إسلام ويب

الغلو في الدين - أسبابه وعلاجهللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • دين الله وسط بين الغالي والجافي، وقد تواترت نصوص الكتاب والسنة في التحذير من الغلو في الدين والتطرف فيه، كما دعت إلى الاعتدال والتوسط في أخذ الدين وعدم تجاوز حدوده وشرائعه. وقد كان الغلو سبباً في هلاك الأمم السابقة، وهو سبب في فساد الدين والدنيا كذلك.

    1.   

    أهمية الحديث عن ظاهرة الغلو

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    إخوتي في الله! حديثنا اليوم بتعميم من إدارة المساجد عن ظاهرة التطرف الديني، الغلو في الدين، أسبابه وموقف الشرع منه، وكيف يعالج؟

    هذه الظاهرة لما تحمست كثيراً للحديث عنها حين نظرت إلى مجتمعنا الصغير، وجدت أن مجتمعنا هنا في قطر ولله الحمد في عافية من هذه الظاهرة، وكما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه إغاثة اللهفان: ما أمر الله عز وجل بأمر إلا كان للشيطان فيه نزعتان: نزعة تفريط وإضاعة، ونزعة إفراط وغلو، فهو يشم من قلب الإنسان الاتجاه والميل، فإذا رأى فيه الفتور والكسل، دعاه إلى دائرة التفريط والإضاعة، وإذا رأى منه الجد والحزم دعاه إلى دائرة أخرى: الغلو والزيادة، فله مع الناس تصرفات بحسب أحوالهم وهممهم.

    ونحن كما قلت في هذا المجتمع الصغير في عافية ولله الحمد، من الغلو والزيادة والتجاوز، وأظن أنه سيكون من العبث أن نعظ الناس، وأن نزجرهم عن الغلو وهم بحاجة إلى أن تقوى عزائمهم للعمل بهذا الدين، القيام بالفرائض، التزام الأحكام، ولكن للحديث عن الموضوع ما يبرره حين ينظر الإنسان إلى مجتمعنا اليوم، المجتمع الكبير، الذي تداخلت فيه الثقافات، وصار العالم فيه كالقرية الواحدة.

    هذا العالم يعاني من مشكلة كبيرة، مشكلة التطرف، ولكنها التطرف بالمعنى العام، تطرف في الإسلام وتطرف في غيره من الديانات، هل نحن بحاجة إلى الحديث عن الغلو والتجاوز؟

    تحذير النبي من الغلو في أدق المسائل

    يجيبنا عن هذا السؤال هذا الحديث الذي سأطرحه عليكم لتروا المناسبة التي قيلت فيه، والعمل الذي من أجله تحدث النبي صلى الله عليه وسلم به في حجة الوداع في أكبر اجتماع للمسلمين، إذ اجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم ما يزيد عن مائة ألف صحابي في غداة يوم النحر، بعد أن أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من مزدلفة متوجهاً إلى منى ليرمي جمرة العقبة، (قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: القط لي الحصى، قال: فلقطت له حصىً فجعلها في كفه، ثم جعل ينفضها ويقول )، وقد قال ابن عباس قبل ذلك: وهن كحصى الخذف، يعني: حصىً صغار، مثل الحصى التي يخذف بها، ويحذف بها، قال: ( فجعلها في يده وهو يقول: بمثل هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو )، هذا الحديث العظيم في هذا المجمع الكبير، في هذا الموقف الشريف يخبر صلى الله عليه وسلم عن هذه الآفة العظيمة، وهي آفة الغلو في الدين.

    الغلو يعني: الزيادة، تجاوز الحد الذي حده الدين.

    إن للدين حدوداً في الفرائض وفي التكاليف، وفي علاقاتك مع الآخرين، فالزيادة عن هذا وتجاوز هذه المقادير، والقفز على هذه الحدود هذا هو الغلو في الدين، يقول لهم عليه الصلاة والسلام: ( إياكم والغلو في الدين ).

