إسلام ويب

الشباب والاهتماماتللشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن للشباب همة وقوة ونشاطاً، فينبغي استغلال تلك الطاقات استغلالاً جيداً مثمراً نافعاً للأمة، ومجالات الخير والسباق كثيرة من دعوة إلى الله، وطلب للعلم، ومسارعة في الأعمال الصالحة، والناظر في حال شباب الأمة يصاب بالذهول والحزن عندما يرى أكثرهم ليس له همة ولا مسارعة إلا في الرذائل والشهوات والتفاهات، ويراهم معرضين عن معالي الأمور وعن جميل الأفعال.

    1.   

    اهتمامات كثير من الشباب ونتائجها

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فموضوعنا لهذه الليلة كما ذكر الأخ المقدم هو: الشباب والاهتمامات، وهذا الموضوع جزء من سلسلة دروس تربوية لعل كثيراً منكم إن لم يكن قد حضرها فإنه قد سمع بعضاً منها من خلال الأشرطة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ما نعلم حجة لنا لا حجة علينا.

    وهذا هو الدرس الحادي عشر من هذه الدروس التي تعنى بالقضايا التي تهم الشباب بدرجة أساس.

    إن موضوع الاهتمامات موضوع له حساسيته وله أهميته كما ذكر لنا الأخ الفاضل الذي قدم لهذه المحاضرة، ومع هذه الأهمية التي تميز بها هذا الموضوع نجد أننا لا نعتني به، بل ربما البعض يتساءل: هل يستحق مثل هذا الموضوع أن يفرد بالحديث عنه؟ وهل يستحق مثل هذا الموضوع أن يفرد بهذه العناية؟

    أقول: لعل البعض يتساءل حينما لا يدرك مدى تأثير هذه الاهتمامات على شخصية الشاب، وعلى سلوكه، وعلى توجهه، ولعلنا من خلال عرض الموضوع تتضح لنا أهميته أكثر.

    عندما نبدأ بالإنسان من مراحله الأولى؛ مرحلة الطفولة، نجد أن الطفل يولد ساذجاً، له اهتمامات غريبة وساذجة، فهو في مرحلة من المراحل يهتم مثلاً باللعبة التي يقتنيها، فهي كل شيء عنده، وهي المقياس، ويرضى ويسخط من أجلها، ودائماً يتحدث عن هذه اللعبة، فإذا كان لديه مبلغ من المال فإنه سيشتري به لعبة، وإذا زار أحد أقاربه فسيقارن بين لعبته ولعبة الابن الآخر، وهكذا تصبح هذه اللعبة هي قضية القضايا عند هذا الطفل، ثم يتقدم به السن وتتقدم اهتماماته قليلاً، لكنها تبقى دائماً محصورة في إطار ضيق، ثم تبقى الفوارق أيضاً عند هؤلاء الأطفال محدودة، ولو أخذت شريحة أو عينة من مجموعة أطفال ونظرت إلى اهتماماتهم لوجدت أنها متقاربة، لكن عندما يتقدم به السن فيصل إلى مرحلة التكليف، فيبلغ ويكلف شرعاً، فحينئذٍ ستجد الاهتمامات عنده أصبحت في مفترق طرق.

    اهتمام الشباب بالدنيا

    لعلنا قبل أن نتحدث عن الاهتمامات، وما يتعلق بها، وكيف تكون اهتماماتنا، وكيف نضبطها، سنلقي نظرة ولنحرص أن تكون عاجلة حول اهتمامات الشباب، فستجد مثلاً أن فئة من الشباب قد يكون همه الدنيا وتحصيلها، فتصبح هي كل شيء عنده، وهي مقاييسه، وهي التي تستغرق عليه وقته وجهده وتفكيره، حتى قد يصل إلى الحال التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش).

    فقد وصل إلى حال أصبح فيه أسيراً للدنيا، وعبداً للدنيا وفي طوعها، فالدينار والدرهم والمال والدنيا هي كل شيء عنده، فيرضى من أجلها، ويسخط من أجلها، ويضحي من أجلها، وهي الهدف الذي لا يساوم عليه، بل لعلك حتى تدرك فعلاً مدى أسر الدنيا لمثل هذا الشخص أن تتصور كيف أنه باع آخرته لدنياه، وهذا يكفي ليعطيك دلالة على مدى أهمية الدنيا عند مثل هذا الشخص.

    فهذه صورة، وقد تكون هذه الصورة الآن قليلة في محيط الشباب، لكنك تجدها في الطبقات الأكبر سناً.

    اهتمام الشباب بالرياضة وأثره

    ننتقل إلى اهتمام آخر أكثر انتشاراً وتأثيراً عند الشباب ألا وهو الرياضة أو الكرة، فالشباب يهتم بالكرة اهتماماً بالغاً، من خلال الممارسة، ولعب الكرة يأخذ جزءاً كبيراً جداً من وقته من خلال ما يسمى بالمصطلح المعاصر التشجيع، وفي العلم نسميه الولاء، فهو في الواقع ولاء لهذا النادي وما يتعلق به.

    ولو كان الشاب اقتصر على قضية الممارسة للرياضة مع ما تأخذ من الوقت فقد يهون الأمر، فنقول: إن الرياضة تأخذ عليه ساعات، فيصبح الأمر هيناً عندما نقارنه بالصورة الأخرى وهي صورة الانتماء الرياضي، فصار هذا الشاب يشجع نادياً من النوادي، وانظر كيف يؤثر عليه هذا الأمر، فهو مثلاً يهتم بأخبار النادي، واللاعبين، وتاريخهم، وربما يقتني أيضاً صور هؤلاء اللاعبين، ويتابع مباريات الفريق أولاً بأول، ويهتم بهذا، ثم تستولي على مشاعره كثيراً.

    كذلك يتأثر أيضاً في تفكيره فيصبح تفكيره مربوطاً كثيراً بهذا النادي، حتى إن أشياء ساذجة صارت تحكم عقلية هذا الشاب، فمثلاً اللون الذي يميز هذا النادي يصبح لوناً له قيمته عنده، فهو مثلاً عندما يقتني قلماً يحرص أن يكون القلم يعبر عن شعار هذا النادي، وعندما يضع تلبيسة على سيارته فأيضاً يجب أن تكون تمثل شعار هذا النادي، فصار هذا اللون يحكمه، وصار يعشق هذا اللون؛ لأنه يذكره بهذا النادي الذي أصبح ينتمي إليه.

    وهذه حققت مكاسب لفئات كثيرة من الناس: أصحاب الدعاية، فيطبع شعارات ويفرد شعارات وتروج هذه الشعارات؛ نظراً لارتباطها بنادٍ معين عند هذا الشاب الذي صار هذا النادي يسيطر عليه.

    وأنت حتى تدرك فعلاً كم يأخذ هذا الانتماء من الشخص، ومن قدراته، ومن طاقاته، دعني أصور لك هذا المثال: شاب يشجع نادياً من النوادي، والآن لديه مباراة لهذا النادي لها أهمية فقد تحدد موقعه أو مصيره، فهو قبل المباراة سيقرأ الصحف، ويقرأ التحليل عن المباراة والتوقعات إلى غير ذلك، فتأخذ عليه جزءاً كبيراً من وقته ومن قراءته، وما يكتفي بصحيفة واحدة، بل يمكن يقرأ جميع الصحف التي تكتب عن المباراة والتحليل لها، ثم يتناقش مع زملائه، ولك بالضرورة أن تتصور طبيعة النقاش الذي يسود أجواء الرياضيين، فهو نقاش غير مؤدب، ونقاش غير لبق، ونقاش ينم عن مستوى الثقافة التي يتمتع بها أمثال هذه الطبقة، ثم يذهب للملعب، وبالتأكيد سيذهب في وقت مبكر؛ حتى يحصل على مكان متقدم.

    وانظر ما سيترك من واجبات لأهله ومصالح سيفوتها نتيجة حرصه على الحضور بل الحضور المبكر لهذه المباراة،

    وإذا لم يتيسر له الحضور انتقل إلى المرتبة الثانية وهي متابعة المباراة من خلال الشاشة، فسيقف أمام الشاشة أو أمام الملعب وتبدأ المباراة وخلال وقت المباراة كله سيعيش جوا مشحوناً، فقد استجمع كل مشاعره من خلال النظر، ومن خلال التفكير، كل هذه المشاعر استجمعها؛ لأجل متابعة هذه المباراة.

    وهذه المشاعر لا يمكن أن يستجمعها مثلاً وهو يقرأ القرآن، ولا وهو يصلي، ولا وهو يسمع الخير، فضلاً عن أن يستجمعها وهو يسمع شرح الأستاذ، أو في أي قضية من قضاياه الجادة، فيستجمع لها مشاعره، ثم يعيش أيضاً مشاعر وعواطف متناقضة خلال هذه المباراة، فهو مثلاً عندما تكون الهجمة على فريقه يعيش شعور خوف ووجل حتى تتبدد على خير، فيرتاح ويستقر، وتعود مرة أخرى فيعود إلى الشعور المعاكس تماماً، فهنا كان عنده شعور خوف، وهنا الآن صار عنده شعور رجاء، فصار يعيش مدة ساعة ونصف بين هذه المشاعر المتناقضة.

    فلمصلحة من يضيع الإنسان هذا الوقت وهذا الجهد؟ فهذه المشاعر والعواطف التي عنده: الحب والكراهية والحماس حرام تضيع هذه المشاعر في هذه القضايا، وثق ثقة تامة أنها -كما سيأتي- ستكون على حساب القضايا الأهم.

    يا أخي! إن الله سبحانه وتعالى خلق لك نفساً قابلة للحماس، وخلق لك مشاعر معينة، خلقها لحكمة، فهذا إهدار لثروة هائلة قد لا نقيم لها وزناً؛ لكن لها أهمية، فنحن نفكر في ثروة المال، ونفكر في ثروات معينة، وقد أحياناً نفكر في الوقت وأنه ثروة، لكن لا يمكن أن نفكر في هذه المشاعر الذي عندنا أنها ثروة مهمة يجب أن نحافظ عليها، ويجب أن نستغلها الاستغلال الشرعي؛ لأجل المصلحة التي خلقها الله عز وجل من أجلها.

    ثم ما يعقب المباراة والنتيجة التي صارت في المباراة لابد أن يصير فيها إلى حالتين:

    إما أن ينتصر فريقه، فيصبح يعيش حالة زهو وفرح يسيطر عليه، وتؤثر على حياته كلها في اليوم التالي، أو العكس أن يهزم فيعيش مشاعر أخرى من السخط والحزن والقلق.

    ولعلكم تسمعون كثيراً مثلاً عن حالات طلاق تحصل عن حالات خصام بين الزوجين؛ نتيجة مثل هذا الجنون الكروي، بل أحياناً قد يصل الأمر ببعض الناس إلى حالة الإغماء وحالة الوفاة.

