إسلام ويب

آفات الأخوةللشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأخوة في الله مبدأ عظيم من مبادئ الإسلام، يقوم عليه الولاء والبراء والحب والبغض، وهذا المبدأ قد حيي بإذن الله مع وجود جيل الصحوة بعد أن كادت تطغى الروابط القبلية والحزبية وغيرها من روابط الجاهلية، لكن هذه الأخوة لها آفات كثيرة تجعلها قاصرة لا تؤتي ثمارها، بل قد تعود عليها بالإبطال، ولذا يجب التنبه لها والحذر منها.

    1.   

    دواعي الحديث عن آفات الأخوة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، أما بعد:

    فنحمد الله تبارك وتعالى أن جمعنا وإياكم في هذا المقام الطيب المبارك، ونسأله سبحانه وتعالى كما جمعنا في هذا المقام أن يجمعنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، إنه سبحانه وتعالى سميع مجيب.

    معشر الإخوة الكرام!

    قد يختار المرء حين يطلب منه الحديث، وتتسابق أمامه الموضوعات والعناوين، فلا يدري أيها يختار، خاصة أن هذا الدرس جاء عارضاً ولم يكن في البرنامج ابتداءً، ولهذا أردت أن أتحدث وإياكم في موضوع أشعر أننا نحتاج إليه جميعاً، ألا وهو: آفات الأخوة.

    لقد جاء الإسلام والناس في جاهلية جهلاء، تسود بينهم الفتن والصراعات، وعلاقات الناس وصلاتهم كلها كانت على أسس جاهلية، تنبثق من حياتهم ونظرتهم للحياة، فالقبلية والعنصر والجنس هو الأساس الذي كان المرء يؤاخي عليه، فيعادي عليه ويوالي عليه، ويقيس الناس من أجله ويزنهم بهذا الميزان، فهو لا يملك إلا هذا الميزان وحده، ولا يملك إلا هذه الصنجة التي يقيم بها الناس، وامتن الله سبحانه وتعالى على أولئك الذين كانوا:

    لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهاناً

    الذين كان منطقهم:

    وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد

    امتن الله عليهم بنعمة الإسلام وأخوة الإيمان: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا [آل عمران:103]، وكما أن الأخوة في الله سبحانه وتعالى والمحبة من أجله رباط يربط المؤمنين في الدنيا، فهي شجرة باسقة أصلها ثابت، ويجد الناس ثمراتها في الدنيا والآخرة، وهي ليست قضية سلوكية، ولا قضية من قضايا الآداب والأخلاق، بل هي كما قال صلى الله عليه وسلم: (أوثق عرى الإيمان)، فأوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله.

    فقضية الأخوة بين المؤمنين، والولاء والبراء على أساس هذا الدين، وعلى أساس هذا الإيمان، وعلى أساس الطاعة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم هي قضية أبعد من أن تكون مجرد هدف من الأهداف أو خلق من الأخلاق، وإن كان كل ما يشعر المسلم أنه من عند الله عز وجل فهو قضية محترمة وقضية معظمة، لكن هذه القضية قضية تتعلق بالمعتقد.

    فأوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله والتآخي من أجله، ولما كانت بهذه المنزلة كان المسلمون بحاجة إلى أن يتعاهدوا هذه النبتة وأن يراجعوها وأن يبحثوا عن حقوق الأخوة وآدابها ولوازمها حتى يفوا بها، وفي المقابل أن يبحثوا عن آفاتها حتى يحموا هذا البنيان، ويحموا هذه الشجرة الطيبة بإذن الله من أن تنحرف أو تضل.

    وحين ترد الآفات على هذا الرباط وهذه الصلة فإنها قد تهوي به وتقضي عليه كله، وقد تبقيه على دخنه.

    وقد يشعر المسلم برابطة الصلة والأخوة مع أخيه، لكن يبقى هناك من الإحن والدخن ما يحتاج إلى مراجعة، وما يحتاج إلى أن يعيد بنيان هذه الأخوة مرة أخرى، وأن يعيد موازينه ونظرته وحبه وبغضه، وقد تتسبب هذه الآفات لا في هدمها أو في بقائها على دخن ، قد تتسبب في انحرافها حتى تصبح أخوة لغير الله، ومحبة لغير الله، ويوهم صاحبها نفسه أنه يحب في الله، ويؤاخي من أجل الله.

    وهذا مع ما تعانيه الأمة من التفرق والتشرذم، وإعادة النعرات الجاهلية، ومن تعالي الصيحات من قبل أولئك الذين يريدون أن يعيدوها جذعة، تارة باسم القبيلة، وأخرى باسم الوطن والقطر، وثالثة باسم الإقليم، ورابعة باسم انتماء حزبي، تعددت الأسباب والنتيجة واحدة، هي الأخوة على غير الله، والمحبة على غير الله عز وجل.

    وفي هذا الواقع الذي أصبحت تعاني منه الأمة، أصبح المسلمون يعيشون شذر مذر، والأخ يعادي أخاه، وربما يسعى في سفك دمه، ومع هذا الواقع البئيس بدأ هذا الجيل المبارك -جيل الصحوة- يعيد هذه المفاهيم من جديد، فأصبحنا نراه يتجاوز كل هذه الرابطة الجاهلية، فيشعر أن الذي يربطه بزيد هو المحبة في الله، والأخوة في الله، وأن الذي يفصل بينه وبين عمرو هو بغضه في الله؛ لأنه معرض عن الله عز وجل، فصار كما قال صلى الله عليه وسلم: (يحب المرء لا يحبه إلا لله)، صارت محبته وبغضه وولاؤه وعداؤه لأجل الله عز وجل.

    ومع هذا الإنجاز والتصحيح والصحوة لا بد أن يكون ثمة ثغرات، ولا بد أن يكون ثمة عيوب، وهي ليست بحال شهادة طعن في هذه الأخوة، ولا في هذا النشء المبارك، فيكفيه ذخراً وفخراً أن أحيا هذا المنطق بعد أن نسيته الأمة، بل حتى كادت الأمة أن تنسى مصطلح الأخوة في الله، والحب في الله، والبغض في الله، ومن أحيا سنة قد أميتت فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً.

    مع ذلك لا بد من التثبيت والتصحيح وتلمس الثغرات لتقويمها قبل أن يكتمل البنيان على عوج وعلى خلل، ومن ثم كان الحديث عن آفات الأخوة.

