إسلام ويب

أرحم الخلق بالخلقللشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أرسل الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، فهو أرحم الخلق بالخلق، وتبدو مظاهر رحمته في جوانب معاملاته المختلفة، وذلك في التخفيف على أمته وتعامله مع النساء والصبيان والبهائم.

    1.   

    منهج أهل السنة والرحمة بالخلق

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فعن أرحم الخلق بالخلق حديثنا هذه الليلة ليلة 13 من شهر ذي القعدة عام 1415 للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.

    أيها الإخوة الكرام! في وسط هذا العالم الذي يموج بالبعد عن الله سبحانه وتعالى وعن شرعه، ويموج بالبدعة والإعراض عن الله سبحانه وتعالى، تتعالى صيحات الإنقاذ ودعوات النهوض بهذه الأمة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولن يقوم بهذا الدين إلا تلك الطائفة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب لها النجاة حين هلكت سائر الفرق والطوائف وكتب لها النصرة: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم).

    وكان لابد من الحديث والمناداة بإحياء منهج خير القرون، منهج أهل السنة والجماعة وسلف الأمة، ولا شك أن منهج أهل السنة ومنهج خير القرون أوسع دلالة وأعمق دائرة من أن يكون مجرد مقررات معرفية دون أن يكون لها رصيد من العمل والسلوك، إنه منهج أشمل من ذلك بكثير، فهو ليس ذاك المنهج الذي يعرف جانباً واحداً من جوانب التوحيد لله سبحانه وتعالى، أو لا يتحدث إلا في إطار المعرفة والجدل والإثبات النظري والنفي وحده فقط، بل هو أشمل من ذلك كله.

    ومن الجوانب المهمة عند أهل السنة الجانب الخلقي والسلوكي، وما فتئ من صنف في معتقدهم مختصراً أو مفصلاً أن يشير إلى هذا البعد الأخلاقي والسلوكي ويصفهم بما هم أهل له من جوانب في الرقائق والسلوك أو الأخلاق أو المعتقد، ومن ذلك أن أهل السنة كما وصفوا أرحم الخلق بالخلق، وهذه محاولة متواضعة للحديث حول هذا الجانب.

    إن العلم الأول والقائد الأوحد لأهل السنة هو محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فإن أولئك الذين يرغبون سلوك هذا المنهج ويدعون إليه لابد أن يكون لهم نسب وثيق من المحبة والتوقير له صلى الله عليه وسلم وإنزاله المنزلة التي أنزله الله إياها، ومن الاتباع له صلى الله عليه وسلم والبحث عن هديه وعن سنته وسلوكه لتقتفى آثارها، ولا يجوز بحال أن يطغى علم من أعلام أهل السنة على جلالته وقدره، ولا أن يطغى صوته على صوت النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أن نحتكم إلى قوله أكثر مما نحتكم إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم وهديه.

    ونحن جدير بنا في كل حال وآن أن نعود إلى هديه صلى الله عليه وسلم بقراءة متأنية دقيقة فاحصة لنلتمس من هديه صلى الله عليه وسلم وسنته معالم طريق النجاة التي أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لن ينجو إلا من كان على ما كان عليه صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

    1.   

    رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته

    ومن الصفات التي اتصف بها نبينا صلى الله عليه وسلم صفة الرحمة، وهي التي وصف بها أهل السنة والجماعة، أنهم أرحم الخلق بالخلق، فلقد وصفه الله سبحانه وتعالى بذلك.

    ترك بعض الأعمال حتى لا تفرض على أمته

    وصفه سبحانه وتعالى بالرحمة على الخلق والعطف عليهم، فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159].

    ويمتن الله سبحانه وتعالى على المسلمين أن بعث لهم هذا الرسول صاحب القلب الكبير الرحيم صلى الله عليه وسلم، لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    وتلمس رحمته صلى الله عليه وسلم بالخلق في كل أحواله وأموره، كان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يترك بعض الأعمال شفقة على أمته حتى لا تفرض عليهم فيعجزوا عن القيام بها، ألم تقرءوا كثيراً في سنته صلى الله عليه وسلم قوله: (لولا أن أشق على أمتي)، إن هذا مصداق الوصف الذي وصفه به ربه سبحانه وتعالى، وهو عز وجل أعلم به: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    فهو صلى الله عليه وسلم يقول: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، (لولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله عز وجل).

    ويصلي صلى الله عليه وسلم فيصلي الناس بصلاته ثم يعتذر لهم خشية أن تفرض عليهم هذه الصلاة فلا يطيقوها، ويفرض الله عليه خمسين صلاة فما يزال يراجع ربه حتى تخفف هذه الصلاة رغبة في التخفيف على أمته.

