إسلام ويب

البعث في سورة البقرةللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان بالبعث من القضايا الإيمانية الهامة المتعلقة باليوم الآخر، وفي سورة البقرة نماذج كثيرة ذكرها الله لعباده لقصص جرت للأنبياء والأمم السابقة؛ لتثبيت هذه العقيدة في نفوس الناس، ومن ذلك: إحياء الموتى لإبراهيم، وعزير، وقصة البقرة.

    1.   

    الحكمة من تكرار القصص المتعلقة بإمكان البعث بعد الموت

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    من قضايا سورة البقرة إقامة البراهين والحجج على إمكان اليوم الآخر وإمكان البعث بعد الموت، وأن البعث آتٍ لا محالة.

    ففي سورة البقرة ذكر الله عز وجل نماذج عديدة فيها إحياء الأموات في الدنيا؛ ليكون دليلاً على إمكان إحيائهم بعد الممات، والبقرة التي سميت بها السورة هي نفسها عنوان هذا الموضوع، قال الله عز وجل: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:73]. وبداية القصة في أن شخصاً من بني إسرائيل قتل أحد أقاربه ليأخذ الميراث، ثم ادعى أن قريبه مقتول، ويريد دمه، فجاءوا إلى موسى عليه السلام يسألونه؛ ليدلهم على القاتل، من الذي قتل هذا القتيل؟ فقال لهم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً[البقرة:67]، قالوا: هذه سفاهة يا موسى، تتخذنا هزواً، نقول لك: قتل فينا رجل ونريد القاتل فتقول: اذبحوا بقرة، أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [البقرة:67]، الاستهزاء بالناس فعل الجاهل وهنا موسى يقول: وأنا أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين.

    لقد قص الله عز وجل بقية القصة، إلى أن قال: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ [البقرة:73] فلما ضربوه استيقظ، وقال: قتلني فلان. ثم أماته الله عز وجل مرة أخرى. فالقرآن يبدي ويعيد في قضية الإيمان باليوم الآخر، وسورة البقرة مملوءة بالنماذج، فيا ترى لماذا كل هذا الاهتمام بإعادة الأدلة، كان يكفي مرة واحدة أن يذكر لنا قصة، لكنه ذكر لنا قصة البقرة، ثم ذكر لنا قصة الجماعة الذي خرجوا من القرية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ [البقرة:243] ليس واحداً أو اثنين، بل ألوف خرجوا من بيت المقدس، قال لهم النبي: العدو سيأتيكم فاصبروا حتى تقاتلوه، العدو سيأتي من هذه الجهة فخرجوا من الجهة الأخرى، فراراً من الموت، وفي الطريق قال لهم الله: موتوا في هذا المكان: فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ[البقرة:243] يبين لهم الآيات والبراهين.

    ثم يذكر لنا قصة أخرى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا[البقرة:259]، ثم يذكر لنا قصة إبراهيم: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى[البقرة:260].

    وقبل أن نقف مع قصة إبراهيم ومع قصة الذي مر على القرية هذا السؤال نحتاج إلى جواب عنه: لماذا يبدي القرآن ويعيد؟ لماذا يكرر الأدلة على الإيمان باليوم الآخر؟

    الجواب: لأنه متى ما صح فيك الإيمان باليوم الآخر وتذكرت على الدوام اليوم الآخر صحت الأعمال منك، فالأعمال بعد ذلك ستكون أعمالاً مستقيمة، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم دائماً يقول لنا: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت )، ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار فيها الخمر )، وهكذا في شأن النساء: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر )، فدائماً يقرن الإيمان بالله واليوم الآخر بالعمل؛ لأن الإيمان باليوم الآخر هو الباعث على إحسان العمل، وإذا تذكر الإنسان اليوم الآخر وبقي دائماً حاضراً لديه يتذكر إحسان العمل.

    1.   

    إحياء الموتى لإبراهيم عليه السلام

    وفي هاتين الآيتين ذكر لنا الله عز وجل قصة نبيين: عزير في الآية الأولى وهو من بني إسرائيل، وإبراهيم عليه السلام في الآية الثانية، وهو الخليل، ثاني أشرف خلق الله؛ لأن أشرف الخلق رجلان: إبراهيم عليه السلام، ومحمد عليه الصلاة والسلام، فقد اتخذهما الله خليلين، وفضل محمداً صلى الله عليه وسلم على إبراهيم درجة ورتبة.

    طلب إبراهيم عليه السلام من الله أنه يريه أمام عينه كيف يحيي الموتى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى[البقرة:260] سأله قال: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ[البقرة:260] أنت مؤمن وإلا لا؟ والله يعلم أنه مؤمن أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى [البقرة:260] أنا مؤمن: وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ [البقرة:260]، بمعنى : أن العلم نفسه، والإيمان مراتب.

    مثلاً: أنت الآن مؤمن أن هناك قارة اسمها استراليا، لكنك ما ذهبت إليها، ولو ذهبت إليها كيف يكون الحال؟ سيزيد إيمانك، فأنت عندما تسمع عنها، وتراها في الشاشات كل صباح ومساء، هذا يسميه العلماء علماً يقينياً قطعياً، والإنسان ما تشكك فيه، ولا يمكن أبداً أن يدخل إليه شك أو ريب، فهو موقن يقيناً جازماً أن هذا الشيء موجود، لكن لما يذهب بنفسه ويشاهدها فإن الإيمان الآن ليس مثل الإيمان قبل، بل قد زاد، فهو كان مؤمناً، والآن صار مؤمناً وزيادة، والمرتبة الأولى يسميها العلماء: علم اليقين، وهذه المرتبة الثانية يسمونها عين اليقين.

