إسلام ويب

تفسير سورة يس [8]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عاند كفار قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان كلما أتاهم من آية كفروا بها، حتى أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإنفاق فاعترضوا على أقدار الله وقالوا: لا نطعم من لم يطعمه الله! واتهموا المؤمنين بالضلال وشكوا في يوم القيامة، فأبان الله لهم أن بين يدي الساعة نفختين نفخة الصعق ونفخة البعث.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم ...) إلى قوله: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    في الآيات التي سبقت لفت ربنا جل جلاله الأسماع والأبصار إلى آياته المنظورة في عالم النبات، وفي عالم الحيوان، وفي عالم الأفلاك، وفيما بثه في هذا الكون، ثم يبين ربنا جل جلاله في هذه الآيات المباركات أن الكفار الفجار لا ينتفعون بشيء من ذلك كله، يقول سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [يس:45].

    قوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ))، القائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كانوا يأمرون هؤلاء المشركين بتقوى الله عز وجل، ويخبرونهم أن بين أيديهم يوماً عبوساً قمطريراً، يجمع الله فيه الأولين والآخرين، ويحاسبهم على النقير والقطمير، وأن ذلك اليوم لا ينجو فيه المرء إلا بعمله.

    يا أيها الكفار! (اتقوا ما بين أيديكم)، أي: ما أمامكم من أهوال ذلك اليوم ومصائبه العظام، وَمَا خَلْفَكُمْ))، أي: من ذنوبكم التي قدمتموها حين كفرتم بالله عز وجل، وأشركتم به مالم ينزل به سلطاناً، واتخذتم من دونه آلهة، وجعلتم له أنداداً.

    اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعل رحمة الله تدرككم وتنزل عليكم، وجواب الشرط محذوف تقديره: إذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم أعرضوا وأبوا وعاندوا واستمرأوا الضلال والخبال والكفر والعناد.

    اتصاف الكفار بالعناد والاستكبار مهما أتاهم من الآيات والنذر

    قال تعالى: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [يس:46]، هؤلاء الكفار مهما رأوا من الآيات، ومهما أجرى الله على يد نبيه صلى الله عليه وسلم من المعجزات فإنهم لا يبالون بذلك كله بل يعرضون، كما قال سبحانه في آية أخرى: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر:2]، وكما قال سبحانه في قوم فرعون : وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا[الزخرف:48]، وكما قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:96-97].

    وهؤلاء الكفار، هم: كفار قريش الذين أراهم النبي صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر حتى كان نصفين، نصف فوق حراء ونصف دونه، وكانوا يعلمون أن الأحجار والأشجار تسلم عليه صلوات ربي وسلامه عليه، إلى غير ذلك من المعجزات، بالإضافة إلى الآيات التي حدثهم ربنا جل جلاله عنها: وَآيَةٌ لَهُمْ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا[يس:33]، وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ[يس:37]، وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [يس:41]، قال سبحانه: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [يس:46]، وقال سبحانه: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف:105]، لا يتأثرون؛ لأنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون، ولا ينتفعون أبداً.

    سبب نزول قوله تعالى: (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله ...)

    ثم بين ربنا جل جلاله جريمة أخرى من جرائمهم: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يس:47]، قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر رضي الله عنه و أبي جهل لعنه الله، حيث كان أبو بكر ينفق ماله، يطعم الجائع، ويكسو العاري، وينفس عن المكروب، فمر به عدو الله أبو جهل وقال له: يا أبا بكر ! أتزعم أن ربك يستطيع أن يطعم هؤلاء؟! فقال له أبو بكر : بلى، قال له أبو جهل : فلم لم يطعمهم؟! فقال له أبو بكر : ابتلى قوماً بالفقر وابتلى قوماً بالغنى، وأمر الأغنياء أن ينفقوا على الفقراء، فقال له أبو جهل : يا أبا بكر ! إنما أنت في ضلال مبين، فهذا الخبيث يحتج بالقدر على ترك ما أمر الله به من الشرع، يقول: هؤلاء الجياع، هؤلاء الفقراء لو شاء الله لأغناهم وأطعمهم وإذ لم يفعل فأنا لا أفعل!