    ويأمره جبريل أن يقرئ أمته القرآن على حرف فيقول: إن أمتي لا تطيق ذلك، فيقول: أقرئهم على حرفين حتى أوصله إلى سبعة أحرف، ما يزال رحيماً صلى الله عليه وسلم بهذه الأمة يخشى أن تكلف ما لا طاقة لها به.

    رحمته صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أزواجه

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وصفه الله سبحانه وتعالى: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى:8]، نعم لقد يسر صلى الله عليه وسلم لليسرى في كل أموره وحياته صلى الله عليه وسلم، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فنعيش مع جانب آخر من سيرته صلى الله عليه وسلم، وهي سيرته مع أزواجه، ففي حجة الوداع أصاب عائشة رضي الله عنها الحيض مما منعها من أن تعتمر كما اعتمر الناس، فتقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يذهب الناس بحج وبعمرة وأذهب بحجة، فيقول الراوي: وكان صلى الله عليه وسلم هيناً ليناً إذا هوت أمراً تابعها عليه.

    ومن تأمل سيرته وهديه صلى الله عليه وسلم في تعامله مع زوجاته يلمس ذلك واضحاً.

    إذاً: فقد وصفه الله سبحانه وتعالى بأنه رءوف رحيم بأمته، وكان صلى الله عليه وسلم في أمور التشريع والعبادة يخشى أن يشق على أمته، ويسعى إلى أن يخفف عنهم وأن يبعد عنهم العنت والمشقة، وكان ثالثاً صاحب القلب الرحيم اللين مع أزواجه صلى الله عليه وسلم، وهو رابعاً مع الأولاد والأطفال صلى الله عليه وسلم.

    جاء أعرابي كما تروي عائشة رضي الله عنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرأى أمراً لم يعهده، رآه صلى الله عليه وسلم يقبل الصبيان فقال: تقبلون الصبيان؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم، قال: إنا لا نقبلهم، فقال صلى الله عليه وسلم: (أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك).

    رحمته صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الصبيان

    إذاً: فهذا الأعرابي الذي ما اعتاد أن يقبل الصبيان وأن يداعبهم جاء إلى ذاك الرجل العظيم الذي يسمع عنه الحديث، ذاك الرجل الذي يهابه الناس ويتحدثون عنه، ويحث الناس سيرهم إليه لتكتحل أعينهم برؤيته صلى الله عليه وسلم، وحق لهم ذلك، فمن رآه صلى الله عليه وسلم وآمن به ثبت له فضل لا يثبت لأحد من البشر، فيستغرب هذا الأعرابي أن يرى هذا الرجل العظيم يتعامل مع الصبيان هذه المعاملة.

    وأيضاً في الصحيحين من حديث أبي هريرة (أنه صلى الله عليه وسلم قبل الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس رضي الله عنه، فاستنكر هذا السلوك ولم يألفه قال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحداً منهم. فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: من لا يرحم لا يرحم).

    ويصلي النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه كما روى ذلك عبد الله بن شداد رضي الله عنه وهو عند الإمام النسائي (فيسجد صلى الله عليه وسلم فيأتي الحسن أو الحسين فيرقى على ظهره صلى الله عليه وسلم، فيطيل السجود حتى ظنوا أنه قد نسي صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ من صلاته قال: إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أقوم قبل أن يقضي حاجته).

    الله أكبر، إن هذا القلب الرحيم العظيم ليأبى أن يزعج هذا الطفل الصغير ويقلقه، فيطيل صلى الله عليه وسلم سجوده والناس وراءه ينتظر أن يقضي هذا الصبي حاجته فيقوم من نفسه.

    ويسمع صلى الله عليه وسلم بكاء الصبي وهو يصلي وقد نوى أن يطيل الصلاة فيوجز فيها صلى الله عليه وسلم حتى لا يزعجهم.

    رحمته صلى الله عليه وسلم في تعامله مع البهائم

    وتتجاوز رحمته صلى الله عليه وسلم ذلك كله إلى الحيوان البهيم، فيروي عبد الله بن جعفر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطاً لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حن وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح ذفراه فسكت، فقال صلى الله عليه وسلم: من رب هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله. فقال له: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؛ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه)، رواه أبو داود .

