إسلام ويب

فضل حج بيت الله الحرامللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحج ركن من أركان الإسلام، أوجبه الله على المستطيع القادر، وهو واجب على الفور في الصحيح من أقوال العلماء، وله مزية وفضل على غيره من الأعمال، فينبغي المبادرة إلى أدائه، والحذر من التقصير فيه عند القدرة.

    1.   

    الحج رصيد من الحسنات وتكفير للسيئات

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    إخوتي في الله! كنت قد أعددت في نفسي خطبة ولكن في اللحظات الأخيرة تذكرت أن من حسن إسلام المرء اشتغاله بما يعنيه، بل من تمام إيمانه وكمال إسلامه أن يشتغل بأهم ما يعنيه، والقربات عند الله درجات، منها الواجب ومنها المستحب، والواجبات درجات ومراتب، جعل الله عز وجل بعضها أركاناً لهذا الدين العظيم، وبعضها مكملات له ومتممات لحسنه، ومن ثم اخترت أن أذكر الناس بحج بيت الله العتيق، هذه الفريضة العظيمة فريضة بإجماع أمة محمد، وبنص كتاب الله، وبنص أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، أما الكتاب فقد قال فيه سبحانه وتعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97]، وأما السنة فأحاديثها كثيرة مستفيضة، منها: ( جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم، حجي عنه )، قال ابن عباس : وذلك في حجة الوداع، الرجل الكبير لا يستطيع أن يثبت على الراحلة لكنه يجد من المال ما يمكن أن يحج به عنه، فيجب عليه أن يأمر من يحج عنه. (فريضة الله على عباده في الحج). هذه الفريضة باب من أبواب الخير، شرعها الله لما فيها من العائد على هذا الإنسان، أما الله فإنه قد قال عن نفسه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15]، وفي آخر آية الحج، قال: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97]، من لم يؤد هذه الفريضة فإنما يضر نفسه، ولا يضر الله شيئاً: فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97]، إذا كنا نحرص على الحسنات، ونبحث عنها، فإن فريضة الحج فيها من الحسنات ما لا يحصيه إلا الله، جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله عما له من الثواب في الحج، فقال له: ( أما خروجك من بيتك تؤم البيت الحرام، فإن لك بكل وطأة تطؤها راحلتك يكتب الله لك بها حسنة، ويرفع عنك بها سيئة )، بكل وطأة تطؤها الراحلة يقول العلماء المعاصرون عنها: بكل دورة لعجلة السيارة، يكتب الله لك بها حسنة، ويحط بها عنك خطيئة، ثم قال له: ( وأما وقوفك بعرفة فإن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الموقف الملائكة، ويقول: هؤلاء عبادي، جاءوني شعثاً غبراً من كل فجٍ عميق، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، ولم يروني، فكيف لو رأوني؟ قال عليه الصلاة والسلام: فلو كان عليك مثل رمل عالج )، وهو جبل من الجبال العظيمة، ( أو مثل أيام الدنيا، أو مثل قطرات المطر ذنوباً لغسلها الله عز وجل عنك )، وأما حلقك لرأسك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة، وأما رميك الجمار فإنه مدخور لك، يعني: لا يعلم ثوابه إلا الله، وأما طوافك للبيت، فيقال لك: طف واستقبل ما بقي، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فتخرج كيوم ولدتك أمك، هذه فريضة الحج، كلها حسنات، كلها مبرات، كلها تكفير للسيئات.

