إسلام ويب

بيعة الرضوانللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بيعة الرضوان ميثاق إيماني شجاع قام به أصحاب رسول الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الثبات حتى الموت، وقد أثنى الله على الصحابة المبايعين ثناءً عطراً فدل على فضلهم ومكانتهم العلية، وحسن جزائهم عند الله.

    1.   

    أحداث ووقائع بيعة الرضوان

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ‏

    خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه للعمرة

    إخوتي في الله! في هذه اللحظات نقف مع يوم من أيام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في السنة السادسة من الهجرة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد العمرة، فلما علمت قريش بخروجه عليه الصلاة والسلام جمعت صفوفها، وألبت أحلافها لصد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن دخول مكة، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم الخبر، فاستشار أصحابه: هل يمر بقرى من ساندوا قريشاً وأعانوها فيغنم أموالهم، ويسبي ذراريهم؟ أم يمضي في طريقه، فأشار عليه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، قال: الله ورسوله أعلم، إنما خرجنا نريد العمرة، ولم نخرج لقتال أحد، فمن صدنا عن البيت قاتلناه، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يمضوا إذاً، قال: ( فامضوا إذاً )، وكان خالد بن الوليد رضي الله عنه يومئذ مشركاً، وكان يترصد الطريق، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك غير طريقه ذات اليمين لأمر يريده الله، ولما قارب رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم المجتمعين من أهل الشرك، ولم يبق بينه وبينهم إلا ثنية ينزل عليهم منها، قدر الله عز وجل ما يعلم فيه الخير لهذه الأمة، فبركت ناقة رسول الله ولم تمض، بركت ولم تمش، (فقال القوم: خلأت القصواء، فقال عليه الصلاة والسلام: ما خلأت، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل) أمر أراده الله جل شأنه بألا يلتقي القومان، وألا يتواجه العسكران، فأمرهم عليه الصلاة والسلام بأن ينحرفوا قليلاً، وأقاموا هناك.

    إرسال عثمان إلى مكة وحبسه من قبل قريش

    وهناك بدأت المراسلات بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل مكة، أراد أن يرسل لهم من يعلمهم بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليهم عثمان بعد أن تراجع الصحابة فيمن يُرسل، وأمره أن يدعوهم إلى الله، وإلى الإسلام، ويخبرهم بأن محمداً جاء للعمرة لا يريد قتال أحد، فلما وصل عثمان إلى قريش، وأخبرهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمروه أن يطوف هو بالبيت؛ لأنه ذو عز ومنعة، قومه في مكة، ولا يقدر أحد أن يصل إليه بالأذى، أمروه بأن يطوف بالبيت؛ لأنه معتمر، فقال: لا والله، لا أطوف قبل أن يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وفي اللحظة نفسها كان المسلمون يتشاورن في مكانهم الذي نزلوا به بالحديبية، ويقول بعضهم: لقد قضى أبو عبد الله حاجته من البيت - يعني: عثمان - طاف بالبيت ونحن هنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما كان عثمان ليطوف بالبيت ونحن محصورون )، قال: ( وذلك ظني به عثمان أبى أن يطوف بالبيت حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحبسته قريش فذاع الخبر في الناس أن قريشاً قتلت عثمان .

    سبب بيعة الرضوان

    لما وصل الخبر إلى رسول الله، غضب عليه الصلاة والسلام، وعلم أن القوم لا يريدون إلا الشر، فنادى أصحابه ليبايعوه على القتال، وهم قد خرجوا محرمين لا يريدون إلا البيت، وما كان في حسبان أحد منهم أن يقاتل، فاجتمعوا عن بكرة أبيهم إلا واحداً، وكانوا ألفاً وأربعمائة، أو ألفاً وخمسمائة بحسب الروايات في الصحيح، اجتمعوا عن بكرة أبيهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف تحت الشجرة، وأحد أصحابه يرفع غصناً عنه، والآخر يرفع يده عليه الصلاة والسلام ليبايع الناس، فبايعوه رجلاً رجلاً، قيل لـجابر بن سمرة : ( علام بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ؟ قال: بايعناه على الموت )، وفي رواية: ( بايعناه على أن نقاتل حتى نموت، ولا نفر )، كلهم يلبي نداء رسول الله، ويبايع على أن يموت في تلك البقعة، فعلم الله ما في قلوبهم من الصدق، وعلم الله ما في قلوبهم من حب الله وحب رسوله، علم الله ما في قلوبهم من الإخلاص لدينه، علم الله ما في قلوبهم من حرصهم على إعزاز شرعه ودينه، فأنزل سبحانه وتعالى آيات تتلى في كتابه تتحدث عن هذه البيعة.