    الله أكبر ما أعظم هذا القلب الرحيم، وهذا مع ما يحمل صلى الله عليه وسلم من عبء الرسالة لا لأصحابه بل للبشرية أجمع، بل للثقلين الإنس والجن، ومع ما يحمله صلى الله عليه وسلم من هم وجهد وما يقوم به، ومع ذلك كله يجد هذا الحيوان البهيم مكاناً رحباً واسعاً في قلب هذا الرجل العظيم صلى الله عليه وسلم، فيأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد عرف عنه الرحمة فيشتكي إليه، فيجيب الشكوى، ويسأل عن صاحبه ليخبره بشكوى هذه البهيمة، أفلا يتقي الله أولئك الذين حملهم الله أمانة المسلمين وأمانة الجيل، فلئن كان من يتولى هذه البهيمية عرضة للمسألة والإنكار من محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف بأولئك الذين دعا عليهم صلى الله عليه وسلم؟ فتتجاوز رحمة النبي صلى الله عليه وسلم ورافقه بأمته ذاك العصر الذي عاشه، وذاك الجيل الذي عاشره؛ ليضع صلى الله عليه وسلم هذه الضمانة لمن بعده فيدعو ربه تبارك وتعالى: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه)، فيضع صلى الله عليه وسلم هذا نبراساً وهدياً لكل من يتحمل أمانة ومسئولية في هذه الأمة إلى أن تقوم الساعة، ويدعو ربه تبارك وتعالى وتقدس أن يرفق بمن يرفق بأمته، وأن يرحم من يرحم أمته، وأن يشق على من يشق عليها.

    وأيضاً: يروي الإمام أبو داود في سننه من حديث سهل بن الحنظلية رضي الله عنه (أنه صلى الله عليه وسلم مر ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال: اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة وكلوها صالحة).

    وفي صحيح الإمام مسلم : (أن عائشة رضي الله عنها ركبت بعيراً وكانت فيه صعوبة فجعلت تردده فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليك بالرفق).

    وكان صلى الله عليه وسلم في سفر كما روى ذلك أبو داود عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تعرش فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها).

    والحديث معشر الإخوة الكرام! ليس حديثاً عن رحمته صلى الله عليه وسلم بالبهائم المعجمة والدواب والحيوان، إنما هي إشارة إلى أن ذلك القلب العظيم الرحيم الذي وسع برحمته هذه الدواب لابد أن يكون أرحم وأرفق بأولئك الذين خلقهم الله سبحانه وتعالى لعبادته، وخلق كل ما في هذه الأرض لهم: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29].

    وقد أخبر سبحانه وتعالى أن رسالته صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]. فرسالته صلى الله عليه وسلم وبعثته صلى الله عليه وسلم رحمة للجن والإنس.

    هذه معشر الإخوة الكرام بعض المعالم من هدي أرحم البشر عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهو مع ذلك صلى الله عليه وسلم لم يحلنا على هذا الهدي وحده وهو كاف، بل أمرنا صلى الله عليه وسلم وحثنا على الرحمة وأعلى لنا شأنها، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الراحمين هم أولى الناس برحمة الله.

    1.   

    فضل الراحمين وما يستحقون من ثواب

    ففي الترمذي وأبي داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله).

    والراحمون يستحقون مغفرة الله سبحانه وتعالى، والمغفرة أخص من الرحمة، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين: (أن رجلاً كان يمشي في الطريق فاشتد عليه العطش فنزل بئراً فشرب، فلما خرج رأى كلباً يتلوى من العطش؛ فنزل البئر وسقاه، فلما سقاه غفر الله عز وجل له). وفي رواية أنها بغي من بغايا بني إسرائيل، أرأيتم أولئك الذين رحمهم الله وغفر لهم وقد رحموا دابة من الدواب؟ فما بالكم بمن يرحم عباد الله الصالحين الأتقياء؟

    وكما أعلى النبي صلى الله عليه وسلم منزلة الراحمين وأخبر أن الراحمين أولى الناس برحمة الله عز وجل ومغفرته، كذلك توعد صلى الله عليه وسلم أولئك الذين لا يرحمون، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنهم أبعد الناس عن رحمة الله سبحانه وتعالى، كما في حديث جرير بن عبد الله في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا يرحم الله من لا يرحم الناس).

    ومضى معنا في حديث الأقرع بن حابس أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من لا يرحم لا يُرحم).

    وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الذين لا يرحمون أشقياء قد كتبت عليهم الشقاوة، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أبي داود أنه قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تنزع الرحمة إلا من شقي).

    وأيضاً مضى معنا قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الأعرابي: (أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة).

    إذاً: فالراحمون يرحمهم الله سبحانه وتعالى ويغفر لهم، وأولئك الذين نزعت الرحمة من قلوبهم أشقياء قد عوقبوا بنزع هذه الرحمة، وهم أبعد الناس عن رحمة الله سبحانه وتعالى، فالله لا يرحم من لا يرحم عباده، والجزاء من جنس العمل فالذي يرحم الناس يستحق رحمة الله سبحانه وتعالى، والذي يكتم غيظه ويعفو عن الناس يستحق أن يغفر الله سبحانه وتعالى له ويعفو عنه.