    الحج من أعظم أسباب تكفير الذنوب والسيئات

    بكى عليه الصلاة والسلام كما روي عنه في الحديث عند الحجر الأسود، فاستغرب عمر من بكائه، قال: (هاهنا يا عمر تسكب العبرات)، في تلك المواطن يقيل الله عز وجل العثرة، ويمحو الزلة، ويعظم الحسنة، إذا كنا نبحث عن المغفرة في سائر أعمالنا، فإن أعمال الحج جعلها الله عز وجل أعظم أسباب التكفير عن الذنوب والسيئات، وفيها ما ليس في غيرها من أنواع التكفير، فيها تكفير المظالم بين الناس بعضهم بعضاً، المظلمة التي وقعت منك لأخيك، ولم تقدر على التحلل منها يغفرها الله عز وجل بالحج. ألف العلماء كتباً خاصة مثل: (قوة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج)، يتناول هذا الموضوع، فالإنسان بعد الحج يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، جاء في الحديث الذي رواه البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنه، وقواه الحافظ ابن حجر وغيره من أهل العلم، قال: ( لما كان غداة يوم النحر وقف عليه الصلاة والسلام بعد صلاة الفجر في مزدلفة عند المشعر الحرام يدعو الله تعالى أن يغفر لأمته، قال الله له: أما الذنوب التي بيني وبينهم فقد غفرتها لهم، وأما التبعات -يعني: المظالم بينهم- فلا، فقال عليه الصلاة والسلام: يا رب! إنك قادر على أن تثيب المظلوم خيراً من مظلمته، وتعفو عن الظالم )، أي: قادر على أن تعوض هذا المظلوم بخير مما وقع عليه من الظلم وتعفو عن الظالم، قال سبحانه وتعالى: ( قد فعلت )، يعني: غفرت للظالم، وأعطيت المظلوم بدلاً عن مظلمته، (قال الراوي: فتبسم عليه الصلاة والسلام، فسأله الصحابة: مم تتبسم؟ قال: من عدو الله إبليس، لما رأى ما رأى من مغفرة الله عز وجل لعباده جعل يحثو التراب على رأسه ويدعو بالويل والثبور).

    تميز الحج على غيره من الأعمال

    عباد الله! الحج فيه ميزة ليست في غيره من الأعمال، يخرج الإنسان من حجه إذا كان حجه مبروراً، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وخرج من حجه كيوم ولدته أمه )، هذه ميزة ليست في غيرها من الأعمال، يخرج بصفحة جديدة بيضاء كيوم ولدته أمه، فعجيب بعد ذلك كيف يعرض الإنسان الصحيح القادر عن أداء هذه الفريضة، وغريب أيضاً كيف يتكاسل من كان يجد السعة والقدرة على الوصول إلى هذه المبرات ثم يتكاسل عنها، أخبر عليه الصلاة والسلام بأن أفضل الأعمال لما سأله الرجل: ( أي الأعمال أفضل يا رسول الله؟! قال: إيمان بالله ورسوله، قال: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيله، قال: ثم ماذا؟ قال: حجة مبرورة تفضل سائر الأعمال كما بين المشرق والمغرب )، قال أهل العلم: كناية عن بعد الثواب بين الحج وبين غيره من الأعمال، تفضل سائر الأعمال كما بين المشرق والمغرب، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام بأن الحج فيه منافع مادية على الإنسان، ( تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد )، الحجاج والعمار ضيوف الله، وفد الله دعاهم لما قال لإبراهيم : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [الحج:27]، دعاهم فأجابوه قائلين: لبيك اللهم لبيك، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم، فدعاؤهم مستجاب، وهم في خير ضيافة، حتى يرجعوا إلى أهلهم كما أخبر عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر بأن ( ثلاثة كلهم ضامن على الله )، يعني: كلهم في حفظ الله، وكلهم في كلاءة الله ورعايته، ( ومنهم: الحاج في ضمان الله منذ أن يخرج من بيته وحتى يرجع إليها )، في كلاءة الله، وهو في المشاعر في ضيافة الرحمن سبحانه وتعالى، إذا دعاه أجابه، وإذا سأله أعطاه، بل أخبرتنا النصوص بأنه يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج، يغفر له ولكل أحبائه الذين استغفر لهم، هذا هو الحج، فغريب بعد ذلك أن يتكاسل عنه المستطيع.