    حال الصحابة أثناء البيعة

    قال في أول سورة الفتح: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] ، ثم أخبر سبحانه وتعالى بحالهم عند البيعة، فقال: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18] ، الناس يعلمون الظاهر أما بواطنهم وما تكنه صدورهم وما تنطوي عليه قلوبهم فلا يعلمه إلا الله، أصحاب رسول الله الذين حضروا البيعة أخبر الله جل شأنه المطلع على الخفايا والعالم بالبواطن، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] أخبر سبحانه وتعالى عن بواطنهم، وأنهم لا يضمرون إلا الخير، ولا يكنون إلا الصدق والإخلاص، ولا تنطوي قلوبهم إلا على المحبة والوفاء لله ولدينه، علم الله ما في قلوبهم: فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18] هذه تزكية لم ينلها أحد من خلق الله كما نالها أصحاب رسول الله، أخبر الله بباطن أمورهم، وأخبر بأنه رضي عنهم: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18]، أخبر برضاه عنهم.

    وعجيب كل العجب كيف يتجرأ بعد ذلك آدمي فيخبر بأن أحداً من أصحاب البيعة سيدخلون النار، والله يخبر بأنه رضي عنهم؟! كيف يقدر أحد على تكذيب الله فيما أخبر به عن خلقه؟! لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18]، وأخبر بأنهم مؤمنون: عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18] ، وأخبر عما في قلوبهم من الإيمان والصدق: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح:18] ، وأخبر عن ثوابهم العاجل والآجل: وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [الفتح:18-19] الصحابة لم ينالوا ما نالوا من الرتبة إلا بما أضمروه في قلوبهم، وبما عملوه بجوارحهم، علم الله منهم تمام الإخلاص لله، وعلم منهم تمام المحبة لله ولدينه، وأنهم يسترخصون كل غال، ويبذلون كل نفيس في سبيل إرضاء الله تعالى.

    مراسلات الصلح والتوقيع عليه

    ولما تمت هذه البيعة علمت قريش بالبيعة، فخافوا وخشوا أن ينزل عليهم محمد بأصحابه، وعلموا أنهم حتى لو انتصروا عليهم فإن الواحد منهم لن يموت حتى يقتل مثله، وألف وخمسمائة ليس بالعدد القليل، خافوا بعد هذه البيعة فراسلوا رسول الله، وبدءوا بطلب المراسلة للصلح، وجاء رسل الكفار، جاء واحد بعد واحد، وكان من هؤلاء نعيم بن مسعود الثقفي، فرأى ماذا يفعل أصحاب رسول الله برسول الله؟ كيف يعظم أصحاب رسول الله رسول الله؟ كيف يتعاملون معه، وهو سفير قومه في العادة يدخل على الملوك، دخل على كسرى، ودخل على قيصر، جاء فرأى المنظر بعينيه، لما وفد إلى رسول الله يصف هو بنفسه، إذا تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخامة وبصقها يريد أن يرميها على الأرض يتسابق إليها أصحاب رسول الله يتلقونها بأكفهم، يمسحون بها وجوههم وأجسادهم، وإذا توضأ رسول الله تسابقوا وكادوا يقتتلون على الماء المتساقط من أعضائه، يتبركون به، ويمسحون به صدورهم ووجوههم، وإذا أمر بأمر ابتدروا أمره، رأى أحد منهم يقف عند رأسه، ويلبس المغفر، و المغيرة بن شعبة هو أقرب الناس إلى الثقفي، رآه وهو يحدث رسول الله، وكانت عادة العرب أن الواحد منهم إذا خاطب صاحبه أو ناظر صاحبه ربما أخذ بلحيته، فلما مد ابن مسعود يده إلى لحية رسول الله قال له المغيرة وهو مدجج بسلاحه: كف يمينك قبل ألا ترجع إليك، كف يمينك ولا تمدها إلى لحية رسول الله قبل ألا ترجع إليك، ما عرف من القائل، قال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة . قال: يا غدر! أو ليس أسعى إلى اليوم في غدرتك. قريبه وحليفه وصاحبه، أنت بالأمس كنت مشركاً وغدرت وأخذت أموال الناس، واليوم لا أزال أنا أسعى في سداد ما عليك، لكنهم قد غيرهم الإسلام، غيرهم الدين، ولا غرابة لأن قلوبهم قد امتلأت حباً وتعظيماً لرسول الله، لا غرابة أن يقول لقريبه: اكفف يمينك قبل ألا ترجع إليك. قال هذا الرجل بعد ذلك وهو يصف أصحاب رسول الله بأنهم مجموعة من الأوباش أو نحو ذلك: سيتركونك يا محمد، سيتركونك تقاتل وحدك، فقال له أبو بكر رضي الله تعالى وهو لا يدري من المتكلم أيضاً، قال له أبو بكر : امصص بظر اللات. يسبه ويسب آلهته، أنترك محمداً يقاتل وحده ونفر؟ امصص بظر اللات، فقال: من هذا؟ قالوا: أبو بكر . قال: والله لولا يد لك علي لرددتها عليك. يعني: لك إحسان سابق، وإلا كنت سأجازيك بالسب سباً.

