إسلام ويب

الورع يا رجال الصحوةللشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الورع مصطلح يكثر ترداده في كتب التزكية والسلوك، وترد تحته قصص وحكايات عن السلف قد صارت عندنا أشبه بالأساطير وأقرب إلى الخيال، حتى إن البعض من المتدينين فضلاً عن غيرهم يسارع إلى التشكيك في مدى صحتها، ويصمها بالمبالغة إن لم يدخلها في عداد الأكاذيب، وقد أورث ذلك عندنا جفافاً وجفاءً، ولذا تجب مراجعة النفس والتخلي عن رعونتها، والاقتداء بالصالحين من السلف السابقين.

    1.   

    خير الدين الورع

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، أما بعد:

    (الورع يا رجال الصحوة) عنوان حديثنا لهذه الليلة المتمة للنصف من شهر شوال، عام خمسة عشر وأربعمائة وألف للهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.

    الورع مصطلح، من منا لم يسمع عنه، إن من يقرأ في سير السلف أو يستمع إلى وصاياهم، أو يدرس سيرهم لا بد أن تتكرر هذه الكلمة على مسمعه كثيراً.

    ويرى وهو يقرأ أنه يتحدث عن قضية تاريخية أصبح بيننا وبينها حجر محجور.

    أصبحت قضية من قضايا التاريخ لا نكاد نراها، وحين نقرأ سير السلف وأخبارهم في الورع والزهد والرقائق، فإننا تارة نتهم أسانيد تلك الروايات بالضعف والبطلان، وتارة نتهم ما روي عنهم بالمبالغة والتشدد، وأخرى نتهم الراوي بالغلط والخطأ، لكننا نادراً ما نتهم أنفسنا، وأنها لم ترق إلى إدراك هذه المعاني، وأن قلوبنا لم تصح فعلاً حتى ترى بعين حقيقتها ما كان عليه أولئك من الخوف من الله سبحانه وتعالى، وأنه هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم والسلف السابقين.

    وقدمت رجلاً وأخرت أخرى وأنا أريد الحديث حول هذا الموضوع، حتى إني وأنا أعد له وأقرأ عزمت على أن لا أتحدث حول هذا الموضوع، ليس تقليلاً من شأنه وأهميته، لكن ينبغي ألا يتحدث عن الورع إلا أهل الورع، وينبغي ألا يتحدث عن الصدق إلا الصادقون الخائفون المخبتون، والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، لكن عزائي أن أقول لكم: اسمعوا مقالي، وإياكم وحالي!

    فالقضية أقوال وشذرات من سير سلف الأمة، نسعى إلى ربطها بواقعنا، نقولها لإخواننا ونحن جميعاً نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الورعين المتقين الصالحين، وإن لم نرق إلى منازلهم فلنتشبه بهم: فإن من تشبه بقوم فهو منهم، والتشبه بالكرام فلاح.

    1.   

    معنى الورع

    الورع معشر الإخوة الكرام مصطلح نبوي شرعي، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا اللفظ والوصية به فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقي في وصيته لـأبي هريرة رضي الله عنه: (كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنعاً تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما، وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب) .

    وأيضاً روى البزار والطبراني في الأوسط والحاكم من حديث حذيفة رضي الله عنه، ورواه الحاكم أيضاً من حديث سعد أنه صلى الله عليه وسلم قال (فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وخير دينكم الورع) .

    إذاً هذه النصوص الصحيحة أطلق النبي صلى الله عليه وسلم فيها هذا اللفظ وهذا المصطلح، فهو إذاً مصطلح شرعي نبوي، وليس أيضاً بالضرورة كما تعلمون في المصطلح أن يرد بنصه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فما دام المصطلح لا يعارض النصوص الشرعية فلا مشاحة في الاصطلاح.

    أما الأدلة على معنى الورع دون لفظه فهي أدلة كثيرة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومنها الحديث العظيم الجامع الذي جعله جمع من أهل العلم إحدى الدعائم التي يقوم عليها الإسلام، وهو حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما مشبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه).

    والحديث مشهور في كتب السنة بروايات عدة، ويحفظه الصغير والكبير، وهو قاعدة في التورع مما يشتبه منه، مع أن معنى الورع كما سيأتي يأخذ مدى أبعد من هذا المدى، ودائرة أوسع من هذه الدائرة، والتورع عن المشتبهات والبعد عنها ليس إلا باباً من أبواب الورع.

    ومن الأدلة أيضاً على هذا المعنى حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس) والحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه.

    وأيضاً جاء وابصة بن معبد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له صلى الله عليه وسلم : (جئت تسأل عن البر؟ فقال: نعم، قال له صلى الله عليه وسلم: استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك).

    والحديث رواه الإمام أحمد والدارمي ، وله شاهد أيضاً عند الإمام أحمد من حديث ثعلبة ، وهذا الحديث فيه إيماء وإشارة إلى تلك الحساسية المرهفة التي يملكها عباد الله الصالحون، فصارت نفوسهم تطمئن للبر، وترتاح إليه، وصارت نفوسهم تأنف من المعصية وإن أفتاه الناس وأفتوه.

    ولا شك أن هذا الحديث مع ما فيه من الدلالة على الأمر بالتورع عما حاك في الصدر، وإتيان ما اطمأنت إليه النفس، فهو إشارة إلى حال الصالحين، وإلى حال قلوبهم، التي ترى بنور الله سبحانه وتعالى.

    فتطمئن هذه القلوب للبر، والهدى والتقى والصلاح، وتشعر باشمئزاز ونفور وتردد من الإثم وأسبابه، وحين يفتيها الناس ويفتونها ويبدئون ويعيدون، فإنها لا تطمئن.

    إن هذه إنما هي حال القلوب الصادقة، ولهذا هذا المقياس في مسألة البر والإثم ليس إلا لعباد الله الصالحين، بل لعله أن يكون أمارة نختبر بها قلوبنا، فإن كانت قلوبنا تطمئن للبر والصلاح والتقوى، وتشمئز من المعصية والسيئة وتنفر منها، فهي قلوب صالحة بإذن الله.

    وإن كانت دون ذلك، فهي بحاجة إلى تزكية وإصلاح.

    وهو ليس خطاباً للمخلطين، ليس خطاباً للمعرضين، ليس خطاباً لأولئك الذين ران على قلوبهم، فأصبحت نفوسهم وقلوبهم مأسورة بهواها وشهواتها، فأصبح لا يرى إلا من خلال هذه الزاوية، كم من الناس من يطمئن قلبه ونفسه لمعصية الله سبحانه وتعالى، وإيذاء عباده المؤمنين والمتقين.

    بل كم من الناس من انقلبت الموازين لديه، فأصبحت السيئة حسنة، فصار يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بمعصيته وإيذاء عباده، أرأيتم أولئك الذين كانوا يتقربون إلى الله سبحانه وتعالى، بإيذاء الصالحين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    ويرون هذا ديناً وقربة لله سبحانه وتعالى، في حين كان يسلم من شرهم أهل الأوثان والطغيان والضلال.

    أترون أولئك أصبحت قلوبهم تملك هذا المقياس، لقد اطمأنت قلوبهم إلى إيذاء عباد الله المتقين، إلى إيذاء خيرة خلق الله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بل يتقربون إلى الله عز وجل بذلك، في حين أنهم كانوا يدعون أهل الطغيان والضلال والأوثان.

    إذاً هذا المقياس إنما هو لأولئك الصالحين الذين توجهت قلوبهم لله سبحانه وتعالى، فأصبح القلب لا يحب إلا لله سبحانه وتعالى، ولا يبغض إلا لله عز وجل، ولا يتوجه إلا لله سبحانه وتعالى، وقبلته إلى الله عز وجل لا يفارقها.

    فكما أنه يستقبل هذه القبلة في صلاته ويقف بين يدي الله عز وجل كل يوم خمس مرات، فقلبه إنما قبلته لله سبحانه وتعالى.

    لا يمكن أبداً أن تستقر في قلبه محبة غير الله، أو التوجه له، أو إرادة تخالف إرادة الله سبحانه، أو تخالف أمر الله سبحانه وتعالى وشرعه، لهذا ارتقت هذه النفوس إلى هذا القدر وإلى هذا المستوى، فصارت تطمئن للبر، وتشمئز من الإثم فمنحها الله عز وجل هذا النور، وهذا الفرقان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [الأنفال:29].