    أخبرنا عليه الصلاة والسلام بأن بين الإنسان وبين الحج عوائق قد تعوقه، اليوم هو قادر لكنه لا يدري ما الذي يكون غداً، ولذلك صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( من أراد الحج فليتعجل قبل أن تضل الضالة، وتعرض الحاجة، ويمرض المريض )، من أراد الحج فليتعجل، وقال: ( قبل أن يمرض المريض )، والمريض مريض كيف يمرض، إنه لا يريد المريض حقيقة، ولكنه يريد الإنسان الصحيح، فكأنه قال: فقد يمرض الصحيح، ولكن سمى الصحيح مريضاً؛ لأنه وإن كان اليوم صحيحاً فإنه غداً سيكون مريضا،ً فسماه باعتبار ما يئول إليه الحال، وباعتبار ما يكون في الغد، فمهما بلغت بك القوة والصحة فإنك لا تأمن العوارض التي تكون غداً، قد يمرض المريض، وتضل الضالة، يعني: الشيء الموجود اليوم قد لا يوجد غداً، وتعرض الحاجة، وتكثر الشواغل، فيصاب الإنسان بالحرمان من الحج بعد أن كان متمكناً منه.

    1.   

    فورية الحج

    أيها الإخوة! الحج واجب على الفور، وهذا الذي يدعونا دائماً أن نتحدث عن الحج، إذا كنا نتحدث عن الواجبات والفرائض والحسنات فإن الله أخبرنا في الحديث القدسي بأن العبد لا يتقرب بشيء أحب إليه سبحانه وتعالى من أداء الفرائض، قال سبحانه: ( وما تقرب إليّ عبدي بأفضل مما افترضته عليه )، فأفضل ما يتقرب به الإنسان أن يؤدي الفرائض التي فرضها الله عز وجل عليه، الحج فريضة على المستطيع في العمر مرة، وهذه الفريضة على الفور، هذا مذهب جمهور الأمة: أنه يلزم الإنسان المستطيع بماله وبدنه أن يحج فوراً، فإذا كان لا يستطيع ببدنه لكنه يستطيع بالمال وجب عليه أن ينيب من يحج عنه، فإذا كان مستطيعاً بماله وقت خروج الناس للحج، يعني: وقت تسجيل الناس اليوم للحج، فإنه يلزمه فوراً أن يبادر بالحج إذا كان يجد ما يزيد عن نفقة نفسه، ونفقة من تلزمه نفقته من أبناء وبنات وزوجة مدة الحج، ذهاباً وإياباً، إذا كان واجداً لما زاد عن المسكن الذي يحتاجه، والمركب الذي يحتاجه، إذا كان واجداً للزاد والراحلة، فقد فسر النبي عليه الصلاة والسلام الاستطاعة لما سئل عنها، فقال: ( الزاد والراحلة )، إذا وجد الإنسان ما يكفيه ويكفي من تجب عليه نفقته، ووجد ما يكفي لسداد الديون الحالة، وجد زائداً على ذلك ما يحج به فإنه لا يجوز له أن يؤخر الحج عن عامه هذا، وبعض العلماء جوز أن يؤخر الحج إلى سنة قادمة لكن بشرط أن يأمن الإنسان من الموت قبل الحج، وهل يستطيع الإنسان أن يأمن على نفسه أن يموت قبل أن يحج؟! هذا مذهب واحد من المذاهب الأربعة، فمذهب الشافعية: أنه يجوز تأخير الحج عن سنة الاستطاعة إلى السنوات التالية، لكن بشرط أن تكون آمناً من الموت قبل الحج، ومن ذا الذي يقدر على تحقيق هذا الضمان، فاتفقت إذاً كلمة الناس أن من كان قادراً على الحج ما جاز له أن يؤخر الحج عن عامه، فيموت بغير حج، والموت أقرب من كل قريب، من مات بغير حج مات على إثم عظيم، مات على موبقة كبيرة، بل قد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه مات كافراً والعياذ بالله، هذه إحدى الروايات عن الإمام أحمد: أن من مات ولم يحج بعد أن قدر عليه مات على غير الإسلام، هكذا قال عمر رضي الله تعالى عنه قال: (لقد هممت أن آمر رجالاً بأن يذهبوا إلى هذه الأمصار فينظروا من وجدوا فيها لم يحج، وقد استطاع أن يضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين)، وصح عنه رضي الله عنه أنه قال: (من مات ولم يحج وقد وجد لذلك سعة فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً)، يمت