إسلام ويب

الحياة في ظل الاستجابة لله عز وجلللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للحياة أنس وراحة لكن لا يجدها المؤمن إلا في ظل الاستجابة لله ورسوله، وأما البعد عن شريعة الله فهو شقاء وبؤس، ولا شك أن من أعظم مواسم الإقبال على الله والتلذذ بطاعته: شهر رمضان الذي هو غنيمة كل مؤمن عامل، فالسعيد من اغتنمه، والشقي المحروم من حرمه.

    1.   

    حقيقة الاستجابة لله سبحانه وتعالى

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    إخوتي في الله! يقول الله جل شأنه في كتابه الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24]، هذه الآية العظيمة من سورة الأنفال يبين فيها سبحانه وتعالى حقائق مهمة:

    الاستجابة لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم حياة الأرواح

    أول هذه الحقائق: أن الحياة الكاملة، الحياة الحقيقية، الحياة الطيبة، إنما هي في ظل الاستجابة لله وللرسول، اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24]، والاستجابة لا تكون إلا من الحي في بدنه، لكن الحياة حياتان، حياة الأبدان والأجسام، وحياة القلوب والأرواح، والحياة المقصودة هنا في هذه الآية: الحياة الثانية حياة الروح والقلب، فحياة الأرواح والقلوب جعلها الله عز وجل في الوحي المنزل، الوحي الذي أنزله على رسوله، والدين الذي بعث به أنبياءه، به تحصل حياة القلوب والأرواح، وبغير هذا الناس أموات، وإن كانوا يتحركون، كما قال الله جل شأنه في كتابه الكريم: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ [الأنعام:122].

    فالناس بغير هدى الله أموات، وإن تحركت أجسامهم، فأجسادهم قبور لقلوبهم، وأجسادهم مقابر تتحرك على هذه الأرض.

    وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور

    شبههم الله عز وجل بالأموات في كتابه الكريم، فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر:22-23]، أنت عليك النذارة، وهؤلاء الذين لا يستجيبون لك أشبه بمن يكونون في القبور، ولست قادراً على إسماعهم.

    فالحياة الحقيقية إنما يكتسبها الإنسان حينما يستجيب لله، وحينما يستجيب لنداء الله، وقد جعل الله هذا القرآن حياةً وروحاً، فقال في كتابه الكريم: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى:52] (روحاً من أمرنا) إذا فقد الإنسان هذه الروح عاش حياة الأموات.

    فالله جل وعلا في هذه الآية في سورة الأنفال يأمرنا بأن نستجيب لله وللرسول من أجل أن نحصل هذه الحياة، من أجل أن نحيا هذه الحياة، والآية خطاب للمؤمنين، وليست للكافرين؛ لأنه قال في أولها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24]، أنتم يا معشر المؤمنين بحاجة إلى ما يحييكم هذه الحياة، فإن هذه الحياة تتفاوت قوة وضعفاً كما تتفاوت حياة الأبدان، فكما أننا نرى أن حياة أبداننا متفاوتة، فحياة الصحيح أكمل وأتم من حياة المريض، وحياة الفرح السعيد أكمل وأتم من حياة المهموم الحزين، وحياة الإنسان الشجاع الطليق أكمل وأتم من حياة المقهور الذليل، فحياة أبداننا متفاوتة، وكذلك حياة أرواحنا متفاوتة، نحيا جميعاً بهذا الإيمان، لكننا نتفاوت في هذه الحياة بحسب أعمالنا، ولهذا نادى الله المؤمنين في هذه الآية بأن يستجيبوا؛ ليحققوا أكبر قدرٍ يمكنهم من هذه الحياة، اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ .

    ثم ذكر سبحانه وتعالى حقيقة أخرى، وهي أن الإنسان إذا لم يستجب في زمن إدراك الفرصة فإن عليه أن يدرك تماماً بأن هذه الفرص قد لا تتكرر، وأن الله عز وجل يحول بينه وبين قلبه، فلا يستطيع الإنسان أن يتصرف في قلبه متى شاء، فيصرف قلبه في أي وجهة يريدها، قلبك هذا بيد الله، (بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفه كيف يشاء)، مرة يقلبه ويوجهه إلى الطاعة، ومرة يصرفه ويوجهه إلى المعصية، فإذا بدرت لك فرصة الطاعة، وإذا سنحت لك فرصة العبادة فإن كنت عاقلاً فبادر إليها، احزم أمرك، وخذ من هذه الطاعة ما تستطيعه قبل أن يحال بينك وبينها، وقبل أن تفوت هذه الفرصة فلا تقدر عليها، فإن الله يحول بين المرء وقلبه.