    وفي آية أخرى: وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ [الحديد:28].

    إذاً تحدثنا عن الورع في سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    الورع عند السلف الصالح

    ثم ننتقل بعد ذلك إلى بعض التعريفات للورع عن سلف الأمة، وتعرفون جميعاً أن السلف لم يكونوا يعنون بالتحرير المنطقي للتعاريف فتصبح جامعة مانعة، إنما كانوا يقصدون أن يعبروا عن الكلمة بما يقاربها، وبما يفهم السامع.

    قال ابن القيم رحمه الله في المدارج: وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الورع كله في كلمة واحدة فقال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) .

    فهذا يعم الترك لما لا يعني من الكلام والنظر والاستماع والبطش والمشي والفكر وسائر الحركات الظاهرة والباطنة، فهذه الكلمة كافية شافية في الورع .

    وقال إبراهيم بن أدهم: الورع ترك كل شبهة، وترك ما لا يعني هو ترك الفضلات.

    وقال الشبلي : الورع أن يتورع عن كل ما سوى الله.

    وقال إسحاق بن خلف : الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة، والزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة، لأنهما يطلبان في طلب الرياسة.

    وقال أبو سليمان الداراني : الورع أول الزهد، كما أن القناعة أول الرضا.

    وقال يحيى بن معاذ : الورع الوقوف على حد العلم، من غير تأويل.

    وقال: الورع على وجهين: ورع في الظاهر، وورع في الباطن.

    فورع الظاهر: ألا يتحرك إلا لله.

    وورع الباطن: هو أن لا تدخل قلبك سواه.

    وقال: من لم ينظر في الدقيق من الورع، لم يصل إلى الجليل من العطاء.

    وقيل: الورع الخروج من الشهوات وترك السيئات.

    وقيل: من دق في الدنيا ورعه أو نظره، جل في القيامة خطره.

    وقال يونس بن عبيد : الورع الخروج من كل شبهة، ومحاسبة النفس في كل طرفة عين.

    وقال سفيان الثوري : ما رأيت أسهل من الورع، ما حاك في نفسك تتركه.

    وقال سهل : الحلال الذي لا يعصى الله فيه، والصافي منه الذي لا ينسى فيه.

    وسأل الحسن غلاماً فقال له: ما ملاك الدين؟ قال: الورع، قال: فما آفته؟ قال: الطمع، فعجب الحسن منه!

    وقال الحسن : مثقال ذرة من الورع، خيرٌ من ألف مثقال من الصوم والصلاة.

    وقال أبو هريرة : جلساء الله غداً أهل الورع والزهد.

    وقال بعض السلف: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس، ويروى مرفوعاً.

    وقال بعض الصحابة: كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام.

    هذه بعض الأقوال عن السلف حكاها ابن القيم رحمه الله في المدارج حين تحدث عن منزلة الورع.

    والوقت يضيق عن سرد أقوالهم وعباراتهم في ذلك.

    ومنهم من يستعمل الورع مرادفاً للزهد، ومنهم من يفرق بينهم وهو المشهور عند المتأخرين، أن الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة.

    والورع: ترك ما يخشى ضرره.

    فالورع كما سيأتي أعم من الزهد.

    1.   

    قواعد وضوابط في الورع

    بعد ذلك ننتقل إلى النقطة الثالثة وهي قواعد وضوابط في الورع، وهي قواعد مهمة حول الورع، وأكثرها مما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فله حديث حول الورع في مجموع الفتاوى في الجزء العاشر، وفي الجزء العشرين.

    الورع منه واجب ومنه مستحب

    القاعدة الأولى: الورع منه واجب ومنه مستحب، لأن الكثير من الناس حينما يطلق مصطلح الورع ينصرف ذهنه إلى دقائق الورع، والبعد عن المشتبهات، أو الورع عما حاك في الصدر فيرى أن الورع ليس ضمن دائرة الواجبات، إنما هو مقام للخاصة، ومقام للصالحين، وليس واجباً على آحاد الناس.

    يقول شيخ الإسلام: فأما الورع المشروع المستحب الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم، فهو اتقاء ما يخاف أن يكون سبباً للذم والعذاب عند عدم المعارض الراجح، ويدخل في ذلك أداء الواجبات والمشتبهات التي تشبه الواجب، وترك المحرمات والمشتبهات التي تشبه الحرام.

    وإن أدخلت فيه المكروهات قلت نخاف أن تكون سبباً للنقص والعذاب.

    وأما الورع الواجب، فهو اتقاء ما يكون سبباً للذم والعذاب، وهو فعل الواجب وترك المحرم، والفرق بينهما -أي بين الورع الواجب والمستحب- فيما اشتبه أمن الواجب هو أم ليس منه، وما اشتبه تحريمه أمن المحرم أم ليس منه.

    ما لا ريب في حله ليس فيه ورع

    القاعدة الثانية: أن ما لا ريب في حله ليس فيه ورع، بل الورع فيه من التنطع.

    قال رحمه الله: فأما ما لا ريب في حله فليس تركه من الورع، وما لا ريب في سقوطه فليس فعله من الورع.

    لا ورع عند وجود المعارض الراجح

    القاعدة الثالثة: لا ورع عند وجود المعارض الراجح.

    قال رحمه الله: وقولي عند عدم المعارض الراجح فإنه قد لا يترك الحرام البين أو المشتبه إلا عند ترك ما هو حسنة، موقعها في الشريعة أعظم من ترك تلك السيئة.

    مثل من يترك الائتمام بالإمام الفاسق فيترك الجمعة والجماعة والحج والغزو.

    وكذلك قد لا يؤدي الواجب البين أو المشتبه إلا بفعل سيئة أعظم إثماً من تركه، مثل من لا يمكنه أداء الواجبات من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لذوي السلطان إلا بقتال فيه من الفساد أعظم من فساد ظلمه.

    إذاً: الورع ينبغي أن يكون عند عدم المعارض الراجح، فمثلاً قد يتورع شخص كما مثل شيخ الإسلام عن الصلاة خلف الإمام الفاسق، وهذا يعني أن يصلي وحده، فيترك الجماعة التي هي آكد في وجوبها.

    وهذا مدخل كما سيأتي في نهاية الحديث يدخل به الشيطان على الكثير فيصدهم عن الإصلاح، وعن الدعوة وعن إنكار المنكرات بحجة الورع من دخول بعض هذه الميادين أو تلك.

    الورع في الفعل

    القاعدة الرابعة: الورع يكون في الفعل كما هو في الترك، وذلك أن البعض من الناس يعتقد أن الورع لا يكون إلا في الترك.

    يقول شيخ الإسلام : لكن يقع الغلط في الورع من ثلاث جهات، إحداها: اعتقاد كثير من الناس أنه من باب الترك، فلا يرون الورع إلا في ترك الحرام، لا في أداء الواجب، وهذا يبتلى به كثير من المتدينين المتورعة، ترى أحدهم يتورع عن الكلمة الكاذبة، وعن الدرهم فيه شبهة، لكونه من مال ظالم، أو معاملة فاسدة، ويتورع عن الركون إلى الظلمة من أهل البدع في الدين، وذوي الفجور في الدنيا، ومع هذا يترك أموراً واجبة عليه، إما عيناً وإما كفاية وقد تعينت عليه، من صلة رحم، وحق جار ومسكين، وصاحب ويتيم وابن سبيل، وحق مسلم وذي سلطان وذي علم، وعن أمر بمعروف ونهي عن منكر، وعن الجهاد في سبيل الله، إلى غير ذلك مما فيه نفع للخلق في دينهم ودنياهم مما وجب عليه، أو يفعل ذلك لا على وجه العبادة لله تعالى، بل من جهة التكليف ونحو ذلك.

    الورع يحتاج إلى الدليل

    القاعدة الخامسة: أن الورع إنما هو بأدلة الكتاب والسنة.

    قال رحمه الله: الجهة الثانية: من الاعتقاد الفاسد أنه إذا فعل الواجب والمشتبه وترك المحرم والمشتبه.

    أي أن المشتبه يأتي في الواجب ويأتي في المحرم، يأتي في الواجب باعتبار أنه مشتبه هل هل هو واجب أو سنة، وحينها ينبغي على الإنسان أن لا يتركه، حتى لا يتعرض للذم والعقوبة.