    إذاً: هذه وقفة سريعة مع إمام أهل السنة وقائدهم وفرطهم على الحوض صلى الله عليه وسلم، هذه وقفة مع هديه العملي وهديه القولي، وكيف أنه صلى الله عليه وسلم كان أرحم الناس:

    وإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء

    فلم تعرف البشرية أرحم ولا أرفق ولا أعظم خلقاً وهدياً وسمتاً منه صلى الله عليه وسلم.

    أقول: هذا هو إمام أهل السنة، وهذا هو قائدهم، وهو فرطهم على الحوض، فما أحرى بهم أن يجعلوا هديه نبراساً له وأن يتصفوا بهذه الرحمة العظيمة التي وسع بها صلى الله عليه وسلم خلق الله تبارك وتعالى، فصار صلى الله عليه وسلم رحيماً بخلق الله عز وجل حتى البهائم المعجمة كان لها نصيب من رحمته.

    أقول: بهذا كان أهل السنة هم أهل الرحمة بالخلق، فكانوا خير الناس للناس، وكانوا أرحم الخلق بالخلق، وكانوا يعرفون الحق ويرحمون الخلق، كما نص على ذلك جمع ممن صنف في معتقدهم.

    وأكرر ما قلته أول حديثي من أن معتقد أهل السنة وأن منهج أهل السنة لا يقف عند مجرد المقررات المعرفية وحدها، ولا عند باب من أبواب العلم والاعتقاد، بل هو منهج وسلوك يطبع حياة المسلم كلها في اعتقاده في ذات الله سبحانه وتعالى وفي أسمائه وصفاته، وفيما يجب له وما يستحقه تبارك وتعالى من العبادة والتأله والخضوع والاحتكام إلى شرعه تعالى وتقدس، وفي التلقي من الوحيين دون غيرهما، وفي تعظيم أمر الله سبحانه وتعالى وشرعه، وفي عبادته تبارك وتعالى والاجتهاد في ذلك، وفي باب الخلق والسلوك والتعامل مع الناس.

    1.   

    أهل السنة أرحم الناس

    ولهذا كان أهل السنة كما قلنا ينصون على هذا الجانب ويؤكدون ما قالوه، هذا هو الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله يقول عن أهل السنة: ويتواصون بقيام الليل للصلاة بعد المنام، وبصلة الأرحام، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام، والاهتمام بأمور المسلمين.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة، ويطيعون الله ورسوله، فيتبعون الحق ويرحمون الخلق.

    ويقول أيضاً في موضع آخر: وأهل السنة فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8]، ويرحمون الخلق، ويريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر لهم ابتداء، بل إذا عاقبوهم وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم، كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق.

    والنقول عن سلف الأمة تطول في ذلك، وانظر في أي كتاب صنفه إمام من أئمة أهل السنة من المتقدمين والمتأخرين لتراه ينص على أن أهل السنة والسلف يرحمون الخلق، وأنهم يأمرون بإطعام الطعام وإفشاء السلام، ويتحدث عن الجوانب الأخلاقية والسلوكية.

    فهذا الأمر له أهميته، ولاشك أن الخلل في أمور الاعتقاد بالله سبحانه وتعالى أو في أسمائه وصفاته أو عبادته كسر لا ينجبر وخلل لا يرأب، لكن لا ينبغي أن نهمل ذاك الجانب الذي يتصدر بدعوة الناس ويعلن للناس أنه يسير وفق ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأنه من الطائفة الناجية المنصورة، وأنه يحمل الحق الواضح للناس، ينبغي أن يكون سلوكه وهديه وسمته خير دليل للناس على صدق مقاله، وعلى صدق ما يدعوهم إليه، فيتمثل هذا السلوك وهذا الجانب في حياته كلها وفي سلوكه.

    1.   

    صور الرحمة بالخلق عند أهل السنة

    الرحمة بالفقراء والمساكين وأهل الحاجة

    وصور بالخلق عند أهل السنة في جوانب كثيرة منها: الرحمة بالفقراء والمساكين وأهل الحاجة وقضاء حوائج الناس، ولهم في ذلك أسوة بنبيهم صلى الله عليه وسلم الذي كان يعطف على الأرملة والمسكين، وكان صلى الله عليه وسلم قبل النبوة والرسالة كان يطعم الطعام، ويحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويعين على نوائب الحق، كما وصفته بذلك زوجه خديجة رضي الله عنها، فكيف يكون الأمر بعد النبوة وبعد الرسالة؟

    لاشك أنه صلى الله عليه وسلم سيزداد رحمة وعطفاً!