    1.   

    طلب الكمال والمثالية

    الآفة الثانية: طلب الكمال والمثالية:

    إن البعض حين يسمع عن حقوق الأخوة في الله، وعن ثمراتها في الدنيا، ويسمع عن أخلاق المتحابين في الله، يوهم نفسه أنه سيعيش في جنة من الحب والود والرخاء، سيعيش مع رفقة لا يمكن بحال أن يسمع من أحدهم كلمة جارحة، أو يرى من أحدهم زلة أو يدرك منه هفوة، فهو يطمح إلى أن يكونوا إخواناً على سرر متقابلين، ويفاجأ فيما بعد بخلاف ما كان يحلم به، فيحتمل الأولى، ويصبر على الثانية، ويقبل الثالثة على مضض، وتأتي الرابعة بعد ذلك، فتقول له: إن أولئك ليسوا جادين، إن أولئك لا يعرفون حق الأخوة، ولا معاني الأخوة، إن هذه الأخوة طلاء خارجي، إنها تزويق ومخادعة أكثر من أن تكون محبة صادقة، ولو كان واقعياً مع نفسه لرأى أن السبب في ذلك أنه كان يتطلع إلا ما لا يمكن أن يحصل في دار الدنيا، ولو كان واقعياً لقال لنفسه: إن البشر يبقون بشراً مهما بلغوا من التقوى والصلاح والإيمان، ومحبة الخير للناس، فلا يمكن أن يبلغ أحد منهم درجة العصمة والسلامة من الخطأ.

    فهذه الأخوة وإن كانت أخوة في الله، ومحبة من أجله، فهي بنيان بشري، وهي عمل بشري، وهي جهد بشري لا بد أن يصيبها جهد البشر، ولا بد أن يرى من إخوانه الأسخياء الورعين الصالحين الهفوة والزلة والخطأ في أنهم بشر.

    ثانياً: يقول الله عز وجل: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47]، لو فكرنا -معشر الإخوة الكرام- في هذه الآية لرأينا أنها تدعونا إلى أن نكون واقعيين في تلك البحبوحة التي نتصورها من هذه الأخوة، فإن الله عز وجل حكى أنه نزع ما في صدور أهل الجنة من غل، وهذا يعني أنه كان في النفوس ما فيها، وكان بينهم ما كان، والجنة دار طيبة لا يدخلها إلا ما كان طيباً محضاً، فيحبسون حينئذٍ فينزع الغل منهم، حتى يتأهلوا لأن يدخلوا هذه الدار الطيبة المحضة، ثم هذا نعيم يمتن الله به على أهل الجنة، أفترون أن أحداً في دار الدنيا يمكن أن يدرك نعيم الجنة قبل أن يموت؟!

    إذاً: فنحن نكون مثاليين حين نطلب من إخواننا أن لا يصدر منهم زلة ولا هفوة، حين نتطلع إلى هذه الصورة المشرقة المبالغة في الخيال فنطلب نعيم الجنة، ولن يدخل أحد الجنة في دار الدنيا.

    ثالثاً: نقرأ في سيرة خير القرون الرعيل الأول، فرط هذه الأمة، أولئك الذين امتن الله عليهم فألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمة الله عز وجل إخواناً، أولئك الذين امتن الله سبحانه وتعالى على محمد صلى الله عليه وسلم بأن ألف بين قلوبهم، وأنه صلى الله عليه وسلم لو أنفق ما في الأرض جميعاً ما ألف بينهم، فمع تلك الصورة المشرقة التي رسمها هذا الرعيل في وسط تلك الجاهلية الظلماء إلا أننا نقرأ فيها بعض ما قد كان يعكر هذه الصورة ويخدش في هذه الأخوة.

    رأى أحدهم أبا ذر رضي الله عنه ومعه غلام وعليه حلة، وعلى غلامه حلة مثلها، فسأله كيف يلبس رقيقه كما يلبس، فقال: إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال لي صلى الله عليه وسلم: (عيرته بأمه؛ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس).

    إن أبا ذر رضي الله عنه من خيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن السابقين إلى الإسلام، ومع ذلك تأتيه حالة من حالات الضعف البشري فيعير رجلاً بأمه، يعيره بمقاييس الجاهلية، لكنه رضي الله عنه ما يلبث أن يستفيق ويستيقظ مع هذا التوجيه النبوي فيتجاوز تلك الهفوة ليعطينا صورة مشرقة يعجز عنها الكثير من المسلمين الآن يلبس خادمه كما يلبس، ويطعمه كما يطعم، ويعتبره أخاً له!

    وفوق هذه الصورة، أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعمر بن الخطاب كثيراً ما كان صلى الله عليه وسلم يقول: (خرجت أنا وأبو بكر وعمر ، وأتيت أنا وأبو بكر وعمر)، كانا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول أحدهم: أمر فلاناً؛ فيقول صاحبه: أمر فلاناً، فيرد عليه: ما أردت إلا خلافي، فيقول: ما أردت خلافك، فترتفع أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم، وينزل قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ [الحجرات:2]، ومع ذلك تبقى حدثاً عارضاً ثم تزول، لكن أولئك كانوا يدركون تماماً أن هذه الأخوة مع عمق بنيانها وقوة أركانها تبقى أخوة بشرية قد يأتيها ما يعكرها، قد يأتيها ما يهزها لكنها كالعاصفة التي تهب ثم تزول، ولا تزيدهم إلا ثباتاً ورسوخاً، فالذي يحصل أن المرء يتطلع إلى صورة مثالية، فيعتبر هذه العواصف والخوادش شهادة إدانة على عدم صدق الأخوة والمحبة، ولئن كانت شهادة إدانة أفيحق أن تدين بها الرعيل الأول، فإن كان يحدث ما يحدث بين ذلك الجيل فلأن يحدث مع غيرهم من باب أولى.

    رابعاً: لقد رأى الشرع هذا الأمر بين الناس، فيقول صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)، فهو صلى الله عليه وسلم ينهى المسلم أن يهجر أخاه من أجل الدنيا فوق ثلاث، وهذا يعني بالضرورة أنه يحل له أن يهجر أخاه دون ثلاث ولو لحظ الدنيا.

