إسلام ويب

حجاب المرأةللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حرصت الشريعة الإسلامية على المرأة وتربيتها وإبعاد المفاسد عنها، فشرع لذلك الحجاب صيانة لها وحفاظاً على عفتها وطهرها، فهو فريضة واجبة عليها، ولا يألوا أعداء الإسلام جهداً في محاربة الشريعة، ومن ذلك معركتهم مع الحجاب وشبهاتهم الباطلة التي تصدى لها العلماء وردوا عليها.

    1.   

    الحرب على الحجاب حرب لا تنتهي

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    إخوتي في الله! روى الإمام أبو داود و النسائي و أحمد وغيرهم، من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ليشربن أناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها ) هذا الإنسان ما دام فيه إيمان وما دام فيه تصديق بلقاء الله ووعده ووعيده، فإن الذنب والمعصية يظلان يطاردانه في سائر أحواله، إذا وقع في المعصية فإن القلق والهم والحزن يعتريه من داخله، ومن ثم فإنه معرض للتوبة، وليس عجيباً أن يقع المسلم في الذنب وليس عجيباً أن يقع المسلم في الكبيرة والموبقة والخطيئة، فإن الله خلق الإنسان ليذنب ثم يتوب، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ) خلق الله عز وجل العوالم على أنواع، منهم من ميزه بالعقل بلا لذة كالملائكة، فهؤلاء لا يتصور منهم ذنب، ولا تقع منهم خطيئة، وهناك عوالم ميزها الله وأعطاها اللذة بلا عقل، فهؤلاء رُفع عنهم التكليف جملة، وهذا الإنسان أعطاه الله عقلاً يميز به الصواب والخطأ، وأرسل إليه الرسل، وأنزل إليه الكتب، وغرس فيه اللذة ليقوم الصراع في هذه الدنيا بين داعي العقل والشرع، وبين داعي اللذة، فإما أن يستجيب للذته، وإما أن يستجيب لدينه وشرعه، وأحياناً يقع في الزلل والخطأ، فيتوب ويرجع، فيتوب الله عز وجل عليه، ما دام يقر بأن الذي فعله خطيئة وما دام يعترف بأنه مخالف وما دام موقناً في قرارة نفسه بأنه عاص، لكن لما تتغير المفاهيم وتنعكس الرؤية، ويصبح الفسوق براً، وتصبح المعصية طاعة، ويصبح الفرض حراماً، كيف يُتصور بعد ذلك أن يتوب المسيء؟! وكيف يُتصور بعد ذلك أن يتوب الظالم؟! كيف يُتصور بعد ذلك أن يرجع الناس إلى الهدى والرشاد؟! ما داموا يعتقدون بأن الذي يفعلونه هو الصواب، وأن الذي يفعلونه هو الدين، وأن الذي يفعلونه هو الذي يقربهم إلى الله ويرفعهم درجات.

    هذه الحيلة النفسية أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بأن أقواماً وقعوا أسرى شهواتهم ولذائذهم، أسرتهم الخمر لكنهم أرادوا أن يشربوها ويريحوا أنفسهم من عذاب التبعات، أرادوا أن يريحوا ضمائرهم من التأنيب، أرادوا أن يريحوا ضمائرهم من المعاتبة، فسموها بغير اسمها، تحيلاً للوصول إلى الراحة من مطاردة الذنب والمعصية، وهيهات.