    إذاً، فأهل السنة والدعاة إلى الله سبحانه وتعالى والدعاة إلى منهج أهل السنة ينبغي أن يشعر أهل الحاجات ومن ضاقت بهم السبل أن هؤلاء هم أقرب الناس إليهم، فيمسحون دمعة المسكين، ويسدون خلة المحتاج ويحسنون إلى من يحتاج إلى أن يحسن إليه.

    الحرص على هداية الناس وإنقاذهم

    الأمر الآخر: الحرص على هداية الناس وإنقاذهم: فلاشك أن من أعظم الرحمة بالناس أن يسعى المرء إلى إنقاذهم من عذاب الله سبحانه وتعالى، فإن كان المرء الذي يسعى إلى أن ينقذ فقيراً من جوع ومسغبة، أو ينقذ يتيماً من بؤس اليتم فإنه أولى أن ينقذه من نار وقودها الناس والحجارة وأن يدله على جنة عرضها السموات والأرض، جنة ينسى حين يدخلها ويغمس فيها غمسة واحدة كل شقاء الدنيا وبؤسها.

    ولهذا يخبر الله عز وجل عنه صلى الله عليه وسلم أنه أرسل رحمة للعالمين، وأعظم رحمة للناس أن أنقذهم الله به صلى الله عليه وسلم من الضلال ومن الشرك والكفر به سبحانه وتعالى، وأنقذهم من نار تلظى وقودها الناس والحجارة، لهذا كان صلى الله عليه وسلم هو الرحمة المهداة، وكانت حاله صلى الله عليه وسلم كما قال عن نفسه: (وأنا آخذ بحجزكم عن النار).

    يضرب صلى الله عليه وسلم لنفسه مثلاً برجل أوقد ناراً فجعل الفراش يتهافت فيها، وهو يذبها عنها، إذاً: من تمام الرحمة وكمالها أن يدعونا إلى جنة عرضها السموات والأرض، وأن يسعى إلى إنقاذنا من عذاب النار عافانا الله وإياكم منها، ولا يمكن أن يكون رحيماً ذاك الذي يحسن إلى الناس في دنياهم ويهمل عليهم أمر دينهم.

    الرفق بمن تحت يدك من الخلق

    ومن صور الرحمة بالخلق: الرفق بهم في من ولاه الله مسئولية وأمراً وقد دعا صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه).

    فكل من ولاه الله أمانة ومسئولية من أب أو زوج أو أستاذ أو مدير أو مسئول صغير أو كبير فينبغي أن يرفق بالمسلمين، وأيضاً أن يرفق بالناس في نصحهم وفي تصحيح أخطائهم، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم كما وصفه معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه وقصته مشهورة معروفة، (حين عطس رجل في الصلاة فقال: يرحمك الله ثم رمقه الناس بأبصارهم، فقال: ويل أمي ما بالكم ترمقوني بأبصاركم؟ فيقول رضي الله عنه: فبأبي وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيت معلماً أحسن تعليماً ولا تأديباً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، وإنما دعاني وقال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو الذكر والتسبيح والدعاء وقراءة القرآن).

    والحديث المشهور: حين جاء الأعرابي وبال في طائفة المسجد وانتهره الناس، فأدركه صلى الله عليه وسلم بقلبه الرحيم وأعلمه بحق وواجب هذه الأماكن وصيانتها، فقال هذا الرجل: اللهم ارحمني وارحم محمداً ولا ترحم معنا أحداً أبداً، وذلك أنه رأى وعرف الرحمة في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يفسر لنا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).

    إذاً: فمن رحمة أهل السنة بالخلق أن يرفقوا بمن يقع في الخطأ والمنكر، خاصة الذي يقع فيه عن جهل والذي لم يجد من يذكره ويعلمه، فينبغي أن يحسن إليه، وأن يرفق به، وأن ندعوه بعملنا وسلوكنا ورحمتنا قبل أن ندعوه بقولنا وإنكارنا، وأن يعلم هذا الرجل أننا حينما ندعوه وننكر عليه أننا ندعوه ونحن أهل الرحمة والعطف والشفقة والرفق ويرى هذا في سلوكنا، مما يشعره بصدق مقالتنا ودعوتنا، ويدعوه إلى أن يستجيب لما نرجوه ونطلبه منه.

    عدم الحكم على الناس بالخروج عن السنة بدافع الغيرة

    كذلك من الأمور المهمة في الرفق بالناس والرحمة بهم ألا يسعى الإنسان إلى الحكم على الناس ويكون هذا همه، إن البعض من الناس يؤتى من غيرته وحرصه على حماية العقيدة فيتصور أنه بقدر ما يخرج الناس من العقيدة ومن دائرة أهل السنة والتوحيد، بقدر ذلك يكون أكثر غيرة على عقيدة أهل السنة وأكثر حماية لها.