    معنى النفقة

    قوله: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ )) -أي: لهؤلاء الكفار- أَنفِقُوا[يس:47]، النفقة: إخراج المال عن الملك إلى الغير، ومادة النون والفاء والقاف في لغة العرب تدل على الخروج، نفق: تدل على الخروج، ومنه قيل عن النفق: نفق لأن الإنسان يخرج به من مكان إلى مكان، ومنه يقال: النفق وهو الجحر الذي تتخذه الدابة في الأرض، تدخل منه وتخرج، ومنه قيل للنفاق: نفاقاً لأن المنافق يدخل في الإسلام من باب ويخرج من باب آخر.

    كذلك هاهنا النفقة: إخراج المال عن الملك إلى الغير؛ فإذا كانت هذه النفقة على وجه يحبه الله فهي ممدوحة وصاحبها ممدوح، يعني: من أنفق المال في إطعام جائع، أو كسوة عار، أو تنفيس كربة مكروب، أو قضاء دين مسلم، أو بناء بيت لله عز وجل، أو بيت للغريب، أو طباعة مصحف.. أو نحو ذلك، فهذه كلها نفقة يحبها الله ويرضاها، ومن أنفق على وجه الإسراف والتبذير، أو أنفق فيما لا يحبه الله عز وجل من المعاصي والآثام فهو مذموم مقبوح.

    (إذا قيل) لهؤلاء الكفار: أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ))، بمعنى أن المال ليس مالكم وإنما المال مال الله، هو الذي أعطاكم، وهو الذي ملككم إياه، كما قال سبحانه: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ[الحديد:7]، وقال صلى الله عليه وسلم: ( قال الله: يا ابن آدم! أنفق أنفق عليك ).

    الاحتجاج بالقدر في ترك الطاعة

    وقوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ[يس:47]، هؤلاء يحتجون بالقدر على غير وجهه، مثل ما يفعل الآن بعض الناس إذا كان مقيماً على المعصية، كمن لا يؤدي الصلوات الخمس، فيقال له: اتق الله، يقول: لو شاء الله لصليت! أنا مؤمن بالقدر، وكذلك شارب الخمر إذا قيل له: اتق الله، فإنه قد يقول: لو شاء الله لما شربت! كما قال المشركون الأولون: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ[الأنعام:148]، وهذا صنيع الزنادقة، يحتجون بالقدر على مخالفة أمر الله عز وجل والخروج عن شريعته.

    ولذلك الكلام ظاهره صدق وحقيقته كذب، فإذا قال قائل: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ[يس:47]، نقول له: عدم إطعام الله إياهم قدر، وأنت متعبد بالشرع لا بالقدر؛ لأن القدر مخفي عنك محجوب، فأنت متعبد بالشرع؛ ولذلك شارب الخمر لو قال: لو شاء الله ما شربت، نقول له: كذبت فالقدر محجوب، أنت لا تعرف بأن الله قدر عليك في يوم كذا أن تشرب خمراً، أنت متعبد بالشرع أن تمتنع عن الخمر، أما القدر فهو سر الله المحجوب؛ فالآن ما الذي سيحصل؟ لا أحد في الدنيا يعرف!

    إذاً: الله عز وجل اختص نفسه بالعلم بالقدر، قال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]؛ ولذلك هؤلاء الكفار إذا قيل لهم: أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ[يس:47]، كان جوابهم: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ[يس:47]، ثم يتهمون المؤمنين بالضلال، فيقولون لهم: إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يس:47].

    وقال بعض المفسرين: بل هذا من كلام المؤمنين، يقولون للكفار: إن أنتم إلا في ضلال مبين.

    معاني كلمة (الضلال) في القرآن

    وكلمة الضلال في القرآن تطلق على معان عدة منها:

    النسيان، كما في قوله سبحانه: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى[البقرة:282].