    وهذا ما حصل مع الحجاب الذي أمر الله عز وجل به النساء، فإن الله كلف المؤمنات بالحجاب كما سنتحدث، لكن لما لم يطب هذا للشيطان، فالشيطان رأس المعركة في مقابلة الحجاب، فإنه داعي العري، وداعي السفور، وداعي المجون، وداعي الرذيلة، كما أن الله عز وجل يدعو إلى الفضيلة، ويدعو إلى دار السلام، ويدعو إلى الجنة، ورسوله عليه الصلاة والسلام بُعث ليتمم صالح الأخلاق، هذان رأسان في هذه المعركة: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا [الأعراف:27] أول المعارك نزع اللباس الساتر لهذا الإنسان، والله سبحانه وتعالى يمتن بأن أنزل علينا لباساً وريشاً، يعني: شيئاً زائداً على اللباس المطلوب نتزين به ونتجمل، فرض علينا أن نستر العورات بما لا بد منه، وشرع لنا بعد ذلك أن نتجمل بما يزيد على العورات من أنواع اللباس الحسن، لنظهر في أحسن صورة، وفي أتم هيئة، وجعل هذا من منته سبحانه وتعالى على عباده، ويبقى الإنسان عرضة لإجابة النداءين، إما أن يستجيب لداعي الهوى والشيطان، وإما أن يستجيب لداعي الفضيلة والرحمن، وهو بالخيار: إما أن يستجيب لهؤلاء، وإما أن يستجيب لهؤلاء، لا عجب أن تقع بعض المسلمات في إجابة داعي الشيطان، فإنهن كغيرهن من أبناء المسلمين عرضة لأن تقع في الذنب والمعصية، لكن يأبى الشيطان وحزبه إلا أن يميتوا في ضميرها أيضاً الشعور بالمعصية، ويأبون إلا أن يميتوا في ضميرها الشعور بالذنب؛ ويأبون إلا أن يقرروا في نفسها أن حجابها حرام عليها، وأنه لا يجوز لها أن تغطي وجهها، وأنها بذلك تخالف دين الله وشرعه، كيف يتصور بعد ذلك أن تتحجب النساء إذا سادت هذه الثقافة في أوساط الناس، بأن النقاب حرام، وأن النقاب بدعة، كيف يُتصور بعد ذلك أن ترجع المرأة السادرة؟ بل كيف يتصور بعد ذلك أن تثبت امرأة على حجابها إذا اقتنعت بهذا؟ هذا أس القضية، إنها حرب مع الشيطان لكنه قد يستخدم بعض العمائم، إنها حرب مع دعاة الرذيلة لكنهم قد يسوقون تجارتهم على بعض المغفلين، ولسنا نحكم على النوايا، ولا نطلع على الضمائر، ولا نعرف ما تخفيه السرائر، لكنها الحقيقة التي نراها على أرض الواقع، ليس هناك شخص يدعو إلى الفضيلة، ويدعو إلى طاعة الله، ويريد أن يُطاع الله ويُحافظ على شرعه ثم يحث النساء على الخروج سافرات في هذا الواقع الذي نحياه، ثم الحجة بعد ذلك أن هذا شيء لم يأمر الله به، وإنما هو من عادات الناس، أنا سأنقل لكم طرفاً يسيراً من أقوال أئمة الهدى في تفسير كلام الله، وفي تفسير كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله أمرنا بأن نرجع إلى الكتاب، وأمرنا بأن نرجع إلى الحديث عند الاختلاف، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ [النساء:59] أين الملاذ؟ أين المفر؟ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59] الحكم هو كتاب الله، الحكم هو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحكم هو شرع الله، لكن كيف نفهم شرع الله؟

    بعد أربعة عشر قرناً من تاريخ الإسلام واستمرار المسلمين على هدي وسيرة وسنة يأتي بعد هذا الزمن المتطاول أناس يدعون بأن الناس لم يفهموا الإسلام كما أراده الله، وأن المسلمين خلال أربعة عشر قرناً لم يفهموا الشرع كما حكم به الله، وكما أراد الله، إذا كان شيء لم يكن هدى في زمن الصحابة، ولم يكن صلاحاً، ولم يكن تقوى في زمن أبي بكر و عمر و عثمان و علي ، فلن يكون هدى وصلاحاً اليوم، إذا لم يكن خيراً عمل به الصحابة فلن يكون خيراً اليوم، هل أمر الله بالحجاب في كتابه؟ هل أمر الله بالحشمة في آيات كتابه، هل أمر الرسول عليه الصلاة والسلام المرأة المسلمة بأن تحتشم وتحتجب؟

    هذا السؤال الذي ينبغي أن يكون جوابه حاضراً بين عيني كل مسلم، فسيأتينا الحديث: من المسئول عن الحجاب؟ لا بد أن يكون جواب هذا السؤال حاضراً بين يدي كل أب، وكل أخ، وكل زوج، حتى يعلم ما دوره في هذه القضية المهمة.