وليتخير أي موتة شاء على اليهودية أو النصرانية، أما الإسلام فلا، هذا مذهب لبعض أهل العلم أن من قدر على الحج ولم يحج فإنه مهدد بالموت على غير الملة، وهكذا ختم الله آية الحج قال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97]، (من كفر)، أي: لم يؤد هذه الفريضة: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97]، الأمر جلل، والخطب عظيم، لكل من استطاع ثم تهاون في أداء هذه الفريضة، أما من كان قد أداها فإنه ينبغي له أن يسارع إلى ما فيها من الخيرات، وهذا ما ستسمعون بعضه في الخطبة التالية.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    المبادرة إلى العمل الصالح حسب مرتبته في الأجر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    إخوتي في الله! الأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله تعالى مراتب، ولا شك أنه ينبغي للإنسان العاقل أن يحرص منها على الأكبر فالأكبر، من قدر على نوافل الأعمال فإنه ينبغي له أن يتخير منها أجلها وأكبرها وأعظمها، وهذا فهم الصالحين من قبلنا، فهم أصحاب رسول الله، إذا قرأتم أحاديث رسول الله التي قالها أجوبة عن الأعمال لأصحابه لرأيتم السؤال دائماً: ما أحب الأعمال إلى الله؟ ما أفضل الأعمال إلى الله؟ دلني على عمل يدخلني الجنة، كانوا يسألونه عن أفضل العمل، أحب العمل إلى الله، أكثر العمل ثواباً، وكانت الإجابات تتنوع وتختلف باختلاف حال السائل، فالقادر على الجهاد كان عليه الصلاة والسلام يخبره بأن أفضل الأعمال جهاد في سبيل الله، والقادر على الإنفاق كان يخبره بأن أفضل الأعمال أن ينفق ماله في سبيل الله، والعاجز عن هذا وذاك كان يخبره بأن أفضل الأعمال بذل السلام، وإطعام الطعام، وبعضهم يخبره بأن أفضل الأعمال أن يسلم الناس من لسانك ويدك، فكانت الأجوبة تختلف باختلاف حال السائل، يتخير له النبي عليه الصلاة والسلام من العمل ما يناسب قدرته، ويكون أكثر ثواباً له، القادر على الحج لا ينبغي له أبداً أن يتوانى عنه إذا كان قادراً عليه، إنما وقع الخلاف بين العلماء فيمن خير بين أمرين: إما أن يبذل ماله للصدقات على المحتاجين، أو الجهاد في سبيل الله، وبين أن يحج، ففضل كثير من أهل العلم بذل المال في الصدقات، وبذله في الجهاد؛ لأن النفع متعدٍ إلى الغير، والحج عملٌ قاصر على ذاته وعلى نفسه، وإذا كان الإنسان لا يقدر على هذا ولا ذاك فينبغي له ألا يتوانى عن أداء هذه الفريضة العظيمة، وهي فريضة تتكرر في العام مرة، وأصبحت تأخذ منا أياماً كان الناس يتسابقون إلى الحج ويمضون عاماً كاملاً في الرحلة، ستة أشهر ذهاباً، وستة أشهر إياباً، وإلى زمن قريب قبل مائة عام أو أقل كان المسافر يسافر فيقضي بالأشهر، والعلماء كانوا يمرون بالبلدان والأمصار ويسجلون لنا كتباً تسمى رحلة الحج، الأمصار التي قطعها خلال الرحلة، والدروس التي أداها، والفتاوى التي أفتى بها خلال عامٍ كامل خرج من بلده حتى رجع إليه ليؤدي هذه الفريضة في ثلاثة أيام، نحن اليوم نؤديها في ثلاثة أيام، نذهب قبل الحج بيوم، ونرجع في آخر أيام الحج، ومع ذلك يتكاسل كثير منا إلا من رحم الله، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث: ( عبد أصححت له جسمه، ووسعت له في رزقه، ثم تمر عليه خمسة أعوام لا يفد إلي محروم )، أي: من كان لديه صحة في الجسم، وسعة في الرزق، وإمكان من أداء الحج، ثم تمر عليه الخمس السنوات ولا يحج، محروم؛ لأنه فوت على نفسه كل هذه الفضائل.