    هكذا كان أصحاب رسول الله. رجع الرجل إلى قومه، فقال لهم: لقد وفدت على الملوك، وفدت على كسرى وقيصر، ولم أر أصحاب الملوك يعظمونهم ما يعظم أصحاب محمد محمداً صلى الله عليه وسلم، فانظروا لكم خطة رشد.

    هكذا كان أصحاب رسول الله، فنزل القرآن يتلى ويخبر بمقامهم في هذا المقام الشريف، وفي هذه الساعة المباركة بأنهم أهل إيمان وإحسان، أهل صدق وإخلاص، وبأنهم يستحقون من الله الرضوان، ويستحقون المثوبة العاجلة والآجلة، فكان لزاماً على كل مؤمن أن يحب هذا الصنف من أصحاب رسول الله، وعجيب كيف ينتمي إلى الإسلام وينتسب إليه من يبغضهم ويسبهم، بل ويحكم بكفرهم، ويقول بأنهم كلهم في النار إلا بضعة عشر رجلاً، وكان من آثار هذه البيعة أن قال عليه الصلاة والسلام: ( لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة ) كل أصحاب الشجرة في الجنة، هكذا أخبر الله، وهكذا نطق رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم ألف وخمسمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ختم الله عز وجل سورة الفتح ببيان موقف أصحاب رسول الله.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    1.   

    فضل الصحابة رضي الله عنهم

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    إخوتي في الله! الأعمال الصالحات تتفاوت، وأجلها منزلة وأعظمها رتبة رؤية شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمن، من لقي رسول الله مؤمناً به فقد فاز بعمل لم يفز به أحد من الناس بعده، رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الإيمان هذا الشرف يختار الله عز وجل له من شاء من خلقه، اختار أصحاب محمد؛ لأنه علم كما قال ابن مسعود رضي الله عنه بأنهم أبر هذه الأمة قلوباً، وأغزرها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله من بين خلقه ليحظوا بهذا الشرف العظيم، ليكونوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفضل الله عليهم بأن أعطاهم هذا الشرف وهذه المرتبة بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم ولو لحظة مع الإيمان، بشرط أن يموت الواحد منهم مؤمناً، قال عليه الصلاة والسلام وهو يتكلم عن الصحابة ( لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) لو بذل الواحد من الصحابة ملء الكفين من الطعام، وبذل الآخر مثل أحد ذهباً ممن جاء بعد الصحابة فلن يبلغ مرتبة الصحابة عند الله، اختارهم الله وهو سبحانه وتعالى لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، اختارهم الله وهو أعلم أين يضع فضله، هو أعلم أين يضع خيره، هو أعلم سبحانه وتعالى من يعطي ومن يمنع، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، اختارهم وأعطاهم هذه المنزلة.