    اهتمام البنات بالرياضة

    ومن أطرف ما مر علي مقال أحب أن تشاركوني فيه، كتبته إحدى الفتيات، وهي فتاة غيورة كتبت في إحدى الصحف عن علاقة الفتاة بالرياضة، فإنك تجد الفتاة تهتم بأي شيء إلا الرياضة، فهذا المقال كتبته رداً على مقال آخر، تقول الكاتبة: كنت أتصفح إحدى الصحف المحلية ولفت نظري ما أشارت إليه إحدى القارئات بأن تشجيع الفتاة للكرة ليس من تخصصها، ولا يليق بأنوثتها.

    ورغم أنني أتفق تماماً مع ما ذهبت إليه إحدى الأخوات في رأيها -لاحظ: أتفق تماماً- إلا أنني أود أن أطرح بعض النقاط والتي أتمنى أن تكون موضع اهتمام هذه القارئة وغيرها:

    التشجيع ليس مقتصراً على الشباب فقط حتى نقول إنه ليس من تخصص الفتاة، فلا أعرف من أين استقت هذه الفتاة هذا الرأي. يعني: هذا نقاش علمي ومطالبة بالدليل والحجة والبرهان! فهل تحرم المواطنة من تشجيع منتخب بلدها مثلاً، أليست هي مواطنة تنتمي لبلدها؟! فهناك وفي أكثر الفنادق رجال يعملون في المطبخ، فلماذا لا نقول: إن الطبخ من اختصاص النساء فقط؟ هذا قياس.

    إن تشجيع الفتاة للكرة لا يقلل من شأن أنوثتها طالما التزمت برقتها، وهدوئها، وصحيح أنها لا تمارس هذه الرياضة كالشباب لكن من حقها أن تشجعها، ومن حقها أن تمارسها أيضاً، فما المانع؟ عندما تكون هناك نوادٍ، وهناك مباريات رياضية فيما لا يتعارض مع العقيدة الإسلامية، ولا يتعارض مع شريعتنا الإسلامية ما هو الإشكال؟ وما المانع مثلاً أن يكون فيه أيضاً مسارح فيما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، ونوادٍ للرقص مثلاً؟ وإلى غير ذلك.

    تقول: كرة القدم ليست محتكرة على فئة معينة دون الأخرى، ومن يتفق على أنها حكر على الشباب فأتمنى أن يدعموا رأيهم بأدلة تثبت ذلك.

    وأخيراً أقول: بأن التشجيع هواية لدى الشباب والشابات بدليل الفنون التشكيلية، والرياضات العالمية، وغير ذلك مما أصبحت فيها الفتاة خير نموذج تؤكد نجاحها في كل المجالات فتخيلوا صورة فتاة تلبس برقعاً ومعها مجموعة من الكرات.

    إن أخواتنا المسلمات تنتهك أعراضهن في كل مكان، ومنهن من تعيش في السجون، ومنهن من تنتهك أعراضهن، ويتناوب آلاف الرجال عليهن، وتسأل الفتاة: ماذا تصنع بهذا الجنين الذي في بطنها؟ كما نسمع كثيراً عن هذه المآسي.

    والفتاة الأخرى تحارب عندما تلبس الحجاب، وتقام معارك في الجامعات هل يسمح للفتاة أن تلبس الحجاب أو لا تلبس الحجاب؟ إلى غير ذلك من المآسي التي تعاني منها الفتاة، ونحن نناقش هنا قضية أحقية الفتاة في تشجيع الكرة! فهذه الصورة لا نريد أن نطيل عندها كثيرا.

    اهتمام الشباب بالشهوات

    صورة أخرى: صورة ذاك الشاب الذي قد سيطر عليه هم آخر وهو الشهوة، فسيطرت عليه الشهوة، فصارت تحكم تفكيره وحياته، فهو يفكر دائماً في هذه الشهوة، وكيف يقضي شهوته ويصرفها، فيجلس أمام الأستاذ في الفصل والأستاذ يشرح، لكنه يعيش في واد آخر غير هذا الوادي الذي هو فيه.

    ويعيش مع الناس لكنه معهم ببدنه وأما قلبه ففي وادٍ آخر، ويسير بسيارته لكنه أيضاً يفكر تفكيراً آخر، ويتطور الأمر لديه وهو في الفصل ربما والأستاذ يشرح الدرس، فيخرج القلم ويخرج كراسة الكشكول أو الكتاب، فيبدأ يكتب عبارات دون أن يشعر، ويتحرك قلمه فيكتب قصائد حب وغرام، ويكتب عبارات معينة، وحروفاً معينة، ورموزاً معينة، كلها تعبر عن هذا الجحيم الذي يعيشه، وتعبر عن هذا الاهتمام الذي سيطر عليه.

    وقد يتجاوز الأمر أحياناً فيكتب على كتابه، وربما يكون هذا الكتاب كتاب التفسير، أو كتاب التوحيد مثلاً، وهذا أمر رأيته بعيني، فقد رأيت أحد الطلاب كتب عبارات ساقطة على كتاب التفسير، ولا أستطيع أن أقولها لكم، ولا أتجرأ أن أقول هذا الكلام الذي يكتبه هذا الطالب على كتاب التفسير.

    ولا شك أنه كتب هذا الكلام في درس التفسير، فهو قد أخرج الكتاب والأستاذ يشرح وهو يعيش في وادٍ آخر، فالأستاذ يتحدث عن أسماء الله وصفاته، وعن اليوم الآخر، وعن هذا القرآن الذي أنزله الله هداية للناس، وصاحبنا يعيش في وادٍ آخر.

    وربما يتطور الأمر ويصلي ويقرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:2-4].

    والله سبحانه وتعالى يخاطب عبده كما تعلمون (إذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] قال: أثنى علي عبدي، مجدني عبدي، هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).

    وصاحبنا يعيش في وادٍ آخر، وله هم آخر، فهو يفكر في هذه الشهوة، وصارت هذه الشهوة مقياساً له يقيس به الناس، حتى قد يتحول الأمر به إلى أن يصبح عبداً وأسيراً لهذه الشهوة تحكمه، حتى إن من الناس من يضحي بدينه، وقد يقول عبارات الكفر -عافانا الله وإياكم- لأجل هذه الشهوة التي أصبح أسيراً لها.

    أقرأ لكم كلاماً ذكره ابن القيم رحمه الله، وكلامه في هذه المواضع طويل وكثير جداً، لكن هذا كلام ذكره في (إغاثة اللهفان)، قال وهو يتحدث عن حال العاشق: فهو أعظم ذكراً له -أي: لمعشوقه- من ربه، وحبه في قلبه أعظم من حب الله فيه، وكفى به شاهداً على نفسه، بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [القيامة:14-15].

    فلو خير بين رضاه ورضا الله لاختار رضا معشوقه على رضا ربه، ولقاء معشوقه أحب إليه من لقاء ربه، وتمنيه لقربه أعظم من تمنيه لقرب ربه، وهربه من سخطه أشد من هربه من سخط ربه عليه، يسخط ربه بمرضاة معشوقه، ويقدم مصالح معشوقه وحوائجه على طاعة ربه، فإن فضل من وقته فضلة، وكان عنده قليل من الإيمان صرف تلك الفضلة في طاعة ربه، وإن استغرق الزمان حوائج معشوقه ومصالحه صرف زمانه كله فيها، وأهمل أمر الله، يجود لمعشوقه بكل نفيسة ونفيس، ويجعل لربه من ماله -إن جعل له- كل رذيلة وخسيس، فلمعشوقه لبه وقلبه وهمه وخالص ماله، وربه على الفضلة وقته، قد اتخذه وراءه ظهريا، وصار لذكره نسياً، إن قام في خدمته في الصلاة فلسانه يناجي ربه وقلبه يناجي معشوقه، ووجه بدنه إلى القبلة ووجه قلبه إلى المعشوق، إلى آخر كلامه رحمه الله.

    هذه صورة من صور بعض الاهتمامات التي قد تطغى على الشاب.

    الاهتمام بنقد الآخرين أياً كان النقد

    وهذه صورة أخرى قد تكون أقل من الصور التي قبلها، لكنها أيضاً صورة من صور الاهتمامات الخاطئة، وهي الاهتمام بنقد الآخرين أياً كان هذا النقد، فيصبح هذا النقد يسيطر عليه، فهو يسمع لينتقد، ويقرأ لينتقد، ويسأل لينتقد، فيأتي يسأل فلاناً وهو يريده أن يجيب إجابة معينة؛ لينتقده فيها، فإذا أجاب على خلاف ما يريد الناقد قال الناقد في حق المسئول: إنه يقول ما لا يعتقد، إنه يعتقد كذا وكذا، ثم يطرح السؤال بصورة أخرى ويلح عليه حتى يجيب بالإجابة التي يريد أن ينتقده فيها، فهذا الشخص قد سيطر عليه النقد وأصبح همه.

    الاهتمام بطاعة الله والآخرة

    لعلنا نرى نماذج من هذه الصور، وقد تختلف النسب بين من هذا همه وذاك همه، قد تختلف الخواطر، ولكنك ترى أن هذه الهموم كلها هموم تسيطر على فئة وقطاع من الشباب، وتتحكم هذه الهموم في مشاعر الإنسان.

    ويضرب لنا ابن الجوزي مثلاً عجيباً في ذلك، فهو يتحدث عن همة المؤمن، ثم يضرب لنا مثلاً في اختلاف اهتمامات الناس وأثرها عليهم، فيقول: همة المؤمن متعلقة بالآخرة، فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة، وكل من شغله شيء فهمته شغله، ألا ترى أنه لو دخل أرباب الصنائع إلى دار معمورة رأيت البزاز ينظر الفرش ويحزر قيمته، والنجار إلى السقف، والبناء إلى الحيطان، والحائك إلى نسج الثياب.

    والمؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر، وإن رأى مؤلماً ذكر العقاب، وإن سمع صوتاً فظيعاً ذكر نفخة الصور، وإن رأى الناس نياماً ذكر الموت في القبور، وإن رأى لذة ذكر الجنة، فهمته متعلقة بما في الآخرة، وذلك يشغله عن كل أمور الدنيا، إلى آخر كلامه رحمه الله.

