إسلام ويب

سورة المائدة - الآية [11]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أنعم الله علينا بنعم كثيرة، فمن ذلك: نعمة الإيمان والإيجاد والإرشاد والإمداد وغيرها، فيجب علينا تذكرها وشكرها بقلوبنا وألسنتنا وجوارحنا؛ وذلك من خلال التحدث عنها وإظهارها واستعمالها في طاعة الله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    ومع النداء الثاني والثلاثين في الآية الحادية عشرة من سورة المائدة؛ قول ربنا تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:11].

    سبب نزول الآية

    هذه الآية ذكر المفسرون في سبب نزولها أقوالاً:

    فقيل: إنها نزلت في شأن الحادثة التي كانت من يهود بني النضير حين أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقيل: بل نزلت في شأن كعب بن الأشرف اليهودي الخبيث -وكان من بني النضير كذلك- حين هم هو وجماعة من قومه أن يغدروا بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في دار كعب بن الأشرف.

    وقيل: بل نزلت في غورث بن الحارث ، وهو أعرابي، ففي غزوة من غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل الناس منزلاً وتفرقوا يلتمسون الظلال، فنزل النبي عليه الصلاة والسلام تحت سمرة وقد علق فيها سيفه ونام صلوات ربي وسلامه عليه، فجاء هذا الأعرابي فاخترط السيف وأيقظ النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: ( يا محمد! من يمنعك مني؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: الله. فسقط السيف من يد الأعرابي، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: من يمنعك مني؟ قال: يا محمد! كن خير آخذ، فقال له عليه الصلاة والسلام: أسلم. قال: لا. ولكن أعاهدك ألا أقاتلك وألا أكون مع قوم يقاتلونك ).

    وقيل: بل نزلت هذه الآية حين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخل، فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتكوا به وبأصحابه إذا اشتغلوا بالصلاة، فأطلع الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك وأنزل صلاة الخوف.

    وقيل: بل نزلت لأن قريشاً بعثت رجلاً ليغتال النبي صلى الله عليه وسلم، فأطلعه الله تبارك وتعالى على ذلك وكفاه شره.

    تعدد سبب نزول الآية

    أيها الإخوة الكرام! قد تكون الآية نازلة بواحد من هذه الأسباب أو بمجموعها؛ لأننا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاول المشركون قتله مراراً، فأحياناً بمجهود فردي وأحياناً بتآمر جماعي، وكلنا نعرف الحادثة لما قال عدو الله أبو جهل : واللات والعزى لئن رأيت محمداً ساجداً عند الكعبة لأشدخن رأسه بحجر، فلما كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي عند الكعبة أخبر المشركون أبا جهل بذلك، فجاء وهو يحمل حجراً كبيراً، ومشى نحو النبي عليه الصلاة والسلام، ثم فوجئ المشركون بـأبي جهل يلقي الحجر من يده وقد امتقع لونه ورجع القهقرى وهو يتقي بيديه، فقال المشركون: عجباً يا أبا الحكم ! ما لك؟ قال: ما إن دنوت من محمد حتى رأيت بيني وبينه خندقاً ونيراناً وأهوالاً وأجنحة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( تلك هي الملائكة، والذي نفسي بيده! لو دنا لتخطفته عضواً عضواً )، نجاه الله من أبي جهل .

    كذلك في حادثة الهجرة، معلوم أنهم تآمروا على قتله، كما قال الله عز وجل: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30].

    فهذه الحوادث كلها يذكر الله عز وجل بها نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

    معاني مفردات الآية

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [المائدة:11]، بسط اليد واللسان دائماً يطلق على السوء، يقال: بسط فلان لسانه في فلان. أي: تناوله بالسوء، وكذلك بسط اليد يكون أيضاً بالقتل والإهلاك، كما قال الله عز وجل: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [الممتحنة:2]. وكذلك ابن آدم الصالح قال لأخيه: لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [المائدة:28].

    فهؤلاء المشركون واليهود بسطوا أيديهم لإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

    قال الله عز وجل: فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة:11]، أي: منعها من أن تمتد إليكم، وصرف الله شرها عنكم.

    وقوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:11]، أي: يا مؤمنون! استسلموا لقضاء الله، وثقوا بنصره وعونه، وكونوا على يقين من وحدانيته ورسالة رسوله صلى الله عليه وسلم، وابذلوا جهدكم في الوقاية من كل سوء وكل شر، ومن مبادئ ذلك وأسبابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:11].

    1.   

    فوائد من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ...)

    أيها الإخوة الكرام! هذه الآية يستفاد منها فوائد:

    الفائدة الأولى: وجوب ذكر نعمة الله عز وجل، فلا تنس ابن آدم! دائماً ذكر نعم الله عليك، كنعمة الإيمان، ونعمة الإيجاد، ونعمة الإرشاد، ونعمة الإمداد، فالله عز وجل أمدك بالسمع والبصر والعقل واللسان، وأمدك بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7]، فشكر النعمة يزيدها وكفر النعمة يزيلها، فالله عز وجل يأمرنا بأن نذكر نعمه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [المائدة:11].

    ومن لوازم ذكر النعمة: شكر المنعم جل جلاله، وشكر المنعم يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، فإذا أردت أن تشكر نعمة من نعم الله استعملها في طاعته جل جلاله، تحدث بلسانك دائماً عن هذه النعمة، كما قال ربنا: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11]، النعم الدنيوية؛ في نعمة المال، ونعمة الذرية، ونعمة الزوجية، ونعمة الإيواء في بيت يمنع عنك الحر والقر، إلى غير ذلك من النعم الكثيرة.

    الفائدة الثانية: أن أعداء الله يضمرون شراً وسوءاً للإسلام وأهله، فالشر والسوء ليس خاصاً بطائفة من طوائف الكفر، بل كلهم في ذلك سواء، كما قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [الأنفال:73]، فهم يضمرون للإسلام وأهله سوءاً وشراً.

    الفائدة الثالثة: المحاولات المتكررة لإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل المشركين، وكذلك إيذاء المؤمنين، وكلكم تعرفون ما عاناه المسلمون في مكة، وما حدث لأصحاب الرجيع؛ خبيب وأصحابه رضوان الله عليهم، وما حدث للمسلمين يوم أحد، وغير ذلك من المواطن.

    الفائدة الرابعة: أن المنة لله عز وجل في صرف الأذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، وهذه المنة ليست قاصرة على من وقعت لهم تلك الوقائع، بل هي منة عامة يجب أن يشكرها له جل جلاله كل مؤمن إلى يوم القيامة؛ لأن حفظه لأولئك السلف الصالحين حفظ للدين، والرسول عليه الصلاة والسلام قال يوم بدر: ( اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض ).

    فكون الله عز وجل حفظ نبيه صلى الله عليه وسلم وصحابته هذه نعمة ينبغي أن نشكر الله عليها، فليس شكرها قاصراً على الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة، بل كل مؤمن إلى يوم القيامة يجب أن يشكر الله على هذه النعمة.

    الفائدة الخامسة: الأمر بتقوى الله على كل حال، ووجوب التوكل عليه سبحانه وحده دون سواه، وأن التوكل عليه سمة أهل الإيمان وعلامته.

    ونسأل الله سبحانه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    3086718663

    عدد مرات الحفظ

    761376801