    وقد يسري وهم خاطئ عند البعض من الناس أن الذين تطول قائمة من يجرحونهم ويخرجونهم من دائرة أهل السنة أن أولئك هم أكثر الناس غيرة على منهج أهل السنة، وأن أولئك هم أصدق الناس توحيداً، فهم أولئك الذين لم ينج منهم أحد، ولن يستطيع أن يفلتهم أحد.

    نعم، لا شك معشر الإخوة الكرام أن المنتمي إلى هذه العقيدة العظيمة يعز عليه أن تخالف هذه العقيدة، وأن تتسلق أسوارها، ولاشك أن حبه لهذه العقيدة وتمكنها في قلبه تدعوه إلى أن يتجاوز مجاملة الخلق ومداهنتهم على حساب الإخلال بها، لكن هذا أيضاً لا يدعو الإنسان إلى أن يكون همه البحث عن أخطاء الناس والتفتيش عنها ويرى أن هذا من تمام الغيرة على العقيدة، أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: (ما أحب أن يبلغني أحد عن أحد شيئاً)، وحين قتل أسامة رضي الله عنه رجلاً قال لا إله إلا الله، والموقف يوحي ويشعر لكل من يقرؤه أن هذا الرجل قالها تقية، كما قال أسامة إنه رجل كان يقتل المسلمين فما ترك أحداً إلا وقتله، فحين أدركه أسامة ورفع عليه السيف قال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ فأي إنسان لاشك أنه يتصور أن هذا الرجل إنما قال هذه الكلمة فراراً من القتل، وإلا فأين تصديقه بهذه الشهادة وأين إقراره بها قبل ذلك؟ ومع ذلك لما أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم رد أسامة بأنه إنما قالها فراراً من القتل، فقال: (أفلا شققت عن قلبه) يعني: هلا شققت عن قلبه حتى تعرف أقالها صدقاً أم لا؟

    يا أخي، ما دام هذا قد أظهر الشهادة وأظهر كلمة الحق فلماذا تفتش عما وراء ذلك، ولماذا تبحث عن قرائن؟

    فأغلظ النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة حتى تمنى أنه لم يسلم إلا هذا اليوم حتى ينجو من هذا الموقف، مع أن القرائن كانت قوية عند أسامة ، وهي التي دفعته إلى قتله.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (هلا فتشت عن قلبه) الخطاب ليس لـأسامة رضي الله عنه وحده، بل هو خطاب للأمة أجمع، أنه ما كلفنا بالتفتيش عن قلوب الناس.

    يا أخي هذا إنسان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، بل يقول لك: أنا على عقيدة التوحيد، وأنا على هذا المنهج وأنا أسير عليه، وتقول له: لا، إنك لست على ذلك، وتنكر عليه ادعاءه وتذهب تفتش عما يقوله وتبحث عن كلمة تحتمل تأويلاً حتى تخرجه من هذه الدائرة‍! هل مقتضى الغيرة على عقيدة أهل السنة يقتضي منا هذا المسلك؟ أم يقتضي منا أن نأخذ الناس على ظاهرهم وعلى ما يبدون، فمن أظهر خيراً وصدقاً ونصيحة واتباعاً للسنة قبلنا منه وحسابه على الله عز وجل، ومن أظهر خلاف ذلك عاملناه بما يظهر منه.

    أما أن يأتينا مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويظهر الصدق والإقبال على الله عز وجل، وينتسب إلى أهل السنة وهي الطائفة الناجية ويسلك سبيلها، ونذهب نكابر ونجادل ويكون الأصل عندنا أن نشك في عقائد الناس حتى يثبت خلاف ذلك، ويكون الأصل عندنا إذا ترددنا في الشخص أن نحكم عليه بخلاف ذلك؛ فلا أظن أن هذه غيرة على عقيدة أهل السنة، ولا أظن أن هذه غيرة على عقيدة التوحيد، وليس من الخدمة لمنهجك أن تسعى إلى إخراج الناس منه، وأن تسعى إلى أن تبعد الناس عنه.

    لاشك أن الرحمة بالناس والخلق لا يمكن أن تدعونا إلى أن نتستر عن الأخطاء والأمور الظاهرة، لكن شرع الله لنا التعامل مع ما يظهر من الناس ومع ما يبدو منهم، وسرائرهم إلى الله سبحانه وتعالى.

    عدم البغي على المخالف

    أيضاً من الرحمة بالخلق التعامل مع المخالف:

    والمخالفون أصناف منهم:

    المجتهد المخطئ: فقد يجتهد الإنسان ويبذل وسعه في تحري الحق والبحث عن الدليل ثم يقع في خطأ، فيتأول نصاً من كتاب الله أو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم على خلاف تأويله، أو تبدو له شبهة أو عارض من العوارض فيصل إلى نتيجة خاطئة، فهذا قد قال عنه صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد).