    إن هذا فيه مراعاة لطبيعة النفس البشرية التي قد يكون فيها ما فيها، لكن لها حد ومدى معين حين تتجاوزه تصبح مرضاً، تصبح شحناء وبغضاء ينتقل إلى منزلة من يقول الله عز وجل له حين يغفر للناس كل اثنين وخميس: (أنظرا هذين حتى يصطلحا).

    إذاً معشر الإخوة الكرام! ومع شعورنا بتلك المنزلة العالية والدرجة الرفيعة من الأخوة، ينبغي أيضاً أن نتصور أنها مع ذلك كله نتاج بشري قد يحصل فيها من الهفوات والزلات ما ينبغي أن نتقبلها، وكما أننا نقع في الخطأ ينبغي أن نتحمل الخطأ من الآخرين.

    ومع حرصنا معشر الإخوة الكرام على أن ترقى الأخوة وتصفو، ينبغي أيضاً أن لا نبالغ فنصبح مثاليين، وحينئذ نتهم الناس بعدم صدق الأخوة والمودة لأجل هفوة أو زلة.

    1.   

    الأثرة وحب النفس

    الآفة الثالثة من آفات الأخوة: الأثرة وحب النفس.

    إن من نتاج الأخوة أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه، بل لا يتم إيمانه إلا حين يرقى إلى هذه المنزلة، ويصل إلى هذه الدرجة، حين يحب لأخيه ما يحب لنفسه (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفس)، أما حين يرقى درجة أعلى من ذلك فهو يكون ممن أثنى الله عليهم في كتابه في آيات تتلى إلى يوم القيامة: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9]، فحين نطمع في الوصول إلى منزلة الأخوة، وإلى أن نجني ثمراتها في الدنيا والآخرة، فلنعلم أن غلاء الثمرة وصفاءها يفرض علينا أن ندفع ثمناً باهضاً، أوله أن نتخلى عن محبة ذواتنا وعن رغبات أنفسنا، أما حين يكون المرء لا يحب الخير إلا لنفسه، أما حين يفوز منطق الأثرة والأنانية، وتعلو وترتفع لغة (أنا) فهو أول وخز في بنيان هذه الأخوة، وأول دليل على أننا لسنا مؤهلين لأن نجني هذه الثمرة اليانعة، وأن نصل إلى هذه المنزلة العالية.

    1.   

    رابطة الجاهلية

    الآفة الرابعة: رابطة الجاهلية.

    إن الأخوة في الله تعني أن تكون أخوة في الله، من أجل الله حقاً، تعني أن نكون كما قال صلى الله عليه وسلم: (أن يحب المرء لا يحبه إلا لله).

    قد يحب المرء أخاه لله، لكن مع ذلك قد يكون من وطنه، أو قد تكون ثمة رابطة حزبية أو قبلية أو عنصرية أو جاهلية، قد تأتى هذه الرابطة فتزيد الأخوة أخوة والمحبة محبة، فتبقى حينئذ رابطة الجاهلية، وحين تزداد محبتك لفلان وتنقص لفلان، والدافع لذلك انتماء وطني أو فكري أو حزبي أو قبلي فاعلم أن محبتك مدخولة، وأن أخوتك مخدوشة.

    فالأخوة في الله -معشر الإخوة الكرام- تعني أن نتجاوز كل هذه الحواجز تعني أن نتجاوز كل هذه النظرات، فالذي يحب في الله ويؤاخي في الله، لا فرق عنده بين من كان من هذه البلاد ومن كان من تلك البلاد، لا فرق ولا ميزان ولا معيار على أساس الانتماء، ولا أساس الأصل ولا غيرها من تلك الموازين الهشة، قد يستطيع المرء أن يجمع خليطاً متناثراً من هذه الموازين، فتقوم صلته على أساس إقليمي وحزبي وفكري وقبلي، أما الأخوة في الله، فهي بنيان متفرد لا يقبل غيره، وحين يدخل عامل آخر فالنقيضان لا يجتمعان، فهي لا تعيش إلا وحدها، ولا تنمو إلا بعيدة عن سواها من الروابط، فحين نريد الأخوة حقاً في الله فلنخلصها من كل رابطة من روابط الجاهلية!

    وعجباً لهذه الأمة التي أكرمها الله بعد أن كان يقتل بعضها بعضاً، ويسبي بعضها بعضاً، وبعد أن كان منطق الجاهلية هو المنطق السائد، وقانونها هو المحكم، وأعرافها هي تلك الأسوار التي لا يقبل أحد أن يتسورها، عجباً لهذه الأمة بعد أن انتشلت من هذا الحضيض أن يخرج فيها من يريد أن يعيدها جذعة مرة أخرى، فبعد أن ارتقت هذا المرتقى، وصعدت إلى هذه المنزلة تعود مرة أخرى لتشد إلى خيوط الجاهلية وجواذبها.

    ولهذا حين كسع غلام لرجل من المهاجرين غلاماً آخر من الأنصار فتنادوا: يا للمهاجرين! ويا للأنصار! غضب صلى الله عليه وسلم وقال: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم)! متى عرف أولئك مصطلح المهاجرين ومتى عرفوا مصطلح الأنصار؟ إنه مصطلح شرعي لم يعرفه أولئك إلا بعد أن جاء الإسلام، لم يعرف أولئك إلا قريشاً وبني مخزوم والأوس والخزرج وغطفان، هي تلك المصطلحات التي كانت سائدة عند أولئك، أما مصطلح المهاجرين فلم يعرف إلا حين فر أولئك بدينهم، والأنصار لم يعرف إلا حين تبوأ أولئك الدار والإيمان فآثروا إخوانهم، فإنه إذاً مع أنه مصطلح شرعي لم يعرفه أولئك إلا تحت دائرة الإسلام، يرفض صلى الله عليه وسلم أن يتعصب أولئك لهذا الاسم، وأن يتحزبوا هذا التحزب.

    مع أن هذا الاسم اسم شرعي بحت لم يعرفوه إلا بعد أن دخلوا هذا الدين، فكيف بعد ذلك بالأسماء التي خير حالها أن تكون عليه مصطلحات تواضع الناس عليها، أفيسوغ بعد ذلك أن تكون مقاييس يتنادى عليها، ويوالى ويعادى من أجلها، إنها بحق دعوى الجاهلية، ومن دعا بدعوى الجاهلية وتعزى بعزاء الجاهلية فهو جدير بأن يعير بتعيير الجاهلية، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه، ولا تكنوا).