    وانظروا إلى العمل الذي من أجله استدعى من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول هذه الكلمات، إنها الحصى التي يرمى بها، لكنه يريد عليه الصلاة والسلام التنبيه إلى مسألة مهمة، وهي:

    أن الغلو في المسائل الكبار بداياته وطرائقه الأولى الغلو في المسائل الصغار، فالنهي عن الغلو مطلقاً، الغلو في مسائل العلم أو في مسائل العمل، في مسائل العقائد أو في مسائل العبادات، الغلو منهي عنه مطلقاً، في علاقتك بالله، أو في علاقتك مع خلق الله: ( إياكم والغلو، فإن الغلو أهلك من كان قبلكم ).

    إهلاك الغلو في الدين للأمم السابقة

    وفي أحاديث كثيرة ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو، ليس النهي فقط، ولكنه يخبر عليه الصلاة والسلام عن عاقبة الغلو، وآثاره على الناس، وأنه مهلك لدين الإنسان قبل أي شيء، ثم هو مهلك للحرث، مهلك للنسل، مهلك للحياة، يقول عليه الصلاة والسلام: (فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو)، والذين من قبلنا هنا في هذا الحديث يشير به صلى الله عليه وسلم إلى اليهود والنصارى، الذين ذكرهم الله ونهاهم عن الغلو خصوصاً في كتابنا الكريم، فقال سبحانه وتعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [النساء:171]، (لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) أي: لا تتجاوزوا تجاوز أهل الكتاب الحدود فألهوا عيسى عليه السلام، ونسبوه، وجعلوه ابناً لله، وحاشا الله أن يتخذ ولداً، لكنه التجاوز، فنهاهم الله عز وجل عن الغلو، ونهى الفريق الآخر وهم اليهود عن التجاوز، فإنهم سبوا عيسى وجعلوه ولد زنا، فنهى الله عز وجل الفريقين عن الغلو، وبعث محمداً صلى الله عليه وسلم في آخر الأزمان بالدين الوسط، وجعل أمته أمة الوسط، ومن أجل هذا هم شهداء الله عز وجل على البشرية: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا[البقرة:143].

    إفساد الغلو للدين والدنيا

    ونهى عليه الصلاة والسلام عن الغلو، وأخبر بأنه مهلكة، قال في الصحيح: ( هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون )، قال النووي : (المتنطعون) يعني: المغالون، المجاوزون للحدود، هؤلاء يهلكون أنفسهم بإفساد الدين، فإنهم يرجعون إلى عقائدهم بالإفساد والإبطال، ثم هم يفسدون دين الآخرين، ويفسدون دنيا الآخرين أيضاً: ( هلك المتنطعون ).

    ونهاهم عن التشديد على أنفسهم، وأخبرهم بأن هذا الدين يسر، دين السماحة، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه )، لا يقدر أحد على القيام بالدين كله، ويجتمع فيه الدين بفضائله وكمالاته، لا يجتمع هذا الدين بكل كمالاته في شخص بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس لهم في دينهم أرزاق، كما أن لهم في مالهم أرزاقاً: ( فلن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه )، ويقول في الحديث الآخر: ( إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق )، خذ من الدين برفق، ولا تكلف نفسك ما لا تطيق من الأعمال، وسيأتينا كيف زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المسلك وحاربه، لكنه في التعليم العام كان يقول للناس: ( لا تشددوا على أنفسكم، فإن قوماً شددوا فشدد الله عليهم )، قوم شددوا على أنفسهم، حرموا بعض الطيبات، فعاقبهم الله سبحانه وتعالى وعاملهم بذلك التشديد.

    الوقوف عند حدود الله وعدم تجاوزها

    لا تتجاوز حدود الله، فإن في دين الله ما يكفي ويغني، في شرع الله ما يصلح الدين والدنيا، في نهج الله ما يصلح الدنيا والآخرة، فحسبك إذا كنت جاداً أن تقف عند حدود الله.

    هذا الدين الذي جمع الحسنات كلها، جمع حسنة الدنيا وحسنة الآخرة، فحسبك أن تقف عنده: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً[البقرة:201].