    والمجتهد الذي بذل وسعه معذور سواء في الأمور العملية أو الأمور الخبرية، وغالب هؤلاء إنما يقع خطؤه في أمور ليست معلومة من الدين بالضرورة عنده، وقد يخالف أمراً أجمع عليه غيره لكنه قد تعرض له شبهة أو تأويل وله من الخير والفضل والحسنات ما يمحو ذلك، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث.

    ومنهم الجاهل المعذور الذي قلد من يثق في علمه وورعه ودينه، أو وقع في أمر جهلاً منه عن حسن نية.

    ومنهم متعد ظالم ومبتدع آثم. ومنهم منافق زنديق. ومنهم مشرك ظالم.

    فالمخالفون والمخطئون لنا ليسوا على طائفة واحدة، وليسوا على درجة واحدة، ولا يجوز أن نحشرهم كلهم في واد واحد.

    وقد تحدث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أئمة أهل السنة حديثاً طويلاً مستفيضاً عن الموقف من هؤلاء المخالفين والتعامل معهم، ولهذا فالتعامل مع هؤلاء كل على حسب منزلته، فمنهم من يعذر ويحسن إليه، ومنهم من يغلظ عليه، ومنهم من يهجر، ومنهم من يؤدب على حسب ما هو عليه.

    المقصود أيضاً أن أهل السنة لا يبغون على المخالف كما قال شيخ الإسلام رحمه الله، ويرفقون بمن خالفهم على التفصيل الذي أشرنا إليه.

    وأيضاً يجب أن نلحظ هنا في مسألة وصف أهل السنة أنهم يعرفون الحق ويرحمون الخلق، وأن الرحمة بالخلق لا تكون على حساب المنهج، وأن تؤدي هذه الرحمة إلى المساومة على المنهج الإغضاء عن الابتداع والضلال والخطأ.

    ومواقف شيخ الإسلام رحمه الله العملية تؤيد هذا المعنى الذي قاله، فهاهي مواقفه مع أعدائه الذين امتحن رحمه الله بسببهم وأدخل السجن وأوذي وصار له ما صار بسببهم، يقول ابن القيم رحمه الله: جئت يوماً مبشراً له بموت أكثر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم ثم قال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، فسروا به ودعوا له!

    ولما مرض مرض الوفاة رحمه الله دخل عليه أحد أولئك الذين عادوه وآذوه واعتذر له، فقال: إني قد عذرت وحللت كل أولئك الذين آذوني وخالفوني، ولهذا قال عنه أحد خصومه وهو ابن مخلوف : ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر عليه، فقدر علينا فصفح عنا وحاج عنا.

    والمقصود من ذلك كله أننا ينبغي أن نقتدي بإمام أهل السنة وفرطهم صلى الله عليه وسلم في هذا الخلق العظيم وهو الرحمة، وأن نرى أنه من تمام انتسابنا إلى منهج أهل السنة أن ننظر إلى سلوكهم وهديهم وورعهم وسمتهم، وأن نقتفي أثرهم عليهم رحمة الله ورضوانه.

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن نجاه الله سبحانه وتعالى فكان على مثلما كان عليه صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنه سميع قريب مجيب.

    ونترك بقية الوقت للإجابة على ما يتيسر من أسئلة.

    1.   

    الأسئلة

    رحمة الكفار والفاسقين

    السؤال: هل كان الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يرحم الكفار والفاسقين؟

    الجواب: هم يرحمون باعتبار الخوف على ما هم عليه؛ لكن أيضاً ينبغي أن يغلظ عليهم وأن يبغضوا كما قال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73]، وأشار إلى هذا المعنى ابن القيم رحمه الله قال:

    واجعل لقلبك مقلتين كلاهما إلى الخلق ناظرتان

    فانظر بعين الحق وارحمهم بها إذ لا ترد مشيئة الديان

    لو شاء ربك كنت أيضاً مثلهم فالقلب بين أصابع الرحمن

    وانظر بعين الحكم واحملهم على أحكامه فهما إذاً نظران

    فهو يشفق عليهم ويخشى أن يكون مثلهم لكنه أيضاً بعين الحكم ليقيم عليهم حكم الله من البغض في قلبه وإظهار العداوة لهم والبراءة منهم وجهادهم والغلظة عليهم.