    وهناك شاب آخر يعيش الظروف نفسها، فهو يعيش في نفس البيئة التي يعيشها الشاب الأول الذي يهتم بالرياضة، أو الشاب الآخر الذي يهتم بشهوته، فيعيش نفس الظروف، ونفس البيئة، ونفس المتغيرات، وربما يعيش البيت نفسه الذي يعيشه فلان، فأنت ترى الشاب الأول له هذا الهم، بينما الآخر يعيش معه في البيت نفسه، ومن أم وأب واحد، ويتلقون تربية واحدة، ولكن هذا له هم آخر غير هم أولئك، ولسان حاله يقول: يا قومي! أنتم في وادٍ وأنا في وادٍ آخر، يا قومي! لي هم غير الهم الذي يشغلكم، فلم تعد الدنيا هماً لي، ولم تعد الرياضة مجالاً أن أفكر فيها أصلاً، فضلاً عن أن أصرف فيها نفيس وقتي ومشاعري وأحاسيسي، وأما الشهوة فهي أبعد إلي من ذلك كله؛ لأني أعرف أنها تقودني إلى ما حرم الله عز وجل.

    نعم إنني أصرف شهوتي، لكن فيما أباح الله سبحانه وتعالى، وأؤجر على ذلك، وأتعبد الله بذلك، ولكن لي وادٍ آخر ولي هم آخر غير هذا الهم الذي تهتمون به، فهو يهتم بحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى، فإذا رأى شاباً تساءل في ذهنه: يا ترى كم يحفظ من القرآن؟ ويسمعه يقرأ فيصغي إلى قراءته ليسمع ماذا يقرأ، وإلى أين وصل في حفظ القرآن، وهل فاقه أم لا؟

    بينما ذاك الشاب ينظر إلى هذا الشاب نفسه الذي يقرأ القرآن، لكنه ينظر بعين أخرى، ينظر بنظرة أخرى، ينظر وله هم آخر وصورة أخرى، أرأيت كيف يجتمع هذان في النظر إلى هذا الشاب، لكن هذا له نظرة وذاك له نظرة أخرى!

    تماماً كما ذكر ابن الجوزي يدخل الناس القصر، فهذا ينظر إلى الأخشاب، وهذا ينظر إلى الحائط، وهذا يذكره هذا النعيم بنعيم الجنة، ويذكره هذا الجمال والبهاء في الدنيا بزوال الدنيا وفنائها.

    وهذه صورة أخرى، فالشاب الذي همه العلم الشرعي وتحصيله، قد تراه يدخل مع غيره المكتبة، وتجد هذا الغير همه مجلة، أو همه صفحة رياضية، أما هذا فهمه كتاب من كتب العلم، ويدخل التسجيلات وله هم، والآخر يدخل تسجيلات أخرى ولكن له هم آخر، في المجالس يتحدث في موضوع، وذاك يتحدث في موضوع آخر.

    إذاً: هذه صورة عاجلة عن اهتمامات الشباب.

    1.   

    المجالات التي ينبغي أن نهتم بها

    ننتقل بعد ذلك إلى النقطة الأخرى، وهي: ما المجالات التي ينبغي أن نهتم بها، والتي نصرف لها اهتمامنا؟ أظن أنه بعد ما سبق وصلتم على الأقل إلى قدر من القناعة بأهمية هذا الموضوع؛ أهمية أن نعتني باهتماماتنا، ونفكر فيها، ونسعى إلى أن نتحكم فيها ونضبطها.

    فنقول إذاً: ما القضايا التي يجب أن يهتم بها الشاب؟ وما الأمور التي يجب أن تسيطر على اهتماماته؟

    إصلاح النفس

    أول قضية وأهم قضية: هي إصلاح نفسه، أن يهتم بإصلاح نفسه: كيف أزيد من إيماني وطاعتي لله سبحانه وتعالى؟ وكيف أنمي في نفسي الخوف من الله عز وجل، ومحبته، ورجاءه، والتوجه إليه، والرغبة والرهبة، إلى غير ذلك من عبادات القلب، وكيف أصرفها لله سبحانه وتعالى؟

    كيف أربي في نفسي الحرص على الصلاة، على تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى، على ذكر الله، ثم كيف أنتصر على المعاصي؟ كيف أضبط شهواتي؟ كيف أضبط نفسي عما حرم الله سبحانه وتعالى؟ ثم كيف أتخلص من داء البخل الذي قد يكون حاجزاً بيني وبين الإنفاق في سبيل الله؟

    وكيف أتخلص من داء الكسل الذي يكون عائقاً بيني وبين الكثير من التطلعات التي أتطلع إليها؟ فقد يكون الكسل عائقاً بيني وبين عبادة الله سبحانه وتعالى، وبين طاعة الله عز وجل، وبين طلب العلم، وبين الدعوة، إلى غير ذلك من المجالات التي يجب أن أسلكها.

    المهم أن هذا هم مهم وأساس يجب أن يسيطر عليك، فتفكر فيه كثيراً، وتتساءل عنه كثيراً، وتثيره مع أقرانك، وتفكر فيه، وتقرأ وتسمع وتوظف طاقات كثيرة تملكها لأجل تحقيق هذا الهم.

    تحصيل العلم الشرعي

    هم آخر هو الآخر يجب أن يحتل مكانة بين قائمة اهتماماتك: تحصيل العلم الشرعي.

    وذلك بدءاً بحفظ كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولك أن تتصور ماذا سيأخذ عليك من وقتك ومن تفكيرك، فأنت مثلاً تقرأ آيات الله فتفكر فيها، وتسمع حديثاً فتفكر به وتستنبط منه، وترى فيه فائدة مهمة في هذا الموضوع الذي يعنيك، وهكذا تدخل المكتبة فتبحث عن كتب، فهذا كتاب صدر حديثاً، وهذا موضوع جديد، وهذه مسألة تستحق البحث، إلى غير ذلك.

    الدعوة إلى الله تعالى

    هم ثالث: الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

    وسنتحدث بعد قليل إن شاء الله عن مقدار من العلم يجب أن تهتم به، ومقدار من الدعوة يجب أن تهتم به؛ حتى نضبط هذه الاهتمامات، لكن نحن الآن نتحدث عن مجالات الدعوة في البيت .. في المدرسة .. في الحي حتى تصبح هماً تفكر فيه، فترى فلاناً من الناس وتفكر كيف تدعوه، وكيف تنصحه، وكيف تؤثر عليه؟ وتفكر وأنت جالس فيما تدعو، وتفكر في برامج ووسائل يمكن أن تدعو بها إلى الله سبحانه وتعالى، وتفكر في أخطائك في الدعوة إلى الله عز وجل، وتفكر في تجارب الآخرين، وتقرأ، وتبحث، فالمهم أن هذا صار هماً يسيطر عليك.

    الاهتمام بمآسي المسلمين ومشاكلهم

    أيضاً هم آخر: مآسي المسلمين ومشاكلهم هي الأخرى يجب أن تأخذ مساحة من اهتمامك.

    فتفكر في أحوال إخوانك المسلمين، وتقرأ وتسمع عن أحوالهم، وتثير هذه القضايا، كل هذه الاهتمامات يمكن أن تصب في نهر واحد، ويمكن أن نقول: إنها طرق تؤدي إلى نتيجة واحدة، ويجب أن يسير فيها الشاب بخط متوازن كما سيأتي.

    يقول ابن القيم : وبالجملة فالقلب الصحيح هو الذي همه كله في الله، وحبه كله له، وقصده له، وبدنه له، وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابه، والخلوة به آثر عنده من الخلطة إلا حيث تكون الخلطة أحب إليه وأرضى له، قرة عينه به، وطمأنينته وسكونه إليه، فهو كلما وجد من نفسه التفاتاً إلى غيره تلا عليها: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً [الفجر:27-28].

    فيردد عليها الخطاب بذلك ليسمعه من ربه يوم لقائه، فينصبغ القلب بين يدي إلهه ومعبوده الحق بصبغة العبودية، فتصير العبودية صفته، وذوقاً لا تكلفاً، فيأتي بها تودداً وتحبباً وتقرباً كما يأتي المحب المتيم في محبة محبوبه لخدمته وقضاء أشغاله.

    ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)؛ لأنه يناجي فيها إلهه سبحانه وتعالى، ولهذا كان يدعو صلى الله عليه وسلم ويقول في دعائه لربه: (اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك).

    إن هذا الذي يشتاق إلى الله سبحانه وتعالى لن يصبح في قلبه شوق إلى غير الله عز وجل، فهما متناقضان لا يجتمعان أبداً، فلا يمكن أن يشتاق للشهوة الحرام، ولا اللذة الحرام، ولا لما حرم الله، ويشتاق لمحبة الله عز وجل ولقاء الله؛ لأنه يعلم أن هذا يطرد ذاك، وهذا يرفض ذاك، وهذا لا يمكن أبداً أن يجتمع مع ذاك.

    إذاً: فهذه مجالات ينبغي أن نهتم بها، وحين يهتم بها الإنسان فإنها تسيطر على شعوره وعلى تفكيره، وأنا في الطريق في السفر كنت أسمع أحد الأشرطة، فسمعت حديثاً وكان في ذهني هذا الموضوع، وفعلاً تتعجب من العقلية التي كانت تسيطر على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر لهم حديث الدجال فقال: (يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، ويوم كأيامكم)، فهم مباشرة سألوه فقالوا: (يا رسول الله! اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟) يعني: ما فكر الصحابة في طول هذا اليوم، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم يحدث عن الدجال ، وصارت الصلاة قضية تسيطر عليهم وعلى همومهم، فمباشرة ذهب إلى أذهانهم هذا السؤال.

    وتحفظون قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما طعن وأفاق قال: أصلى المسلمون؟

    وأتاه شاب فلما انصرف قال: ارفع إزارك. وهو يعاني من سكرات الموت.

    والنبي صلى الله عليه وسلم وهو في مرض موته كان يقول: (أخرجوا الكفار من جزيرة العرب)، (لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد)، (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم)، فكان له هم يسيطر عليه.

    وهكذا يجب أيها الإخوة! أن ترقى اهتماماتنا إلى هذه المراتب العالية والسامية، ولا يكفينا منك أن تكون هذه اهتماماتك، فقد ترى الكثير من الشباب يهتم هذه الاهتمامات الجادة، لكن قد يكون هناك خلل.

    1.   

    ضوابط الاهتمامات

    التوازن

    ومن هنا نحتاج إلى ضوابط في هذه الاهتمامات:

    الضابط الأول: التوازن.

    فلا يطغى جانب على جانب، وقد ذكرت قائمة من الاهتمامات كلها تحتاج إليها: إصلاح نفسك، العلم الشرعي، الدعوة إلى الله عز وجل، مآسي المسلمين، إلى غير ذلك.

    فيجب أن تسير كل هذه الأمور في خط متوازن، وهذا مجرد تصوير نظري وإلا فأنا أعتبر كل هذه هماً واحداً، ونتيجة واحدة، لكن حتى أصور لك القضية وأقربها لك من خلال التقسيم في الواقع النظري، وإلا فإصلاح النفس لا يتم إلا بالعلم الشرعي، وبالدعوة إلى الله، وبالعناية بمصائب المسلمين.