    والمشتبه في التحريم وهو الإطلاق الغالب والأعم ما يشتبه بتحريمه.

    يقول: أنه إذا فعل الواجب والمشتبه وترك المحرم والمشتبه فينبغي أن يكون اعتقاد الوجوب والتحريم بأدلة الكتاب والسنة، وبالعلم لا بالهوى، وإلا فكثير من الناس تنفر نفسه عن أشياء لعادة ونحوها، فيكون ذلك مما يقوي تحريمها واشتباهها عنده، ويكون بعضهم في أوهام وظنون كاذبة، فتكون تلك الظنون مبناها على الورع الفاسد، فيكون صاحبه ممن قال الله تعالى فيه: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ [النجم:23].

    ومن هذا الباب الورع الذي ذمه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، لما ترخص في أشياء فبلغه أن أقواماً تنزهوا عنها فقال: (ما بال أقوام يتنزهون عن أشياء أترخص فيها، والله إني لأرجو أن أكون أعلمهم بالله وأزكاهم).

    وفي رواية: (أخشاهم وأعلمهم بحدوده له).

    وكذلك حديث صاحب القبلة، ولهذا يحتاج المتدين المتورع إلى علم كثير بالكتاب والسنة والفقه في الدين، وإلا فقد يفسد تورعه الفاسد أكثر مما يصلحه، كما فعله الكفار، وأهل البدع من الخوارج والروافض وغيرهم.

    إذاً قد يكره الإنسان أمراً، وقد ينفر عن أمر فيتورع حينئذ عنه ومستنده ليس الكتاب والسنة، وضرب شيخ الإسلام أمثلة على ذلك، بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: (أن أقواماً تنزهوا في أمر ترخص فيه صلى الله عليه وسلم) ومثل الحديث المشهور عن الثلاثة الذين جاءوا فتورع أحدهم عن أكل اللحم فقال: لا أكل اللحم، وقال الآخر: لا أصوم ولا أفطر، وقال الأخر: أقوم ولا أنام.

    فتورع هؤلاء ليس من هذا الباب، التورع إنما يكون بأدلة الكتاب والسنة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (أنا أتقاكم لله وأخشاكم له).

    يعني أنه لن يأتي أحدٌ أتقى لله وأخشى من النبي صلى الله عليه وسلم.

    ولهذا فمن تورع فيما لم يتورع فيه صلى الله عليه وسلم فكأن لسان حاله يقول: إنه أتقى لله عز وجل وأخشى له من نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

    لا ورع إلا بإخلاص

    القاعدة السادسة: لا ورع إلا بالإخلاص، فلا بد من الإخلاص، لأنه قد تأتي الإنسان شوائب واعتبارات، فقد يكون له مقام واعتبار، ويرى أنه مما لا يليق بأمثاله أن يفعله أمام الناس، فيكون دافعه لذلك مراءاة الناس.

    وقد يكون دافعه حظ النفس أو هوى النفس أو غيرها من الأمور، فالورع مثله مثل سائر الأعمال الصالحة التي يتقرب بها الإنسان عند الله عز وجل لا بد فيها من الإخلاص، قال: واعلم أن الورع لا ينفع صاحبه فيكون له ثواب إلا بفعل المأمول به من الإخلاص.

    التدقيق في الورع للخاصة

    القاعدة السابعة: ذكرها الحافظ ابن رجب وهي أن التدقيق في مسائل الورع إنما هو للخاصة، وليس لآحاد الناس، قال: وهاهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعماله في التقوى والورع.

    فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة، ثم يريد أن يتورع عن شيء من دقائق الشبه، فإنه لا يحتمل له ذلك، بل ينكر عليه. وهذا حال بعض المتكلفين المرائين يسلك هذا المسلك.

    كما قال ابن عمر لمن سأله عن دم البعوض من أهل العراق: يسألونني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (هما ريحانتاي في الدنيا).

    ونقل بعض النقول عن بعض السلف، هي أمثله على هذا النوع، من ذلك والكلام لا يزال لـابن رجب : وسأل رجل بشر بن الحارث عن رجل له زوجة وأمه تأمره بطلاقها، فقال: إن كان بر أمه في كل شيء، ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل، وإن كان يبرها بطلاق زوجته ثم يقوم بعد ذلك إلى أمه فيضربها فلا يفعل.

    وسئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل يشتري بقلاً ويشترط الخوصة، يعني التي تربط بها حزمة البقل -والمعنى أنه عندما يشتري البقل وهو مربوط بخوصة يشترط على البائع من تدقيقه في الورع أن الخوصة له لأنه في الأصل اشترى البقل ولم يشتر الخوصة- قال أحمد : أيش هذه المسائل، قيل له: إنه إبراهيم بن أبي نعيم ، قال أحمد : إن كان إبراهيم بن أبي نعيم فنعم، هذا يشبه ذاك.

    يعني أن إبراهيم مشهور بالورع والتقوى والصلاح فيحتمل منه هذا الأمر.

    أما الذين لا يتورعون عن الحرام فينكر عليه الإمام أحمد ، والإمام أحمد من هو في الورع والتقوى والصلاح، فيأتينا نقل الآن عنه أنه يتورع عن أشياء ثم ينكر على غيره التورع عنها.

    قال: وإنما أنكر أحمد هذه المسائل ممن لا يشبه حاله، وأما أهل التدقيق في الورع فيشبه حالهم هذا، وقد كان الإمام أحمد يستعمل في نفسه هذا الورع، فإنه أمر من يشتري له سمناً فجاء به على ورقة فأمر برد الورقة إلى البائع.

    وكان أحمد لا يستمد من محابر أصحابه، وإنما يخرج معه محبرة يستمد منها.

    واستأذنه رجل أن يكتب من محبرته فقال له: اكتب فهذا ورع مظلم، واستأذنه آخر في ذلك فتبسم، وقال: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا.

    ولاحظ الآن الفرق فإنه أنكر على الذي يشترط الخوصة، بينما كان هو يعيد الورقة التي يشتري عليها السمن، وهو ينكر على الذي استأذن في استعمال المحبرة إنكاراً غليظاً ويخبره أن هذا ورع مظلم، في حين استأذنه آخر فتبسم وقال: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا.

    يقول ابن رجب : وهذا قاله على وجه التواضع، وإلا فهو كان في نفسه يستعمل هذا الورع، وكان ينكره على من لم يصل إلى هذا المقام، بل يتسامح في المكروهات الظاهرة ويقدم على الشبهات من غير توقف.

    وهذا الأمر مهم أن نعيه ونحن نورد بعض الروايات مثلاً عن السلف في ورعهم، حتى لا نقع في هذا اللغط، والذي له أحياناً آثار سلبية على نفوسنا، فإننا أحوج ما نكون إلى الورع الواجب، وأحوج ما نكون إلى اجتناب المحرمات الظاهرة الواضحة، وأحوج ما نكون إلى إصلاح قلوبنا، فإذا انشغلنا بهذه الدقائق تركت آثاراً على أنفسنا.

    أولاً: تشعر أنفسنا بالزهو وهي لم ترق إلى هذا القدر أصلاً، وتشعر باحتقار الآخرين.

    وأيضاً: تنشغل النفس عما هي أولى به من إصلاح القلب، ومن الورع الواجب.

    1.   

    نماذج من ورع السلف

    ونسوق الآن نماذج من الورع، ولا شك أن أولى النماذج ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك الحديث المشهور في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم: (وجد تمرة في الطريق فقال: لولا أني أخاف أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها).

    معناه أنها تمرة في الطريق فهناك احتمال بعيد أن تكون من تمر الصدقة.

    وتضور صلى الله عليه وسلم ليلة فقيل له في ذلك فقال: (إني وجدت تمرة مسقوطة فأكلتها فأخشى أن تكون من تمر الصدقة).

    وقصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه مشهورة ترويها عائشة رضي الله عنها حين كان له غلام يأتيه بالخراج، فكان يسأله عن الطعام الذي يأتي به فلم يسأله ذات يوم فقال: ما بالك لم تسألني؟ فسأله فأخبره أنه كان تكهن في الجاهلية ولم يحسن الكهانة فجاء وتقاضى هذا فتقيأ أبو بكر رضي الله عنه ما في بطنه، مع أن هذا الأمر لا يلزمه، والطعام ليس حراماً لأنه أكله وهو لم يعلم بتحريمه وهو معذور كل العذر في ذلك، لكن هذا من ورعه رضي الله عنه.