    مثال تطبيقي لمعاقبة من لم يستغل الفرصة بعدم إتاحتها له

    أوضح مثال يا إخوان! أسرد لكم قصة صحابي كريم كمثال تطبيقي عملي لهذه الآية: أحد الثلاثة الذين تخلفوا في غزوة تبوك، ونحن جميعاً نقرأ خبرهم في سورة التوبة، تخلف أكثر من ثمانين رجلاً في غزوة تبوك، بعد أن أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج إليها، فتخلف بعض المعذورين الذين لا يجدون نفقة، وتخلف بعض المرضى الذين لا يستطيعون الجهاد، وتخلف بعض المنافقين الذين حلفوا الأيمان الفاجرة أنهم كانوا من أهل الأعذار، فأركسهم الله في نار جهنم، وتخلف مع هؤلاء المتخلفين ثلاثة من الصادقين المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهم كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فـكعب أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن أمر الله لهم بالخروج، وليس له عذر.

    اسمعوا إلى خبره لتعرفوا ما سبب تخلفه عن غزوة تبوك، عوقبوا أشد عقاب، لما رجع الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة بأن يهجروهم فلا يسلموا عليهم، كان الرجل يأتي إلى ابن عمه وقريبه يسلم عليه، فلا يرد عليه السلام، ويأتي الواحد منهم إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يرد عليه السلام، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ضاقت عليهم الأرض بوسعها، وكبر اتساعها، ضاقت عليهم الأرض حتى تاب الله عليهم، وأنزل توبتهم من السماء، وحينها عاد الأمر إلى ما كان إليه، هؤلاء الثلاثة أنتم الآن مع واحد منهم لمعرفة لماذا تخلف؟

    يقول كعب كما في صحيح مسلم : (كان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط، يعني: كنت في أيسر الظروف ما جمعت راحلتين قبلها قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً (صحاري)، واستقبل عدواً كثيراً فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم)، وكانت عادته أنه إذا خرج للغزو لا يخبر الناس أين سيتجه، ولا يحدث الناس إلى أين سيسير، ليكتم خبره عن عدوه، أما في غزوة تبوك فجلى الأمر للناس وأوضحه لهم حتى يستعدوا ويأخذوا الأهبة؛ لأن السفر بعيد والطريق صحراء، والعدو كثير، والزمن شديد الحرارة، فجلى للمسلمين أمرهم، ليتأهبوا أهبة غزوهم.

    قال كعب رضي الله عنه وأرضاه: (فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ)، ليست هناك دواوين ولا سجلات مكتوب فيها أسماء الجيش، والناس كثير، ما معنى هذا الكلام؟ معناه: أن المنافق ضعيف الإيمان الذي يظن بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لن يخبر من السماء سيتخلف، ويظن لجهله ولعدم إيمانه أن أمره لن يوضح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، سيتخلف ولن يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن تخلف.

    يقول كعب : (والمسلمون مع رسول الله كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ، فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر يعني: أميل، فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو؛ لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئاً)، الناس يصبحون كل صباح يخرجون لشراء العتاد والمتاع، كل بما يقدر عليه، يخرج الواحد منهم فيشتري أهبته ويرجع إلى بيته متجهزاً للرحيل، ويخرج كعب مع الناس في الصباح، لكنه يرجع دون أن يستعد ولا يتجهز.

    قال: (وطفقت أغدو؛ لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت)، متى ما أردت الاستعداد والخروج سأفعل، أنا قادر على ذلك إذا أردت، (فلم يزل ذلك يتمادى بي، ويستمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً، والمسلمون معه، وأنا لم أقض من جهازي شيئاً، ثم غدوت فرجعت، ولم أقض شيئاً، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت)، هممت في نفسي أني أدركهم في بعض الطريق، ويا ليتني فعلت، ولكنها أمنية فقط ولم يفعل.