    الرحمة في إقامة الحدود

    السؤال: كثير من الناس يخلطون بين الرحمة والشفقة على الخلق وبين إقامة حدود الله والأخذ على يد الظالم وغير ذلك، نرجو توضيح ذلك؟

    الجواب: هو من تمام الرحمة بهم أن تقام عليهم الحدود؛ لأن الحدود كفارة لأهلها، وقد نهى الله سبحانه وتعالى أن تقف هذه الرحمة دون عقوبتهم وإعطائهم ما يستحقون فقال: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2].

    ضرب الأطفال على المخالفات

    السؤال: ما حكم ضرب الأطفال على أخطاء بسيطة يرتكبونها في المنزل، وما توجيهكم حفظكم الله لمن يستعمل الشدة مع أبنائه ويرى أنها الأسلوب الأمثل في التربية؟

    الجواب: أظن أننا قد أشرنا إلى ذلك في درس دور المرأة في التربية، وأحياناً نكون مثاليين في تعاملنا مع أطفالنا، ونريد من الطفل ألا يرفع صوته، وألا يكسر إناءً، وألا يكتب على حائط، وألا يحرك ساكناً ولا يسكن متحركاً، نريد منه أن يكون كالجماد فعلاً، وهذه صورة مثالية لا يمكن أن ندركها، فهناك أمور طبيعية تكون من طبيعة الطفل، فيجب أن نكون واقعيين في التعامل مع الأطفال، وهذا أيضاً لا يعني أن يربى الطفل على الفوضى والعبث، فينبغي أن يشعر الطفل أنه توجد خطوط حمراء لا يتجاوزها، وأنه يمكن يحاسب على خطئه، والحساب ليس بالضرورة بالضرب والقسوة، وقد يلجأ إلى الضرب حين يحتاج إليه، لكن ينبغي أن يكون آخر شيء.

    التشديد على الطلاب بالضرب والواجبات

    السؤال: أنا مدرس وكثيراً ما يقع مني أن أشدد على تلاميذي مرة بالضرب أو بأداء التمارين الرياضية أو الإكثار من الواجبات المنزلية، فهل هذا خارج عن الرحمة؟ مع أني أرى أن هذا جزء من مصلحتهم وجزاك الله خيراً.

    الجواب: كونك ترى أن هذا جزء من مصلحتهم هذا ما هو أولاً: معيار لصحة سلوكك وعدم ... رب مجتهد للخير لم يبلغه، وافرض أنك رأيت أن من مصلحتهم أن تخرجهم من المدرسة إلى الشارع، فهل تكون هذه مصلحتهم.

    على كل حال يجب أن يكون أمامنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به)، فلنستعمل الرفق بالناس والإحسان إليهم، وهذا لا يعني طبعاً أن نهملهم وأن تضيع أمورهم، لكن الحزم الذي نرى أنه نتخذه في مسئوليتنا وإمارتنا سواء كنا آباءنا أو أساتذة أو مسئولين في أي جهة ينبغي ألا يخرجنا عن هذا الإطار وهذه الدائرة.

    ثم الأخ يذكر أنه يعاقبهم بالإكثار من الواجبات، وأنا أظن أن الغرض من الواجبات هو إعانة الطالب على فهم المادة واستيعابها وربطه بالمادة المقررة، وليس في الواجبات عقوبة، فهذا يجعل الطالب يكره مثل هذا الأسلوب، والمدرس ليس في ميدان صراع مع عدو يتمنى أن يجهز عليه، لكن القضية قضية تعليم وتربية وتوجيه.

    الإعانة على المعصية

    السؤال: هل أسمح للمستأجر عندي بوضع الدش على بيتي؟

    الجواب: القاعدة: لا يجوز للمسلم أن يعين على المعصية بحال من الأحوال أياً كانت المعصية، وقد لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، ولعن في الخمر شاربها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه.

    أسلوب التعامل مع الطفل وتربيته

    السؤال: ذكرت أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كان يشفق على الأطفال ويحبهم ويلاعبهم، فكيف نتعامل مع الأطفال فإني إذا لاعبته ودلعته جعل يتدلع ويتميع، فهل أسلوب الشدة هو الحل أم ماذا؟

    الجواب: الحل هو أسلوب الوسط، وينبغي دائماً أن تكون عادة المسلم الرفق واللين، وأحياناً تأتي مواقف تحتاج إلى الحزم، فالقسوة المزعجة خلل، وترك الحزم في موضع الحزم يحول الأطفال إلى حياة وأسلوب غير صالح.

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من الراحمين الرحماء، وأن يجعلنا وإياكم ممن رحم الخلق فرحمهم سبحانه وتعالى وغفر لهم، وألا يجعلنا وإياكم ممن نزعت منه الرحمة، إنه سبحانه وتعالى سميع قريب مجيب.

    هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315048

    عدد مرات الحفظ

    723539978