    وهكذا تجد كل قضية تقول: أختي أختي! لكن أقول: يجب أن يكون هناك توازن في هذه الاهتمامات، فلا يطغى جانب على حساب جانب آخر، ولا نهتم بجانب ويكون على حساب الجانب الآخر.

    والقضية -كما سيأتي معنا بعد قليل- أن الاهتمامات تعيش صراعاً، فعندما تزيد نسبة اهتمام معين فلابد أن يكون على حساب الاهتمام الآخر، ومن هنا لابد أن تسعى إلى أن تضبط اهتماماتك فلا تزيد عن القدر الذي ينبغي؛ لأنها ستكون على حساب غيرها.

    التكامل

    الضابط الثاني: التكامل:

    فمثلاً قد تجد شاباً يهتم بأخبار المسلمين، وقضايا المسلمين، فتشغل عليه وقته كله، ثم ينسى العلم الشرعي، وينسى الدعوة إلى الله عز وجل.

    وتجد شاباً آخر أصبح يهتم بالتحصيل العلمي، ثم ينسى نفسه، فلا يربي نفسه، ولا يعتني بإصلاح نفسه، ولا يهتم بأخبار المسلمين، وعندما تتحدث معه لا يدري الرجل أهو يعيش في عهد الخلافة العثمانية، أو في الحرب العالمية، أو في الحرب الباردة، أو في النظام الدولي الجديد، لا يعرف!

    ونحن لا نريده أن يدرك هذه المصطلحات، لكن على الأقل أن يعرف واقعه، ويعرف أحوال المسلمين، ويعرف ما هم فيه، فلا يليق أن يهتم بالعلم الشرعي ويعتني به، ثم لا ترى له أي جهد في دعوة غيره، وكأن الواقع الذي من حوله والذي يعيشه ربما في البيت، أو في المدرسة، أو في الحي، أو في موقع العمل، كأن هذا الواقع لا يعنيه بقليل ولا بكثير.

    إذاً: لابد أن يكون هناك تكامل، فيجمع بين هذه العناصر.

    الاهتمام بما يناسب كل فرد

    نقطة ثالثة: وأريد أن أقف عندها كثيراً؛ لأننا نجد فيها خللاً في الواقع، وأرجو أن تفهموها فهماً جيداً.

    مثلاً: يأتيك أحياناً شاب في المرحلة الثانوية، فتجد أنه يهتم بمآسي المسلمين اهتماماً بالغاً جداً، ويسأل عن الأخبار، ويعتني بها، وتسيطر عليه هذه القضية كلية، وينسى القضايا الأخرى التي هي بالنسبة له قد تكون أهم، فما عسى شاب في المرحلة الثانوية أو في المرحلة المتوسطة، يعيش في مدينة، أو يعيش في قرية من القرى، ماذا سيقدم هو لقضية من قضايا المسلمين كقضية المسلمين في البوسنة مثلاً، عندما تكون هي الشغل الشاغل عنده، وهي كل شيء عنده، فدائماً يسأل عن هذه القضية، ويثير هذه القضية؟!

    كثيراً ما يزورني الشباب، وأجدهم دائماً يطرحون أسئلة حول القضايا الساخنة التي تدور في المجتمع، آخر الأخبار في قضية البوسنة، آخر الأخبار في أوضاع الصومال، ثم قضايا ساخنة في المجتمع، وهذا هو كل شيء عندهم.

    ونادراً ما يطرح الشباب عليك قضية يعاني منها هو شخصياً، يعني كيف يربي نفسه؟ كيف يصلح نفسه؟ أو قضية علمية تعنيه مثلاً، أو مشروع دعوي هو يفكر فيه ويقترحه.

    وشخص آخر يهتم اهتماماً علمياً، لكن هذا الاهتمام أيضاً فوق مستواه، فهو مثلاً شاب لا يزال في مراحل مبكرة من العمر، فتجده يهتم بمسألة من المسائل الفرعية، ويقرأ فيها في كل الكتب المطولات والمختصرات، وأقوال العلماء، وماذا قالوا فيها، وهذا الحديث ما العلة فيه، وفلان وماذا قال في فلان، إلى غير ذلك، ويغرق في القضية هذه، ويتصور أن هذا هو العلم الذي يجب أن يعتني به ويهتم له.

    فيسيطر عليه هذا الهم أيضاً هو الآخر، فيهتم بهذه المسائل الدقيقة جداً، ولهذا لما تسأله في أي مسألة من هذه المسائل الجزئية المشتهرة، يقول لك: هذه المسألة فيها خمسة أقوال لأهل العلم، قال فلان: كذا، وقال فلان: كذا، وصنف فيها فلان، وفيها حديث فيه الراوي الفلاني، وهو شاب في مرحلة ثانوية.

    أنا والله لا أقول هذا حسداً لهذا الشاب أن يصل إلى هذا المستوى، لكن اسأله في قضية مهمة من قضايا العلم وأساس من أساسات العلم فقد يخطئ فيها.

    وأنا يمكن آتي لك بشاب يستوعب ما قاله أهل العلم في قضية تقديم اليدين على الركبتين في الصلاة، والمصنفات وصنف فلان، وقال فلان، وهذا الحديث فيه فلان، أو قضية الإشارة مثلاً بالسبابة، لكنه لا يستطيع أن يفرق مثلاً بين الركن والشرط والواجب في الصلاة، ما الفرق بين هذا وذاك؟ ويمكن أن يخطئ في عد أركان الصلاة، أو في أحكام أساسية هو يحتاج إليها في الصلاة.

    مرة أخرى أنا لا أقول: إن هذه قضايا لا ينبغي أن نهتم بها ولا نعتني بها، بل يجب أن نهتم بها، وهي قضايا من ديننا، ولا يجوز إطلاقاً أن نقول هذه قضايا ثانوية، ولا يجوز أن نسفه من يهتم بها، لكن يا أخي! الشاب يجب أن يكون مهتماً بقدر ما هو عليه، فالشاب الذي في هذه المرحلة يجب أن يهتم بالقضايا الأساسية، فيهتم بأساسات العقيدة، ولا يهتم بقضايا جزئية في العقيدة قد لا يضره إن جهلها، ويهتم بأساسات الفقه، ولا يهتم بالقضايا الجزئية التي قد لا يضره إن جهلها، ويهتم بالأساسات في علوم القرآن، وفي تفسير القرآن، فإذا صارت عنده قاعدة علمية جيدة بدأ يهتم بالفروع.

    خذ جانباً آخر قد يهتم به الشاب أكثر من مستواه: الجانب الدعوي.

    فيأتيك شاب في هذه المرحلة يسألك عن الجماعات الإسلامية، والخلافات التي بين الجماعات، والعمل الإسلامي، ومشاكل العمل الإسلامي، والقضايا التي قد لا يجيد التعبير عنها فضلاً عن أن يستوعبها، ألا توافقني أن هذا الشاب قد أخذ ما لا يطيق، وقد تحمل ما لا يطيق؟

    نحن لا نطالبك بعدم الاهتمام بالدعوة، اهتم بالدعوة، لكن في موضع معين، وعلى قدرك أنت، فاهتم بأحوال المسلمين لكن بالقدر الطبيعي الذي فعلاً يطلب منك، وليس من اللائق أن تضيع وقتك في قراءة تحليلات وأخبار، وتسمع الإذاعات، وتستغرق جزءاً كبيراً جداً من وقتك في متابعة قضية من قضايا المسلمين.

    الجانب الآخر: الجانب الدعوي:

    فلا تشغلنا في الكلام عن الجماعات الإسلامية، وعن مشاكل العمل الإسلامي، وعن هموم العالم الإسلامي، وأحياناً -مع احترامي الشديد- تجد طالباً في المرحلة الثانوية أو في مرحلة متوسطة قد ألف كتاباً وكتب: تأليف أبي فلان الأثري، إلى غير ذلك من الألقاب، ثم يُقيِّم العمل الإسلامي كله، ويحكم على الدعاة والجماعات الإسلامية.

    أنا لا أقول: إن هؤلاء معصومون، ولا أقول: إنه ما ينبغي أن يتحدث عن أخطائهم، لكن على الأقل يجب على كل إنسان أن يعرف لنفسه قدرها، فبدل الكلام هذا كله يا أخي! أنت الآن في المرحلة الثانوية، أو مرحلة متوسطة، أو طالب جامعي، أو موظف، أياً كان شأنك، بدل هذا التفكير كله، والكلام الذي قد لا يفيد، وعادة ما يكون تجنياً، ما دمت مصراً على التأليف والتصنيف فصنف لنا مثلاً في أساليب دعوية يمكن أن يسلكها من هو مثلك، فأنت مثلاً طالب اعرض لنا تجربتك في الدعوة إلى الله عز وجل، والأساليب التي يجب أن يسلكها الشاب في الدعوة، وإذا كنت موظفاً اعرض لنا هذه التجربة، أليس هذا خيراً من هذا الغثاء الذي نراه كثيراً الآن؟

    مرة أخرى لا أقول ليس هناك أخطاء، ولا أقول: لا ينبغي أن يؤلف فيها، ولا ينبغي أن يتكلم فيها، لكن يجب أن يعرف المرء موقعه ومكانته، وقد تكون وأنت في هذا السن أدركت بعض الأخطاء على الآخرين فمن حقك أن تدرك الأخطاء، ولو كنت في هذه المرحلة، وعلى أناس كبار، وقد تقول: إن فلاناً أخطأ، لكن يجب أن تتوازن، ولا تتحول إلى إنسان يقيم الآخرين وأنت في هذه المرحلة التي هي مرحلة البناء والطلب.

    إذاً: يا شباب! يجب أن تكون اهتماماتنا على قدرنا، وعلى قدر موقعنا؛ لأننا نرى الكثير من الشباب يهتم بقضايا أكبر من حجمه، والنتيجة أنه يحصل فيه خلل.

    وأقول: لا أريد أن يسيء أحد فهم ما أقول، فيسألني: هل يعني هذا أنك تدعونا إلى ألا نهتم بأحوال المسلمين، وأنك تسفه من يعتني بالعلم الشرعي، أو من ينتقد الدعاة الذين يقعون في الأخطاء، أو .. أو، وغير ذلك، لا، أنا أقول: كل هذه الأمور مطلوبة، لكن يجب أن يكون هناك توازن، ثم يجب أن يعرف كل إنسان موقعه.