    حكم الشرع في الحجاب ومعركة العلمانيين معه

    هل أمر الله بالحجاب؟

    الجواب: نعم، العلماء في كتب التفسير قاطبة على اختلاف مذاهبهم هناك آية في كتاب الله يسمونها آية الحجاب، وهي قوله سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:59]، (أَدْنَى) يعني: أقرب، (أَنْ يُعْرَفْنَ) يعني: أن يعرفن بأنهن محتشمات، بأنهن عفيفات، بأنهن محتجبات، بأنهن حرائر صينات، إذا عُرفن بهذا فإنه لا يطمع بهن طامع، ولا يتعرض لهن رذيل، ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:59].

    ما المراد بالجلابيب؟ سأنقل لك من كلام المفسرين على اختلاف مذاهبهم الفقهية، أنقل كلام المفسرين من الشافعية، يقول إمامهم البغوي رحمه الله تعالى: الجلباب هو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار. هناك درع وهو القميص الذي يُلبس، وهناك خمار وهو الذي يغطي الرأس، وهناك شيء زائد أُمرت به المرأة فوق غطاء الرأس زائد على غطاء الرأس وزائد على غطاء البدن.

    قال ابن عباس ترجمان القرآن وشيخ المفسرين من الصحابة، و أبو عبيدة : أمر نساء المؤمنين أن يغطين رءوسهن ووجوهن بالجلابيب إلا عيناً واحدة ليعلم أنهن حرائر.

    وقال ابن عطية من المالكية في تفسير الآية: لما كانت عادة العربيات التبذل، والعجيب انتكاس المفاهيم، يقولون: الحجاب عادة. عادة من؟ العرب قبل الإسلام ما كانوا يعرفون شيئاً اسمه حجاب، كانت المرأة تخرج كاشفة عن نحرها، وكاشفة عن شعر رأسها، فنهاهم الله، وقال: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33] الجاهلية لا تعرف حشمة، ولا تعرف حجاباً، ولا تعرف فضيلة، وهي الدعوة التي يدعو إليها أهل الجاهلية اليوم، الدعوة الجاهلية لا تعرف أخلاقاً ولا فضائل، فعادة من إذاً؟ إذا كانت عادة غرسها الإسلام فحيهلا، فإن كل عاداتنا الحميدة جاء بها الإسلام، منها الواجب، ومنها المستحب، فهل مجيء الإسلام بعادة يبرر لأن نتنكر لها، ولأن نتخلى عنها، عادة من إذاً إذا كان الحجاب عادة؟

    إنها عادة إسلامية، جاءت بها الآيات، وجاءت بها الأحاديث، وامتثل لها المسلمون دون تردد ولا ريب، يقول ابن عطية: لما كانت عادة العربيات التبذل، وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء، يعني: الخادمات، ومعلوم لدينا أن هذا الزمن زمن التشريع، كان الخادمات في الغالب ممن لا تشتهى المرأة منهن، ولا يتطلع الرجال إليهن لدمامة الخلقة، لكن الحرائر العفيفات المحصنات هن محل طلب الرجال، يقول: وكن يكشفن عن وجوههن كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكر فيهن، أمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام بإدناء الجلابيب، ليقع سترهن.