    وتطلق على الغياب، ومنه قوله تعالى: وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ[السجدة:10]، ضللنا بمعنى: غبنا ودفنا.

    وتطلق كلمة الضلال كذلك على تعمد ترك الحق والذهاب إلى الباطل، وهذا في القرآن كثير، كما في قول ربنا جل جلاله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، وكما في قوله: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة:77].

    وهناك إطلاق رابع قاله بعض أهل التفسير: أن الضلال يطلق على المحبة، ومنه قوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى))[الضحى:7]، وَوَجَدَكَ ضَالاًّ[الضحى:7]، أي: محباً لربك، على قول بعض أهل التفسير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم ...) إلى قوله: (... هذا ما وعد الله وصدق المرسلون)

    نفخة الصعق قبل يوم القيامة

    بين ربنا جل جلاله أن بين يدي القيامة نفختين، قال سبحانه: مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [يس:49]، وفي قراءة: يخصمون بالتخفيف، بمعنى: يتخاصمون، يعني: تأخذهم، وتميتهم، وتهلكهم، وهم يتخاصمون في أسواقهم وبيعهم وشرائهم ومعاملاتهم ودنياهم.. وهم مشغولون في الدينا يكلم بعضهم بعضاً ويخاصم بعضهم بعضاً، فيأمر الله إسرافيل فينفخ في الصور النفخة الأولى: وهي نفخة الصعق، كما قال سبحانه: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ[الزمر:68]، وأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الصيحة ( أول من يسمعها رجل من مزينة فيصغي ليتاً ويرفع ليتاً ) والليت صفحة العنق، يعني يتبين هذا الصوت من أين جاء! يقلب سمعه ذات اليمين وذات الشمال، ( وهو يليط حوض إبله )، الحوض الذي تشرب منه الإبل، يليطه أي: يطينه، ويسد فتحاته، فيكون هذا الرجل أول من يصعق.

    وينفخ في الصور وقد ( نشر الرجلان ثوبهما، يتبايعان فلا يطويانه )، يعني: أحدهم يشتري من الآخر قماشاً، وقد نشره من أجل أن يراه، فلا يجدان فرصة لإتمام الصفقة، ولا لطي ذلك الثوب، وينفخ في الصور وقد ( رفع الرجل اللقمة إلى فيه فلا يطعمها ).

    قال تعالى: مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً[يس:49]، ليست صيحات متتابعة وإنما هي صيحة واحدة، تَأْخُذُهُمْ[يس:49]، في حال كونهم يتخاصمون ويتجادلون.

    قال تعالى: فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس:50]، يعني: لو أن الواحد منهم يريد أن يوصي ببعض ما له أو بعض ما عليه فإنه لا يستطيع، ولو أن الواحد منهم يريد أن يرجع إلى أهله من أجل أن يدبر أمراً أو يبرم شأناً فإنه لا يستطيع.

    نفخة البعث

    قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ[يس:51]، هذه هي النفخة الثانية وهي نفخة البعث، فيكون عندنا قبل القيامة نفختان: نفخة الصعق، يموت كل من كان حياً، ونفخة البعث يبعث كل من كان ميتاً. أما ما بين النفختين فقد قال عليه الصلاة والسلام: ( أربعون )، قيل لـأبي هريرة رضي الله عنه: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قيل: أربعون شهراً؟ قال: أبيت، قيل: أربعون يوماً، قال: أبيت، يعني: الله أعلم كم هي؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يبينها.

    فالمراد بقوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [يس:51]، النفخة الثانية، كما قال ربنا في سورة النمل: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [النمل:87]، هذه هي نفخة الصعق، ونفخة الفزع هي نفخة الصعق، وقال سبحانه في سورة الزمر: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68]، وقال في سورة الكهف: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً [الكهف:99]، تكرر النفخ في الصور في كثير من آي القرآن، يبين الله عز وجل أن النفخ حق.