    أحد الشباب مرة جلس يناقشني في بعض القضايا، وهو شاب جيد أعجبت بعقليته وتفكيره، فأثار قضية من قضايا الخلاف بين بعض أهل العلم والدعاة، وكانت قضية تؤرقه وتشغله، وانتهينا من القضية هذه، وأدخلني في قضية أخرى تتعلق ببعض الخلافات التي في الساحة الإسلامية والعمل الإسلامي، ثم أدخلني في قضية ثالثة، فلما انتهينا قلت: الآن أسألك سؤالاً: أنت الآن شاب في مرحلة جامعية، بالله عليك -واسمح لي أن أقول لك هذا الكلام- ألا تشعر أن هذه القضايا أكبر من اهتمامك؟ وهل أنا وأنت سنحل هذه المشاكل؟ هذه مشاكل موجودة وتعاني منها الأمة، لكن هل سنحل هذه المشاكل؟ لن نحلها، ولن نقدم فيها شيئاً.

    ألم يكن الأجدى بنا أن نناقش قضية عملية نحتاج إليها، فمثلاً تطرح لي برامج دعوية تريد أن تقوم بها، أو أفكاراً علمية، أو قضايا تعنيني أنا وإياك في هذه المرحلة فتصبح هي همنا، كم استغرقت بالله عليك هذه القضية من تفكيرك؟ وكم شغلتك عن مشروع ناجح؟ وكم شغلتك عن برنامج خير يمكن أن تنتج فيه.

    فأقول: كثيراً ما نجد أنفسنا نتجاوز ونقفز قفزات واسعة فنهتم باهتمامات أعلى من مستوانا.

    1.   

    خصائص الاهتمامات

    أخيراً: ننتقل إلى العنصر النهائي لهذه المحاضرة، وهو خصائص الاهتمامات.

    أظن أنها قد تقدمت معنا قبل قليل من خلال الحديث العام، لكن نعرضها لكم الآن، وسنجد أنها مصداق لما سبق.

    أن الاهتمامات تتحكم في وقت الشخص

    أولاً: الاهتمامات تتحكم في وقت الشخص، فدائماً الإنسان إذا سيطر عليه هم فلابد أن يتحكم في وقته، فيتأثر تنظيمه لوقته، ونظرته لوقته، فرأينا مثلاً كيف أن الشاب الذي أصبح يهتم بالرياضة سيطرت الرياضة على وقته، والشاب الذي أصبح يهتم بالشهوة سيطرت هي الأخرى على وقته، والشاب الذي يهتم بحفظ القرآن سيطر هذا الأمر على وقته، والذي يهتم بالعلم الشرعي سيطر أيضاً هذا الجانب على جزء كبير من وقته، وكذلك الدعوة وغير ذلك، فهذا الاهتمام لابد أن يسيطر على جزء من وقته، والوقت هو حياة الإنسان، وهو عمر الإنسان.

    إذاً: فهذا الشيء الذي يتحكم في قضاء وقتك وتصريف وقتك ألا يستحق أن تعتني به؟ ألا يستحق أن نتحدث حوله، ونناقش فيه ونأخذ ونبدئ ونعيد؟

    أن الاهتمامات تتحكم في حديث الشخص مع الناس

    ثانياً: الاهتمامات تتحكم في حديث الشخص مع الناس. فدائماً الإنسان يطرح القضية التي تشكله، وكما يقال: كل إناء بما فيه ينضح.

    وتجده في المجلس مع الناس، وفي موقع العمل، وفي موقع الدراسة، وفي أي مكان من الأماكن تجده دائماً يثير القضية التي تسيطر على اهتمامه، فيتحدث عنها ويسأل، ويبدي الحديث ويعيد حول هذه القضية.

    الاهتمامات عادة يعتبرها الشخص مقياساً للناس

    ثالثاً: الاهتمامات عادة يعتبرها الشخص مقياساً للناس، فيقيس الناس من خلال هذه الاهتمامات التي أصبحت تسيطر عليه، فقد تجد مثلاً من يقيس الناس من خلال الولاء الرياضي، ويقيس الناس من خلال قضية الشهوة، فتصبح نظراته -عافانا الله وإياكم- دائماً تدور وتحوم حول هذه القضية.

    وكذلك الإنسان الذي يهتم بالعلم الشرعي يقيس الناس ويزنهم من خلال العلم، ما مقدار ما عند هذا الإنسان من العلم؟ فالإنسان الذي يهتم بأي جانب من الجوانب يقيس الناس من خلال هذا الجانب، فصار هذا الاهتمام أيضاً معياراً يقوّم من خلاله الناس، ويزن من خلاله الناس.

    الاهتمامات تتحكم في صداقات المرء وعلاقاته

    رابعاً: الاهتمامات تتحكم في صداقات المرء وعلاقاته. فصداقات المرء وعلاقاته قد يحكمها ارتياح معين، فمثلاً هذا الإنسان الذي له هم من الهموم عندما يجد شخصاً يشاركه هذا الهم سيرتاح إليه، (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف).

    ولهذا فسيختار الجلوس مع فلان، ويحرص أن يجلس مع فلان؛ لأن فلاناً يشاركه هذا الهم، وسيرفض فلاناً؛ لأن فلاناً له هم آخر غير هذا الهم الذي يشغله، فهي قضية تتحكم في علاقات الإنسان وصداقاته.

    تزاحم الاهتمامات

    خامساً: التزاحم.

    فتتزاحم هذه الاهتمامات؛ لأن الإنسان عنده مساحة معينة وقدر معين لا يتسع إلا لطاقة معينة، وإذا تزاحمت أخرجت ما سواها.

    فمثلاً هذا الكأس أريد أن أضع فيه خليطاً؛ سأضع فيه مثلاً عصير برتقال، وعصير ليمون، وعصير موز، وعصير تفاح، وماء، فيصير خليطاً من خمسة مركبات، فإذا زاد عصير البرتقال سيكون على حساب غيره، أو زاد عصير الليمون سيكون على حساب غيره، فلابد أن تكون بنسب متوازنة حتى لا يطغى شيء على شيء آخر.

    وانظر إلى تفكيرك واهتمامك، فمثلاً اهتممت بشيء معين، وليكن الاهتمام الرياضي، فالاهتمام الرياضي أخذ مساحة من تفكيرك، ووقتك، وتصوراتك، وولائك، وعلاقتك، وهذا لابد أن يكون على حساب غيره قطعاً؛ لأنك تفكر في هذه القضية، ولهذا لن تفكر في إصلاح نفسك، ولن تفكر في ذنوبك ومعاصيك، ولن تفكر في العلم الشرعي، أو حفظ القرآن، أو غير ذلك، وإنما سيسيطر عليك هذا الاهتمام.

    وكلما دخل اهتمام آخر أخذ مساحة، واهتمام ثاني .. واهتمام ثالث، ولهذا تجد دائماً أصحاب هذه الاهتمامات من الناس الفارغين، ولا يمكن أن تجد رجل أعمال مشغول وقته كله بجمع الطوابع، أو الفن التشكيلي، أو هواية رياضية أو غيرها؛ لأنه لا يجد وقتاً أصلاً لهذه الاهتمامات، ولا لهذه الأمور، فهو مشغول بشيء آخر.

    فهذه تفيدك أنت في عدة أمور، فإذا عرفت أن الاهتمامات لابد أن تتزاحم، ولا يمكن أبداً أن تجمع هذا مع ذاك مع الآخر.

    أما أولاً: فلأن المساحة التي يمكن أن تشغلها الاهتمامات مساحة واحدة ولا تقبل التوسعة، ولهذا إذا دخل شيء فسيكون على حساب شيء آخر.

    وأما ثانياً: فلأنها متناقضة، فهناك شيء يؤثر على الشيء الآخر، فمثلاً الإنسان الذي يهتم بالشهوة هذا يناقض الاهتمام بالعلم، وحفظ القرآن، أو إصلاح النفس، فصارت شهوته في هذا الأمر، ولم تعد شهوته في تحصيل العلم، ولا شهوته فيما يرضي الله عز وجل، والآخر الذي هوايته تلك، والثاني والثالث والرابع.

    إذاً: فأنت عندما تعرف أنها متزاحمة لابد أن تكون بخيلاً فلا تعطي اهتماماً بأي شيء إلا بعدما تراجع حساباتك؛ لأنه يجب أن تعرف أنك عندما تدخل أي شيء في دائرة اهتماماتك فسيشغل مساحة مهمة أنت تحتاج إليها، ولكن فكر هل يستحق أن تدخله في القائمة أو لا يستحق؟ فإذا كان لا يستحق اتركه في الخارج.

    وهناك شيء آخر قلناه وهو: الاهتمامات المتناقضة.

    فإذا كان هذا الشيء يناقض الشيء الثاني، فمثلاً لا يمكن أن تجعل في هذا الإناء السكر والملح معاً؛ لأنهما متناقضان، ولهذا فمن كان يحب الغناء ويسمع الغناء تراه يعرض عن آيات الله عز وجل، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا [لقمان:6-7].

    وانظر كيف أثرها عليه؛ لأنه انشغل بسماع الغناء، والغناء صوت الشيطان، والقرآن كلام الله وهما متناقضان، فلما كان منشغلاً بسماع الغناء لم يبق مكان للقرآن، وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا [لقمان:7].

    إذاً: فيجب أن تعرف أن أي اهتمام إذا أدخلته في اهتمامك فسيطرد نقضيه، وسيؤثر على نقضيه.

    أيضاً معرفة هذه الخاصية تفيدك في العلاج؛ لأن بعض الشباب يقول: أنا أعاني الآن من أني أهتم بهذا الجانب، أو أهتم بالجانب الآخر، أو أهتم بالجانب الثالث، أو أهتم بالجانب الرابع، وهكذا، فثق يا أخي! أنك عندما تهتم بالاهتمام أَلِف، والاهتمام باء، وتريد أن تتخلص منه فلا يمكن أن تتخلص منه هكذا، بل لابد أن نقلص المساحة التي يأخذها من الاهتمامات، فأدخل اهتمامات جديدة، واهتم بأشياء أخرى جادة.

    ولهذا نقول دائماً للشباب: الذي يعاني ويقول: أنا أعاني من التفكير في الشهوة، أو مثلاً من الاهتمام بالقضايا الرياضية، نقول له باختصار: أنت عندما تهتم بقضايا جادة ستجد أنها أخذت مساحة وطردت الأخرى، وتدريجياً ستتلاشى تلك الأمور الأخرى من حيث لا تريد أنت، ومن حيث لا تقصد ولا تشعر؛ لأنها قضية تلقائية، فصار لك الآن هم حفظ القرآن، أو تعلم العلم، أو إصلاح النفس، وستأخذ جزءاً من وقتك، ومن تفكيرك، ومن نظرتك للناس، إلى غير ذلك، وستكون على حساب غيرها.

    إذاً: فأنت ستوظف هذه القضية لأن تطرد عنك الاهتمامات الأخرى التي لا تريدها، فتستطيع أن تتخلص من تلك الاهتمامات دون الحاجة إلى أن تتكلف، وباختصار شديد عليك أن تدخل الاهتمامات الجادة النقيضة لهذه الاهتمامات.