    ويقول الزمخشري من الحنفية: ومعنى: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ [الأحزاب:59] أي: يرخين عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن، يقال عند العرب -الذي نزل القرآن بلغتهم، فهو يخاطبه بكلمات هو يعرف معناها، ليس من لاكت العجمة لسانه بعد أربعة عشر قرناً، العربي الذي نزل القرآن يخاطبه بلغته، كيف كان يفهم القرآن- إذا زل الثوب عن وجه المرأة يقال لها: أدني ثوبك على وجهك، إذا خوطبت المرأة بهذا الخطاب وهي عربية فهمت؛ ولهذا قالت أم سلمة وهي تصف نساء العرب اللاتي فهمن هذه الآية بدون تكلف وبدون حاجة إلى تفسير؛ لأنها تعلم معاني هذه الكلمات، تصف أم سلمة النساء صبيحة يوم النزول التي نزلت فيها هذه الآية قالت: فأصبحت نساء المسلمين عليهن السكينة كأنهن غرابيب سود، لا يُرى منهن شيئاً، لما سمعن: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ [الأحزاب:59] علمن ماذا تعني كلمة (يدنين عليهن) قال: يقال إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدني ثوبك على وجهك، وذلك أن النساء كن في أول الإسلام على (هجيراهن) في الجاهلية -هجيراهن يعني: عادتهن، كانت المرأة بعد الإسلام في أول الأمر كما كانت على عادتها قبل أن يأتيها الإسلام- متبذلات تبرز المرأة في درع وخمار، تخرج المرأة من البيت في درع يغطي جسدها، وفي خمار يغطي رأسها، فأُمرت بشيء زائد على ذلك، وهو تغطية الوجه حتى يتجنب الفتنة.

    ويقول صاحب الجلالين وهو من علماء الشافعية المتأخرين في تفسير الآية: أي: يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عيناً واحدة.

    وآخر ما أنقله عن بعض الحنابلة وهو العلامة السعدي رحمه الله من العلماء المعاصرين يقول: هذه الآية التي في سورة الأحزاب تسمى آية الحجاب، أمر الله نبيه أن يأمر النساء عموماً، ويبدأ بزوجاته وبناته؛ لأنهن آكد من غيرهن، ولأن الآمر لغيره ينبغي أن يبدأ بأهله قبل غيرهم. هذا فيه جواب عن شبهة أخرى يرددها بعض الماكرين يقولون: الحجاب خاص بأزواج النبي عليه الصلاة والسلام، فهل أنتم بلغتم طهارة النبي، بلغتم مكانة النبي، بلغتم منزلة النبي، حتى تحجبوا نساءكم كما حجب النبي صلى الله عليه وسلم نساءه؟ إذا كان الأمر فيه تقوى فنحن أحوج إلى التقوى من النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا كان في الأمر طاعة فنحن أرغب إليها وأحوج إليها منه عليه الصلاة والسلام، فقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أُمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يأمر نساءه أولاً ليكون محل قدوة للباقين، ليكون محل ائتساء للباقين.

    وسنة الله جرت كذلك في خلع الحجاب، حتى خلع الحجاب الذين ينادون إلى خلع الحجاب، معركة الحجاب معركة جديدة حديثة، ما عرفها الإسلام خلال ثلاثة عشر قرناً، ألف وثلاثمائة سنة من تاريخ الإسلام ما كان يُعرف أن النساء يخرجن في الشوارع كاشفات عن وجوههن فضلاً عن أن تكشف شعرها أو رقبتها أو ساعدها أو رجلها، وهذا إجماع ينقله بعض الفقهاء، فإمام الحرمين الجويني رحمه الله من الشافعية وكتابه مدون مسطور يقول: أجمع المسلمون على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه، أي: أجمع المسلمون خلال دولهم المتعاقبة على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه، بغض النظر هل هذا واجب عليهن أو لا؟ لكن الإمام له أن يمنع الناس من بعض الأشياء وإن كان مباحاً إذا ترتب عليها مفاسد، وإذا ترتبت عليها رذائل، فكان المسلمون يمنعون النساء من الخروج سافرات الوجوه، وذلك بالإجماع. والنبي عليه الصلاة والسلام بدأ بنسائه ليكون أسوة وقدوة لغيره من المؤمنين، وهكذا فعل أعداء الحجاب.