    ومر عبادة بن الصامت رضي الله عنه بقرية دمر فأمر غلاماً أن يقطع له سواكاً من صفصاف على نهر بردى، فمضى ليفعل ثم قال له: ارجع، فإنه إلا يكن بثمن فإنه ييبس فيعود حطباً بثمن.

    ونسوق بعض النقول عن السلف في الورع مع ملاحظة ومراعاة أن النقول عن آحاد السلف ليست حجة، فقد يتحفظ على بعض ما ينقل، لكن هذا الورع في الجملة مطلوب، وهذه النقول في الجملة تعطينا صورة عن حال السلف، لكن لا يعني أن كل ما يفعله آحاد السلف فهو حجة وأمر مطلوب من الناس، مع مراعاة القاعدة التي أشرنا إليها قبل قليل.

    كهمس سقط منه دينار ففتش عنه فلقيه ثم لم يأخذه قال: لعله غيره، لعله غير الدينار الذي سقط مني.

    ويروي الحسن بن عرفة عن ابن المبارك قال: استعرت قلماً بأرض الشام على أن أرده فلما قدمت مرو نظرت فإذا هو معي، فرجعت إلى الشام حتى رددته على صاحبه.

    وكان لـعلي بن الفضيل بن عياضالفضيل بن عياض من الورعين الزهاد وابنه علي كذلك من الورعين وكان توفي رحمه الله في حياة والده، وكان والده يتحدث عن ورعه وزهده- كان له شاة أكلت شيئاً يسيراً من علف أمير فما شرب لها لبناً بعده.

    وسقط من عقدة دنانير فجاء بنخال ليطلبها فقال عقدة : فوجدتها ثم فكرت فقلت: ليس في الدنيا غير دنانيري! فقلت للنخال: هي في ذمتك، وذهبت وتركته.

    وروى ابن أبي الدنيا في الورع أن امرأة من الصالحات أتاها نعي زوجها وهي تعجن، فرفعت يدها من العجين وقالت: هذا طعامٌ قد صار لنا فيه شريك.

    لأن هذا الطعام قد صار للورثة.

    وأخرى أتاها نعي زوجها والسراج يتقد، فأطفأت السراج وقالت: هذا زيت قد صار لنا فيه شريك.

    هذه بعض النماذج من مواقف السلف والأمثلة على ذلك كثيرة، وحين تقرأ في أي كتاب من كتب التراجم لا تخطئك مثل هذه المواقف وغيرها عن سلف الأمة رضوان الله عليهم.

    1.   

    الصحوة والورع

    الورع في الجانب الشخصي

    أخيراً: ننتقل إلى الحديث المهم وهو الصحوة والورع، فتحدثنا حول قضايا لتأصيل الورع وبعض القواعد المهمة فيه، ثم نعود بعد ذلك إلى الحديث عن الصحوة وحاجتها إلى الورع.

    فنحن أولاً نحتاج إلى الورع في الجانب الشخصي، والسلوك عند الناس، بدءاً بالورع الواجب، وهو ما أوجبه الله سبحانه وتعالى من فعل الواجبات، وترك المحرمات.

    ولعلنا نتساءل بأسى وحزن:

    أين نماذج العباد الصالحين، الأخيار الأتقياء، التي كنا نسمع عنها في حياة السلف؟

    أين صور العبادة والإقبال على الله سبحانه وتعالى، والزهد والورع والخوف من الله عز وجل وصلاح القلوب؟

    أين تلك الأحوال التي سقنا بعضها، والتي نسمع عنها من أخبار السلف، فما بالنا لا نرى نماذج منها؟ وما بالنا عندما نسمع هذه القضايا نشكك في صحتها، أو نشكك في نسبتها، أو نبحث عن المعاذير؟ لأننا لم ترق نفوسنا أصلاً لإدراك هذه المعاني؟

    ها نحن نرى جيل الصحوة المبارك وقد ملأ الآفاق، وانتشر بحمد الله وعلا صوته، فهل نرى في جيلنا العباد والزهاد والورعين، نحن لسنا نحكم على الناس، ولا شك أن هذا الجيل فيه خير كثير والحمد لله، لكن أيضاً ألا ترون معي أننا نفتقد هذا الجانب كثيراً في سلوكنا، وأننا أحوج ما ندعو الناس بأعمالنا وسلوكنا.

    إن المقالة التي يقولها المرء قد تحرك القلوب، وتؤثر في النفوس، وقد تسطر وتتداولها الأجيال، لكنها لا يمكن أن ترقى بحال إلى موقف يقف، وحدث يروى فيترك أثراً عظيماً في النفوس أبعد بكثير من آثار هذه الكلمة المجردة.

    فلماذا لا نسعى إلى أن نتمثل هذه النماذج في أنفسنا، فنكون كما أننا ندعو الناس إلى ترك المنكرات بأقوالنا وأعمالنا ندعو الناس إلى الإقبال على العلم الشرعي، وعلى طاعة الله عز وجل بما نقول ونحدث الناس به، ونكون كذلك قدوة في أعمالنا، وفي سلوكنا، وفي صلاحنا واستقامتنا فندعو الناس بأعمالنا وأحوالنا قبل أن ندعوهم بأقوالنا، وأن نكون ممن إذا رءوا ذكر الله عز وجل.

    تربية الناشئة على الورع

    الأمر الثاني: تربية الناشئة وجيل الصحوة على ذلك، كما طرحنا السؤال السابق نطرحه مرة أخرى: ما مدى اعتبار هذا الجانب ضمن أهدافنا التربوية، هل نحن نسعى فعلاً جيل ورع، يتصف بصفات التقوى والصلاح والخوف من الله سبحانه وتعالى؟

    ألسنا نعاني الآن من كثير من الأمراض التي يعاني منها الشباب ويبحث عن الحل والعلاج والمخرج؟

    والعلاج والمخرج هو في الإيمان بالله سبحانه وتعالى والصلاح والتقوى.

    فكم يرى منا الجيل والناشئة من الحديث حول هذه القضايا في مجالسنا وفي دروسنا وفي منتدياتنا، فعلينا أن نحدث الناشئة وأن ندعوهم وأن نربيهم من خلال القول والتعليم والتدريس وأن نربيهم من خلال العمل، والسلوك فيرون فيما نقدمه لهم وفي سلوكنا التورع عما حرم الله.

    نعم لا شك كما قلت أننا نرى جيلاً من الشباب والناشئة قد أقبل على الخير، وأقبل على طاعة الله سبحانه وتعالى، قد أخذ على نفسه أن يصلح ويغير في واقع أمتنا، وصار الناس يتطلعون إلى هذا الجيل، وينظرون إليه نظرة المحب، نظرة من وقع على كنز كان يبحث عنه.

    وينظرون إليه أيضاً نظرة المشفق عليه من الانحراف أو الضياع، والمشفق عليه من كيد أعدائه ومكرهم، وهذا دليل على أن الناس قد بدءوا يشعرون أن هؤلاء يمثلون بإذن الله عز وجل خيط النجاة لهم، وهذا أمر صحيح.

    لكن أيضاً ينبغي أن نربي هذا الجيل الذي يتطلع الناس إليه على الورع وتقوى الله عز وجل، والخوف منه، فإنه يحاط بفتن كثيرة، يحاط بفتن الشهوات، ويحاط بفتن الشبهات، ويحاط بوسائل تصده عن سبيل الله عز وجل وتفتنه عنه، فنخشى أن يكون من بينهم من يؤمن بالله سبحانه وتعالى ويتوجه له لكن تأتيه شهوة من شهوات النفس فتصرفه وتصده.

    أو يكون بينهم ممن قال الله عز وجل فيهم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت:10]. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى [النساء:77].

    إن هؤلاء وأولئك لو تربوا على الورع والإيمان والتقوى والصلاح لسمت نفوسهم، ولاستطاعوا بإذن الله عز وجل وتوفيقه أن يجتازوا هذا البلاء وهذا الامتحان.

    أقول: إن الشباب والفتيات وجيل الصحوة تواجهه فتن العصر الحاضر، فتن الشهوات وفتن الشبهات، وكم نرى ممن يتنكب الطريق، وممن يزيغ يمنة ويسرة، ولو عنينا بتربية الإيمان والتقوى والورع في النفوس لكان ذلك بإذن الله سبحانه وتعالى حاجزاً وسداً مانعاً من مقارفة هذا الفساد والانحراف، ولكان مانعاً بإذن الله عز وجل من ضياع هذه النشأة.

