كما يزعمون؛ لأن من لازم قولهم: إنه في كل شيء، أن يكون في حبل الوريد أيضاً.

    ثم فسر الآية فقال: [ يعني: إله أهل السماء وإله أهل الأرض، وذلك موجود في اللغة، تقول: فلان أمير في خراسان وأمير في بلخ وأمير في سمرقند، وإنما هو في موضع واحد، ويخفى عليه ما وراءه، فكيف العالي فوق الأشياء؟! لا يخفى عليه شيء من الأشياء يدبره، فهو إله فيهما إذ كان مدبراً لهما، وهو على عرشه، وفوق كل شيء، تعالى عن الأشباه والأمثال ]

    تبين بهذا أن الآيات التي شبهوا بها في إنكار ما أثبته الله لنفسه لا تدل على ما ذهبوا إليه من التأويل، وإنما هي خيالات تمسكوا لتقريرها بشبه، وقد قال الله عز وجل: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7] فالواجب التمسك بالمحكم، وحمل المتشابه عليه، لا يجوز الإعراض عن المحكم والتمسك بالمتشابه، فإن هذا سبيل الذين زاغت قلوبهم، كما قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:7].

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007963130

    عدد مرات الحفظ

    720590981