    لما كانت أوائل سورة الفتح تتحدث عن أصحاب بيعة الرضوان ربما ظن بعض الناس أن سائر الصحابة ليسوا كذلك، فأخبر سبحانه وتعالى في آخر آية من السورة بمنزلة أصحاب رسول الله عموماً، من حضروا البيعة ومن لم يحضروها، فقال سبحانه: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الفتح:29] الذين معه على الإيمان، كما قال سبحانه وتعالى: كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ [الصف:14] الذين معه على الإيمان، أوصافهم: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح:29] هذه أوصافهم: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ [الفتح:29] فلم ير الكفار منهم إلا الحزم، ولم ير الكفار منهم إلا الجد، كما أمرهم الله: قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة:123] هكذا قام صلب الإسلام بحزم هؤلاء الرجال، بجد هؤلاء الرجال، وصل الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ [الفتح:29] كان الواحد منهم يتحرز من أن يلاقي بدن الكافر ثيابه أو أثاثه؛ لأنهم يحققون هذا المعنى العظيم: البغض في الله تعالى، هم جمعوا بين حسن الفهم وحسن القصد، هم جمعوا بين الفهم عن الله ما يريد، وبين حسن المعاملة للخلق، وهم أحرى الناس، وهم أجدر الناس بأن يفهموا تعليم الله لهم، كيف يتعاملون مع الكفار، القرآن الذي أُنزل فيه العفو والصفح، القرآن الذي أُنزل فيه اللين: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ [الممتحنة:8] أصحاب رسول الله هم أولى الناس بفهم هذه الآية، وهم أولى الناس بالعمل بها، ونحن نقطع جازمين بأنهم عملوا بها كما أراد الله، ومع هذا وصفهم الله بأنهم أشداء على الكفار، على الأقل أشداء على من يستحق الشدة من الكفار، هذا وصفهم مع عدوهم، فكيف وصفهم فيما بينهم، رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29] ( كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )، هذا في معاملتهم للخلق يعاملون أعداء الله بما يستحقونه، ويعاملون أولياء الله وأحباب الله بما يستحقونه، ثم كيف معاملتهم للخالق: تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا [الفتح:29] هذه حالتهم، هم رهبان الليل إذا جن الليل، وهم فرسان النهار إذا طلعت الشمس، هم العباد البكاؤون الذين يقطعون الليل قياماً وركوعاً وسجوداً يرجون رحمة الله ويخافون عذابه، وهم الذين يبايعون في النهار على الموت والاستشهاد في سبيل الله.

    يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح:29] لا يطلبون دنيا يصيبونها، ولا مغانم يحوزونها، ولا رتباً يتمتعون بها، إنما قائدهم إلى ذلك رضوان الله.

    سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح:29] آثار العبادة، آثار الدين، آثار التقوى، آثار الصلاح بادية على وجوههم، يعرفهم البر والفاجر، والمؤمن والكافر، إذا رأى وجه الواحد منهم رأى في وجهه النور والتقوى والهدى والصلاح، كما قال من جاء بعدهم قالوا: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار.

    ليس المقصود بآثار السجود، ما يتركه السجود على الجبهة من الآثار، فهذا لم يكونوا يتصفون به بكثرة، إنما آثار السجود هي آثار الصلاح والتقوى، آثار الطاعة البادية على الوجه، كما قال ابن عباس : إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق. آثارهم بادية في وجوههم، تعرفهم إذا نظرت إلى وجوههم.