    من دعائه الشهير عليه الصلاة والسلام: ( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي )، هذا التعليم لم ينبثق عن جهل، ولم ينتج عن قصور، إنه تعليم اللطيف الخبير: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، تعليم في غاية الإحكام، وفي منتهى الدقة، وصادر عن علم كامل، وخبرة تامة، نازل من عند اللطيف الخبير، فحسبك إذا كنت صادقاً أن تقف عند حدود هذا الدين وتعاليمه، فإذا تجاوزت إنما تتجاوز لجهلك، إما لجهلك بحقيقة نفسك، وحقيقة الناس من حولك، وإما لجهلك بحقيقة هذا الدين، ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أول طائفة خرجت في هذه الأمة بسبب الغلو هي طائفة الخوارج الذين كفروا أمة محمد، وخرجوا عليها بالسيف، قال: ( يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم )، لا يفهمونه، لا يعقلونه، لا يتدبرونه، يمر القرآن على ألسنتهم، لكنه لا يجاوز الحناجر، ولما لم يجاوز الحناجر، لما لم يصل إلى القلوب، لما لم تتدبره هذه القلوب وتعقله، لما لم يحصل هذا حصل منهم الغلو والتجاوز، فخرجوا على أمة محمدٍ بالسيف يستحلون دم البر والفاجر، وهنا يحذرنا عليه الصلاة والسلام من هذا المسلك وأنه الجهل بعينه، أنه القصور بعينه، أما التزام الشرع والوقوف عند حدود الله فهو العلم، وهو المصلحة، فيقول لنا عليه الصلاة والسلام: ( لا تشددوا فيشدد الله عليكم ).

    1.   

    بعض مظاهر الغلو

    الغلو في العبادة

    ظهرت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بعض مظاهر الغلو في العبادة، حيث بدأ بعض الصحابة رغبةً منهم في الزيادة، والاستكثار من الخير، بدءوا يسلكون هذا المسلك لكن كان لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمرصاد، يقوم السلوك، ويصحح المفاهيم.

    جاء ثلاثة إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخفاء والتي لا يرونها، فأخبروا بعبادته، وأنه يقوم بعض الليل وينام بعضه، وأنه يصوم أياماً ويفطر أياماً، وله من النساء العدد الذي تعرفون، قال الراوي: فكأنهم تقالوها، أي: رأوا عبادة رسول الله قليلة، فقال أحدهم: أين نحن من رسول الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهم خطأً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بحاجة إلى العبادة، وليس ثم ما يدعوه إلى الإكثار منها، أما هو فهو بحاجة إلى الاستزادة بقدر الاستطاعة، وبمعنى آخر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد غفر له، فلا يحتاج إلى أن يتعبد، وهذا فهم خاطئ، فإن العبادة لا تعني فقط طلب المغفرة، العبادة من أجل معانيها الشكر لله، القيام بحق الله عز وجل شكراناً له على فضله، والرسول صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى هو أولى الناس بالعبادة، (فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: وأما أنا فأقوم الليل ولا أنام، وقال الثالث: وأما أنا فلا أتزوج النساء، فلما أخبر عليه الصلاة والسلام بمقالتهم، قال: إني أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي، ثم قال لهم: أما إني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني )، هذه سنتي، التوسط والاعتدال، وإعطاء كل ذي حقٍ حقه وفي الحديث الآخر: ( إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولولدك عليك حقاً، ولضيفك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه )، هذه هي السنة النبوية، الاعتدال والتوسط في الأمور، كلا طرفي أمر الأمور ذميم، قال: ( ومن رغب عن سنتي فليس مني )، وفي مناسبة أخرى (صعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر ليخطب، فرأى رجلاً واقفاً في الشمس قال: من هذا؟ قالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ويصوم ولا يتكلم)، نذر جملة من الأمور، نذر القيام في الشمس، يعني: يتعبد لله بإرهاق نفسه وإتعابها، وأن يقف ولا يجلس، وأن يصوم ولا يفطر، ونذر السكوت وعدم الكلام، نذر مجموعة من التكاليف الشاقة ظناً منه أنه بهذا سيحقق رضوان الله، وسيقوم بالإكثار من طاعة الله، فما هو الجواب النبوي؟ (قال عليه الصلاة والسلام: مروه فليقعد وليستظل )، الوقوف ليس طاعة لله حتى يظن أن التقرب بها سيزيده أجراً: ( مروه فليقعد وليستظل، وليتم صومه، وليتكلم )، أما التي لا منفعة فيها ولا فائدة فيها، فإنها ليست من الطاعات كما يقول ابن حجر رحمه الله: كل ما كان مآله المشقة على الإنسان فإنه ليس من الطاعة، ولذلك لا يلزم بالنذر، وأما الصوم فلأنه طاعة أمره بأن يتم الصوم.