    لو لم يكن في الحج إلا أن ترجع بصفحة جديدة لعام جديد لكان حري بكل عاقل أن يبذل النفس والنفيس في سبيل الوصول إلى الحج، لو لم يكن في الحج إلا أن تضمن فيه أن تدخل الجنة بغير سابقة عذاب، لكان حري بك أن تسعى بكل ما أوتيت من جهد وطاقة لأن تحج، هكذا قال عليه الصلاة والسلام: ( والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة )، ما معنى هذا الكلام؟ كل أهل الإسلام يدخلون الجنة، عاجلاً أو آجلاً، قبل سابقة العذاب أو بعدها، ولكن للحج مزية كما قال شراح الحديث: إن الحج يأبى إلا أن يأخذ بيد صاحبه منذ أن يخرج من قبره حتى يدخل الجنة من غير سابقة عذاب، مأمون عليه أن يقع في عذاب الله، أن يقع في سخط الله إذا كان الله قد رزقه في عمره حجة مبرورة، ( والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ).

    إننا أيها الأحباب! في حاجة إلى أن نتدبر أمورنا، ونتعقل طاعاتنا، نقدم منها الأهم، ونؤخر منها المفضول، حتى نحضى بثواب الله.

    ما يفعله من لم يستطع الحج

    نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، إن من عاجل ثواب الله عز وجل للناس أن فتح لهم أبواباً ينالون منها ثواب الحج إذا علم الله منهم صدق الرغبة في أداء هذا العمل مع عدم القدرة إليه، فتح الله عز وجل أبواباً ينال بها الإنسان هذا الثواب.

    أول هذه الأبواب صدق النية، فمن علم الله منه صدق النية والرغبة في أن يحج ولكنه لم يقدر فإنه موعود بمثل ثواب الحاج، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله مالاً وعلماً، فهو يعرف لله فيه حقاً ويصل به رحماً، فهو في أعلى المنازل )، والثاني: ( ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو يقول: لو أن لي مالاً لفعلت كما يفعل فلان، قال: فهما في الأجر سواء )، فهو بنيته، وأخبرهم عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين بعد أن خرجوا للغزو، فقال: ( إن خلفكم بالمدينة رجالاً ما نزلتم منزلاً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم العذر )، هذا أول الأبواب لنيل ثواب الحج لمن لم يقدر عليه، العزم الصادق على فعله، فإنه موعود بمثل ثواب الحج.

    وجعل الله بعض الأعمال ثوابها ثواب الحج، فأخبر بأن من صلى العشاء في جماعة كان له أجر عمرة، ومن صلى الغداة في جماعة كان له كأجر حجة، ومن خرج من بيته متطهراً إلى المسجد من أجل أن يصلي نافلة كتب له أجر عمرة، وأخبر بأن من صلى صلاة الفجر في مصلاه جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجةٍ وعمرة تامة تامة تامة، وأخبرنا علماء السلف وفقهاء هذه الأمة بأن من أفضل ما يتقرب به إلى الله ترك الحرام، فقال أحدهم: ترك دانق -دانق يعني سدس الدرهم شيء لا يسمى- من الحرام أحب إليّ من خمسين حجة نافلة، فينبغي للعبد أن يتفقد أعماله التي كلفه الله بها، فيقدم ما قدم الله، ويؤخر ما أخر الله، يقدم الواجب، سواءً كان واجب الفعل أو واجب الترك، ثم يأتي بعد ذلك إلى المستحب، وبسلوكه هذا الطريق يصل إلى الله، قال سبحانه: ( وما تقرب إليّ عبدي بأفضل مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه )، نسأل الله أن يرزقنا حبه، وأن يبلغنا ما يرضيه عنا.

    اللهم يا حي يا قيوم! برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

    اللهم اغفر لمن حضر هذه الجمعة ولوالديه، وافتح للموعظة قلبه وأذنيه، أنت ولي ذلك والقادر عليه، اللهم انصر عبادك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم أعنهم ولا تعن عليهم، وانصرهم ولا تنصر عليهم، اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك يا قوي يا عزيز.

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015677883

    عدد مرات الحفظ

    723713293