    الورع في ترك السكوت عن المنكرات والدعوة إلى الله

    الأمر الثالث: الورع في ترك السكوت عن المنكرات وترك القعود عن الدعوة.

    ومن العجائب أن ترى من الناس من يقعد ويسكت ويتخاذل ويرى أن هذا ورع، أي أنه يتورع عن الحديث للناس، والتصدر لهم، ويتورع عن نشر علم آتاه الله إياه، ويتورع عن بيان علم قد علمه الله عز وجل إياه، لكنه لا يتورع أن يكون ممن قال الله سبحانه وتعالى فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا [البقرة:159-160].

    فمن يتورع عن أن تصيبه هذه الآية، ومن يتورع أن يكون من أهل هذه الآية!

    إنه قد يتورع أن يقول حقاً رآه أو علمه حتى لا يكون ممن يقول ما لا يفعل، أو حتى لا يعرفه الناس، لكنه ينسى أنه قد يكون ممن يلعنهم الله ويعلنهم اللاعنون، ممن يكتم ما أنزل الله من البينات والهدى، ولا يتورع أن يكون يوم القيامة ممن هو متوعد بأن يلجمه الله بلجام من نار يوم القيامة: (من سئل عن علمٍ فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار).

    إذاً: فكما أننا ينبغي أن نتورع في كلامنا ومنطقنا، فلا يتحدث المرء إلا بما يعلم، ولا يقول إلا ما يحسن، ولا يدعو إلا بعلم، وأن نؤكد على الناس ذلك، فكذلك يجب أن نتورع عن كتمان العلم، يجب أن نتورع عن كتمان حق نعلمه، ويجب أن نعلم أن ذلك مجلبة للعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأن ذلك مجلبة لأن يحق على المرء لعنة الله واللاعنين.

    وقد أخذ الله عز وجل الميثاق على الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران:187].

    أخذ الله عز وجل الميثاق على أهل العلم أن يبينوا وأن يتحدثوا، وأن ينكروا إذا رأوا منكراً، وأن يأمروا بمعروف إذا رأوه معطلا.

    ومن هم أهل العلم؟

    إن أهل العلم هم كل من آتاه الله علماً في مسألة من المسائل، فمن علم أمراً من شرع الله عز وجل وتيقنه فهو من أهل العلم في هذا الميدان، ويصدق عليه قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة:159].

    وكان مما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه كما في حديث عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله).

    وبقية الحديث: (وعلى أن نقول بالحق حيث كنا، لا تأخذنا في الله لومة لائم).

    فلماذا نجتزئ الحديث ونأخذ الشطر الأول منه ونترك بقيته التي تلزمنا المسلم أن يقول بالحق، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن ذلك مما بايع النبي صلى الله عليه وسلم عليه أصحابه.

    إذاً: فالقعود عن المشاركة في الدعوة، والقعود عن إنكار المنكرات وعن تعليم ما يحتاجه الناس، وعن نشر العلم، والخير، وعن نشر كلمة الحق التي يحتاجها الناس، عن بيان ما يرى المرء أنه حق؛ القعود عنه هو أعظم إخلال بالورع، وهو مجلبة لاستحقاق لعنة الله سبحانه وتعالى، ولعنة اللاعنين، وهذا من كيد الشيطان لبعض المتدينين والعابدين؛ أن يروا أن من باب الورع والصلاح والتقوى أن يبتعدوا عن هذا الأمر، وينسون أن يتورعوا عن السكوت عن ما حرم الله عز وجل السكوت عنه.

    تورع الداعية عن القول بغير علم

    الأمر الرابع: في المقابل أن يتورع الداعية عن أن يقول ما لا يعرف: كما أنه يجب أن يتورع فلا يسكت عن حق يعلمه، ولا يتخاذل عن تعليم ما يعلمه، أو عن أمر بمعروف ونهي عن منكر، فكذلك أيضاً يجب أن يتورع فيما يقول، وأن يعلم أنه يوقع عن رب العالمين، وكما أنه يحذر أن ينطبق عليه قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى [البقرة:159]، ويحذر أن ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم فكتمه..) كذلك ينبغي عليه أن يحذر من أن يكون ممن ينطبق عليه قول الله عز وجل: وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33].

    أو ينطبق عليه قول الله سبحانه وتعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].

    فيتورع أيضاً عن أن يقول أمراً لا يرى أنه الحق، أو لا يوقن أنه حق، وعليه أن يعلم أنه مسئول أمام الله عز وجل عن كل كلمة يقولها.

    والمهم في ذلك أن يجتهد، وأن يبذل وسعه، ولو أخطأ في ذلك بعد أن بذل جهده ووسعه فالله سبحانه وتعالى يغفر له، بل هو مأجور على اجتهاده.

    لكن حين تريد أن تقول كلمك تنقل عنك وتسطر عنك، وحين تريد أن تنكر أمراً أو تأمر بأمر فعليك أن تسأل نفسك: هل هذا مما يرضاه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟

    هل هذا مما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم؟

    هل هذا من الحق الذي لا مرية فيه؟ أم أن هناك مداخل، وهناك هوى، فقد يسأل الإنسان فيخشى ألا يجيب فيتهم بنقص العلم.

    أو قد يكون هناك مدخل هوى أو رغبة أو رهبة أو غير ذلك، فعليه أن يتورع أن يتحدث بغير علم، وميدان الدعوة ميدان فسيح يا معشر المسلمين، كثيرة هي الأمور التي نعلمها ونعلم أنها محرمة ولنا فيها ميدان فسيح وواسع، لم تضق الدائرة إلى تلك القضية التي لم تتضح فيها المعالم لنا حتى نتحدث فيها، من من المسلمين يجهل مثلاً أن محبة الكفار وموالاتهم وإعانتهم ونصرتهم ضلال قد توصل المرء إلى الكفر بالله عز وجل؟

    مَنْ مِن المسلمين يجهل أن تحكيم غير شرع الله عز وجل كفرٌ بالله سبحانه وتعالى؟

    مَنْ مِن المسلمين يجهل أن دعاء غير الله والتوجه له، وأن التوسل بالصالحين والتبرك بآثارهم أمرٌ محرم؟

    مَنْ مِن المسلمين يجهل تحريم البدع والسفور والربا والخمر والغناء والظلم والبغي وأكل أموال الناس بالباطل والكذب والغيبة والنميمة، وغيرها من المحرمات الظاهرة التي يعلمها الصغير والكبير؟

    أقول: أمامنا ميدان فسيح من هذه الأمور وهذه المخالفات، فينبغي أن نتحدث في مثل هذه الأمور والمنكرات الظاهرة الواضحة.

    أما دقائق الأمور فحين يعلمها المرء ينبغي أن يتكلم، لكن حين لا يثبت الحكم لديه فله مندوحة، وحين يراجع نفسه ويشعر أن ثمة مأخذ عليه فإنه يتورع ويتركها.

    1.   

    أمور يخل بها كثير من الدعاة

    خامساً: وأخيراً وهي من الأمور المهمة والتي يخل بها الكثير من المنتسبين لجيل الصحوة، ونحن لا شك نحسن الظن أن الخطأ يقع فيها من باب الاجتهاد، والكلام هنا عن باب الورع في المسائل الدعوية والأمور الدعوية، ولنأخذ على ذلك مثالين مما يتسع لهما هذا الوقت.

    الأمر الأول: في الميادين التربوية.

    كثيراً ما نقع في مخالفات شرعية ظاهرة واضحة، وكثيراً ما ننسى الضوابط الشرعية المهمة لمثل هذه الميادين، ونتصور مثلاً أن المربي أو الأستاذ أو الداعية ينبغي أن يعلم.. وينبغي.. وينبغي.. إلى آخره، ونعطيه صلاحيات واسعة تتيح له تجاوز كثير من الضوابط الشرعية.

    فالأصل أن أعراض الناس محفوظة، فلا يجوز الحديث عن أعراض الناس ولا ذمهم ولا غيبتهم، وحين تأتي حاجة تبيح ذلك فإنها ينبغي أن تكون محصورة ضمن هذه الدائرة.