    وهكذا جرت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الزيادة، النهي عن الغلو، (دخل بيته مرة فوجد حبلاً معلقاً في السقف، قال: ما هذا؟ قالوا: هذا لفلانة إذا نعست -يعني: وهي تصلي الليل- تعلقت به حتى لا تترك الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: مه؟ -يعني: كفوا عن هذا المنهج- مه، عليكم من الأعمال بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا )، أي: لا تتكلف من العمل النافلة إلا ما تقدر عليه وعلى المداومة عليه، فإن الله لا يقطع عنك الثواب حتى تقطع أنت العمل، فلا تكلف نفسك اليوم شيئاً وتنقطع عنه غداً.

    وجاءه أحد الشباب وهو عبد الله بن عمرو بن العاص يريد أن يستشيره في الصيام، كيف يصوم في النافلة؟ قال له: ( صم من كل عشرة أيامٍ يوماً ولك أجر تسعة )، يعني: صم من الشهر ثلاثة أيام ويكتب لك أجر الباقي، قال: (أنا أقوى من ذلك)، أي: قدراتي أكبر من ذلك، ولم يزل يتدرج به حتى قال له: ( صم يوماً وأفطر يوماً ) لكن هذا الصحابي بعد أن كبر سنه وضعفت قوته في آخر الزمان تمنى أنه قبل وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم الأولى، لما قال له: ( صم من كل عشرة أيامٍ يوماً، ولك أجر تسعة ) تمنى أنه عمل بتلك الوصية حتى لا يترك هذا العمل الذي داوم عليه، وهذا أمر مكروه أن يداوم الإنسان على طاعة ثم ينقطع عنها، وهنا تمنى الصحابي أنه قبل الوصية من أول الأمر؛ لأنه لا يعلم ما سيستقبله في مستقبل الأيام، أما الذي لا ينطق عن الهوى فإنه يأتيه الوحي من السماء، ومن ثم كان تعليمه ومنهجه وسنته أكمل هدي، وكان تعليمه أتم هدي لتحقيق أتم المصالح، هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرورة مجافاة الغلو في الدين، وإن كان في المسائل الصغيرة، وإن كان في مسائل العبادة.

    الغلو في العلاقة مع الآخرين

    وهناك نوع آخر من الغلو، الغلو في العلاقة مع الآخرين، سواءً كانت حباً أو كرهاً، مدحاً أو ذماً، قد يغلو الإنسان ويتجاوز الحد، وهذا منهي عنه شرعاً، لا تتجاوز الحدود، قف بكل إنسان عند حده الذي حده الله عز وجل له، كائناً من كان ذلك الإنسان، قال لهم عليه الصلاة والسلام: ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما قولوا: عبد الله ورسوله )، أنا بشر كغيري من الناس، وغاية ما أتشرف به: أنني عبد لله، رسول لله، فقولوا عني بهاتين الكلمتين: عبد الله ورسوله، ولا تبالغوا في الإطراء، لا تبالغوا في المدح، لا تتزيدوا فيه كما فعلت النصارى بعيسى، بالغوا حتى جعلوه إلهاً، وابناً للإله، ( لا تطروني ) هذا نهي عن الزيادة في جانب المدح، الزيادة والمغالاة في جانب الحب، فلا تبالغ في الحب حتى تتجاوز بالمحبوب قدره الذي قدره الله عز وجل له، ولهذا من الكلمات الجامعة، وهو حديث حسن حسنه كثير من أهل العلم، قال عليه الصلاة والسلام: ( أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما )، الجهلاء والحمقى هم الذين يفرطون في الحب إذا أحبوا، ويفرطون في البغض والكره إذا أبغضوا وكرهوا، والعقلاء يقيمون الميزان بالقسط، ( أحبب حبيبك هوناً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما )، سواء كان في ذلك حبك للمسلم، أو بغضك للكافر.