    1.   

    دخول الأغراض الدنيوية

    الآفة الخامسة: أن تدخل أغراض دنيوية غير شرعية:

    كما أن الروابط الجاهلية قد تخدش بنيان هذه الأخوة، فقد تأتي أيضاً الروابط الدنيوية، قد يأتي جانب المال والمنفعة، وقد يأتي أيضاً جانب آخر، الذي هو إفراز لهذا الانحراف والشذوذ الذي أصبحت تعاني منه وللأسف تجمعات شباب هذه الأمة، فقد يحب الشاب أخاه لله، لكن تدخل مع ذلك شهوة محرمة، فقد يكون هذا الشاب مع طاعته وصلاحه وضيئاً، فيتسلل الشيطان إلى قلب صاحبه، فتدخل الشهوة المحرمة.

    ولئن كانت رابطة الأخوة في الله والمحبة من أجله رابطة لا تعيش إلا وحدها، ولا تقوم إلا متفردة فهي ترفض أي شريك، ومن أشرك مع الله غيره تركه الله وشركه، فهي إن كانت ترفض الروابط الجاهلية وترفض رابط المال والمصلحة فهي أشد رفضاً ومقتاً لهذا الرابط، وحين يدخل مع داعي المحبة والأخوة داعي الشهوة المحرمة، فهي بداية للانحراف والخلل.

    1.   

    الإفراط في المتابعة

    سادساً: من آفات الأخوة الإفراط في المعاتبة، قد يعتاد الناس أموراً يرون أنها من مكملات الأخوة ومن حقوقها، فمثلاً: قد يشعر البعض منكم أنه حين يأتي عليه ضيف في هذه البلاد فإن من حقه عليه أن لا ينصرف قبل أن يتناول طعام العشاء، رغبة في إكرامه وأداء الحق له، وقد يكون في هذا إثقالاً على صاحبه وإحراجاً له، والأخ لا يريد أن يبالغ في الاعتذار، فيستجيب محرجاً ويشعر أن أخاه قد أحرجه وضايقه.

    وأحياناً يسود منطق العتاب على التقصير والمقاطعة، فحين يلقى صاحبه يعاتبه فهو منذ شهر لم يره، فلماذا القطيعة، أين الاتصال؟ لم نرك من سنة أو سنوات، وكما تعرفون مع تغير الحياة وتعقدها قد يكون الإخوان في مدينة واحدة فيمر على الأخ سنوات لا يرى أخاه فيها، وحين يلتقون يبادر بالمعاتبة، فيبادر الآخر بالاعتذار ولو كان سريع البديهة حصيفاً لكال له الصاع صاعين، وكما يقول أهل الصحافة: لقذف الكرة في مرماه، فقال: لئن كنت لا أزورك فلم لا تزورني أنت، لئن كنت قاطعاً فلم تكون قاطعاً أنت، ولو عاد الجميع إلى واقعيتهم ورشدهم لرأوا أن عدم زيارة هذا الأخ لأخيه وعدم لقائه به، ليس دليلاً بالضرورة على عدم محبته، وعلى عدم أخوته.

    وهذا المعنى الذي يشير إليه الإمام أحمد رحمه الله حين قال له أحد أصحابه: يا أبا عبد الله ، لو كنت آتيك على نحو ما تستحق لكنت آتيك كل يوم، فقال الإمام أحمد رحمه الله: لا تقل ذلك، إن لي إخوة لا أراهم في العام إلا مرة، أنا أوثق بمودتهم ممن ألقاهم كل يوم.

    فعدم كثرة اللقاء لا تعني بالضرورة ولا تستلزم عدم المحبة والمودة!

    أقول: أحياناً نفرط في العتاب واللوم على إخواننا ونتصور أن هذا مما يزيد بنيان الأخوة، فلا شك أنه حين يبالغ فيه الأخ قد يهدمها وقد يشعر الأخ أنه محرج، فقد يضطر أحياناً للكذب، قد يضطر لعدم مقابلة أخيه، قد يضطر لأمور لأنه يشعر أنه سيفرط في عتابه ولومه.

    1.   

    تصيد الأخطاء

    سابعاً: من آفات الأخوة تصيد الأخطاء، ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه؛ لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله)، والحديث رواه الترمذي عن ابن عمر ، ورواه أحمد وأبو داود عن أبي برزة ، ورواه أهل السنن عن البراء رضي الله عنه، فهو حديث مشهور في كتب السنة.

    إن من يبحث عن العورات والأخطاء ويتصيدها يجازيه الله، والجزاء من جنس العمل.

    وشتان بين من يتتبع عورته ويتصيد كلماته وعباراته بشر من البشر، وبين من يتتبع الله عز وجل عورته، فإن الله عليم بالنوايا وما تخفي الصدور، والبشر قد يتزين لهم في لحن القول، وقد يقال لهم قول ظاهره الرحمة وباطنه العذاب كما يقال، أما الله عز وجل فهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فالبحث عن الزلات والأخطاء من صفات أهل النفاق عافانا الله وإياكم.

    يقول ابن المبارك : المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العثرات.

    فالمؤمن حين يرى هفوة على أخيه أو خطأً يبحث له عن العذر، أما المنافق فهو يبحث عن الزلة ويبحث عن الهفوة.

    1.   

    سوء الظن

    الآفة الثامنة: سوء الظن:

    في سورة الحجرات يقول الله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات:10]، ثم يعقبها الله عز وجل بوصايا تعين على إتمام بنيان الأخوة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ [الحجرات:11]، ثم يقول الله عز وجل بعد ذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [الحجرات:12].

    وسوء الظن هو تلك الأرض التي تنبت التصيد والبحث عن الأخطاء، سوء الظن هي تلك الشرارة التي توقد هذه العداوات والإحن، والتي تبدأ من شعور في الداخل، ومن ظن سيء، فحينئذٍ يظل الأخ يبحث عن برهان يؤيد ما يختلج في صدره من ظن سيء، فيحول الشك إلى يقين والوهم إلى حقيقة لا تقبل الجدل، ويبني من هذه الأوهام بنياناً شامخاً على رأس دبوس كما يقال.