    ولعلنا أن نختم هذا الموضوع بكلمة للحافظ ابن القيم رحمه الله حول من تعلق بالدنيا، وقد لا تكون في موضعها؛ ولكنها كلمة لها أهميتها حول من أصبحت الدنيا همه، ويتحدث عن قول الله عز وجل: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [التوبة:55].

    قال: والصواب والله أعلم -يعني: في الآية- أن يقال: تعذيبهم بها هو الأمر المشاهد من تعذيب طلاب الدنيا ومحبيها، ومن يؤثر بها على الآخرة بالحرص على تحصيلها، والتعب العظيم في جمعها، ومقاساة أنواع المشاق في ذلك، فلا تجد أتعب ممن الدنيا أكبر همه، وهو حريص بجهده على تحصيلها، والعذاب هنا هو الألم والمشقة والنصب.

    ثم قال: وهكذا من الدنيا كل همه، أو أكبر همه كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من حديث أنس رضي الله عنه: (من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له).

    ومن أبلغ العذاب في الدنيا: تشتيت الشمل، وتفريق القلب، وكون الفقر نصب عيني العبد لا يفارقه، ولولا سكرة عشاق الدنيا بحبها لاستغاثوا من هذا العذاب، على أن أكثرهم لا زال يشكو ويصرخ منه.

    1.   

    الأسئلة

    نصيحة لمن ابتلي بعشق الأشخاص

    السؤال: هذا سؤال يتكرر كثيراً بصيغ عديدة، يقول: أنا شاب ابتليت بعشق شخص، وتجدني دائماً أفكر فيه، وأحاول أن أرى ما يسرني منه؛ لأني أحبه، وأحاول أن أقترب منه، وأحاول التمعن في وجه، وهكذا، فما هو الحل لهذه المشكلة التي أعاني منها؛ لأني وجدت ضعفاً في إيماني؟

    وهذا يقول: ما هي أسباب العشق، وكيف التخلص منه؟

    وهذا يقول: ماذا تقول عن شخص تمتلكه شهوته، فيذهب ويقضيها، وعندما يفرغ منها يبدأ ضميره يؤنبه، ويستمر التأنيب مدة طويلة، ثم تعود الشهوة وتسيطر عليه، وهكذا، فبماذا تنصح هذا الشاب؟

    الجواب: هذا جزء من الصورة التي حكيناها وهي من يبتلى بهذه الشهوة، فتصبح هماً يسيطر عليه، ولعلنا قرأنا في هذا السؤال ما يشبه ما ذكرنا في المحاضرة من أن هذه القضية قد تسيطر على الإنسان، والحل -كما قلت لكم قبل قليل- في آخر المحاضرة:

    أولاً: أن الإنسان يتقي الله سبحانه وتعالى، ويحاسب نفسه، ويدرك شؤم المعصية، ثم خطورة التعلق بهذه الشهوات التي قد تكون سبباً في انحراف الإنسان وغوايته، وما أخطر أن تسيطر على الشاب هذه الشهوة، فتحكم تفكيره وتصوره.

    ومن هنا فيجب أن يكون الشاب حازماً مع نفسه وجاداً، فيقطع الطريق عليها من أوله،؛ لأنه قد يستمر فتصبح عادة فيصعب عليه جداً أن يتحكم فيها، ولهذا فيجب أن يكون حازماً مع نفسه ويتخلص من الآن، ومع بداية الطريق، ثم لا يمكن أن يتخلص الشاب من هذه القضية إلا عندما يتوجه قلبه إلى الله سبحانه وتعالى، ويعلق قلبه بالله عز وجل، ودائماً يعبد الله سبحانه وتعالى بقلبه، ويتوجه إلى الله بقلبه قبل أن يتوجه إليه بلسانه، فهو قد يقرأ القرآن لكنه قد لا يستحضره في قلبه، ويشهد الصلاة لكنه قد يصلي ببدنه، فعندما يقبل على الله سبحانه وتعالى يجد الأنس واللذة، ثم يجد العتاب الشديد، واللوم للنفس عندما تتوجه إلى هذه الأمور التافهة.

    فهذه خطوة مهمة، ثم خطوة أخرى أن يقطع على نفسه ما يثير هذه القضية، ويثير هذه الشهوة، فيقطع على نفسه النظر الحرام، والتفكير في هذا الموضوع، والتفكير في هذا الشخص، والتفكير في هذه القضية قدر الإمكان، ويحاول أن يشغل نفسه بين فترة وأخرى بالتفكير النافع المفيد.

    وأخيراً: القضية التي أشرت إليها، وهي قضية التزاحم، فإن أدخل عنده اهتمامات بقضايا جادة فستشغله قطعاً، فإذا اهتم بقضايا جادة سيطرت عليه، فاهتم بإصلاح نفسه، وقراءة القرآن، والعلم، والدعوة، وغيرها، وصار لا يفكر أصلاً بهذه القضية، فلما ينظر إلى فلان لا ينظر من هذه الناحية.

    ولعل بعد ذلك وقبله أن نوصيه بدعاء الله سبحانه وتعالى، والتوجه إليه، فالله عز وجل يقول: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وقال: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ [النمل:62].

    توجيه الشباب الملتزمين المهتمين بالرياضة ومشاهدتها

    السؤال: ظهر في فئة من الشباب الملتزمين الاهتمام بالرياضة ومشاهدة المباريات الكروية، فما هو التوجيه لهذه الفئة التي جعلت هذا اهتمامها؟

    وسؤال آخر: يقول: ماذا تريد منا يا شيخ! هل نترك التشجيع؟ هل نترك جلسات السواليف في العطل ونحن غير مشغولين، في النهار فراغ وفي الليل فراغ؟ أرجو أن تعطيني جواباً يشفي أمراضاً كثيرة نعيشها نحن الشباب ومدارها على الفراغ يا شيخ! خاصة في العطل؟

    الجواب: أقول: أولاً: لن أقول لك: أدرك قيمة وقتك، ولن أقول لك: إنك محاسب على وقتك، وستسأل أمام الله عز وجل عن كل دقيقة، وأنه لن تزول قدمك يوم القيامة حتى تسأل أمام الله عن هذا الوقت.

    ولن أقول لك: إنك في المستقبل ستندم على هذا العمر الذي قضيته، وستندم على هذا الفراغ الذي أنت الآن تشتكي منه، وتتمنى في المستقبل وقت فراغ ولو لحظات تستفيد منها، وتتمنى ساعة فقط حتى تستفيد منها، حتى تقرأ، حتى تعود إلى الله، لن أقول لك ذلك كله؛ لأنه ليس مهماً، لكن لا شك أنه أهم شيء، لكنك تعرفه جيداً وتدركه، ولو فكرت تفكيراً جاداً وبإنصاف؛ لعرفت أنه لا يحق لك أنك تشتكي من الفراغ، بل تتمنى فراغاً أكثر؛ حتى تستفيد وتستثمر وقتك فيما ينفع.

    لكن أنقلك إلى صورة أخرى: أنت الآن تعيش هذا الواقع القريب منك والبعيد، المجتمع الذي أنت تعيش فيه، والمرحلة التي تعيشها الأمة الإسلامية، الآن كلكم توافقون أن الأمة الإسلامية الآن تعاني أسوأ المراحل التي مرت بها في التاريخ، وهي الآن في ذيل القائمة.

    ففي الشرق تجد المشاكل التي يعاني منها المسلمون هناك، في الهند مع الهندوس، وفي كشمير، وفي أفغانستان، في طاجكستان، في الجمهوريات التي استقلت.

    وتأتي إلى ما يسمونه بالشرق الأوسط فترى المعاناة، وأعظم معاناة أن نرى المسجد الأقصى الذي يشرع شد الرحال إليه بيد اليهود، ونجد من يريد أن يساوم على التخلي عن هذه البقعة المقدسة، وتجد المسلمين أيضاً داخل هذه البقعة يعانون ما يعانون من قضايا تسمعون عنها كثيراً، وما الحديث عن الإرهاب والتطرف والأصولية ببعيد عنكم.

    وانتقل إلى الغرب، انتقل إلى أوروبا، إلى أمريكا، إلى أي مكان وموطن في قارات العالم تجد المعاناة، إما تقتيل، أو تشريد، أو جوع، أو تنصير، أو صد عن دين الله، أو إثارة للشهوات.

    ألا تدري أنه في مناطق كثيرة في العالم الإسلامي يجر الشاب إلى المحاكمة عندما يخرج إلى صلاة الفجر؟! ألا تدري أن علامات استفهام توضع على الفتاة عندما تذهب إلى الجامعة وقد ارتدت الحجاب؟! ألا تدري أن فتيات منعن من دخول الجامعة في كثير من البلاد الإسلامية نظراً لأنها محجبة؟! ألا تدري أن القضية طالت حول أحقية دخول الطالبة المحجبة كلية الطب؛ حتى وصلت إلى أن تعرض على مجلس النواب؟! ألا تدري أن هناك برامج ومواثيق وعهود يتفق عليها الكثير من هؤلاء لأجل قضية واحدة هي حرب الإسلام، حرب الصحوة، وأدها، صد الناس عن دين الله وفتنتهم؟!

    ثم تعال الآن قريباً في المجتمع الذي أنت تعيشه، كم ترى من الشباب من أقرانك في السن الذي أنت فيه الآن موجود في هذا المركز، فأنت تقضي فيه هذا الوقت أو في هذه المحاضرة وتجد من الشباب من له هم آخر، من أصبح غارقاً في شهوته، أنت تأتي للمسجد لصلاة الظهر، وهو يذهب ليقف عند مدارس البنات، أنت قد تقوم الليل تتهجد في الثلث الأخير من الليل، وهو مستيقظ في الليل؛ لكن لشأن آخر، فلك هم وله هم آخر.

    فهذا الواقع المر الذي يعاني منه الناس حولك بالله عليك ما يحرك فيك ساكناً؟ ما يجعلك تنظر إلى وقتك نظرة أخرى؟ فهل يليق أن تقضي وقتك -مع الاعتذار الشديد- تطعيساً، أو من هنا ومن هنا، أو الاهتمام بالكرة، أو غيرها، وأنت ترى هذا الواقع المر الذي يعاني منه المسلمون، سواء الواقع القريب أو الواقع البعيد؟

    أضف هذا كله إلى ما ذكرته لك في أول الإجابة عن السؤال، فتجد أنه ليس من حقك يا أخي! أن تفكر بهذا التفكير، فضلاً عن أن تتصور أن الفراغ مشكلة.