    ثم أخبرنا سبحانه عن أمر في غاية العجب بأن هؤلاء الجماعة، هؤلاء الفتية، هذه الزمرة، قد خلد الله ذكرهم في الكتب المتقدمة، لقد أنزل أوصافهم في التوراة، وأنزل أوصافهم في الإنجيل، وأنزل أوصافهم في القرآن، وصفهم في القرآن في غير موضع من كتابه بأنهم آمرون بالمعروف، ناهون عن المنكر، أخبر بأنهم يبايعون الله، أخبر بأنهم يجاهدون في سبيل الله، ينفقون أموالهم في سبيل الله، إلى غير ذلك من الصفات، هذا في القرآن، وأخبرنا في هذه الآية أنه وصفهم بالعبادة، بالركوع والسجود، بابتغاء فضل الله، بالإخلاص والصدق، وصفهم بهذا في التوراة قبل أن ينزل القرآن، وقبل أن يُخلق أصحاب محمد، ووصفهم في الإنجيل بوصف آخر بأنهم كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ [الفتح:29] هذا مثال آخر يبين لنا مراتب أصحاب محمد، مثلهم كمثل الزرع يخرج الساق، ثم بعد ذلك يخرج بجانب هذه الساق الغليظة هذه الساق القوية تخرج بجانبها بنات هذه الساق، الصغار التي تنمو بجانب هذه الساق، ليست في قوة الأول، لكنها معينة له، ومقوية له، وشادة لأزره، وهكذا أصحاب رسول الله منهم السابق بالإيمان، السابق بالجهاد والخير والبذل والتضحية، البالغ أعلى مراتب شرف الصحبة، وجاء بعدهم أقوام آمنوا بالله ورسوله، فانضموا إلى الجماعة، آزروا هذه الجماعة، وتآزر الجميع في نصر دين الله، قوى بعضهم بعضاً، ونصر بعضهم بعضاً في نشر دين الله، فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ [الفتح:29]، هذا مثلهم في الإنجيل قبل أن ينزل الله القرآن، أخبر سبحانه بأن هذه الأمثال هي أمثال لائقة بالصحابة، وأخبر بعد ذلك بأنه لا يبغضهم إلا كافر، قال: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29] هذا الزرع على هذا النحو من الجودة، على هذه الكيفية من القوة، يعجب الزارع إذا رآه، وهكذا أصحاب محمد يعجبون كل مؤمن إذا رأى سيرتهم، وإذا رأى أعمالهم، وإذا قرأ أخبار الله وأخبار رسوله عنهم، يُعجب به كل من يؤمن بالله، ويحب دينه ورسوله يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ [الفتح:29] أما أعداؤهم فإنهم لا يزدادون بسماع هذا إلا غيظاً، ولا يزدادون بقراءة هذه الآيات إلا حنقاً وكمداً لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29] كان الإمام مالك يستدل بهذه الآية على كفر من أبغض أصحاب رسول الله، من أبغض أصحاب رسول الله فإنه كافر بدلالة هذه الآية: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29].

    من العجب كما قال بعض سلف الأمة: لو سألت اليهودي: من خير الناس فيكم؟ لقال: أصحاب موسى. ولو سألت النصراني فقلت: من خير الناس فيكم؟ لقال: أصحاب عيسى، ولو سألت الواحد ممن يبغضون أصحاب رسول الله: من شر الناس فيكم؟ لقالوا: أصحاب محمد. عكسوا الميزان، خير الناس صاروا شر الناس، وما ذاك إلا حنقاً وغيظاً على الدين والشريعة، يريدون هدم الإسلام، لكن لا طريق إلى هدمه إلا بهدم حملته أصحاب رسول الله، هم الذين نقلوا إلينا القرآن، أصحاب رسول الله هم الذين نقلوا إلينا أحاديث رسوله وشريعة الرحمن، فإذا كُذبوا، إذا كُفروا، إذا حُكم عليهم بالفسق، إذا حُكم عليهم بالفجور والردة، فكيف يُقبل قرآن من مرتد، وكيف يقبل حديث ممن فجر بعد رسوله صلى الله عليه وسلم؟ الغاية والهدف هدم هذا الدين، والقضاء على هذا الشرع، ولكن كانت الوسيلة القضاء على مرتبة أصحاب رسول الله، وأصحاب رسول الله في المقام الأعلى بين هذه الأمة بشهادة كتاب الله وشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يرزقنا حب رسوله، وحب أصحاب رسوله.

    اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا أرحم الراحمين أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

    اللهم اغفر لمن حضر هذه الجمعة ولوالديه، وافتح للموعظة قلبه وأذنيه، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأعز الإسلام والمسلمين، واخذل الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين.

    عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ))[النحل:90]^.

    فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].

    وصل اللهم وسلم على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015656393

    عدد مرات الحفظ

    723707435