    ولو كان المرء واقعياً لرأى أن الناس تمر بهم ظروف ومواقف وأحوال يراها الإنسان من نفسه، فمثلاً قد يقابل الأخ أحد أخوانه فلا يبش له، ولا يرحب به ذاك الترحيب الذي اعتاده، فيبدأ يفسر ويتساءل عن السبب، ويحمل في نفسه علي شيء، كره مقابلتي... إلى آخره، ويبدأ يقرأ في وجهه أوهاماً لو عاد إلى الحقيقة لعرف أن هذا الشخص كان مريضاً، هذا الشخص كان يعاني من مشكلة، هذا الشخص على الأقل كان يفكر، كان شارد التفكير.

    أحياناً يتصل على أخيه في الهاتف، ويشعر بعدم الترحيب، ويشعر أن صاحبه يرغب أن ينهي المكالمة في أسرع وقت، وهو لا يعرف ظروفه، أنت اتكأت على أريكتك وأردت أن تنتظر الترحيب ولا تدري أن صاحبك قد يكون على طعام الغداء، قد يكون ينتظره صاحبه عند الباب، قد يكون يقرأ، قد يكون منشغلاً، فهو يريد أن ينهي المكالمة على أحر من الجمر، وقد يكون استيقظ من نومه وينتظر أن تنهي المكالمة حتى يدعو بدعاء الاستيقاظ، فمشاعر الناس لا تعرف ما وراءها.

    وبعض الناس طبيعته أنه لا يرحب، وبعض الناس قليل الابتسامة، هكذا طبعه، وهو يكن المحبة والتقدير، وتراه يعني أغلى فرصة هي تلك الفرصة التي تقابله فيها.

    فلو كان الإنسان واقعياً لاستطاع أن يجد ألف تفسير وتفسير لمثل هذه الظواهر، لكن حينما يكون حساساً يبدأ يقرأ ما وراء السطور، ويقرأ أوهاماً ليس لها حقيقة، ويقصد كذا ويريد كذا، ثم يعاقبه الله فيبدأ يعيش في جحيم، فعندما يخرج للشارع ويقابل فلاناً ويسلم عليه، يرى ردود الفعل والقضية كلها أوهام.

    وافترض يا أخي الكريم أنك أحسنت الظن بعشرة من الناس، واكتشفت منهم تسعة ليسوا أهلاً لحسن الظن، فقال واحد كلمة في مجلس يقصد الإساءة إليك، وأنت حملتها على المحمل الخير، فالنتيجة أنك استرحت منه واستراح خاطرك، وبدأ هذا الشخص يغتاظ، وأنت خرجت سليماً معافى، وماذا عليك مثلاً لو قال رجل كلمة يقصدك بها، أو أخفى ابتسامة وبخل بها عنك ماذا تخسر، لكن حين تحسن الظن ولو أخطأت أحياناً فمنحت حسن الظن لغير من لا يستحق، ستجني راحة البال والطمأنينة.

    ويضرب لنا الإمام الشافعي مثلاً في ذلك، جاءه الربيع بن سليمان وهو مريض، فقال له يدعو له: قوى الله ضعفك، قال الإمام الشافعي : لو قوى الله ضعفي لقتلني، يعني لو قوى الله المرض لقتلني، قال: فاعتذر الربيع بن سليمان ، وقال: والله ما أردت إلا الخير، فقال الشافعي : إني والله أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير، لكن الإمام الشافعي أراد أن يداعبه، وأن يصحح له هذا الخطأ، فيقول له: لو شتمتني أعلم أنك لا تريد إلا الخير.

    ومتى يسود بيننا هذا المنطق، للأسف أننا نحسن الظن بالأعداء، نحسن الظن بأهل النفاق، الذين يتربصون بالدعوة الدوائر، يجتهد الإنسان فيفتش لهم عن ألف عذر، ربما إذا أعوزته المعاذير قال: لعل لهم عذراً وأنت لا تعلم، أما أخوه الذي معه على الطريق، فإنه يتهمه ويقول: هذا يخادع، أنت لا تعرف عواقب الأمور، ولا تعرف ما يريد!

    يا أخي! هذا على الأقل معك على خط واحد.

    ذاك صاحب فجور وفسق لا يحضر الصلاة في جماعة المسلمين وهو يجاهر بالمعصية، فيقول: لا يا أخي الكريم، إنه يريد الخير، يريد المصلحة، أحسن الظن بالناس، اتق الله، هل فتشت عن قلبه، لكن تجاه الأخ الناصح يقول: هذا فيه مشكلة، وإذا لم يكتشف الخطأ يقول: هناك خطأ لكن نتيجة دهائه وخبثه ومكره استطاع أن ينطلي عليك. فهذا أحياناً منطق نسمعه بين الإخوان وبين الدعاة، نعم قد يكون أخطأ، لكن متى يأتي الحال الذي يعامل الإخوة بعضهم بعضاً بذاك المنطق الذي يعاملون به أعداءهم، وتلك المجاملات التي يعاملون بها أعداءهم. على الأقل.

    1.   

    كثرة المخالطة

    الآفة التاسعة: كثرة المخالطة:

    لا شك أن من الأخوة في الله أن يجلس الأخ مع إخوانه وقتاً ربما كان أكثره معموراً بذكر الله، وطاعة الله والمحبة فيه، لكن إذا طال الأمر فإنه يتحول إلى داء، ويلفت الإمام ابن القيم رحمه الله إلى ذلك فيقول: الاجتماع بالإخوان قسمان:

    أحدهما: اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت.

    يعني: أناس يرتاح بعضهم لبعض، يريدون أن يقضوا الوقت فقط، كحال أكثر مجالس الناس.

    قال: فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه، أنه يفسد القلب ويضيع الوقت.

    الثاني: الاجتماع بهم على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر، فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها، ولكن فيه ثلاث آفات، يعني ينبغي أن نحذر من هذه الآفات الثلاث:

    إحداها: تزين بعضهم لبعض. يعني: وجود نوع من المجاملة والمراءاة أحياناً.

    الثاني: الكلام والخلطة أكثر من الحاجة.

    الثالثة: أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود.

    هو في البداية أخ له في الله ويحبه في الله، ويتعاون معه على الخير، ثم إنهم لا يفترقون، يسهرون مع بعض ويذهبون مع بعض، ويأتون، والقضية تحولت إلى مؤانسة على الطبع، ولو فتشنا كم هي المجالس التي يقضيها الإخوة الصالحون، والناس الأخيار المتحابون في الله، وهي من هذا الصنف وهذا النوع التي تتحول إلى مؤانسة الطبع واللقاء فيه، فهذا من آفات الأخوة، يبدأ يجامل صاحبه، وتبدأ هذه الأخوة تفتقد ثمراتها الحقة.

