إسلام ويب

لقمان الحكيمللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقمان الحكيم رجل صالح آتاه الله الحكمة، فانتفع بها ونفع بها غيره، وقد خلد الله ذكره في كتابه وهو يظهر بعض جوانب هذه الحكمة في وعظ ابنه، حيث لم يكل ولم يمل من وعظ ابنه، وقد استخدم معه وسائل الوعظ المختلفة، وقدم له أعز النصائح وأثمنها في معاملته مع خالقه ومع نفسه ومع الناس.

    1.   

    مفهوم الحكمة

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    إخوتي في الله! في هذه اللحظات نقف مع رجل صالح من عباد الله خلد الله عز وجل له ذكره في كتابه، فيتناقل الناس ذكره إلى أن يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها، رجل آتاه الله عز وجل الحكمة، وعلمه حقائق الأشياء على ما هي عليه، إنه لقمان الحكيم عليه من الله الرضوان، هذا الرجل المتواضع الأصول، الفقير في عيشه، لكن نظر الله عز وجل إلى قلبه فنوره فاستنارت حياته.

    نقف مع جانب من جوانب الحكمة التي آتاها الله عز وجل هذا العبد الصالح، لقمان كما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لم يكن نبياً، ولكن كان رجلاً حكيماً، يصفه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فيقول: كان كثير الفكر، حسن اليقين، أحب الله تعالى فأحبه الله تعالى، وآتاه الحكمة.

    وقد أخبرنا سبحانه وتعالى في كتابه أنه آتاه الحكمة.

    الحكمة كما يفسرها العلماء: فهم الأمور على حقائقها، أن يدرك الإنسان الأمور كما هي عليه -لا يدركها إدراكاً خاطئاً- ثم يضع كل شيء في موضعه.

    كما عبر عنها بعض العلماء فقالوا: الحكمة فعل ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، أن تفعل الشيء كما يراد، وأن تضعه في موضعه الصحيح.

    1.   

    جوانب من حكم لقمان رضي الله عنه

    فالعلماء الذين يتحرون الصحة ولا ينقلون كل ما وقع عليه نظرهم، نقلوا من حكمه ثماناً وثلاثين حكمة، منها:

    أنه كان يقول لولده: أي بني! إن الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيها أناس كثيرون، فاجعل سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإيمان بالله، وشراعها التوكل على الله لعلك تنجو بذلك.

    وكان يقول: من كان له من نفسه واعظ كان له من الله -عز وجل- حافظ.

    ويقول للآباء: ضرب الوالد لولده كالسماد للزرع.

    ويقول لولده: يا بني! إياك والدين فإنه ذل النهار وهم الليل.

    ويقول له: يا بني! جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله -عز وجل- يحيي القلوب بنور العلم، كما يحيي الأرض بوابل السماء.

    ويقول: أعظم الغنى أن يؤتيك الله العافية، ليس غنىً كصحة، ولا نعمة كطيب نفس.

    ويقول: يا بني! لا تجالس الفجار، ولا تماشهم، اتق أن ينزل عليهم عذاب من السماء فيصيبك معهم، يا بني! جالس العلماء وماشهم عسى أن تتنزل عليهم رحمة من ربك فتصيبك معهم.

    وأتاه أمر مولاه بأن يذبح شاةً وأن يجيئه بأطيب مضغتين فيها، فذبح الشاة وأتاه باللسان والقلب، ثم أمره مرة أخرى بذبح شاة أخرى وأن يأتيه بأخبث مضغتين فيها، فذبح الشاة فأتاه باللسان والقلب أيضاً، فسأله عن ذلك؟ فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا، وأخبث ما فيها إذا خبثا، أطيب ما في البدن: القلب واللسان إذا طابا، وأخبث ما في البدن: القلب واللسان إذا خبثا.

    إلى غير ذلك من الحكم الكثيرة، وصدق رحمه الله، فانظر إلى تلك الكلمات الرقيقة التي تخرج من بين تلك الشفتين.