    والمطلوب منك أيها المسلم! أن تؤمن بيوم القيامة تفصيلاً، ما تؤمن به إيماناً إجمالياً، وإنما تؤمن إيماناً تفصيلياً، تؤمن بعذاب القبر ونعيمه، وتؤمن بالنفخ في الصور، وتؤمن بالحشر، وتؤمن بتطاير الكتب، ونصب الموازين، ونشر الدواوين، وتؤمن بالصراط، وتؤمن كذلك بالجنة والنار على التفصيل الوارد في كتاب ربنا وما صح من سنة نبينا صلى الله عليه وسلم.

    وقوله تعالى: فِي الصُّورِ[يس:51]، المراد بالصور: هو القرن الذي ينفخ فيه النافخ وهو إسرافيل عليه السلام.

    خروج الناس من قبورهم

    وقوله: فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ[يس:51]، الأجداث: جمع جدث بفتحتين، وهو القبر، إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس:51]، أي: يسرعون، فالنسل: الإسراع، ومنه قول الله عز وجل: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ [الأنبياء:96]، يسرعون.

    وخروج الناس من قبورهم مسرعين، قال الله عز وجل: يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ [ق:44]، وقال الله عز وجل: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [المعارج:43]، يوفضون: يسرعون، ومنه قول الله عز وجل: يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر:7-8]، مهطعين أي: مادي أعناقهم، شاخصة أبصارهم، هذا هو حالهم يوم القيامة.

    وقوله تعالى: إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس:51]، أولهم وآخرهم، برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم.. الكل يخرجون من قبورهم يسرعون إلى أرض المحشر؛ لأنهم مساقون إليها سوقاً.

    المراد بقول الكفار يوم القيامة: (من بعثنا من مرقدنا)

    قال الله تعالى: قَالُوا يَا وَيْلَنَا [يس:52]، والقائل هم الكفار، وإلا فالمؤمنون الطيبون كما قال ربنا: لا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ[الأنبياء:103]، وقال سبحانه: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30]، أما هؤلاء الكفار فإنهم يصيحون: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا[يس:52].

    وهاهنا سؤال: هل كان الكفار راقدين في نعيم، أم أنهم كانوا معذبين؟

    الجواب: كانوا في قبورهم معذبين؛ بل كانت قبورهم حفراً من حفر النار، وقولهم: مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا؟

    للمفسرين فيها قولان:

    القول الأول: وصفوه بأنه مرقد باعتبار ما بعده من الشدة؛ لأن الله عز وجل قال: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ[السجدة:21]، يعني: عذاب القبر، أجارني الله وإياكم والمسلمين.

    فبالنسبة للعذاب يوم القيامة كأنه نزهة، وكأنه شيء يسير؛ ولذلك يعتبرون ما كانوا فيه من العذاب، إذا رأوا يوم القيامة جهنم وسمعوا لها تغيظاً وزفيراً، يحسبون أنفسهم كانوا في رقاد، فقالوا: مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا[يس:52].

    القول الثاني: بأنه بين النفختين تكون لهم رقدة؛ بين نفخة الصعق ونفخة البعث؛ لكن القول الأول هو الذي يشهد له القرآن بأنهم قالوا ذلك باعتبار ما بين أيديهم من الشدائد والأهوال.

    أقوال المفسرين في قوله تعالى: (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون)

    فلما قالوا: مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا، يكون الجواب: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52]، من القائل: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ؟

    قال بعض المفسرين: القائل هم الملائكة عليهم السلام، وقال بعضهم: بل هو من قول المؤمنين، ولا تعارض، وليس هناك مانع أن تقول ذلك الملائكة ويقوله المؤمنون كذلك، وقد دل على هذا قول ربنا جل جلاله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ [الروم:55]، وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الروم:56].