    بغضنا للكفار جعل له الشرع حدوداً يجب علينا أن نقف عندها، نبغضهم في الله، نبغضهم لأنهم أعداء لله، نبغضهم لأنهم يحاربون الله، نبغضهم لأن الله يبغضهم، نبغضهم لأن الله يكرههم ويمقتهم، نبغضهم ولا نكن لهم في قلوبنا مثقال ذرة من حب، هكذا أمرنا الله قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ [آل عمران:118]، هذا البغض جعل الله عز وجل له حدوداً كلفنا بأن نقف عندها، فأوجب علينا أن نحترم حرماتهم، أن نعصم دماءهم في حال العهود والمواثيق، وأن نحترم أموالهم، فلا نستحل شيئاً مما حرمه الله عز وجل علينا، وإن خالفونا هم في هذا النوع من التعامل.

    في حديث عظيم في وقعة بدر، في أشد حاجات المسلمين إلى كثرة الأعداد والنصير، خرج حذيفة رضي الله تعالى عنه وأرضاه مهاجراً من مكة، متوجهاً إلى المدينة، وخرجت قريش تجمع جحافلها لحرب المسلمين، فاعترضوه في الطريق، قالوا: إنما تريد محمداً، قال: لا، إنما أريد المدينة، أنا ليس همي نصرة محمد في المعركة إنما أريد الوصول إلى المدينة، فأخذوا منه العهد على أن لا يقاتل مع محمد في هذه المعركة، فأعطاهم العهد أنه لا يقاتل مع محمد في مقابل أن يخلوا سبيله، وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبره بما دار بينه وبين الكفار، وأراد من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأذن له في الالتحاق بالعسكر، ليجاهد مع الناس، قال له عليه الصلاة والسلام: ( نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم )، ونهاه أن يقاتل مع المقاتلين؛ لأن هناك عهداً يجب أن يحترم.

    هذه هي الحدود الشرعية، يجب على المسلم أن يقف عندها في حبه وبغضه، وتجاوز هذا إخلال، تجاوز هذا فساد أدى ببعض الناس إلى أن ينابذوا أمة محمد ويخرجوا عليها بالسيف، كما قال بعض التابعين: ما ابتدع قوم بدعة إلا خرجوا على أمة محمد بالسيف. وهذا ما فعله الخوارج، غلوا في ديانتهم وتشددهم، حتى كفروا المسلمين من أمة محمد، واستباحوا دماءهم، وخرجوا على صحابة رسول الله بسيوفهم، وقتلوا خيرة خلق الله بعد رسول الله، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعتقدون أن هذا هو الطريق الذي يقربهم إلى الله، والسبب سوء فهمهم لدين الله الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا يجاوز حناجرهم، سوء الفهم للدين، فالعصمة كل العصمة في امتثال هذا الشرع كما فهمه سلف هذه الأمة وعلماؤها المشهود لهم بالعلم، المعروفون بالتحقيق ورسوخ القدم في فهم دين الله، وهم ولله الحمد كثر، ولا يزالون على مر تاريخ هذه الأمة، يعرفون بين الناس، ويشهرون ويشار إليهم بالبنان، والعصمة كل العصمة في التزام ركب هؤلاء، حتى يسلم الإنسان من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه.

    1.   

    بعض مشكلات الغلو والتطرف

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    غياب التصور الصحيح لمعنى التطرف

    إخوتي في الله! هنا حقائق لا بد من التذكير بها حتى يفهم الأمر على وجهه، أولى هذه الحقائق: من مشكلات التطرف اليوم: غياب الفهم الصحيح لمعنى التطرف، غياب الفهم الصحيح لمعنى الغلو في الدين، فإن أمة الإسلام ابتليت بفريقين من الناس اليوم ممن يتحدثون عن التطرف، وممن يكافحون الإرهاب، وممن يتحدثون عن منابذة الغلو، وكلاهما ضل عن سواء السبيل.