    1.   

    الإفراط في المحبة والتجاوز فيها

    عاشراً: الإفراط في المحبة والتجاوز فيها:

    قد يفرط المرء في محبة بعض إخوانه، قد يكون للأخ ثلة من إخوانه يلتقي بهم، ويراهم ويحبهم في الله، لكنه يحب فلاناً من الناس محبة زائدة، هو طبيعي أن يشعر أخ بارتياح لفلان أكثر من غيره، لكن داخل إطار معين، إذا تجاوزه يتحول إلى غلو، فينشأ عن ذلك نتائج سلبية، منها أنه ينقص في نظر الآخرين.

    هؤلاء عشرة كلهم إخوة في الله ويحبهم في الله، وربما فيهم من هو أتقى من صاحبه، لكن هذا صاحبه الذي لا يبيع ولا يشتري من أجله كما يقول العامة، هو الذي إذا فقده فقد الناس، فيبخس حقوق الآخرين من أجل حق فلان من الناس، وعنده استعداد ألا يأتي إذا فقد فلاناً، ويأتي إذا أتى فلان، فترتب على هذه المبالغة في هذه المحبة بخس حقوق الآخرين.

    يترتب عليها أيضاً أن يقلع عن خطئه، ويترك النصيحة التي هي من أهم ثمرات الأخوة، كما أشرنا في مبدأ الحديث أنه مع الإفراط في المحبة وكثرة الصلة وطولها حتى تجد اثنين من الشباب يصبحون كما يقال: روحان حللنا بدنا، فإذا رأيت محمداً ترى علياً، خرج علي يخرج محمد، دخل علي معناه سيدخل محمد بعده، يعني فصار لا يفقد أحدهما بعد الآخر، وهو طبيعي أن يكون بين شخصين ارتياح أكثر، لكن بقدر معين إذا تجاوزت فيه حتى صرت أجامله وأترك نصيحته وربما أبرر له أخطاءه، فهذه ثمرة ثالثة قد تكون وسيلة لموافقته على باطله، أو مشاركته فيه، وهذه حالات كثيرة، والذي ابتلي بها يشتكي منها، ويشعر أنه بدأ يضعف وبدأ يجامل صاحبه، لزيادة الغلو في هذه المحبة التي ما استطاع يتخلى عنها، وصار يشعر أنه لا بد أن يصاحب أخاه ويوافقه، فصار يوافقه على الباطل.

    وآفة رابعة: أن تتحول إلى محبة عاطفية، وقد تنتقل إلى صورة لا تليق إلا بأهل الشذوذ، يعني كل واحد يعطيه الشريط كما يقال، فيحكي له سيرته، قد يكون الإنسان مع الصالحين وهو صالح، ففي حال خلوته قد تدعوه نفسه الأمارة بالسوء فيقع في معصية من المعاصي ويستره الله عز وجل، فحين يلقى صاحبه يكشف له ما ستر الله عليه، فيصبح ممن قال فيهم صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل العمل بالليل فيستره الله، فيصبح فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، بات يستره الله ويكشف ستر الله عليه).

    يا أخي! ما هو المبرر أنك عندما تلقى فلاناً تقول له: أنا والله وقعت في كذا؟ هو يقولها من باب الشكوى والشعور بالتقصير، لكن ما الحاجة إليها؟ يا أخي سترك الله فتب إلى الله واستتر بستر الله، وهذه مجاهرة: (كل أمتي معافى إلى المجاهرين)، فأنت الآن تدعو إلى التخلص من العافية، ألا تطمع أن تكون ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (وأما المؤمن فيدعوه ربه فيضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه فيقول: وأنا سترتها عليك في الدنيا، وأنا أسترها لك اليوم)؟ قد ستر الله عليك المعصية فكيف تكشف هذا الستر وهذا الحجاب، وكيف تصل محبتك وصلتك بفلان من الناس إلى أن تكشف له عن أسرارك، إنك ترتكب معصية أخرى.

    ثانياً: هذه وسيلة للإعانة على المعصية فإنك تكون قدوة سيئة له، فهو عندما يرى صاحبه الذي يتواصى معه على الخير، ويحبه في الله، عندما يراه يقع في المعصية صار قدوة سيئة أمامه، قد يكون هو وقع في نفس المعصية، فعندما يراك وقعت في نفس المعصية، صرت قدوة سيئة، وسننت سنة سيئة، ودعوته بسلوكك من حيث لا تشعر إلى ضلالة.

    وقد تنتقل إلى صورة أخرى ونتيجة ثالثة وخاصة مع استمرائها؛ وهو أنه حين يعرف كل منهما ما في داخل صاحبه تتحول القضية إلى أن ينتقلا إلى حال يعين بعضهم بعضاً على المعصية، ويشعر أنه يعرف أنه يقع في ارتكابها، ويعرفه أنه كان فعل كذا، فتبقى الأمور مشوبة، وتكون مدعاة إلى تعاونهم على المعصية، وقد تكون سبب في انحرافهما جميعاً، والسبب يكمن في البداية في الإخلال بالأدبين الشرعيين، أولاً: في قضية الإفراط في الصلة والأخوة التي تكون على حساب الآخرين، والأمر الثاني: تجاوز الأدب الشرعي في الاستتار بستر الله.

    معشر الإخوة الكرام!

    هذه بعض الآفات التي أشرت إليها آنفاً، والتي فيها من التصريح، وفيها من التلميح ما قد يمنع المقام عن الاستمراء فيه، والحر تكفيه الإشارة، هي عبارات وإشارات، وهي لا تعني بحال الطعن في هذه الأخوة، والطعن في هذا الجيل المبارك، بل إن الذي يدفعنا إلى الحديث عن هذه الآفات هو شعورنا بثمرات هذه الأخوة، وحرصنا عليها يدفعنا إلى التحذير من هذه الآفات، ومحاولة الحديث عنها حتى نتجنبها، وإلا فنحن والله نشعر بهذه الصلة، ونرى -والمسلمون شهداء الله في أرضه- أن هذا الجيل وهذه الصحوة سنت هذه السنة الحسنة، لقد نسيت هذه الأمة هذا المفهوم، نسيت إني أحبك في الله، نسيت الأخوة في الله، وأصبحت مجرد أمور مدونة في الكتب، ليس لها رصيد على أرض الواقع، فجاء هذا الجيل وجاءت هذه الصحوة لتتجاوز كل تلك الروابط، ولتقضي على كل تلك الصفات الجاهلية.

