إسلام ويب

تفسير سورة الزخرف [44-45]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما ختم الله رسالاته إلى البشر جعل خاتمها دين الإسلام، وبعث بها أفضل خلقه وأحبهم إليه صلى الله عليه وسلم، وشرف بهذه الرسالة العرب وبخاصة قريشاً التي أعزها الله بهذا الدين وجعل آخر كتبه بلسان قريش تكرمة منه تعالى، ومن ثم فإنه تعالى سيسألهم يوم القيامة عن هذا الشرف الذي حازوه وعن هذا الدين الذي أمروا بحفظه وتبليغه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون)

    قال الله جل جلاله: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف:44].

    يقول ربنا جل جلاله بأن القرآن الكريم تذكير لك يا محمد وشرف لك ولقومك قريش وسائر العرب.

    وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف:44] وسوف تسأل أنت وهم يوم القيامة عن هذا الشرف العظيم، فالقرآن نزل بلغتك ولغة قومك، وهذه الرسالة كانت فيكم معاشر العرب، ماذا صنعتم بها؟ هذا الشرف هل قمتم بواجبه؟ والرسالة هل قمتم بالدعوة إليها وبها؟

    فليس الكبير مسئوليته مسئولية صغيرة، هل قاموا بها كما أمرهم الله جل جلاله؟ ولذلك فإن نبي الله عليه الصلاة والسلام قال في حجة الوداع وهو يخطب: (لعلي لا أراكم بعد عامي هذا، فهل بلغت؟ فيقولون له: نعم قد بلّغت وأديت الأمانة وأحسنت البلاغ، فيشير بأصبعه السبابة إلى السماء ثم إلى القوم ويقول: اللهم اشهد).

    ومعنى ذلك أنه يسألهم في دار الدنيا ليشهدوا له يوم القيامة أنه بلّغ ما أُرسل به، وأدى ما شُرّف به من هذه الرسالة، قال تعالى: وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء:113].

    والقرآن شرف لقومه؛ لأن اللغة التي نزل بها القرآن هي اللغة العربية، والنبي عليه الصلاة والسلام شرف لقومه؛ لأنه من سلالة عبد المطلب وهو من بني هاشم، وبنو هاشم من قريش، وقريش من العرب جميعاً فهو شرف لهم وعز لهم، والله يقول مذكراً لهم بهذا: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف:44] فالقرآن والإسلام والرسول شرف للعرب وذكر للأولين وللآخرين، قال عليه الصلاة والسلام: (لقد كنت نبياً وآدم بين الماء والطين، إنني دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورؤيا أمي، لقد رأت عندما كانت حاملاً بأنه أشرق منها نور أضاءت له قصور الشام وقصور بصرى).

    فكان عليه الصلاة والسلام مذكوراً مشرّفاً قبل أن يخرج لهذا الوجود، بل قبل أن تنفخ الروح في أبيه الأول آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    وقد أحسنت قريش أخذ هذا الأمر -بعد أن ضل من ضل، وعوقب من عوقب ولكن الأمر بقي في قريش بعد ذلك- وكان منهم المهاجرون والرعيل الأول الذي قام على عواتقهم هذا الإسلام العظيم، ففي مدة اثني عشر عاماً في مكة تحملوا العذاب والاضطهاد والإبعاد، وتحملوا أخذ الأموال وإفساد الأزواج وأخذ الغلمان والعبيد، ثم هجروا أوطانهم وذهبوا إلى أرض ما عاشوا وما عاملوا فيها أهلها، واتخذوها موطناً ومسكناً، وكانوا بعد ذلك حملة الرسالة المحمدية لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكان الخلفاء الراشدون منهم، فـأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن كلهم من قريش، فقد علموا لهذا الشرف شرفه وعرفوا له مجده وذكره فازدادوا عبادة لله وطاعة لرسول الله وعملاً بنشر هذا الإسلام.

    1.   