    فريق زعم بأن الغلو هو مجرد الالتزام بالدين، الدعاء والدعوة إلى تطبيق شرع الله، وإقامة حكم الله، وامتثال الناس لشرع الله غلو وتطرف في نظر هذا الفريق، ارتداء المرأة للحجاب غلو وتطرف، وإطلاق الرجل للحيته غلو وتجاوز، أما المناداة بتطبيق الشريعة، وإقامة سلطان الله، وامتثال الناس لنهج الله، فهذا تطرف لا يغفره شيء. هذا فريق من الناس اتخذوا مكافحة الإرهاب، ومكافحة التطرف والغلو تكئة يتكئون عليها لمحاربة الإسلام ذاته، فهم ساخطون على دين الله، ساخطون على منهج الله، هم يريدون تحرير الناس من ربقة العبودية لله ليصيروا عبيداً أذلاء لهم، ولرغباتهم ونزواتهم.

    وتحت هذا الغطاء الجميل مكافحة التطرف، مكافحة الإرهاب، يحاولون تسويق هذه المبادئ الهدامة، يصرحون بها أحياناً، ويكتمونها أحياناً أخرى، لكن ما أخفى إنسان سريرة إلا أظهرها الله على فلتات لسانه. وبعضهم لا يستحي، يجاهر بكل ما يخفيه ويضمره قلبه من حقد وبغضاء، وكتاباتهم في هذا المجال كثيرة، لكن قال بعضهم في وهو يبين ما هو التطرف في نظره.

    إن امتلاء الساحة بالكتب التي تحرم التصوير والموسيقى، وتخوف الناس من عذاب القبر ليس سبباً لتطرف الشباب بل نتيجة للتطرف، وهو ذاته جزء لا يتجزأ من ظاهرة التطرف التي نسعى إلى تقليلها. هذا كلام يكتب في صحف عربية إسلامية، في الأوطان الإسلامية، يكتب أن تخويف الناس من عذاب القبر، ودعوة الناس إلى الوقوف عند الحرام والحلال تطرف، وأن هذه الظاهرة التي نسعى إلى تقليلها.

    فالواجب على المسلم أن يكون على حذر، فكم يدسون السم وسط العسل.

    التطرف المذموم هو مجاوزة حدود الله، مجاوزة شرع الله، أما الوقوف عند حدود الله، النداء إلى إقامة شرع الله، فهذا هو الدين الذي كلفنا الله بإقامته، ولن ننجو أمام الله إلا إذا أقمناه كل بقدر استطاعته، ولن ينفعنا ترويج المروجين، ولن يغنوا عنا من الله شيئاً حين نقف بين يدي الله، والله لن يغنوا عنا شيئاً، هذا الدين كلفنا بإقامته، وإن أعرضنا نحن، قال الله تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ[المائدة:54]، الله قادر على نصرة هذا الدين بنا أو بغيرنا، إن أعرضنا أنشأ الله عز وجل أقواماً يحملونه، وينصرونه، ويذبون عنه، وينشرونه، والخزي والعار لمن تنكب عن هذا الدين. هذا فريق.

    وفريق آخر في المقابل، فهم الدين فهماً مغلوطاً مغشوشاً، ثم حاول أن يروج للعالم بأن هذا هو الإسلام الذي لا إسلام سواه، وهذا هو الدين الذي لا دين سواه، وهو فهم مغلوط، يستبيحون الحرمات، يستبيحون الدماء، يستبيحون الأموال، يقتلون الأبرياء بفهم مغلوط، وإن أحسنوا النية، لكن النية وحدها لا تغني، العمل لا يكون مقبولاً عند الله إلا إذا اجتمع فيه شرطان أساسيان: نية صالحة، ومتابعة لشرع الله، أي: أن تعمل العمل تبتغي وجه الله، وأن تكون في عملك موافقاً لشرع الله، فإذا أخطأت في أحد الجانبين فأنت على غير سبيل.