    معركة الحجاب مع التغريبيين

    معركة الحجاب بدأت عام ألف وثمانمائة وكذا من الثمانينات، قبل مائة وثلاثين عاماً تقريباً، بدأت بالتنظير في كتب، وعاد بعض المحررين الذين يزعمون ذلك، عادوا بعد الدراسة من فرنسا فألفوا كتباً يدعون فيه المرأة المصرية إلى التحرر والتجدد، والتخلي عن عاداتها وأخلاقها التي ورثتها عن الآباء والأجداد، وكتب أول كتاب في هذا الباب تحرير المرأة، ورد عليه مئات العلماء يومها من بقاع الأرض المتفرقة، رد عليه العلماء في الهند، ورد عليه العلماء في المغرب، واعتنى المستعمر بترجمة الكتاب، وترجمه ونقله إلى أصقاع متفرقة في بلاد المسلمين، لكن لم يجد هذا الكتاب قبولاً لدى أهل الإسلام؛ لأن العلماء جميعاً قاموا في وجهه، وفندوه وردوا عليه، وبدأت المعركة تخطو خطوة بعد خطوة، إلى أن جاء زعيم التغيير زغلول ، فبدأ بنفسه وبأهله، وكان أول حجاب نُزع علانية أمام الناس في مصر حجاب هدى شعراوي نزعت حجابها لتكون أسوة وقدوة أمام الآخرين، وهكذا شاءت سنة الله عز وجل أن يكون الداعي إلى الفضيلة هو الأسوة والقدوة أمام الناس، كما أن الداعي إلى ضد ذلك هو الأسوة والقدوة أمام الناس، وبعد هذا الرجل فعل غيره في بلدان أخرى مثلما فعل، بدءوا بأهلهم وزوجاتهم ليكونوا أسوة وقدوة، وهكذا هي السنة، وهذا ما أمر الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم، أمره أن يكون أسوة وقدوة للمؤمنين في هذا الحكم الجلل، وهو ستر المرأة واحتجابها، يقول العلامة السعدي رحمه الله: الآمر لغيره ينبغي أن يبدأ بأهله قبل غيرهم، كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6]، ثم قال في تفسير الآية: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ[الأحزاب:59] وهن اللاتي يضعن فوق الثياب من ملحفة وخمار ورداء ونحوه، أي: يغطين بها وجوههن وصدورهن، هذا موقف مع آية واحدة من الكتاب العزيز، وهناك آيات أخر فيها الأمر بالحجاب، وللعلماء فيها أقوال، منها: قوله سبحانه وتعالى في سورة النور: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31] أُمرن بعدم إبداء الزينة، ولنا بعد ذلك أن نتساءل: ما هي الزينة؟

    الزينة مأخوذة من الزين وهو الحسن، أُمرت النساء بأن تخفي الواحدة منهن محاسنها، ومواطن الافتتان بها، ولا شك عندنا جميعاً أن أحسن ما في المرأة وأزين ما في المرأة وجهها، وهو أكثر المواطن فتنة بها، وإذا لم يكن الوجه هو موطن الزينة والحسن فما بعده دونه بمراحل، فأُمرت النساء بإخفاء الزينة وعدم إبدائها.