    كان مشهوراً عند الناس فمع أنه من بني إسرائيل إلا أن العرب تعرفه، وتتناقل أخباره، والخاصة منهم بشكل أخص، فكان العلماء والذين يعرفون أخبار الأمم يتناقلون أخبار لقمان الحكيم قبل أن يأتي القرآن فيخلد له هذا الذكر الحسن.

    جاء في دلائل النبوة للإمام البيهقي رحمه الله أن أحد أهل المدينة من الخزرج أو من الأوس وهو: سويد بن الصامت قدم مكة حاجاً قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فلما سمع النبي عليه الصلاة والسلام بمقدم سويد ذهب إليه يدعوه إلى الإسلام، وكان من أهل الحلم، ومن أهل العلم، ومن أصحاب الحكمة والشجاعة والكرم، فلما جاءه عليه الصلاة والسلام عرض عليه الإسلام، فقال له سويد : لعل الذي عندي مثل الذي عندك، أنت تقول كلاماً جميلاً، كلاماً حسناً، ولعل الذي أعرفه وأعلمه مثل الذي عندك، فقال له عليه الصلاة والسلام: ( وماذا عندك يا سويد؟ قال: مجلة لقمان )، يعني: الصحيفة التي كتبت فيها حكم لقمان ، مما يدل على أن العرب تعرفه، وتتناقل حكمه، فلما سمع النبي عليه الصلاة والسلام من سويد بعض الحكم قال: ( إن هذا كلام حسن، والذي أنزل علي خير منه وأحسن ) القرآن الذي أنزله الله فيه كل الحكمة فهو خير منه وأحسن، هذا القرآن جاء بذكر هذا الرجل الصالح، هذا الرجل العظيم، ووضع لنا صفحةً من صفحات القرآن، وسورة سميت باسمه، لا يزال الناس يتلونها إلى أن يرث الله -عز وجل- الأرض إنها (سورة لقمان)، وفيها صفحة كاملة يتحدث فيها سبحانه وتعالى عن جزء يسير من حكم لقمان ، لكنه لحكمة أرادها سبحانه وتعالى نقل إلينا حكم لقمان مع ولده، كيف ربى لقمان ولده؟ فرأس المال هو الولد الصالح، الذرية الطيبة، ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: وولد صالح يدعو له )، الولد ينالك منه ما ينالك وأنت في قبرك، يرفع الإنسان في الآخرة أعلى الدرجات فيسأل، فإذا هو رفع بسبب ولده، ويرى يوم القيامة صحيفة الأعمال وقد ملئت بالحسنات والاستغفار، فيسأل فيقال له: هذا باستغفار ولدك لك، الأعمال لا تنقطع، ( وأطيب ما أكل الرجل من كسب يده، وإن ولد الرجل من كسبه )، الولد من كسبك، امتداد لك بعد موتك، وزيادة في أعمالك بعد وفاتك، فلا عجب! أن تكون حكمة هذا الحكيم منصبة نحو إصلاح هذا الولد، لا عجب بعد ذلك أن يقص علينا القرآن من حكم لقمان ما يحاول به إصلاح هذا الولد.

    إن ولد لقمان ليس كأبنائنا! إنه ولد عاق، فاجر، شقي، كافر، مشرك بالله تعالى، ومع ذلك لم ييأس لقمان عليه السلام منه، فبذل ما في وسعه لإصلاح هذا الولد المشرك، ولد يجاهر الله تعالى بالكفر والإشراك، ومع ذلك بذل كل ما يقدر عليه في إصلاح هذا الولد، وكان من أمر الله ما كان، أصلحه الله عز وجل.

    جاء عند الإمام الألوسي رحمه الله في التفسير: أن لقمان لما أراد أن ينصح ولده جمع جرابين من حب الخردل، كيسين كبيرين، ملأهما بحب الخردل وهي حب صغار جداً، وكان كلما وعظه موعظة أخرج حبة من الجرابين من حبوب الخردل حتى ينظر كم مرة سيعظه، وكم مرةً سيكلمه، وكم مرة سينصحه، ثم قال له في آخر المطاف: لقد وعظتك مواعظ لو وعظ بها جبل عظيم لتشقق، ولا يزال يعظه وينصحه حتى شقق الله -عز وجل- هذا القلب الصلد، وحتى لين الله -عز وجل- هذا القلب القاسي، وحتى أصلح الله -عز وجل- هذه الروح الخبيثة، فاستجابت لنداء الله، وصلحت بأمر الله.