    هذان فريقان، وسط الضجيج بينهما ضاع المفهوم الصحيح للغلو الذي نحاربه، والذي نسعى إلى تقليله ومكافحته، وينبغي للمسلم أن يكون على حذر، فإن ما يقال ويكتب، وتنشره وسائل الإعلام عن هذه الظاهرة أكثر من أن يحاط به، ولكن يستعصم المسلم بهذا المعنى العام: أن الغلو مجاوزة حدود الله.

    التطرف والغلو عند غير المسلمين

    وهناك حقيقة ثانية وهي: أن التطرف حين يتحدث عنه اليوم، الغلو حين يتكلم عنه اليوم لا يقصدون به إلا تطرف المسلمين، ما يسمونه بالتطرف الإسلامي، والتطرف في حقيقة الأمر أمر شائع في الأمم، في أمم الأديان وفي غير أمم الأديان، الأمم كلها اليوم تعاني من ظواهر التطرف فيها، فكما أن في المسلمين تطرفاً وغلواً، فكذلك هناك تطرف في اليهود، وتطرف في النصارى، وتطرف في الوثنيين، وتطرف في سائر أمم الأرض، لكنهم حين يتحدثون عن محاربة التطرف إنما يقصدون بالدرجة الأولى تطرف المسلمين، ومما يفسر لك هذا ويبرره: أنك تسمع عن ظواهر بلغت الغاية القصوى في التطرف والقباحة، ومع ذلك لا يتحدث عنها أحد، وإذا تحدثوا عنها تحدثوا على استحياء، امرأة لأنها ترتدي الحجاب تقتل طعناً في قاعة المحكمة، في ساحة القانون، في قانون الحريات وسط المحكمة، تقتل وبأبشع قتلة، طعنات حتى يجهز عليها، أي تطرف أقبح من هذا؟ أي تطرف أعنت من هذا، ولكن تمر مثل هذه الحوادث مرور الكرام، وإذا حدثت واقعة من تطرف بعض المسلمين ضج لها العالم سنين وأياماً.

    إذاً: هناك تعمد لإظهار التطرف بأنه لدى المسلمين فقط وليس كذلك، ونحن لا نقول هذا لنبرر لأنفسنا الوقوف عند التطرف، والتشبث بالتطرف لأننا نستهدف لا، ولكن ننادي العالم أجمع بأن يحارب التطرف بكل معانيه، وعند كل فئات الناس، حتى يسلم الناس حقيقة من التطرف.

    أما نحن فلو لم يقوموا هم بمحاربة التطرف لوجب علينا نحن أن نصحح مسارنا، وأن نقيم ملتنا المقام الأحسن، كما أمرنا الله، أمرنا واستأمننا، جعلنا أمناء على هذا الشرع، جعلنا مبلغين له، شهداء على الناس، فيجب علينا أن نقيم ديننا كما أراد الله، كما قال سبحانه: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ[البقرة:143]، نحن شهداء الله في أرضه، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض )، قالها ثلاث مرات، هذه الشهادة تقتضي منا أن نعدل ما يستحق التعديل، ونقبح ما يستحق التقبيح، وبهذا يقوم ميزان الله عز وجل في الأرض: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى[المائدة:2].

    نسأل الله أن يرزقنا فهماً في الدين، وعملاً به.

    اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا أرحم الراحمين! أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[البقرة:201].

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، اللهم اغفر لمن حضر هذه الجمعة ولوالديه، وافتح للموعظة قلبه وأذنيه، أنت ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم اخذل الكفرة والمشركين، أعداءك أعداء الدين، اللهم فرج عن المسلمين في اليمن وسوريا وليبيا وغيرها من أوطان المسلمين يا رب العالمين، اللهم اجعل لهم من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاءٍ عافية، اللهم أعنهم ولا تعن عليهم، وامكر لهم ولا تمكر عليهم، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم يا أرحم الراحمين! اللهم يا ودود يا ودود! يا ذا العرش المجيد! يا فعالاً لما تريد، نسألك بعزك الذي لا يرام، وبملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تنصر المستضعفين من المؤمنين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم أعنهم ولا تعن عليهم، اللهم أعنهم ولا تعن عليهم، اللهم أعنهم ولا تعن عليهم، اللهم اجعل لهم من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاءٍ عافية.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[البقرة:201].

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015653573

    عدد مرات الحفظ

    723707146