    الانتصارات التي حققها النبي وخلفاؤه الراشدون

    مات النبي عليه الصلاة والسلام وانتقل إلى الرفيق الأعلى وقد أسلمت جزيرة العرب ولم يخرج الإسلام بعد عن الجزيرة، فخطط النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة تبوك للروم، ثم في غزوة مؤتة التي أرسل لها أربعاً من القواد: زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة فاستشهد الجميع وولي القيادة خالد بن الوليد سيف الله وذكر ذلك نبي الله للأقوام وقال: (استلم الراية زيد فاستشهد وجعفر فاستشهد وعبد الله فاستشهد وأمّر نفسه خالد ولم أؤمره وهو سيف الله المسلول).

    وأوصى لـأسامة بن زيد بقيادة الجيش الذي سيحارب الروم وينشر الإسلام في بلادهم، وتوفي النبي عليه الصلاة والسلام وهو يوصي: (ألا فأنفذوا جيش أسامة .. ألا فأنفذوا جيش أسامة، وأخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب، لا دينان في جزيرة العرب). انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى فقام الخلفاء الراشدون بواجبهم تجاه الدين، ففي خلافة عمر نشر الإسلام للعوالم فما كاد يستشهد حتى نشر الإسلام في أرض الشام وأرض العراق وأرض فارس وأرض مصر وأرض البربر؛ فهم الذين كانوا رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم لنشر هذا الإسلام بعده.

    فخلف من بعد ذلك خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وأنذروا من الله وقال لهم: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59] فعاقبهم الله فتقاتلوا فيما بينهم وكان بأسهم بينهم شديداً، وسقط بسلاح بعضهم البعض مئات الآلاف، والذين لو بقوا لنشروا الإسلام في الكون ولما بقي في الأرض إلا مسلم يشهد بشهادة الحق: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    هؤلاء الذين خلفوا الأقوام الأول والقرون الثلاثة الفاضلة عهد الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من القرون التي قال عنها عليه الصلاة والسلام: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، قام الصحابة ثم التابعون ثم تابعوهم بنشر هذا الأمر فما كادت تمضي خمسون عاماً من القرن الأول حتى عم الإسلام الكون من الصين شرقاً إلى جبال برينيه في عمق أوروبا أرض فرنسا وما بينهما.

    ولكن جاء بعد من تلاعب في الحكم الذي كان لكل مسلم الحق في أن يكون له الرأي والمشورة، وإذا بهم حولوها كسروية قيصرية كما تنبأ بذلك عليه الصلاة والسلام عندما قال: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يصبح الملك عضوضاً كسروية قيصرية)، وعندما تمرد من تمرد من البغاة الذين قال عنهم نبي الله في الحديث المتواتر: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار).

    فهؤلاء القوم الذين شرّفهم الله بجعل الرسالة فيهم، وبجعل لغة القرآن ولغة الإسلام لغتهم، بعد ذلك انكبوا وتحالفوا مع كل عدو للإسلام من اليهود القردة والخنازير ومن الصليبيين عبدة مريم وعيسى، وأصبحوا يحاربون دينهم وكتابهم وشرفهم وعزّهم، وأصبحوا عبيداً لليهود وللنصارى ضاربين بالشرف الذي شرفهم الله به عرض الحائط.

    قال ابن تيمية : العرب في أنفسهم سادة الناس، وتمت السيادة بعد ذلك في الجاهلية والإسلام حيث جعل الله الرسالة فيهم والقرآن بلغتهم، ولغة الإسلام بلغتهم.

    وقال عنهم: كان العرب أرضاً خصبة تفتقد الزرع والزارع.. فكان الزرع الإسلام وكان الزارع محمداً عليه الصلاة والسلام، وإذا بها تؤتي من الخيرات والنور والشرف والهداية ما عم الكون، فكانوا أئمة الناس ومعلميهم، وكانوا هداة الناس، وكانوا الفاتحين القلوب للهداية والنور الذي جاء به سيد الخلق وخاتم الأنبياء عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

    وقوله تعالى: وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف:44] أي: وسوف تسألون عن هذا الشرف في أخراكم، ما الذي صنعتم به؟ هل نشرتم دين الله؟ هل قمتم بما عليكم؟ هل نشرتم لغتكم التي جعلها الله لغة كتابه ولغة نبيه ولغة دينه؟ هل كنتم الأئمة والهداة جيلاً بعد جيل وعصراً بعد عصر إلى أن يصبح هذا الإسلام في كل العصور هداية الأقوام إلى يوم القيامة؟