    فأحياناً يغفل المرء عن هذا الأمر فيتوسع في مثل هذه الميادين، وتتحول الحاجة إلى قاعدة عامة، وينسى أن أعراض المسلمين أعراض محفوظة لها حرمتها.

    ومن هؤلاء من يتربون على يديه، فليعلم أن أعراضهم محفوظة، وأنه ينبغي أن يحفظ أعراضهم، وأن يحفظ حقوقهم، وأنه لا يجوز أن يتحدث في أعراضهم إلا حين تكون هناك مصلحة شرعية ظاهرة تبيح له ذلك، وما سوى ذلك فالأصل أن يحفظ أعراضهم.

    والأصل أن ذلك داخل تحت قول الله سبحانه وتعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحجرات:12].

    والتطلع على دقائق أمور الناس وخفاياهم أمر حرمه الله عز وجل، فقال: وَلا تَجَسَّسُوا [الحجرات:12].

    ونهانا أن نتطلع إلى دواخل الناس، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه مأمور بأن يعامل الناس على ظاهرهم، قال: (إني لم أومر أن أنقب عن بطون الناس) .

    وتوعد صلى الله عليه وسلم من يتتبع عورات الناس أن يتتبع الله عورته ويفضحه ولو في جوف بيته، فقال: (من تتبع عورات الناس تتبع الله عورته، حتى يفضحه الله ولو في جوف بيته).

    وهذا نص عام يخاطب كل الناس، يخاطب فيه الطالب والأستاذ والمربي والصغير والكبير، وكون الإنسان يتولى أمراً أو مسئولية لا يعفيه إطلاقاً من النصوص الشرعية، ولا يجيز له أبداً أن يعمل بقانون الطوارئ كما يقال، فيرى أن توليه لهذه المسئولية أو تلك يبيح له تسلق هذه الأسوار وتجاوز هذه الحدود، فهي حدود الله فلا يجوز أن يتعداها.

    والنبي صلى الله عليه وسلم قد أشار إلى هذا المعنى في نهيه صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل المسافر أهله ليلاً، قال: (لئلا يتخونهم يطلب عثراتهم).

    يعني أن الرجل حينما يكون مسافراً فأحياناً قد يفكر أن يأتي لأهله فجأة حتى يكتشف حالهم، ويكتشف أنه لا يكون عندهم مشكلة أو معصية، أو ألا تدخل زوجه أحداً غريباً في البيت، فينهى صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا النوع، وينهى عن طلب العثرات وعن تخون الناس، ويقول صلى الله عليه وسلم: (من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله، فأما الغيرة التي يحب الله فالغيرة في ريبة، والغيرة التي يبغضها الله الغيرة في غير ريبة).

    فالتطلع على دقائق أحوال هؤلاء لا ينبغي ولا يسوغ، بل لا يجوز، وهذا من باب التطلع على عورات الناس.

    وينبغي أن نراجع أنفسنا كثيراً في أعمالنا الدعوية، وفي جهودنا ووسائلنا وبرامجنا، هل هي تنضبط بالضوابط الشرعية أم لا؟ ويجب أن نعرف أن كون الإنسان داعية أو مربياً، وكون الإنسان مصلحاً لا يمكن أبداً أن يعفيه من نصوص الشريعة، وأن شأنه شأن سائر الناس، مخاطب بالنهي عن غيبة المسلمين، مخاطب بالنهي عن احتقارهم، مخاطب بالنهي عن التطلع على أسرارهم، وعما وراء ذلك مما قد يظن أن في هذا الأمر مصلحة شرعية، ولو كان به مصلحة لأجاز النبي صلى الله عليه وسلم للزوج أن يتطلع على زوجته.

    ولو كان فيه مصلحة لاستجازه صلى الله عليه وسلم، وقد نهى صلى الله عليه وسلم من يخبره عن أصحابه، يقول صلى الله عليه وسلم: (ما أحب أن يبلغني أحد عن أحد شيئا) .

    كان إذا أتاه أحد من أصحابه يخبره عن بعض أصحابه لا يرضى صلى الله عليه وسلم فنهى أن يخبر أحد عما في نفوس أصحابه، مع أنه قد يقال: إن المصلحة أن يعرف دقائق أمور أصحابه، حتى يصلحهم أو حتى يدعوهم، لكن المسلم والداعية شأنه شأن غيره يتعامل مع الظاهر، والغالب أن الظاهر مرآة للباطن، وأن ما يخفيه الإنسان لا بد أن يظهر على جوارحه، ولهذا لا يجوز له أن يتطلع ويبحث عما وراء ذلك.

    وقد أشرت إلى أمثلة ونماذج؛ لكن عموماً يجب أن لا يفارقنا الورع في أمورنا التربوية وأمورنا الدعوية، وأن نحسب ألف حساب لعملنا، وأن نشعر أن هذا عمل صالح نتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى فيجب أن ينضبط بالضوابط الشرعية، وأننا مخاطبون كسائر الناس بالآداب الشرعية، وكون هذا العمل عمل دعوة وتربية وعمل إصلاح لا يعفي بحال من الالتزام بالضوابط والنصوص.

    وقل مثل ذلك في الأعمال والبرامج الدعوية العامة، كما نرى الآن من كثير من الدعاة على مستوى العالم الإسلامي، من أعمال وتصرفات وتجاوزات هي مجاوزة لحدود الله عز وجل، كالتحالف مع الأحزاب العلمانية، وأحياناً نرى من الدعاة من يثني على الاشتراكيين، ويثني على الشيوعيين، ويرى أنه يمكن أن يلتقي معهم، ويمكن أن يتحالف معهم، وذلك لأن القضية أحياناً تتحول إلى قضية مكاسب سياسية، وإلى قضية عمل سياسي بعيد عن الضوابط الشرعية.

    ويجب أن نتساءل فعلاً: هل نحن نراجع برامجنا، وهل نحن نراجع وسائلنا وفق الضوابط الشرعية، وهل نضبط أعمالنا بالضوابط الشرعية.

    ويجب أن نفرق بين صورتين، وبين أسلوبين:

    الأسلوب الأول: الذي نتخذ فيه القرار ثم نبحث بعد ذلك لنؤصله تأصيلاً شرعياً.

    الأسلوب الثاني: الذي نأتي فيه متجردين لله عز وجل ونبحث ورائدنا هو الحق.

    أما القضية الأولى: فالنصوص الشرعية لا ترد أحداً، أعني أنه يستطيع كل صاحب الهوى أن يصرفها كما يشاء، فإذا قررت أمراً ثم ذهبت بعد ذلك لتبحث له عن مسوغ شرعي فيمكن أن تجد ألف شبهة وشبهة.

    كما يقول أحد علماء السوء: أعطوني أي قوانين مترجمة، سواء قوانين فرنسية أو إيطالية، وأنا أخرجها لكم على الفقه الحنفي أو على الفقه المالكي أو على غيرهما.

    وأحياناً يكون هؤلاء كذلك، يعني يتحدث عن التأصيل الشرعي، ويؤصل تأصيلاً شرعياً لكن التأصيل الشرعي قضية لاحقة في الحقيقة، وليس مطلوباً عنده ابتداء، وإنما جاء إسكاتاً لأولئك الذين طرحوا هذا التساؤل: ما مدى الانضباط الشرعي في هذا الأمر؟ وما مدى تأقلم هذا العمل وتلاؤمه مع الضوابط الشرعية ومع المنهج الشرعي!

    فيجب إن يكون رائدنا دائماً في أمور الدعوة صغيرة كانت أو كبيرة عامة أو خاصة هو الشرع، ويجب أن نراجع أنفسنا ونتساءل: هل ما نعمله يوافق شرع الله عز وجل، ويوافق أمر الله سبحانه وتعالى أم فيه مخالفة شرعية؟ ونتجرد عن الهوى، وإلا فهذا الباب فيه مداخل كثيرة جداً لا يمكن أن يتخلص منها الإنسان إلا بالورع والتقوى والصلاح والتجرد، نسأل الله الهداية والثبات والصلاح.

    نسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم الورع، ويجعلنا وإياكم من المتورعين المتقين الصالحين إنه سميع مجيب.

    1.   

    الأسئلة

    البدء بالورع الواجب

    السؤال: ما هي المرحلة والمنزلة التي تسبق الورع للأخذ بها؟

    الجواب: أصل الورع قضية مبنية على وهم أشرنا إليه في المحاضرة، وهي شعور الناس أن الورع في ترك الشبهات، وقد قلنا في أول القواعد إن يكون واجباً ويكون مستحباً.