    اتخاذ الخلاف بين الفقهاء في الحجاب ذريعة إلى التبرج والسفور

    نعم اختلف العلماء بعد ذلك: هل يجوز للمرأة أن تكشف وجهها أو لا يجوز؟

    بعضهم صرح بجواز كشف الوجه، وهذا الذي يهمنا حتى نكون في مأمن من التلبيس والخلط وتغيير المفاهيم، لكن لم يقل فقيه من فقهاء المسلمين بأن المرأة تتزين وتتجمل وتخرج كاشفة عن وجهها في أحسن حلة وفي أحسن زينة، نحن نتكلم عن الوجه، اليوم لم تقف النساء عند الوجه، والمتبذلات المتبرجات لم يقفن عند الوجه، تجاوزن ذلك إلى ما هو أكثر منه بكثير، وهذه هي العادة أيضاً في هذه المعارك كما قيل: يبدأ العلمانيون من حيث ينتهي الفقهاء، حيث ينتهي الفقهاء ويقررون أنه يجوز للمرأة أن تكشف وجهها، العلمانيون والمغربون والمفسدون يبدءون من هنا، ويرتبون على جواز ذلك جواز غيره، ولم يقل أحد من أهل العلم بأنه يجوز للمرأة أن تخرج وهي وسيلة للفتنة؛ ولذلك يصرحون بأنه يجوز لها أن تكشف وجهها إذا أُمنت الفتنة بها أو عليها، إذا أُمنت الفتنة بها بأن يقع الرجال في الرذيلة، بأن يقع الرجال في المعصية بسببها فلا يجوز، أو الفتنة عليها إذا خشي الاعتداء عليها بسبب تبرجها فلا يجوز لها أن تكشف وجهها، أما الحال الذي نعيشه أن تخرج المرأة متبرجة سافرة متزينة متعطرة متجملة، وكاشفة عما وراء الوجه فهذا ليس له في دين الله أصل، وليس له في كلام الفقهاء أس يبنى عليه، وإنما هو من تغرير المبطلين وتدليس المدلسين، وعلى المسلم أن يكون على فقه وحيطة في دينه.

    نسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    القاعدة الشرعية في المشتبهات

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه.

    أما بعد إخوتي في الله! بهذا التقرير وبغيره يتضح لنا جلياً أن المرأة منهية عن كشف وجهها، وهذا ما عليه أكثر الناس، أو منهية على الأقل عن كشف وجهها عند الفتنة، وهذا الذي يقرره الفقهاء في كتبهم، ومن ثم فإن شرع الله آمر للمرأة بالاحتشام، آمر للمرأة بالاحتجاب، إما على سبيل الوجوب، وإما على سبيل الاستحباب، أما أن يقال: بأن هذا ليس من الدين فهذا محض افتراء على دين الله عز وجل وشرعه، ثم هب على جهة التنزل والافتراض أن المسألة محل خلاف بين الفقهاء، أليس من الحكمة، أليس من الرحمة، أليس من الشفقة، أن تُحث النساء وتؤمر النساء بالأخذ بما يقربهن إلى الله ويباعدهن من المعصية، أليست هذه هي القاعدة الشرعية في كل الأمور التي اختلف فيها الناس، ماذا يقول عليه الصلاة والسلام في الحلال والحرام؟ يقول: ( الحلال بين، والحرام بين ) الحلال واضح، والحرام واضح، ( وبينهما أمور مشتبهات ) المشتبهات فسرها الإمام أحمد بأنها الأمور المختلف فيها، يعني بعض العلماء يقول: حلال، وبعض العلماء يقول: حرام، ( وبينهن أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ) ما هو موقف المسلم الحريص على دينه، الحريص على السلامة أمام هذه المشتبهات، قال عليه الصلاة والسلام: ( فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ) إذا رعيت غنمك في الحمى فإنك لا تأمن بعد ذلك أن تذهب لتقع في المحرم؛ ولهذا شرع الله عز وجل أن نقف بعيداً عن مواطن الحرام، وأن نجعل بيننا وبين الحرام وقاية من المشتبهات فنتجنبها، هذا على سبيل الفرض والتنزل إذا كانت المسألة محل خلاف، أما أن ينبري العلماء، وينبري الدعاة، وينبري المصلحون ليحثوا المرأة على نزع حجابها، وكأنه لم يبق من قضايا المسلمين هم، لم يبق شيء يحول بين المسلمين وبين التخلص من واقعهم المرير إلا أن تكشف المرأة حجابها، وأن تتحول القضية وتنقلب المفاهيم، فهذا من خلط الأوراق، نسأل الله أن يجنبنا الزلل قليله وكثيره.

    1.   