    1.   

    قصة لقمان مع ولده ومحاور ما دار بينهما

    هكذا يقص الله عز وجل علينا هذه القصة العظيمة في كتابه، بدأها سبحانه وتعالى بأول وصية لـلقمان نفسه، بأن يصلح حاله قبل أن يصلح غيره:

    وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [لقمان:12] ، بدأ حكمته لهذا العبد الصالح بحكمة الهداية له في نفسه، فلما اهتدى وصلح بعث إليه سبحانه وتعالى بعد ذلك من الأنوار ما يحاول به إصلاح غيره، وبدأ بولده.

    أسلوب لقمان في وعظ ابنه

    وقال سبحانه وتعالى بعد أن قال: (( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ))، قال: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ [لقمان:13] ، قال العلماء: يعني: وآتيناه الحكمة: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] .

    تأملوا جيداً في هذه العبارات الثلاث؟ كلمات ثلاث تنطوي على ما تنطوي عليه من الحكمة في دعوة الابن ومحاولة إصلاحه، إنه يخاطب الرجل الكبير لأنه مشرك، ولا يكون مكلفاً بأعماله إلا بعد البلوغ، يخاطب رجلاً بالغاً، رجلاً كبيراً بعبارة الرقة والرحمة والحنو والعطف، فيستعمل معه العبارة التي تستعمل مع الطفل الصغير: (يا بني!)، ولم يقل: يا ابني! ولم يقل: يا ولدي! يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ )).

    إنه حريص على أن يتلقى ابنه هذه الكلمات بالاستقبال والانتفاع، ومن ثم يحاول إخراجها ما أمكنه بأسلوب حسن: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ، يحاول أن يبين له ما هو الشرك، لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ))، أعظم الظلم الشرك، الظلم عموماً: وضع الشيء في غير موضعه.

    فمن أخذ حق غيره فقد ظلم؛ لأنه وضع هذا الحق في غير موضعه، وإذا كان وضع الشيء في غير موضعه ظلم؛ فإن أعظم الظلم أن يضع الإنسان حق الله في غير محله، وأن يصرف العبادة لغير الله، (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).

    إنها التربية القائمة على الإقناع مع الرحمة والعطف والحنو، إنه يحاول أن يغرس فيه مفاهيم صحيحة قائمة على الإقناع، لا ينبغي لك أن تفعل الشرك لأن الشرك ظلم، وليس ظلماً فحسب، ولكنه ظلم عظيم.

    وانتبه كيف عبر الله سبحانه وتعالى عن أسلوب هذا الحكيم مع ولده! (وَهُوَ يَعِظُهُ)، يقول هكذا عنه سبحانه وتعالى: (وَهُوَ يَعِظُهُ).

    والموعظة كما يقول العلماء: الكلام الذي يتضمن زجراً وردعاً مع التخويف، فهو جمع في وسائل التربية لولده بين كلمات الحنو، كلمات الرحمة والعطف، كلمات الإشفاق، وبجانبها كلمات الغلظة، كلمات الزجر، كلمات التهديد والردع، وهو مع ذلك كله يحاول أن يقنع ولده بصحة ما يقوله حتى لا يكون الامتثال في الظاهر محاباةً ومجاملةً للولد.