    ثم ماذا؟

    قال: (ثم لم يقدر لي ذلك)، قفوا مع هذه النتيجة، بعد هذا الهم.. وبعد هذه المحاولة للاستعداد.. وبعد هذا التمني، يا ليتني خرجت فلحقت بالركب والجيش، لكني لم أفعل، قال: (لم يقدر لي ذلك)، القدر بعد ذلك حال بينه وبين هذا اللحاق، حال بينه وبين هذا الاستعداد، جاءت الفرصة ولم ينتهزها، لما أرادها بعد ذلك لم يمكن منها، استمع إلى طبيب القلوب والأرواح الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، وهو يعلق على هذه الحادثة في كتابه زاد المعاد يقول وهو يعدد فوائد هذه القصة:

    من هذه الفوائد: أن الرجل إذا حضرت له فرصة القربة والطاعة فالحزم كل الحزم في الانتهاز والمبادرة، والعجز كل العجز في التأخير والتسويف، ولا سيما إذا لم يثق بقدرته وتمكنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم والهمم سريعة الانتقاض، قلما تثبت، والله سبحانه وتعالى يعاقب من فتح له باباً من الخير، فلم ينتهزه، يعاقبه بأن يحول بين قلبه وإرادته، فلا يمكنه بعد من إرادته عقوبة له، فمن لم يستجب لله ورسوله إذا دعاه حال بينه وبين قلبه وإرادته، فلا تمكنه الاستجابة بعد ذلك، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24].

    الاستجابة قبل فوات الأوان

    قلبك هذا لا تستطيع أنت التصرف فيه متى أردت، ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك، قالت عائشة : أتخاف علينا يا رسول الله! قال: كيف لا أخاف وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء )، فعندما يفتح لك باب الطاعة، وعندما تمكنك الفرصة للقربة، فالحزم كل الحزم أن تستعد، وأن تأخذ من هذه الفرصة أهبتك وحاجتك قبل أن تتمنى أنك تفعل لكنك لا تمكن بعد ذلك، قال الله عز وجل عن قوم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ولكنهم تراجعوا بعد ذلك، وتركوا رسول الله وأصحابه سلبة للقتل، قال الله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا [آل عمران:155].

    أيها الأحباب! هذا الكلام مناسبته أنه بعد أيام سينادي المنادي قائلاً: (يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر)، فتفتح هذه الفرصة العظيمة التي تكثر فيها الذنوب، وتمحى فيها السيئات، وترفع بها الدرجات، فرصة الطاعة والعبادة في نهار رمضان وليله، إلا أن الحزم كل الحزم لمن كان حريصاً على استغلالها واغتنامها أن يستعد بتهيئة نفسه من الآن حتى لا يحال بينه وبين قلبه إذا أراد الطاعة، فلا يقدر على ذلك، أهم هذه الحوائل ما ستسمعه في الخطبة الثانية.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    موانع الاستجابة لله وللرسول

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    الإقبال على طاعة الله ليس مجرد كلمة نقولها، بل هو مفتاح السعادة، وهو حقيقة الحياة، وهو مقصود هذا الكون، الإقبال على الله، والتوجه إلى الله، والاشتغال بمناجاة الله، هو سر سعادتك، قال ابن القيم رحمه الله: في القلب شعث لا يجمعه إلا الإقبال على الله، ليس شيء يجمع لك المتفرق ويزيح عنك الهموم والغموم إلا أن تقبل بقلبك على الله، وأن تتوجه إلى الله، وإذا فقدت هذا فإنك لا تزال تعيش في أنواع الأكدار وتتقلب في أنواع الهموم مهما حصل لك من أغراض الدنيا ومتاعها، في القلب شعث لا يجمعه إلا الإقبال على الله.

    هذا الإقبال أعظم الحوائل بينك وبينه الذنب والمعصية، الذنب والمعصية حائل أكيد بينك وبين جمع قلبك للتوجه إلى الله والسفر إلى الآخرة والاستعداد للآخرة، ولذلك الحزم كل الحزم أن تترك عنك الذنب، وأن تمسح وتمحو ما كان في صحيفتك منه، والأمر هين سهل، هين لمن أراد الله عز وجل له ذلك، كما قال الشاعر:

    إذا كنت قد أوحشتك الذنوب فدعها إذا شئت واستأنس

    إذا أردت الأنس، إذا أردت الإقبال فالأمر هيّن، دع عنك الذنب، وتب إلى الله عز وجل من ذنبك، تسلم من عواقب الذنب.