    مسئولية المحافظة على الحجاب

    إخوتي في الله! هنا قضية مهمة ينبغي أن نتذكرها دائماً، وإن كانت على علم لكن يستحب التذكير بها: الحجاب مهمة من؟ من الذي يحافظ على الحجاب؟ من الذي يرعى الحجاب؟ هل الحجاب يوجه إلى المرأة وحدها؟ الجواب: لا، المرأة هي أول من يوجه إليها الخطاب بالحجاب؛ لأنها فريضة وهي متعبدة بها، والله سائلها ومحاسبها عنها، فينبغي لنا أن نبين لها الأحكام الشرعية، وأن نبلغها رسالة الله، وأن نبلغها دين الله كما أراده الله دون غلو ولا تقصير، أن نبين لها الدين كما شرحه الفقهاء والعلماء، لا نريد أن نزايد، فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، وليس بنا داع، وليس بنا حاجة أن نشدد على الناس وهم لم يستطيعوا الوقوف عند الواجبات، واجبنا أن نبلغ كما أراده الله، كما أنزله الله، أما أن يُحرف ويُغير ويُبدل على مرأى منا ومسمع فهذا ما لا يجوز إقراره، ولا يجوز السكوت عليه.

    أول المسئولين عن الحجاب: المرأة؛ لأنها فريضة عليها، وواجب ديني أوجبه الله عز وجل عليها.

    وثاني المسئولين: الولي القائم عليها، كما قال سبحانه وتعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34]، جعلهم الله مفضلين على المرأة بهذا الجانب وهو القوامة، والقوامة يعني: القيام بمصالح المرأة، القيام بما يصلح دين المرأة ودنياها، ينفق عليها، يكسوها، يسترها، يحفظها، يقوم بشئونها، هذا واجبه، قوام على المرأة، ومن القوامة أن يحفظ لها دينها، ومن أهم ذلك أن يأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر.

    وثالث المسئولين عن الحجاب: ولاة الأمر؛ لأن الله سائلهم عن الرعية: ( ما من راع يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عز وجل عليه الجنة )، ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته )، ولاة الأمر ونوابهم الذين تسند إليهم المهمات، يسند إليهم القيام بحقوق الناس، القيام بمصالح الخلق، هؤلاء واجبهم الشرعي أن يسنوا من القوانين، وأن يطبقوا من التعليمات ما يحفظ على الناس دينهم، ما يحفظ على الناس أخلاقهم؛ لأن هذه أولى المهمات في هذه الدنيا، حفظ الدين أعلى الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها، فواجب على ولاة الأمر أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:41] إذا تكاتفت جهود المجتمع بأسره ابتداء من المرأة في بيتها، وتثنية بالزوج والأخ والمعلم والمرشد، وتثليثاً برجال السلطة، إذا تكاتفت جهود المجتمع على غرس الفضيلة، والمنع من الرذيلة والحد منها، فإننا لن نلقى إلا ما يسر، ولن تقع أعيننا إلا على ما يرضي الرب، ولن نكون بذلك إلا حاصدين لكل خير، ومهما ذهبت بنا الدنيا بعيداً، ومهما تمزقت بنا الأهواء، ومهما ذهبت بنا الأنفس، ومهما أغوانا الشيطان، فإن علينا أن نكون على يقين جازم بأنه لن تصلح أحوالنا، ولن يرضى عنا ربنا إلا حيث نعود إلى شرعنا، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وأخذتم بأذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم ) نحن مأمورون بأن نراجع ديننا، القليل منه والكثير، وأن نطبق منه ما نقدر عليه.

    إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع

    نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يبرم لأمة محمد أمر رشد، اللهم يا حي يا قيوم ردنا إليك رداً جميلاً يا أرحم الراحمين، اللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

    اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، واخذل الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، وأشغله في نفسه، واجعل تدميره في تدبيره يا قوي يا عزيز.

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

    اللهم اغفر لمن حضر هذه الجمعة ولوالديه، وافتح للموعظة قلبه وأذنيه، أنت ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال! يا رب العالمين أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

    رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74].

    اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا غيث المطر في أوطاننا، وغيث العافية في أبداننا، وغيث الإيمان والتقوى في قلوبنا، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015651813

    عدد مرات الحفظ

    723706951