    وإذا قرأت هذه الآيات التي فيها حكم لقمان لولده وجدتها كما يقول العلماء: تدور حول محاور رئيسة أربعة:

    إصلاح العقيدة

    المحور الأول: إصلاح العقائد، إصلاح ما يقوم في القلب، كيف يربي قلب ولده؟ ما الذي يغرسه فيه؟

    إنه يحاول جاهداً أن يغرس فيه عقائد التوحيد، الإيمان بالله، الإيمان بحق الله، بألوهية الله، بربوبية الله، بأسماء الله وصفاته، يحاول أن يغرس في هذا القلب مراقبة الله، استشعار نظر الله تعالى إليه، فيقول له: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ [لقمان:16] ، إن الحسنة أو السيئة لو كانت مثقال حبة من خردل، وليس هناك شيء أصغر من ذلك، ينبه به الولد على اعتناء الله تعالى بالحسنة والسيئة، إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [لقمان:16] يقول له: لا تغب حسناتك وسيئاتك عن الله، وسيأتي بها الله في يوم تعرض عليك فيه لا محالة، مهما كانت في مكان بعيد شديد الامتناع، لو كانت داخل الصخرة الشديدة في ظلمة حالكة، فإن الله سيفلق هذه الصخرة لعلمه سبحانه وتعالى بما فيها، وبما تضمنه جوفها، سيفلق هذه الصخرة، وسيأتي بها، ولو كانت هذه الحسنة الصغيرة في مكان واسع الانتشار كالسموات لعلم الله عز وجل بهذه الحبة من الخردل وجاء بها، ولو كانت هذه الحبة في أطراف أقطار الأرض لجاء الله عز وجل بها: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16] .

    هذا المبدأ الأول: إصلاح القلب، وإعماره بالعقائد الصحيحة، وتربيته على مراقبة الله، وأن الله -عز وجل- مطلع عليك، يراك ويسمع ما تقول، ويرى ما تفعل، وهو سبحانه وتعالى سيجمعنا يوماً لا محالة، أتراك إذا وجهت هذه النصيحة لولدك لن تقع في قلبه موقعاً، ولن تبلغ من نفسه مبلغاً؟!

    إصلاح الأعمال الظاهرة

    ثم ينتقل إلى الأصل الثاني: وهو إصلاح الأعمال الظاهرة، إصلاح أعمال البدن بعد أن تولى إصلاح القلب، ويركز عليه السلام على أصول هذه الأعمال وأهم الأعمال، فيقول: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ [لقمان:17] الصلاة عماد الدين، وهذا هو الذي بعثني اليوم لأتحدث عن هذه الخطبة، هو الذي بعثني لاختيار هذا الموضوع، بعد الجمعة الماضية قام إلي أحد الأفاضل من المعلمين في المدارس وهو يدرس في مدرسة حسنة السمعة، ليست مدرسةً سيئة، مدرسة يرتادها في الغالب أبناء المصلين، أبناء الذين تزدحم بهم المساجد يوم الجمعة، يقول هذا المعلم الذي يعلم التربية الإسلامية: إنه سأل طلاب الفصل العاشر، وكلهم بلغوا وكلفوا، وجرى عليهم قلم التكليف فهم محاسبون مجازون بأعمالهم: كم منكم اليوم لم يصل الفجر؟ فيرفع من أربعة وعشرين طالباً أحد عشر طالباً أيديهم، النصف تقريباً، هؤلاء هم الذين جرءوا على أن يبوحوا بما عندهم، هؤلاء الذين أعلنوا حقيقة ما عليه أمورهم، نصف الطلاب في الفصل في مدرسة حسنة السمعة.

    أما إذا ذهبنا إلى مدارس من طراز آخر من نوع آخر فلكم أن تتصوروا كيف هي النتيجة، أبناء من هؤلاء؟ من أي البيوت خرجوا؟ من أي الأسر أصبحوا؟ أليسوا أبناءنا الذين يصلون معنا في المساجد! أليسوا أبناء من يصلون العشاء والمغرب في جماعة المسلمين في المساجد، أبناء من هؤلاء؟ يبلغ الواحد سن البلوغ ويزيد وهو لا يعرف كيف يتوضأ.