    إذاً: أول قضية الورع عن المحرمات والورع في فعل الواجبات، هذا ضمن دائرة الورع.

    وهذا لا يعذر فيه أحد من المسلمين؛ لكن كلام السلف عن الورع المستحب.

    حكم إجابة دعوة الوليمة المشتملة على منكر ومصلحة

    السؤال: إذا كان هناك من يتورع عن تلبية الدعوة إذا كانت من شخص لديه منكر في منزله، مع العلم أن ذهابه وإجابة الدعوة قد تكون من باب دعوته إلى الله، فما رأيكم في ذلك، علماً بأن صاحب المنكر قريب له؟

    الجواب: إذا كان يترتب على ذلك دعوة وتأديب ورأى أن مصلحة ذهابه خير من بقائه، فينبغي عليه أن يذهب، وهذه الأمور توزن بالموازين الشرعية، فقضية أن عنده منكراً لكن سينكر عليه منكراً آخر، أو يتسبب هجره في وقوعه في منكر أكبر منه، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم هجر الرجل الذي كان يشرب الخمر، لأن هجره قد يوقعه في ما هو أكبر منه.

    التأثر بسير السلف والعجز عن التأسي بهم

    السؤال: عندما نقرأ سيرة من سير السلف ونتدارسها فإننا نتأثر بما نسمع عنهم وبمواقفهم، وربما تأسينا بهم في مثل هذه المواقف، ولكن ما نلبث أن نرجع لحالنا السابقة، وغلب الواقع وتغيرنا، وسأضرب لك مثلاً.

    عندما نقرأ أن السلف كان بعضهم لا يسأل أحداً شيئاً، فيعاهد أحدنا نفسه ألا يسأل أحداً شيئاً، ولكن ما يلبث أن يشعر بالغربة فيرجع لسؤال الناس، فنرجو التوضيح.

    الجواب: هذا من منازل الناس العليا في الصلاح، ونحن ينبغي أن نأخذ منهجاً قبل هذا كله، فأقول: كونه لا يسأل الناس شيئاً هذه منزلة عالية، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم عليها خاصة أصحابه، فأنت حينما تكون أنت عندك مشكلات أصلاً في الثقل عن الواجب والوقوع في الحرام، ينبغي أن تصرف الهمة لعلاج هذا الأمر.

    الفرق بين الورع والغلو

    السؤال: ما الفرق بين الورع والغلو؟

    الجواب: الورع اتباع المشروع، سواء كان واجباً أو مستحباً، والغلو: أن يتكلف المرء ما لم يرد الشرع به.

    العلاقة بين الورع والزهد

    السؤال: ما وجه الارتباط بين الورع والزهد؟

    الجواب: سبق أن أشرنا إلى ذلك، وقلنا إن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخشى ضرره.

    دقائق الورع التي ينهى المقصرون عنها

    السؤال: عندما ذكرتم القاعدة السادسة، وهي أن دقائق الورع لا تكون إلا لخواص الناس الذين استكملوا الحسنات الظاهرة، وتركوا المحرمات عموماً، وذكرتم أنه على هذا فترك دقائق الورع لأمثالنا من المقصرين خير، فهذا صحيح؛ ولكن هذا يعني أن المقصر إذا كان يستطيعه لا يفعله، ولو كان حتى منفرداً مع محاولة هذا الشخص إكمال نفسه وإصلاحها؟

    الجواب: إذا كان يستطيع فليتوجه للأمور الأهم، مثل السنن الشرعية المتأكدة في القرآن وقيام الليل والصدقة والإحسان للناس، وترك المحرمات والمكروهات ويبتعد هذا عن الكلام في الدقائق، لا عن ترك المشتبهات، وضربنا أمثلة بإنسان يستأذن في الأخذ من المحبرة أو يعيد الورقة التي اشترى عليها السمن للذي باعه، مثل أن يأتي إنسان فيأخذ (شوارما) يأكله وبعد أن ينتهي يعيد الورقة إلى صاحبها مثلاً، فهذه دقائق الورع.

    بعض الناس يتصور أن ترك النظر الحرام من دقائق الورع، أو يتصور أن ترك الأمر الذي فيه شبهة من دقائق الورع، وإنما المقصود بدقائق الورع الأمور التي يسوغ للإنسان أن يتركها بكل سهولة.

    ولهذا أنكر السلف على من فعل ذلك لأن الأمر واسع فيها.

    فقضية تحرير الدقائق أمر مهم، لأنه مقياس في أن هذه من الدقائق أم ليست من الدقائق.

    التورع عن فعل الخير

    السؤال: عندما يسأل الشيخ طلابه في مجلس ذكر ونحوه، يتحرز بعض الطلاب عن الإجابة مع كونهم يعرفونها، ويرون ذلك ورعاً، وكذلك إلقاء الدرس ودخول المسابقات وغيره يراه البعض ورعاً فما رأيك؟

    الجواب: هذا ليس من باب الورع، ونحن صراحة بحاجة إلى إبراز الطاقات وإلى تربية النفوس الناشئة، وتعويد الشباب ورفع هممهم.

    ولو كنا نفكر بهذه العقلية فلن نجد الخطيب ولن نجد من ينكر المنكر، ولن نجد من يدرس ولا من يعلم، ولا من يقضي حوائج الناس، بحجة التورع، وهذه ليست تورعاً فإن ي صلى الله عليه وسلم كان يسأل أصحابه وكانوا يجيبون.

    الورع الواجب والورع المستحب

    السؤال: أرجو إعادة ذكر الورع الواجب والورع المستحب وأمثله لكل واحد منهم، وجزاكم الله خيراً.

    الجواب: الورع الواجب هو في ترك الحرام، مثل ترك النظر الحرام، وترك الذهاب إلى مكان يعرف أنه إذا ذهب إليه فإن فيه تبرجاً وسفوراً، فسيرى صوراً فاتنة ومواقف فاتنة وهو لا يملك نفسه، فهذا يجب عليه ألا يذهب، وهذا ورع واجب.

    وكذلك في فعل الواجبات الشرعية، مثل إنسان أمرته والدته بأمر وهو مشغول أو متعب، فيرى أنه من الورع أن يفعل هذا الأمر الذي أمر به، وألا يخل به لأن هذا واجب.

    والورع المستحب في ترك المكروهات، والأمور المشتبهة كما أخبر صلى الله عليه وسلم، وهي مشتبهة بالنسبة للناس، وإلا فالشرع كله واضح، لكن بالنسبة للإنسان قد يشك: هل هي حرام أم حلال، وأضرب لذلك مثالاً: من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء مسألة الأنفحة في الجبن، فإن من المواد التي يصنع منها الجبن الأنفحة، وأنفحة الميتة هل هي نجسة أم طاهرة؟ هذه محل خلاف.

    فحين يتورع الإنسان عن هذا الأمر فهو من الورع المستحب، وخاصة قضية المطعم والمشرب فكل ما تورع فيه الإنسان فهو خير، لأن المطعم له أثر في إجابة الدعوة، لكن لو أن إنساناً استقر عنده أن هذه ظاهرة، وأنها لا تتأثر ولا تنجس بالموت، فقد اتضحت عنده الحقيقة، لكن هي شبهة بالنسبة لغيره.

    ونقول مثل ذلك في معاملاته، فهذه المعاملة قد تكون عندك واضحة أنها مباحة، لكن عند فلان من الناس شبهة، فلهذا قضية الشبهات قضية نسبية بالنسبة للناس، يعني أنه قد يشتبه الأمر على أحد الناس دون غيره، أما في الجملة فلا بد أن يكون الحق قد قال به أحد الناس: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين) .

    حكم ترك المسئولية خوفاً من المساءلة يوم القيامة

    السؤال: هل ترك المسئولية في العمل والنزول إلى عمل ليس فيه مسئولية، والقصد من ذلك الخوف من الله في يوم العرض أن يسأله عن الغير؛ هل هذا نوع من الورع المذموم أو المرغوب؟

    الجواب: يختلف هذا الأمر، إذا كان يوجد من أقرانه من يقوم به، فحينئذٍ ينبغي أن يتورع، وهذا الخوف من تحمل المسئولية.