    فإبراهيم عليه السلام ما كان يشك، لكنه أراد أن يرتقي إلى هذه المرتبة؛ لأنه هذه المرتبة الآن فيها زيادة فضل، فيها زيادة درجة، زيادة مقام: فأراه الله عز وجل عين اليقين أمامه، كيف أراه؟ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ [البقرة:260] يعني: اجمعهن إليك وقطعهن، ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا [البقرة:260]، قال ابن عباس رضي الله عنه ترجمان القرآن: كانت هناك سبعة جبال، فذبح إبراهيم الطيور الأربعة. وليس هناك فائدة من معرفة أنواع تلك الطيور، وإن كان هناك فائدة كان الله ذكره لنا، لكن ليس فيه فائدة، والفائدة تحصل أنك تسمع أن الله عز وجل فعل هذا أمام إبراهيم، فهذه أربعة من الطير قطعها، ونتف ريشها، وأزال رأسها، وخلطها بعضها ببعض، وبعد أن خلطها أخذ جزءاً على هذا الجبل، وجزءاً على الجبل الثاني، وهكذا، ثم ذهب بعيداً من الجبال السبعة، وفي يده رءوس هؤلاء الطير، فقال الله له: ثُمَّ ادْعُهُنَّ تعالوا، يَأْتِينَكَ سَعْيًا [البقرة:260] جرياً، يقول ابن عباس : كان يرى الريش يجتمع إلى الريش؛ لأن الطيور مخلوطة على كل جبل، جزء الريش من هذا المكان يجتمع مع أخيه من المكان الثاني، وتأتي سعياً إلى إبراهيم عليه السلام، وكل طير يدخل رقبته في رأسه، فإذا أعطاه رأساً آخر لا يرضى، إلا أن يتركب في الرأس الذي خلقه الله عز وجل له.

    ثم قال له: وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:260] عزيز يعني: قوي غالب لا يغلبه شيء، ولا يعجزه شيء، حكيم يفعل الأشياء بحكمة بالغة.

    هذه القصة يقصها الله عز وجل علينا لنزداد إيماناً ويقيناً؛ وأن هذا الذي يخبرنا الله عنه بعد الممات واقع وحاصل لا محالة، وقد حصل في الدنيا، وهذه القصة بلا شك قصة صحيحة، وذلك بإخبار الله أولاً، فنحن المؤمنون ما عندنا شك أن ما أخبر الله به حق وصدق، لكن مع هذا نقول: لو كان هذا الكلام غير صحيح لما سكت بنو إسرائيل لحظة، الذين يتشوفون ويتشوقون لإيجاد أي دليل على أن محمداً يكذب، لو كانوا يعلمون أن هذا كذب لبادروا إلى تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام فيه، فسكتوا عن هذا وأقروا به، وهذا دليل على أنه موجود عندهم ومتوارث لدى الأنبياء.

    1.   

    إحياء الموتى لعزير

    كذلك عزير في الآية التي قبلها حصلت معه نفس القصة، فقد مر على بيت المقدس بعدما خربها الملك بختنصر ، قال تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا [البقرة:259] العروش المراد بها السقوف وقد سقطت، وسقطت الجدران فوقها والناس قد شردوا، قتل من قتل، وهرب من هرب، فالقرية خاوية ليس فيها أحد. قال وهو يسأل نفسه ويريد من الله عز وجل أن يريه كيف يحيي الموتى: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا[البقرة:259]، كيف سيحييها الله بعد موتها؟ فحصلت له هذه القصة كما قص الله عز وجل علينا، حصلت له الحادثة وقت طلوع الشمس، كان معه طعام وحمار، الطعام فيه التين وفيه العنب، والحمار كان يركبه، فأماته الله مائة عام، ثم بعثه بعد مائة عام قبل الغروب، ولما استيقظ أول ما استيقظ قال العلماء: بدئ بنفخ الروح في رأسه حتى ينظر إلى باقي الجسد كيف يحييه الله، فلما قام رأى الشمس عند الغروب فسأله الله عن طريق الملك: كَمْ لَبِثْتَ [البقرة:259] أول ما صحا قبل ما يرى الشمس قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا [البقرة:259]، وبعد أن رأى الشمس قال: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [البقرة:259]، ليس كل يوم، بقي شيء من اليوم قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ [البقرة:259] أنت صار لك ميت مائة عام، ليس يوماً ولا بعض يوم.

    لكن ما الدليل على أنه مات مائة عام، قال له: انظر الأشياء التي حولك: فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ [البقرة:259]، انظروا كيف يظهر سبحانه وتعالى قدرته وقوته في الأشياء المتضادة، من الذي ينبغي أن يتغير ويتحلل أولاً: الطعام والشراب أو الحمار؟ الطعام والشراب هو الذي كان ينبغي أنه يتغير، فأبقاه الله على ما تركه قبل مائة عام، قال: فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة:259]، لم تغيره السنون، باقٍ على ما هو عليه: وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ [البقرة:259]، الحمار تحلل وصار عظاماً، وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا [البقرة:259]، (ننشزها) يعني: نرفعها ثم بعد أن يكتمل الهيكل العظمي ويقوم الحمار عظاماً، نكسوها لحماً وأعصاباً وجلداً، ونفخت فيه الروح، فقام الحمار ينهق كما كان قبل مائة عام، قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:259]، ونحن نعلم ونؤمن أن الله على كل شيء قدير، ولكن الله عز وجل يرينا الآيات الدالة على إمكان البعث بعد الممات، فإذا حصل اليقين في القلب بالبعث بعد الموت، والجزاء والحساب، والجنة والنار، صلح العمل بعد ذلك.

    نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يرزقنا إيماناً صادقاً، وعملاً صالحاً.

    وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017293283

    عدد مرات الحفظ

    724033207