    أخبرني المدرس ذاته بأن صلاة الظهر تقام في ساحة المدرسة، فيسألهم المدرس بعد الفراغ من الصلاة: الذي صلى من غير وضوء يرفع يده؟ فترتفع أيدي لا يحصيها في ذلك المقام إلا الله، أيدي كثيرة، يصلي أبناء كبار بلا وضوء إما لأنهم لا يعلمون أن الصلاة لا بد لها من وضوء، وإما لأنهم وللأسف لا يرغبون، ولكنهم يجدون أنفسهم مضطرين لأن يصلوا مع الناس، أبناء من هؤلاء؟ إنهم أبناؤنا، عندما نتكلم نتكلم مع أنفسنا، لا نتكلم مع آخرين، عندما نتحدث وننتقد ننتقد أنفسنا لا ننتقد آخرين، إن العيب كل العيب أن يظن الواحد بأن هذا الحديث موجه لغيره، بل هو موجه لك أنت قبل غيرك، مهما كان صلاحك.

    علماء الشريعة يقررون بأن الأمر للأبناء بالصلاة واجب وفريضة، يجب على الناس أن يأمروا أبناءهم بالصلاة، الولد قبل البلوغ لا يجازى بسيئاته وإن كان يجازى بحسناته، تكتب له الحسنات، ولا يؤاخذه الله عز وجل بالسيئات!

    لكن الأب والأم وولي الأمر مأمورون أمر إيجاب وفرض من الله تعالى بأن يأمروهم بالصلاة: ( مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر )، فإذا فرط الوالد في هذه الكلمة وهي كلمة: صلّ يا ولد! إذا فرط الأب في هذه الكلمة ولم يأمر ولده بالصلاة فقد وقع في ذنب عظيم، وقع في تقصير عظيم، فرط في الأمانة التي أوكلها الله -عز وجل- إليه، هذا الولد جوهرة نقية، جوهرة طاهرة يسوقها الله -عز وجل- إليك، ثم هو سبحانه وتعالى سائلك عنها، محاسبك عليها، كيف لطختها؟ كيف سودتها؟ ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ).

    الابن في زمن الصغر نظيف، طيب المعدن، طاهر الفطرة، أنت الذي تلوث هذه الفطرة، أنت الذي تسعى لانحراف هذا الولد، أنت الذي تتسبب في إيقاعه في أنواع المصيبات وأنواع المعاصي، أنت وليس غيرك، أنت ويشاركك اليوم كثيرون، لكن المسئولية الأولى ملقاة على عاتقك، ( مروا أولادكم بالصلاة لسبع )، وهب أن الواحد منا كان آمراً لنفسه، آمراً لبنيه في بيته، لكنه يرى أبناء أقاربه، يرى أبناء جيرانه، يرى أبناء عشيرته وهم لا يصلون، أترى أن الواجب ساقط عنه؟ وحسبه أن يقول: نفسي نفسي! لا والله، نفسي نفسي هذا مبدأ يقال يوم الحشر، يوم العرض على الله، أما في هذه الدار فإن الواحد منا مخاطب بأن يصلح نفسه ما استطاع، وأن يصلح غيره ما استطاع؛ ولذلك يقرر العلماء أنك إذا وجدت أبناء المسلمين، أطفال المسلمين أمامك في الطريق وأنت ذاهب إلى المسجد، إذا رأيتهم وهم يلعبون في الطرقات لا يصلون، فإنه يجب عليك أيضاً أن تأمرهم بالصلاة، وإن كانوا هم لا يحاسبون، وإن كانوا هم لا يؤاخذون، لكنك مؤاخذ؛ لأن الإنسان المؤمن مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

    لقمان عليه السلام كانت أول الوصايا في باب إصلاح الأعمال الظاهرة: إقامة هذه الفريضة، يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ [لقمان:17] ، إذا قام هذا العمود قام سائر البناء، وإذا سقط هذا العمود سقط سائر البناء، أترانا قمنا لله عز وجل بهذا الواجب أم لم نقم؟

    ثم يوصيه وصية عامة جامعة، فيها الأمر بكل خير والنهي عن كل شر، يقول له: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ [لقمان:17] ، كل معروف مر به، ومعنى هذا الكلام: أنه ينبغي أن تفعله قبل أن تأمر به، فكأنه يقول له: يا بني! لا تترك خصلةً من خصال المعروف تقدر عليها إلا وافعلها، ولا تترك خصلةً من خصال الشر تقدر على اجتنابها إلا واجتنبها، وإذا فعلت هذا في نفسك فاحرص على أن تدعو غيرك إلى هذا.

    وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [لقمان:17] ، هذا هو المبدأ الثاني من مبادئ التربية: إصلاح الأعمال الظاهرة.

    إصلاح المعاملة مع الناس

    ثم التفت إلى الأصل الثالث في التربية: وهو إصلاح المعاملة بين الولد وبين الناس من حوله، كيف يعامل أبويه؟ كيف يعامل جيرانه؟ كيف يعامل زملاءه؟ كيف يعامل أصحابه في الدراسة، أو أصحابه في العمل؟ ما هي الحقوق التي ينبغي أن يؤديها للناس من حوله، حقوق المجتمع، حقوق الأقارب، حقوق الأرحام، كيف يتعامل مع من حوله؟ يقول له: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان:18] .

    إصلاح المعاملة مع النفس

    ثم ينتقل بعد ذلك إلى الأصل الرابع من أصول التربية: وهو المعاملة مع النفس، كيف تتعامل مع نفسك أنت؟ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:19] .

    التربية يا إخوان! وإصلاح الأبناء ليس أمراً هامشياً في حياتنا، ليس أمراً ثانوياً، إنه من آكد المهمات التي من أجلها خلقنا الله عز وجل، ولا عجب بعد ذلك أن يخلد الله عز وجل ذكر لقمان صاحب الحكم الكثيرة، لكنه لم يخلد له من هذه الحكم ولم ينقل لنا من هذه العبر إلا جانب تربيته لولده؛ لأهمية هذا الأصل، والاعتناء بهذا الجانب.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    أهمية العناية بالصغار وحسن تأديبهم ورعايتهم

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    إخوتي في الله! مبدأ الوصايا بالأولاد (الوصايا بالصغار)، وحسن تعليمهم وتربيتهم وتوجيههم مبدأ نبوي أصيل.

    النبي صلى الله عليه وسلم لم يهمل الاعتناء بالوصايا لصغار الصحابة، الصغار أقارب كانوا أو أباعد، كان يوصي الشباب والصغار بوصايا عظيمة، كلنا نحفظ الحديث العظيم في وصيته لـابن عباس : ( إني أعلمك كلمات )، ثم علمه هذه الكلمات العظيمة: ( احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف )، وصية عظيمة يوجهها لطفل قبل البلوغ، وعمره ثلاثة عشر عاماً.

    وفي حديث آخر يوصي ابن عمر وهو من صغار الصحابة أيضاً، يقول له: ( كن في الدنيا كأنك غريب )، يعني: لا تتوطن ولا تسترسل في حب الدنيا والركون إليها، ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل )، فكان ابن عمر كل صباح يقول: ( إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ).

    ويعلم ولده الحسن رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فيقول له: ( إذا أوترت فقل: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت )، إلى آخر الدعاء.

    وما أكثر الأحاديث التي يعتني فيها عليه الصلاة والسلام بتوجيه الوصية للصغار.

    لا عجب بعد ذلك أن ينمو الصغار على خوف الله، لا غرابة أن ينمو الصغار بعد ذلك على الحرص على التقرب إلى الله، وعندما نهمل هذه الوظيفة يكون النشأ على خلاف ما نتوقع:

    وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه

    المربون يقولون: في تعويد الآباء للصغار مراحل يندر جداً -إن لم نقل: يتعذر أو يتعسر- أن ينشأ الولد بعد أخذه هذه المراحل مباعداً للصلاة، هاجراً للصلاة، لكن المشكلة أن الوالدين في غفلة عن هذه المهمة.

    الشرع أمرنا بأن نأمر الصغير بالصلاة لمدة ثلاث سنين، من السابعة إلى العاشرة، وكل يوم نأمره بهذه الفريضة خمس مرات.