    وطبيعي أن يكون هذا الجيل الذي هو إفراز لهذا المجتمع أن يكون فيه ما فيه، والخطأ لا يعني الطعن، والدعوة للتصحيح لا تعني بحال إهمال المنجزات، بل نحن والله مسرورون بهذا الخير الذي نراه، فلا يسافر المسلم إلى بلد في غرب العالم الإسلامي أو شرقه إلا ويرى إخوانه في الله في كل مكان.

    أسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المتآخين فيه، والمتحابين بجلاله، إنه سميع مجيب.

    هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    زيادة المحبة في الله بسبب اتحاد النسبة والانتماء

    السؤال: أحب فلاناً من الناس في الله، ولكن حين أعلم أنه من قبيلتي يزداد حبي تلقائياً، ولكن دون أن ينقص حبي للآخر الذي ليس منها، فهل في ذلك شيء؟

    الجواب: هذه القضية تحصل في قضايا غير قضية القبيلة كقضية البلد، العنصر، الانتماءات الفكرية أياً كانت، وهذه من المداخل الصعبة، ومحك يختبر المسلم نفسه عليه، قد يحصل أن يصل الإنسان إلى درجة الكمال هذا صعب، لا بد أن يحصل ما يحصل؛ لكن الواحد يحاول أن يجاهد نفسه، والمقياس هو أنه عندما يكون فلان أتقى لله من فلان أحبه، وفلان عندما يعصي الله أكثر أبغضه، وقد تدخل مثل هذه الاعتبارات؛ لكن يحاول الإنسان أن يتخلص منها، يحاول أنه يراجع نفسه، لأن كلمة أحبك في الله، والأخوة في الله، هذه كلمة فيها إجمال؛ لكن المحك عندما تأتي إلى قضية القبيلة أو الانتماء فهنا يكمن المحك في مدى صدق الأخوة والمحبة.

    قوة الأخوة بعامل الجوار والقرابة ونحوها

    السؤال: الأخوة وحدة قائمة بذاتها لا تجتمع مع غيرها من الروابط هكذا قلت في المحاضرة، ألا ترى أن بعض الروابط تزيد من الأخوة في الله مثل الجوار والقرابة ورفقة السفر؟

    الجواب: أنا قلت هذا الكلام، لكن هل تشاركون أنتم السائل في هذا الفهم؟ أنا قلت إن الأخوة قضية لا تعيش إلا متفردة وحدها في مقابل الروابط الجاهلية، مثل الإخاء في القبيلة، والإخاء لأجل الوطن، أما أن يكون هذا قريباً لي فهذا له حق شرعي، وكذلك الجار، فهذه قضية غير القضية التي نتحدث عنها، وهي قضية الروابط الجاهلية.

    نصيحة لمن يتعود التأخر عن الجماعة حتى تفوت بعض الركعات

    السؤال: لنا أخ في الله ملتزم ظاهراً ونحسبه على خير والله حسيبه، ولكن يتعمد هذا الأخ عدم حضور صلاة الجماعة إلا بعد انقضاء ركعة أو ركعتين، وأصبحت هذه عادة لديه، وربما أثر على إخوته، مع العلم أنه جار للمسجد، وخريج إحدى الجامعات الإسلامية، ونوقش في الموضوع ونصح مراراً، ولكنه لا يرد علينا عن الأسباب التي تدعوه لذلك، هلا وجهت له نصيحة ولأمثاله لعل الله أن يأخذ بيده.

    الجواب: لا شك أن النصيحة له ولإخوانه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أول ما يحاسب عليه المرء من عمله يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص شيء من صلاته قال الله عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع فيتم بها ما انتقص من صلاته)، وكلنا أولئك والله المستعان، لكن أول عمل نحاسب عليه الصلاة فإذا لم نعتن بالصلاة فمن حفظها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.

    الفرق بين الحب في الله والحب لله

    السؤال: قال عليه الصلاة والسلام: (من أحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وقال عليه الصلاة والسلام: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، ومنها: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله)؛ فما هو الفرق بين الحب في الله وبين الحب لله؟ أثابكم الله.

    الجواب: الحب في الله والأخوة في الله درجات، هناك أمر الإخلال به كفر، فعندما يأتي واحد ويعين الكافر على أخيه المسلم فذلك من نواقض الإسلام مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين، فعندما تأتي إلى شيوعي أحمر أو اشتراكي أو نصراني أو بوذي وتعينه على أخيك المسلم فهذا الإخلال قد يبلغ إلى درجة الكفر، أو مظاهرة المشرك ومؤاخاته هذه المؤاخاة كفر، ومحبته لأجل دينه كفر، ثم تنتقل إلى محبة واجبة دونها.

    يعني يجب عليك للمسلم: رد السلام، وقضاء الحوائج، وكف الأذى، والإخلال بها معصية، لكن الإخلال بها لا يصل إلى حد الكفر، وهكذا حتى تصل إلى درجات النوافل، وهي درجات للمقربين آخرها أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، فمنها قدر لا يتم الإسلام إلا به جملة، وهو حب المسلمين جملة وبغض الكفار، ثم تصل إلى حد فيه معصية، تصل إلى حد من الطاعات هو من باب التسابق في الخير، شأنها شأن سائر الأعمال الصالحة، وهكذا الدين من عند حكيم عليم يجعل حداً هو خط أحمر لا يتجاوزه أحد، ثم بعد ذلك يفتح مجالات لأولئك الذين سما إيمانهم وعلت تقواهم ودرجتهم حتى يصعدوا في مثل هذا الميدان، ومن خلاله ندرك الفرق بين أن يحبه في الله، وأن يحبه لله، وأن يحبه لا يحبه إلا لله.