    أيها الإخوة! إنه يوجد بين الإنسان وبين الله عز وجل وحشة يجد الإنسان مع هذه الوحشة ثقلاً للطاعة وفراراً منها، ومراغمة ومجاهدة على أداء الواجب فيها، رغبة في الكسل، والتمرد والابتعاد عن الطاعة وعن الذكر، وعن مجالسه، ثمرة من ثمرات هذه الوحشة، من ثمرات الذنوب أنها تحول بينك وبين الطاعة، فإن الحسنة تقول: أختي أختي! يعني: اعمل معي أختي، والمعصية تقول: أختي أختي!

    من ثمرات الذنوب أنها تورث في القلب ظلمة لا يستطيع بعدها أن يتلذذ، ولا أن يتنعم بالطاعة والقرب من الله، كما قال ابن عباس ترجمان القرآن وحبر الأمة وفقيه الصحابة، قال: إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للمعصية سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، وضيقاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق.

    الحسنة تورث القلب ضياءً ونوراً، ورغبة في الاستزادة من الخير، كما أن المعصية تفعل ضد ذلك، فالعاقل هو الذي يستقبل أزمان الطاعات، ومواسم الخيرات بإصلاح قلبه، ومحو ذنبه، حتى يكون محلاً وأهلاً لتنزل رحمات الله عز وجل عليه، حتى يكون محلاً للتوفيق، فيرزق من هذه الطاعات ما قدره الله عز وجل له، ومن فرط في هذا فلعله أن يقف نفس الموقف الذي وقفه كعب بن مالك يتمنى الطاعة لكنه لا يقدر عليها، يتمنى أن يكون مع القائمين، مع الذاكرين، مع الساجدين، مع المتهجدين، لكنه لا يوفق لذلك، وكل ذلك ثمرة لرجوعه وتقهقره عن انتهاز الفرصة حين سنحت بين يديه.

    أيها الأحباب! طبيعة الإنسان أنه خطاء مذنب، فحقيقة ابن آدم التي أخبر عنها رسولنا الكريم هي: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، و(التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، حقيقة ابن آدم كما قال عليه الصلاة والسلام: ( ما من عبد إلا وله ذنب )، فكل الناس لهم ذنوب، كل الناس يخطئون، كل الناس يعصون، (ما من عبد إلا وله ذنب يعاوده الفينة بعد الفينة)، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا، هذه حقيقة الإنسان، إما أنه مقيم على ذنب، وإما أن له ذنباً قد اعتاده يرجع إليه بين الوقت والآخر، لكن ما العلاج؟ قال عليه الصلاة والسلام: ( إنه خلق مفتناً تواباً نسياً )، هذه حقيقة ابن آدم، (مفتناً) مفتون بالذنوب، (تواباً) فتحت له أبواب التوبة، حتى يصلح ما فسد، (نسياً) سريع النسيان، ينسى فيرجع إلى الذنب، لكن إذا رجع عليه أن يرجع ثانياً إلى التوبة.

    (يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر).

    نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يأخذ بأيدينا إلى كل خير، وأن يعصمنا من كل شر وضير، اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا أرحم الراحمين، نسألك اللهم بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلا أن تصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن تصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأن تصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    اللهم اشغل قلوبنا بحبك، وألسنتنا بذكرك، وجوارحنا بطاعتك.

    يا حي يا قيوم! برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.

    اللهم اهدنا يا أرحم الراحمين، ويسر الهدى إلينا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها، دقها وجلها، وأولها وآخرها، وسرها وعلانيتها.

    اللهم اغفر لمن حضر هذه الجمعة ولوالديه، وافتح للموعظة قلبه وأذنيه، أنت ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

    اللهم انصر الإسلام والمسلمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واخذل الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين، اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك الصالحين، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان يا رب العالمين! اللهم اجعل للمسلمين في اليمن وسوريا وغيرها من أقطار الإسلام فرجاً ومخرجاً يا رب العالمين، اللهم اجعل لهم من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاءٍ عافية، اللهم أعنهم ولا تعن عليهم، وامكر لهم ولا تمكر عليهم يا قوي يا عزيز.

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017167299

    عدد مرات الحفظ

    723901037