    علاج داء الاهتمام بالدنيا زيادة على الحد

    السؤال: أنا شاب أعرف الله والحمد لله، وأحافظ على الصلوات الخمس، لكن ألاحظ في نفسي وفي كثير من الشباب أن اهتماماتنا دنيوية ليس إلا، فبين لنا الطريق الصائب والذي يقودنا إلى الله والدار الآخرة؟

    الجواب: باختصار: أن تعرف أنك ما خلقت إلا لعبادة الله عز وجل، وما خلقت إلا لمرضاة الله سبحانه وتعالى، وهذه الدنيا إنما هي مرحلة للدار الآخرة.

    حكم الاهتمام بالكماليات اهتماماً زائداً

    السؤال: تجد بعض الشباب الملتزم يهتم ببعض الكماليات البسيطة مثل: شكل ولون الثوب، وكذلك الأحذية، والسيارة، والشماغ، وإطار النظارة، ويقول معارضاً لمن ينصحه: يقول الله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ [الأعراف:32]، وقول الرسول صلى اله عليه وسلم: (إن الله جميل يحب الجمال)، فكيف يرد على ذلك؟

    الجواب: يقال له: من الجمال مثلاً: أن الشاب يرتدي قلادة ذهب، وساعة ذهب، ومن الجمال أيضاً أنه يتابع أحدث القصات، فيقص شعره بصورة مناسبة ولائقة، ومن الجمال أن يلبس ثوب حرير، فهذا كله جمال.

    فالجمال الذي يحبه الله ليس كل جمال، وإنما هو محصور في قضية معينة، ثم لماذا نأخذ جانباً من النصوص ونترك الجانب الآخر؟ فمن الذي قال: (إن الله جميل يحب الجمال)؟ هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أحرص الناس على ما يحبه الله سبحانه وتعالى، فننظر إلى هديه صلى الله عليه وسلم في اللباس وفي الزينة، فنقتدي به صلى الله عليه وسلم.

    فأقول: إن القضية تحتاج إلى التوسط، فكون الإنسان يكون رث المظهر وقذراً، ومظهره غير لائق هذا ما يجوز، وكونه أيضاً تصير المظاهر هي أهم شيء عنده أيضاً هذه قضية غير لائقة، فالتوسط مطلوب.

    والنبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: (إن الله جميل يحب الجمال) قال: (البذاذة من الإيمان).

    والله سبحانه وتعالى قال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف:31]، وهذا من الإسراف أن يضيع الإنسان مبالغ باهظة في مظاهر أو في قضايا ثانوية.

    فالاهتمام بالمظهر مُظهر لقضية داخلية أصلاً، فالإنسان الجاد ما يجد وقتاً أصلاً للتفكير في هذه القضايا، ولذلك تجد أن الشاب يعتني بمظهره اعتناء بالغاً، ويهتم به، لكن عندما يستقيم ويهديه الله عز وجل تجده خفف عنايته بالمظهر تلقائياً من دون قصد، لماذا؟ لأنه صار له اهتمامات جادة، فهو في السابق كان شخصاً فارغاً وتافهاً، ولهذا يعطي المظهر اهتماماً بالغاً جداً.

    فالمطلوب هو التوسط في هذه الأمور.

    الأسباب الجالبة للشعور بلذة العبادة والاستقامة

    السؤال: كيف تعلل حال من حفظ القرآن، وطبق الكثير من السنن والأوامر، واجتنب معظم المحرمات والكبائر؛ لكنه لا يشعر بلذة لذلك، ويخاف من الانتكاس؟

    الجواب: يجب عليه أن يجاهد نفسه، وكما يقول أحد السلف: كابدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة، ثم تلذذت به عشرين سنة، لكن ما بالكم بمن لا يقوم الليل أصلاً عافانا الله وإياكم، ورزقنا وإياكم عبادته، فنحن مقصرون كثيراً ومهملون، ونتمنى أن نجد ما يجده السلف من لذة في طاعة الله عز وجل، وأنى لنا ذلك.

    وأهم شيء يا إخوان! يجب أن نعتني به هو إصلاح القلوب، فإذا أصلحنا قلوبنا وجدنا اللذة فعلاً، ووجدنا طاعة الله سبحانه وتعالى، فنحن أحياناً نعتني بمظاهر العبادات، ونعتني بإصلاح الظاهر فيغيب عنا الأهم من ذلك وهو إصلاح الباطن، كأن نعتني بأن يتوجه القلب لله سبحانه وتعالى، وأن يكون القلب همه كله لله عز وجل: رجاءً، ورغبة، ورهبة، وخوفاً، وتوجهاً إلى الله سبحانه وتعالى، ثم نطهر قلوبنا من أمراض الرياء والحسد وغير ذلك.

    فإذا اعتنينا بإصلاح قلوبنا صلحت لنا، ووجدنا ما وجده السلف، وأما الآن فنحن جميعاً أنا وإياك والجميع نشتكي من هذه القضية: أنا لا نجد لذة العبادة؛ لأن قلوبنا مشغولة بالدنيا، وقلوبنا متوجهة إلى غير الله سبحانه وتعالى، ومن ثم لا نجد هذه اللذة، ولا نتمتع بها.

    نصيحة لمن تعلق قلبه بحب شاب آخر

    السؤال: أنا شاب تعلق قلبي بحب شاب آخر، وأحياناً يخيل إلي أن حبي له في الله، وأحيان أرى غير ذلك، فما الحل في هذا؟ وهل من طريق لإصلاح هذه الحالة؛ لأني أراها عامة، وفقك الله؟

    الجواب: هذا السؤال نفسه سبق أن أجبنا عليه قبل قليل، وهذه أحياناً وسائل يخادع بها الإنسان نفسه، فهو عنده غيرة ونفسه تلومه، ولهذا يخدع نفسه أنه يحبه لله عز وجل، ويقول: عندما يزيد في الطاعة تزيد محبتي له، والعكس صحيح، لكن تأمل أنت قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أن يحب المرء لا يحبه إلا لله).

    فيجب أن يحذر الشباب من هذه المزالق، واستفتي قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك، وكل إنسان طبيب نفسه، وكل إنسان أعلم بأمراض نفسه.

    توجيه في اشتغال المرء بإصلاح نفسه وكفه عن عيوب الآخرين

    السؤال: أحس أحياناً إذا طغى على تفكيري بعض التنظيمات للدعوة، وأحس بقسوة في قلبي، وذلك من خلال حديثي عن فلان أنه مقصر، وفلان فيه ملاحظة، وهكذا، فما الحل؟

    الجواب: أولاً: يجب أن نتجاوز قدر الإمكان الحديث عن الناس، ونحرص قدر الإمكان ألا نتحدث عن الناس، وإذا احتجنا أن نتحدث عن أخطاء عامة فما في داعي أن نقول: إن فلاناً يقع في هذا الخطأ، إذا أردنا أن نحذر من خطأ أو قضية ما فلا داعي أن نقول: فلان يقع في هذا الخطأ، أو الجماعة الفلانية تقع في هذا الخطأ، أو الفئة الفلانية تقع في هذا الخطأ، فنتحدث عن خطأ كخطأ دون أن نربطه بشخص أو فئة أو جماعة.

    ثم أيضاً يجب أن يكون لنا حظ من عبادة الله، والتوجه إليه، فلا يطغى علينا مجرد العمل أحياناً، وهو إن شاء الله كله خير، وعمل لله عز وجل؛ لكن لا يستنفذ وقت الإنسان فلا يبقى بعد ذلك معه فرصة للعبادة والطاعة.

    وسبق أن ذكرت لـابن القيم رحمه الله كلاماً جيداً حول هذه القضية في الدرس التاسع من هذه الدروس، والذي كان بعنوان: التربية الذاتية، فذكر كلاماً جيداً حول قضية الإيثار، وإيثار الإنسان بوقته، وإيثاره بحظه من الله عز وجل، وأنه يجب أن يكون للإنسان خلوة شرعية، ويجب أن يكون للإنسان حالة يخلو فيها بالله سبحانه وتعالى.

    فأقول: أولاً: يجب أن نضبط حديثنا، فإذا احتجنا للحديث عن الأخطاء أو غيرها فلا نتحدث عن أشخاص، ولا عن فئات، وإنما نتحدث عن خطأ من حيث هو خطأ، وإذا اقتضت المصلحة الشرعية أن أتحدث عن أخطاء أشخاص معينين فلا حرج في ذلك، لكن يجب أن ننظر.

    ثم القضية الثانية: أن يكون لنا حظ من عبادة الله سبحانه وتعالى، والصلة به؛ حتى تزيل عنا هذه القضية.

    نصيحة لمن يترك الاستقامة ثم يعود مرة أخرى وهكذا

    السؤال: أنا شاب التزمت منذ زمن ليس ببعيد ثلاث مرات، ثم تركت الالتزام، وأنا أريد أن أتوب هذه المرة، فهل تقبل لي هذه التوبة؟ وكيف أتوب؟

    الجواب: نعم تقبل هذه التوبة، لكن هل ستستمر أم لا؟ فهذه هي القضية، وإلا فما الذي يمنعك من التوبة، يا أخي! الله عز وجل قبل توبة من أشرك، ودعا إلى التوبة من فعل الفواحش، بل دعا إلى التوبة المنافقين، بل دعا إلى التوبة الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:73-74].

    يا أخي! لقد دعا الله الذين فعلوا الفاحشة، ودعا الذين قتلوا النفس بغير حق، ودعا الذين وقعوا في الشرك، ودعا المنافقين، ودعا الكفار، ودعا الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، ودعا الذين تجرءوا على الله، وسبوا الله عز وجل إلى التوبة، وقال: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:74].

    فليس هناك شيء يحول بينك وبين التوبة، لكن أنا أريد منك أن تفكر تفكيراً آخر وأن تسأل نفسك: ما هي الأسباب التي جعلتك ترجع ثلاث مرات؟ ثم انتبه أن تكون هذه المرة هي الرابعة ثم تطرح هذا السؤال مرة أخرى علي أو على غيري: إني التزمت أربع مرات!

    فأقول: إن قضية التوبة لا تحتاج إلى تفكير ولا نقاش، فهذه القضية مفروغ منها، فكل من تاب تاب الله عليه، لكن القضية هي: كيف تحل المشكلة هذه التي تجعلك تعود إلى طريق الضلالة مرة بعد أخرى.

    الاهتمام بما ينفع

    السؤال: بعض الشباب يكون متحمساً لقضية ومجال من المجالات التي لا تعود عليه بخير، فإذا نصحتهم ووجهتهم قال: (كل ميسر لما خلق له)، فلو كان الناس كلهم شيوخاً أو علماء أو حكاماً لما كانت الحياة لها طعم؟

    الجواب: صحيح أن مبدأ التخصص وارد، وكل إنسان له مجال وتخصص معين، فهذه مفروغ منها، لكن يجب ألا نفرط في هذه القضية فتكون على حساب غيرها، فمثلاً: بعض الشباب قد يكون نشيطاً في دعوة الشباب المنحرفين، ويقضي في ذلك وقتاً ويبذل جهداً، وهذا جهد طيب وخير، فإذا قلت له: يا أخي! احفظ القرآن، قال لك: لا يا أخي! أنا أجد نفسي متوجهاً لهذا المجال، وإذا قلت له: بالعلم الشرعي، قال لك: لا أنا متوجه لهذا المجال، والتخصص وارد.