    في السنوات الثلاث سنأمره خمسة آلاف وثلاثمائة وعشر مرات، وولدك حريص على طاعتك، حريص على حبك، خمسة آلاف وثلاثمائة مرة تأمره بالصلاة، أتظن بعد ذلك أنه إذا بلغ العاشرة لن يصلي؟ لكنك لم تأمره هذا العدد ولا عشره، لكنك أهملت هذه الفريضة، فلا غرابة أن يصل الولد إلى العاشرة وهو لا يعرف الصلاة.

    ندبنا عليه الصلاة والسلام أن نجعل من صلاتنا في بيوتنا، وقال: ( فإن الله عز وجل جاعل من صلاتكم في بيوتكم خيراً )، صلّ في بيتك، صلّ الفريضة في المسجد مع الجماعة؛ لأنه الله عز وجل أمر بها كذلك، وصل النوافل في بيتك، قال عليه الصلاة والسلام: ( أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة )، الفريضة فقط هي التي تفضل في المسجد وتجب مع الجماعة، أما النوافل فيستحب أن تكون في البيت، لماذا؟ قال: ( فإن الله جاعل من صلاتك في بيتك خيراً )، يراك الأبناء والبنات والزوجة وأنت تصلي، لا بد أنهم سيصلون يوماً من الأيام.

    يا أخي! نحن بحاجة أن نتنبه للوظيفة التي من أجلها خلقنا الله، من أجلها أوجدنا الله، نحن نتعامل مع أبنائنا كما كررت هذه المقالة غير مرة: معاملة الثيران، همنا أن ننمي أجسادهم، همنا أن نوفر لهم وسائل الرفاهة، ووسائل العيش، ونحن مأجورون على هذا إن أحسنا النية، نكد الليل والنهار لتحقيق العيش الرغيد لهم، هم في الليل وسعي وكدح في النهار ومع هذا سعينا بوار، جهدنا هباء؛ لأننا لم نؤدّ ما أراد الله عز وجل منا: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132] ، الرزق عند الله: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ[الذاريات:22]، عليك وظيفة غير هذه الوظيفة، كما قال في الحديث القدسي: ( يا ابن آدم! خلقتك لي، وخلقت كل شيء لك، فبحقي عليك لا تشتغل بالذي خلقته لك عن الذي خلقتك له )، لا تشتغل بالشيء الذي خلقه الله عز وجل من أجلك، وتضيع الذي خلقك الله عز وجل من أجله.

    الوظيفة الكبيرة: إصلاح الأنفس، إصلاح الأبناء، إصلاح البنات، إصلاح الرعية التي استرعانا الله عز وجل إياها.

    من الأمور المضحكة التي سمعتها عن بعض الآباء: أنه جاء ولده يطلب منه اشتراكاً ليشترك في النادي من أجل أن ينحف، فقال له: أنا أسمنك بفلوس وأنحفك بفلوس، وصارت حياتنا كلها تدور حول هذا، مرةً نعمر هذا الجسد ونلبسه، ومرةً نداويه ونصلحه، وأموالنا كلها تدور حول هذا المعنى، ويبلغ الولد بعد ذلك سن البلوغ ويتزوج وهو لا يدري شيئاً من أحكام الطهارة والصلاة.

    في هذه البلاد يخبرني أحد أئمة المساجد أنه جاءه شاب بعد الزواج بسبعة أشهر، يخبره بأنه إذا جامع زوجته يتوضأ وضوء الصلاة ثم يذهب يصلي؛ وهذا لأنه فيه خير فهو يذهب ويصلي، وإلا فكثيرون لا يصلون، لكن لأن فيه خيراً يتوضأ ولا يدري أن الرجل إذا جامع زوجته عليه أن يغتسل، سبعة أشهر حتى ألهمه الله أن يسأل إمام المسجد.