    وهناك قول ثالث قاله أيضاً بعض أهل التفسير: بأن يكون الكل من كلام الكفار، فهم لما بعثوا قالوا: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا[يس:52]، ثم استدركوا وعلموا أن الأمر جد لا هزل فيه فقالوا: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ، ويدل على ذلك قول ربنا جل جلاله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:20-22]، بصره حاد، يرى مالم يكن يرى، ويسمع مالم يكن يسمع، ويبصر عياناً ما كان يسمعه في الوحي.

    إذاً: قول الله عز وجل: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52]، إما أن يكون القائل الملائكة، وإما أن يكون القائل المؤمنون، وإما أن يكون الكل من كلام هؤلاء الكفار الذين كانوا مكذبين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن كانت إلا صيحة واحدة ...) إلى قوله: (...ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون)

    يقول الله عز وجل: إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس:53]، كما قال جل جلاله من قائل: وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً [الكهف:47]، فلا سبيل إلى الفرار، لا سبيل إلى الهروب، الكل مجموع بين يدي الله عز وجل، قال تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام:38]، فالكل بين يدي الله، قال تعالى: فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس:53]، واقفون بين يدي ربهم، بادية أعمالهم، عارية أجسادهم، لا يملك الواحد منهم لنفسه نفعاً ولا ضراً، لا ينفعه جاه ولا ملك ولا سلطان، ولا عشيرة ولا أولاد، ولا أتباع ولا أنصار؛ قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ[الأنعام:94]، وقال أيضاً: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:95]، وقال سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38]، وقال سبحانه: كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21].

    ثم قال تعالى: فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً [يس:54]، ينفي الله عز وجل الظلم في ذلك اليوم، كما قال في آية أخرى: لا ظُلْمَ الْيَوْمَ[غافر:17]، وكما قال سبحانه: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49]، وقال سبحانه: وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]، وقال أيضاً: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس:44]، وقال أيضاً: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمْ الظَّالِمِينَ [الزخرف:76]، وقال صلى الله عليه وسلم كما في الحديث القدسي: ( يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ).

    وقوله تعالى: وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [يس:54]، أي: اليوم تجزون بأعمالكم، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بمثلها، أي: السيئة بواحدة.

    والمؤمن يستره الله عز وجل يوم القيامة، يعرض عليه ذنوبه ثم يقرره بها فإذا أقر قال الله له: ( فإني سترتها عليك في الدنيا وأنا اليوم أغفرها لك )، وأما الكافر -والعياذ بالله- فإنه يجحد؛ قال تعالى: وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18]، كما كان يكذب في الدنيا يكذب يوم القيامة فيؤمر به إلى النار عياذاً بالله.

    أسأل الله أن يهدينا سواء السبيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    تكذيب المشركين بيوم الدين

    ثم بين ربنا جل جلاله جريمة ثالثة من جرائمهم وهي: الشك في القيامة، فإذا قال لهم المسلمون: اتقوا ما بين أيدكم من القيامة وأهوالها وفظائعها، كان جواب هؤلاء الكفار أن يقولوا لهم: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [يس:48]، دائماً يسألون عن القيامة، متى؟!

    قال تعالى: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ[الأحزاب:63]، وقال أيضاً: يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا[الأعراف:187]، دائماً كانوا يسألون: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [يس:48]، كما قال ربنا جل جلاله عن الكافر الأول: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً [الكهف:36]، وكما قال الآخر: وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى[فصلت:50]، وكما قال العاص بن وائل السهمي : لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً [مريم:77]، يعني: لو فرض بأن هناك قيامة فسيكون حالي كما هو في الدنيا.

    وقوله: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [يس:48]، هنا هم وقعوا في كفر الشك، وهذا تكرر في القرآن كثيراً؛ لأنهم يشكون، قال تعالى: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوْ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ [الواقعة:47-48]، أي: إذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً، وفي آية أخرى يقولون: إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [الأنعام:25]، أبداً ليس هناك قيامة ولا بعث، ويقولون: مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ[الجاثية:24]، كما قال بعضهم: إنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع، هكذا كانوا يقولون! والعياذ بالله.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3086718663

    عدد مرات الحفظ

    761124128