    فنقول له: صحيح أن التخصص وارد، لكن أيضاً مع التخصص يجب أن يكون هناك توازن، فهناك قدر مشترك يجب أن يحصله الجميع، ثم بعد ذلك يبقى أن فلاناً يركز على هذا الجانب، وفلاناً يركز على الجانب الآخر، لكن هذا التخصص لا يصح أن يدعونا إلى أن نفرط في جوانب مهمة.

    فمثلاً: كم نسمع ممن يزهد في العلم الشرعي؛ بحجة أن التخصص وارد، والناس ما هم كلهم علماء، صحيح أن الناس ما هم كلهم علماء؛ لكن ليس كل من يطلب العلم الشرعي سيكون عالماً.

    فنريد منك أن تأتي بالعلم الشرعي، وتطلب العلم الذي على الأقل يرفعك إلى أن تحسن عبادتك، وتدعو الناس من خلال هذا العلم، ويضبط لك كثير من الأمور، ثم بعد ذلك توسع في غيره، فاعتني بحفظ القرآن، ولو لم تكمل حفظ القرآن كله، لكن على الأقل تحفظ جزءاً من القرآن، وهكذا.

    فلا يصح أن نخلط بين قضية التخصص وبين قضية الخلل في التخصص، فالتخصص مطلوب؛ لكن أيضاً ينبغي ألا يدعونا هذا إلى التركيز على جانب على حساب الجوانب الأخرى، فيكون الإنسان عنده خلل في شخصيته.

    فوائد القراءة

    السؤال: تعلمون ما للقراءة من فوائد عظيمة وكثيرة: من حفظ للوقت، وإنارة الفكر، وغير ذلك؛ ولكن كثير من شباب الأمة منصرفون عنها إلى اهتمامات أخرى غالبها اهتمامات تافهة، فنرجو توضيح بعض فوائد القراءة، والمنهج الصحيح للقراءة؟

    الجواب: أنت ذكرت بعض الفوائد من حفظ للوقت، وإنارة للفكر، وغير ذلك.

    فأقول: أولاً: القراءة تحفظ وقتك كما ذكر الأخ، فعلى الأقل تجعلك لا تنشغل في معصية الله، فتكون حفظت هذا الوقت في طاعة الله، فإذا سئلت عنه أمام الله عز وجل فقد قضيته في قراءة علم نافع.

    وفي الحديث: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)، فالذي يقرأ لأجل تحصيل العلم فإن الله يسهل له بهذا الطريق طريقاً إلى الجنة.

    وفيها تحصيل فوائد علمية، والقراءة أيضاً تعينك على تصحيح سلوكك، فلما تقرأ في كتب السلوك والآداب تستفيد فتصحح سلوكك، والقراءة تعينك على الصلة بالله، وتزيد عندك جانب الرقائق، فأنت لما تقرأ في كتب الرقائق تتأثر في ذلك، القراءة تعينك على الدعوة؛ لأنك لما تقرأ في كتب الدعاة وكتب الدعوة أيضاً تتحمس للدعوة، فالقراءة تنمي تفكيرك، وقدرتك على التفكير، وحل المشكلات.

    فالمهم أن القراءة لا يستغني عنها أحد، وأنا أقول للشباب: الآن في الإجازة يجب على الإنسان العادي أن يقرأ ما لا يقل عن ساعتين، وهذا أمر سهل في الإجازة، ثم الذي يتخصص في العلم هذا له قراءة أخرى، لكن هذا الإنسان مثلاً يقول: أنا تخصصي ما هو بالعلم الشرعي، ولي توجه آخر، مثلاً أنا أجد إني عندي نشاط في دعوة المنحرفين، أو مثلاً دعوة الجاليات، أو غيرها من الأمور الأخرى المهمة، فنقول: لكن لابد أنك تقرأ على الأقل ساعتين، وما سوى ذلك اصرفه في غيره، وأما الذي يهتم للتخصص في العلم فهذا يصرف نفيس وقته في القراءة.

    فأقول: يا شباب! هذا الوقت فرصة لكم، وأنا أذكر لكم عن نفسي الواحد منا يبحث عن وقت الآن حتى يقرأ فلا يجد وقتاً حتى يحضر لمثل هذا الموضوع الذي ألقيه، فلا أكاد أجد وقتاً من زحمة الأوقات والمشاغل.

    وكم نعظ أصابع الندم على تلك المراحل الطويلة من الشباب التي قضيناها وأهملنا فيها حظنا من القراءة والتحصيل، والآن وصلنا إلى هذه المرحلة والمستوى -والإنسان يعرف نفسه- لا علم، ولا قراءة، ولا إحاطة، فالواحد يشعر أنه رزق على الأقل شيئاً من القدرة، فأراد أن ينفع الناس به.

    ونريدكم ألا تكونوا مثلنا، فنريدكم أن تأتوا وأنتم تحملون الإخلاص الذي لا نحمله، والإيمان والصلة والصدق مع الله عز وجل الذي نجد أننا نعاني من فقده، وتحملون العلم الشرعي، وتحملون الوعي والقدرة بحيث لا يبقى لأمثالنا مكان، فنريد أن يبقى المكان للناس الذين هم أعلى، ولن تصلوا إلى هذه المنازل إلا عندما تحفظون أوقاتكم، ومن خير ذلك استغلال الوقت بالقراءة، إلى غيرها من حضور مجالس العلم، وغيرها من وسائل تحصيل العلم الشرعي.

    ضرورة التكامل في جميع المجالات

    السؤال: ما رأيك بالشاب الذي يتوجه إلى الكليات العلمية التطبيقية كالطب والهندسة مثلاً، مع المحافظة على كتاب الله تعالى؟

    الجواب: كل التخصصات يا إخوان مطلوبة، سواء العلم التجريبي أو التطبيقي كالطب والهندسة وغيرها، أو العلوم الإنسانية من اجتماع واقتصاد وعلم نفس وإدارة، أو غيرها من العلوم الفنية، أو حتى القطاعات العسكرية، فأي جانب من الجوانب مطلوب ومهم أن نسلكه.

    والآن نحن نتحدث في مثل هذا المعهد الذي هو تخصص معين، فمطلوب أن يوجد أناس يشغلون في هذه الميدان، لكن الإنسان يعرف نفسه، فمثلاً الشاب الذي عنده نهم للعلم الشرعي، وعناية وتوجه وحرص عليه، مثل هذا نقول له: ينبغي لك أن تتوجه لدراسة العوم الشرعية؛ حتى تكمل هذا الجانب، لكن الشاب الآخر عنده نهم في جانب آخر، وهكذا فنوجه كل واحد في مجاله.

    أيضاً مع سلوك هذا الميدان لا يهمل الإنسان نفسه، فالطالب الذي يتوجه للطب، أو للهندسة، أو للغة الإنجليزية مثلاً، أو للاجتماع، أو لعلم النفس، أو غيرها من العلوم، يجب ألا يهمل نفسه، فيحرص على القراءة، وعلى حضور مجالس العلم، فيكون على الأقل عنده رصيد يعينه على ذلك.

    التوفيق بين مطالب الأهل وبين الذهاب إلى المراكز الصيفية

    السؤال: أنا شاب من الشباب الذين يهتمون بالمراكز الصيفية، ودائماً ما أكون حريصاً على المراكز؛ حتى إن الأمر وصل إلى أنني أرفض أوامر الأهل إذا كانت هذه الأوامر تتعارض مع وقت المركز، فهل هذا العمل الذي أسلكه كل يوم عمل مرضي لله عز وجل أم لا، مع العلم أنني لا أرفض أوامر الأهل إذا كانت لا تتعارض مع وقت المركز؟

    الجواب: أولاً: كثير من الشباب يرتاحون للمركز، لكن يختلفون: فبعض الشباب يرتاح للمركز لأنه يستفيد منه من خلال برامج المركز، وبعض الناس يرتاح للمركز لأن المركز فيه سعة صدر، وفيه رياضة، وفيه مسبح، ويبدو أن المسبح هذا أيضاً يجلب بعض الشباب، أو فيه ملعب، أو غير ذلك.

    فأيضاً هذه نقطة يجب أن نضعها في الذهن عند الإجابة على هذا السؤال، ثم مع اهتمامك بهذا المركز يفترض أنك تحفظ فيه القرآن، أو تتعلم العلوم الشرعية، أو تجعله مجلس خير، ولا شك أن هذه المراكز مجال خير، فحتى الشاب الذي يأتي يلعب ويمارس الرياضة هنا فهذا خير له من أن يمارسها في ميدان آخر.

    فأقول: إن هذه المراكز وما فيها -الحمد لله- ميدان خير، لكن يجب أيضاً أن ننضبط، فلا يجوز أن يعصي الإنسان والديه، أو يخل بواجبات أهله بحجة أنها تتعارض مع وقت المركز، فيكون عنده توازن، فإذا كان للأهل مطالب يمكن أن يقضيها مثلاً في غير وقت المركز فبها، فإن لم يتيسر ذلك فإنه يستأذن يوماً من الأيام ولا يأتي، أو يتأخر، أو يأتي للمركز ثم ينصرف.

    وأتصور أنا أن الشاب الجاد ما عنده مشكلة، والمشكلة تكون من شخص غير جاد، فوقت المركز يكون في الفترة المسائية مثلاً من العصر إلى بعد العشاء، ووقت الصباح عند الأخ وقت واسع، وأيضاً أيام الخميس والجمعة وغيرها.

    وإذا وجد شغل يتطلب أثناء دوام المركز وقضية ملحة فيجب على الشاب أنه يوازن ويضحي، ثم إذا صار الشاب جاداً فسيراعونه أهله، وسيكون بينه وبين أهله تفاهم، وأما إذا كان عنده استعداد يناقش أصلاً لأنه ذاهب للمركز فممكن الأهل في المستقبل يمنعونه من المركز، ويمكن أن نعطي الناس سمعة سيئة عن هذه المراكز: بأنها تشغل أوقات الشباب عن أهلهم، وتعطل عليهم مصالح أهلهم، فيكون الشاب لا يرى أهله إلا قليلاً، ولا يقضي مصالح أهله، ولا يعتني بها.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والعلم الصالح، وأن يجمعنا وإياكم على خير، وأن يجعلنا وإياكم متحابين بجلاله، وأن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015532921

    عدد مرات الحفظ

    723671174