    مصائب وكوارث في بيوتنا ونحن لا نشعر، وأنا أقولها بصراحة بدون محاباة: لا نشعر لأنه هان علينا الدين، لا نشعر لأننا لا نقدر المصيبة في الدين حق قدرها، لا نشعر لأننا لا نفهم، لا ندرك ما معنى أن يصاب الإنسان في دينه، إذا أصيب الإنسان بشيء في البورصة ذهبت عليه مئات الآلاف أو الملايين جن جنونه، فرأيته يسهر الليل حتى الصباح، وأصيب كثيرون منهم بحالات نفسية، لكنه لا يتحرك لهم ساكن، ولا تحمر لهم وجوه، ولا تنتفخ لهم أوداج، وهم يرون دين الله عز وجل يضيع في أنفسهم في أبنائهم وبناتهم.

    لا نستشعر مدى المصيبة في الدين، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في الحديث الذي نردده جميعاً في صلواتنا -لكنها كلمة تخرج من اللسان- ( ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا غاية رغبتنا )، ونحن نكد في الاتجاه المعاكس لهذا الدعاء بكل ما أوتينا من قوة.

    نحن أيها الإخوة! بحاجة أن ندق أجراس الخطر في بيوتنا، نحن المسئولون أولاً عن أبنائنا وبناتنا، صحيح أنه يشاركنا في المسئولية آخرون، لكن العبء الأول ملقى على عاتقنا، الخطوات الأولى للتربية والتعليم تبدأ في بيوتنا، فليتقِ الله كل واحد منا، وليؤدِّ شيئاً من هذا الواجب بقدر الاستطاعة، ويتوجه إلى الله تعالى بعد ذلك بالدعاء والسؤال والرغبة أن يصلح له أولاده، وسيرى أثر هذا بعد ذلك في حياته.

    نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

    اللهم يا حي! يا قيوم! برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

    اللهم اغفر لمن حضر هذه الجمعة ولوالديه، وافتح للموعظة قلبه وأذنيه، أنت ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم انصر عبادك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين.

    اللهم صلّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    صفة لقمان الحكيم

    كان لقمان عبداً أسود، جاء في أخبار العلماء عنه أنه من الرجال السود من رجال الحبشة أو من رجال النوبة، عاش في بلاد إسرائيل -أي: في الشام- كان متواضع الحرفة نجاراً، دميم الخلقة، لا يسر النظر إذا نظر إليه، وقد رأى رجلاً ينظر إليه ويمعن النظر فيه، فأجابه رحمه الله ورضي عنه قائلاً: إن كنت تراني أسود فإن ما بجوفي أبيض، ولا تنظر إلى غلاظ شفتي! كان كبير الشفاه، كما هي الحالة في هذا النوع من البشر الذين خلقهم الله -عز وجل- على هذه الهيئة، يقول له: لا تنظر إلى عظم شفتي! وانظر إلى الكلام الرقيق الذي يخرج من بينهما!

    ليست العبرة بصفاء اللون! ولا بجمال المنظر، ولا بحسن الهيئة، العبرة بما يقوم في القلب من اعتقادات، وبما ينشأ عن هذه القلوب من أخلاق وأعمال وتصورات، ( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم! ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم )، وقد ذم الله أقواماً في كتابه بأنهم: إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ [المنافقون:4] ، كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [المنافقون:4]، طوال، عراض، حسنو المظهر والمنظر، لكنهم أبدان بلا قلوب، أموات في صورة الأحياء، يتحركون في غير مراد الله، فلا تعجبك أجسامهم، ولا تعجبك أموالهم، ولا تعجبك أولادهم؛ لأنها ليست هي التي أرادها الله -عز وجل- من عباده، فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [التوبة:55] .

    لقمان كان على خلاف هذا، فقد كان رجلاً شديد سواد اللون، كبير الشفاه، فقيراً متواضعاً في مهنته، لكن نظر الله عز وجل إلى قلبه فوضع فيه الحكمة، وقص علينا سبحانه وتعالى طرفاً واحداً من هذه الحكمة، وإلا فما أكثر الحكم التي نقلت عنه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    3015937804

    عدد مرات الحفظ

    723749613