    لكن حينما يكون الناس الآخرون سيئين، كما لو كان هناك متدينون وعلمانيون فلا ينبغي للصالحين التورع وترك الأمر لأولئك الفجار السيئين، بل حينما يكون البديل رجلاً فاجراً يجب أن نزاحمه، بل من الورع الدخول في هذا الميدان، والورع عدم ترك هذه الميادين لهؤلاء، وينبغي أن نتجاوز هذه العقلية.

    وأعمال السلف تختلف، وهناك قاعدة مهمة -واسمحوا لي ولو استطردت في هذه القضية- لأنه كثيراً ما يحتج الناس بأقوال السلف، وأقوال السلف تختلف:

    أولاً: أقوال آحاد السلف ليست حجة مطلقاً، بل يجب أن تعرض على الكتاب والسنة.

    ثم أقوال آحاد السلف ليست هي منهج السلف، أحياناً إنسان يقول: هذا منهج السلف، أو هذا خلاف منهج السلف، ثم يختار من أقوال السلف ما يؤيد الكلام الذي يقوله، ويترك بقية الأقوال.

    فمنهج السلف أن تجمع كل أقوالهم ثم تناقش القضية على ضوئها، لا أن تختار الأقوال التي تؤيدها ثم تقول هذا منهج السلف، فهذا غير صحيح.

    ثم القضية المهمة التي هي موضع الشاهد هنا: أن السلف عاشوا عصراً، له ظروف معينة، وأوضاع معينة، فحينما يقول أحدهم كلاماً، ويفعل عملاً فإنه ينطبق على عصره، وعلى موطنه، فلا نسوق الكلام الذي قاله ونطبقه على عصرنا، فمثلاً:

    من السلف من عاش في بلاد المغرب أو مصر تحت حكم العبيديين، وقد كانوا باطنيين وكفاراً، فهذا سيكون له قول فيهم غير قول الذي عاش عند هارون الرشيد ، أو عند أبي جعفر المنصور ، أو غير قول الذي عاش عند عمر بن عبد العزيز ، هناك من عاش في المدينة بين الصحابة وبين أبناء الصحابة، وهناك من عاش في الأندلس، وهي بلاد بعيدة وحديثة عهد بالإسلام، فوضع هذا غير وضع ذاك، والأقوال التي يقولها هذا غير الأقوال التي يقولها ذاك.

    فالشاهد أن أقوال السلف مع أنها يجب أن نحفظها ونعنى بها، لكن يجب أيضاً أن نضع في الاعتبار العصر الذي قيلت فيه.

    فهذا حينما يتورع عن توليه المسئولية سيخلفه غيره ومن هو خيرٌ منه، وربما من هو من دونه لكنه فيه خير وعلم وفيه صلاح.

    لكن ما كان أحد من السلف في مسؤلية فيتخلى عنها وهو يعرف أنه سيتولاها علماني، أو رجل صاحب شهوات، لا، لأن القضية تصير كما قال يوسف : اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55].

    ترك العمل خشية الرياء

    السؤال: عندما أعمل خيراً أحس أني أفعل الرياء، وعندما أحاول أن أتخلص منه لا أستطيع التخلص منه؟

    الجواب: إحساسك بالرياء دليل إن شاء الله أنه من العمل الخالص لله، لأن المرائي أصلاً مرتاح من العمل، ويتمنى من الناس أن ينظروا إليه، هذا نوع من الرياء، ونحن نتهم أنفسنا ونراجع أنفسنا ونسأل الله الإخلاص، ولكن لا تترك العمل خوفاً من الرياء، بل اعمل وأخلص النية لله عز وجل.

    وقد قيل: من رأى إخلاصه في إخلاصه فهو غير مخلص.

    يعني: من رأى أنه مخلص فإخلاصه يحتاج إلى مراجعة، والسلف عندهم دقائق وعبارات جميلة حول هذا كما كانت تقول رابعة الشامية : أستغفر الله من قلة صدقي في قولي أستغفر الله.

    وكانوا يقولون: استغفار يحتاج إلى استغفار، أي: أننا يجب أن نستغفر لاستغفارنا، لأنا غير جادين في الاستغفار.

    فكذلك الشعور بالإخلاص لأن المخلص يجب ألا يشعر بهذا، فعلى السائل أن يجاهد نفسه، لكن لا يترك العمل لأجل خوف الرياء.

    حكم الإنكار على الورع وتسميته تنطعاً

    السؤال: نظراً لاختلاف المقاييس بين جيلنا والسلف فإنه ينكر على الشاب كثيراً عندما يريد أن يتورع، ويكون هذا الإنكار من الشباب الملتزمين على أنه تنطع، فما رأي فضيلتكم؟

    الجواب: أحياناً يقال لمن حافظ على صلاة الفجر: إنه متنطع ومتفرغ، الذي يطالب بتغطية وجه المرأة يقال له أيضاً هذا تنطع.

    وهذه مقاييس واسعة، لكن ميزان كل إنسان يكون على حسب دينه وتقواه وورعه، وهو يحس أنه في الوسط، وحس أن الذي أتقى منه غلاة ومتشددون ومتورعون، وكثيراً ما نسمع هذا الكلام.

    وللأسف أن بعض الصالحين الأخيار عندما يرى إنساناً يتورع عن شيء يقول هذا متشدد، ونحن نقول: على الأقل المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وهو قد اختار هذا القول.

    وكم سمعت من كثير من الشباب من يحكم على شخص بأنه متشدد، وهو اتبع مسألة فيها خلاف معتبر، فما دامت المسألة فيها خلاف ورأي معتبر، وهذا اتبع رأياً من آراء: هل العلم، وعنده دليل الكتاب والسنة، فيجب ألا تصفه بذلك، بل هو احتياطاً يا أخي تورع.

    وأما متى يكون الإنسان متشدداً، فذلك حينما يتورع عن حلال ليس فيه شبهة أصلاً، بل هو حلال واضح. حينها يكون الإنسان متشدداً فعلاً وغير متورع.

    أما حين يتورع عن أمر فيه إشكال وفيه شبهة فلا.

    ثم أيضاً هناك فرق بين السلوك الشخصي وبين التحريم والتحليل وإفتاء الناس، فأنا قد أتورع عن طعام في شبهة فأتركه؛ لكنني لا أعتقد تحريمه، ولا أنهى الناس عنه، لكن أتركه تورعاً مثلما ترك النبي صلى الله عليه وسلم التمرة التي رآها وخشي أن تكون تمر الصدقة، مع أنه صلى الله عليه وسلم لا يعتقد أن هذه محرمة، ولم ينه من تحرم عليه الصدقة أن يأكل من مثل هذا التمر الذي يجده، بل هو حلال له لا شك فيه.

    اعتزال الساحة الدعوية لما فيها من خلاف

    السؤال: هذا سؤال طويل حول قضية الخلافات في الساحة الدعوية، ثم يقول: رأيت أن أعتزل الجميع، فهل عملي هذا تورع مشروع؟

    الجواب: لا، بل هذا من مداخل الشيطان، إذا وصل الإنسان إلى حالة اختلطت فيها الأمور عليه فصارت في ليل مدلهم لا إذا أخرج يده لم يكد يراها، حينها يمكن أن يعتزل.

    أما هذه فعليه أن يتبع أقرب الناس إلى الحق، ويسدد ويقارب، أما اعتزالك هذه الميادين الدعوية، واعتزالك من مشاركة أمور الخير، فهو مدعاة لأن تترك الصلاح، وتفوت عنك أبواب كثيرة من أبواب الخير.

    وقد ترى أموراً عند بعض الناس لا تقرهم عليها، مثلاً: يأتينا شخص يعيش في بلاد بعيدة عندهم مخالفات وعندهم بدع، ويسألنا عن عمله هناك في جماعة فيها خير وفيها صلاح لكن عندهم مخالفات وعندهم أخطاء، فنقول له: شاركهم واعمل معهم، واجتنب ما عندهم من الأخطاء، لأنه لا يوجد البديل، وعندما يبقى لوحده يمكن أن يضيع وتتخطفه الشهوات، ولذا يحتاج الإنسان إلى من يعينه حتى يجتنب ما يرى أنه مخالفة شرعية.

    وعملك مع هؤلاء ومشاركتك معهم لا يعني أن توافقهم في كل صغيرة وكبيرة.

    ونكتفي بهذا القدر، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من المتورعين الصالحين المتقين، إنه سبحانه وتعالى سميع قريب مجيب.

    هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017116798

    عدد مرات الحفظ

    723893877