    حب الرجل الوضيء الوجه في الله

    السؤال: نود -حفظكم الله- أن تلقوا مزيداً من الضوء حول دخول أمور أخرى على المحبة في الله، خصوصاً إذا كان أحدهما حسن الوجه، والله يعينكم؟

    الجواب: أشرت إلى هذا إشارة، والحر تكفيه الإشارة، أحياناً شاب يحب شاباً في الله وكلاهما مطيع لله وصالح وخير، لكن قد يكون وضيء الوجه فتدخل شهوة من الشهوات المحرمة التي سيطرت على الكثير من أبناء المسلمين، فتبدأ تدخل أغراض غير شرعية، وتبدأ تزداد الصلة به واللقاء به إلى أن تتجاوز أحياناً إلى أنه قد يقع في بعض الهفوات وبعض الأمور التي هي نتيجة مثل هذه القضية، وهذا داء ينبغي أن يحسم ابتداء، من أول ما يشعر الإنسان بهذا الأمر يحسم الداء ويخلص نفسه من هذه الأمراض وهذه القضايا ويشعر أنه هذه أمارة انحراف وشذوذ.

    لقد فطر الله الرجل على الميل إلى المرأة، والمرأة تميل إلى الرجل، فحين تنعكس القضية فهذه أمارة شذوذ الله يعافينا وإياكم، وحين يدرك المرء هذا من نفسه عليه أن يبادر بعلاج نفسه.

    لو كان عند الإنسان فرس تريد أن تدخل مكاناً ضيقاً، فأول ما تدخل يستطيع أن يعيدها، لكن كلما دخلت صار صعباً عليه أن يسحبها من ذيلها، حتى إذا استحكمت صار أمراً لا يستطيعه، فحين يستحكم الأمر في قلبه يدرك أنه خطأ، ويدرك المشكلة لكن لا يستطيع علاجه.

    الأرواح جنود مجندة

    السؤال: هل المحبة في الله بصفة عامة تدخل في الحديث الذي رواه النبي صلى الله عليه وسلم: (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) ؟

    الجواب: نعم، هي جزء من ذلك، أنت أحياناً مسافر تركب طائرة، وتجد شخصاً ملتحياً، فتشعر تلقائياً أنك تتمنى أن يركب إلى جنبك وتدعوه للجلوس بجوارك، تسلم عليه سلاماً خاصاً فيه شعور بمودة، فكما أن الناس يألف بعضهم بعضاً لاتفاق الطبع، فكذلك اتفاق الدين ولهذا نهى الشرع عن التشبه بالكفار، ومن الحكم أن الشبه يورث المحبة؛ والأرواح جنود مجندة، فحين يتجانسان في الظاهر يتآلفان في الباطن.

    فضل إفشاء السلام

    السؤال: لقد شاع بين أوساط الشباب اليوم قلة إفشاء السلام، فأصبح السلام على من تعرف فقط، نرجو منك الحث على إفشاء السلام بين الشباب وعامة الناس!

    الجواب: هذا الأمر لا يخص الشباب، السلام على من تعرف صار سنة مهجورة، أضرب لكم مثالاً نراه في الحياة اليومية، حتى نعرف أن عدم السلام ينبغي أن نراجع أنفسنا فيه، أحياناً مثلاً عندك ضيف المجلس رحبت به ولقيته، طبيعي أن تدخل البيت أكثر من مرة وتأتي، حينما تعود إلى المجلس لا تعيد السلام مرة ثانية، والسنة إذا فصل بينك وبينه حجر أو شجر أن تعيد السلام، لا المصافحة والعناق، لكن قل: السلام عليكم، ولو تعودنا عليه لصار لهجة دارجة على ألسنتنا؛ لأن الإنسان يلقى أخاه في الشارع، المدرس يلاقي الطالب، الضابط يلاقي الجندي، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، لكن المدرس يلاقي الطالب فيقول لنفسه: عيب أن تسلم عليه لأن ذلك يهز من شخصيتك وقيمتك، والطالب يستحي ولا يجرؤ أن يسلم على الأستاذ.

    وهكذا الضابط الجندي، وقد قالوا: من الحكمة أن الراكب يسلم على الماشي، لأن الراكب عنده نوع من الرفعة دون الماشي فيسلم عليه حتى يشعره بالتواضع، لهذا فالأولى أن تسلم على من دونك، حتى نشعر بالتآخي.

    والسلام يشعر بالمودة، وفاعله مأجور، فإذا قال: السلام عليكم يؤجر عشر حسنات، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله كتبت له عشرون حسنة، فإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أعطي ثلاثين حسنة.

    معنى المجاهرة بالذنب

    السؤال: ذكرتم أن من يذكر ذنبه لصاحبه يدخل في حديث من جاهر بالذنب، والذي يظهر أن المقصود بالحديث من يذكره على سبيل التفاخر، بخلاف من يذكره على سبيل الندم، وإن كان خطأً، لكن لا يعد من المجاهرين؟

    الجواب: هذا الذي يظهر للآخر، لكن قد يظهر لغيرك خلاف ذلك، وهي ثلاث صور يجب أن نفرق بينها:

    الصورة الأولى: أن يذكره على سبيل الفخر.

    الصورة الثانية: أن يذكره ليستفتي ولم يجد حلاً إلا أن يصرح لفلان فيشكو له المشكلة.

    الصورة الثالثة: أن يذكره على سبيل الندم.

    فيسوغ له إذا كان سيستفتي وعنده مشكلة وما وجد حلاً لها إلا أن يصرح لصاحبه، مع أنه يمكن أن يبحث عن وسائل أخرى.

    لكن ذكره على سبيل الندم ما الداعي إليه، إذا ندمت يا أخي فدعها بينك وبين الله، واستتر بستر الله، والنبي صلى الله عليه وسلم حين بايع أصحابه قال: (فمن أصاب منكم شيئاً فعوقب به فهو كفارة له في الدنيا، ومن ستر الله عليه فهو تحت مشيئة الله، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عفا عنه)، وفي حديث النجوى إيماء إلى ذلك، بل البخاري رحمه الله بوب على حديث النجوى في كتاب الأدب: باب ستر المسلم على نفسه، وبوب على حديث: (كل أمتي معافى).

    وحين جاء رجل يشكو للنبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا رسول الله أصبت من امرأة قبلة، قال عمر : ألا سترت على نفسك)؛ ومعناه أن المتقرر عند الصحابة أنه كان الأولى أن يستر على نفسه، مع أنه جاء مستفتياً يسأل هل عليه كفارة أم لا؟

    وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم، وأن يجمعنا وإياكم في دار كرامته ورحمته إنه سميع مجيب، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015536351

    عدد مرات الحفظ

    723672684