    وسيكون الناس يوم القيامة مسئولين عن أنفسهم، والعرب مسئولون مرتين: مرة في أنفسهم، ومرة عن هذا الشرف الذي شرّفهم الله به من كون لغة القرآن كانت لغتهم، والنبوة كانت فيهم، هل قاموا بما يجب عليهم فيها؟

    والكفر قبيح من كل إنسان وهو أقبح عندما يكون فيمن ينتسب إلى العرب، أيليق بقوم محمد الذين شرّفهم الله بجعل القرآن بلغتهم ولكون النبي منهم أن يقاتلوا المسلمين ويحاربوا دينهم ويكونوا مع اليهود والنصارى على أنفسهم وعلى نبيهم وعلى كتابهم؟

    قال قتادة في هذه الآية: (وإنه لشرف لك ولقومك) دخل في قوم النبي عليه الصلاة والسلام كل من قال: لا إله إلا الله، فقد شرفه الله بالإسلام، وشرّفه بهداية محمد عليه الصلاة والسلام، وأصبح في نفسه مطالباً بعد ذلك بنشر هذا الدين على حسب علمه وعقله وما قدّره الله عليه، قال الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران:110].

    والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض وواجب على كل مسلم، وأكد هذا الفرض وزاد الآية بياناً نبينا عليه الصلاة والسلام، فهو لا يخاطب قومه فقط ولكن يخاطب كل المسلمين فقال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، أي: لا إيمان لمن لم ينكر الباطل بقلبه، وناقص الإيمان من يقدر على إنكار الباطل بيده فلم يفعل، وناقص الإيمان من قدر على إنكار الباطل بلسانه فلم يفعل، ولا إيمان لمن لم ينكر الباطل بقلبه؛ ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (وذلك أضعف الإيمان).

    والإسلام شرف لكل مؤمن، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة) وأعظم نعمة كرم الله بها الإنسان أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأن يكون من أتباع هذا النبي الكريم إمام الأنبياء وخاتمهم، وصفوة الخلق ملكاً وجناً وإنساً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونحمد الله ونشكره بكل خلايا جسومنا أن جعلنا من أمته ومن أتباعه، وأدامنا الله على ذلك إلى لقائه يوم القيامة على الحوض وفي الجنان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون)

    قال تعالى: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف:45].

    دعا النبي عليه الصلاة والسلام كفرة العرب وكفرة العجم إلى توحيد الله وعبادته، فقالوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22]، فهل أنزل بذلك كتاب قبلهم؟ وهل قال بذلك نبي قبلهم؟ فاسأل الأنبياء إن شئت: هل أرسل الله نبياً من الأنبياء بأن يُعبد غير الله، وبأن تكون هناك آلهة دون الله؟

    لم يكن هذا قط، فقد أرسل الله الأنبياء كلهم بدعوة واحدة: أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] أمروا بعبادة الله الواحد، وأمروا الخلق جميعهم بعبادة الله الواحد.

    فالوثنيات والشرك وعبادة الأصنام لم يأت بها كتاب ولا نبي وإنما هي من المخترعات والأكاذيب والأضاليل التي جاء بها الكفرة الفجرة من الأمم السابقة والأمم اللاحقة.

    والله جل جلاله عندما قال: اسأل الرسل، أين سيسألهم؟ فكلهم قد ماتوا قبله إلا عيسى قد رفع إلى السماء، وليس عيسى هو كل الرسل وكل الأنبياء، ومن أجل هذا توقف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب رضي الله عنهما في معنى هذه الآية: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ [الزخرف:45] لأن معناها: أنه يسأل أهل الكتاب من أتباع الأنبياء، هؤلاء الذين ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهم كفرة وثنيون، فاليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا مريم وعيسى، وقالوا عن عيسى: ثالث ثلاثة، وقالوا عن أنفسهم جميعاً: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ [المائدة:18] فكيف يسأل من لم يكونوا يوماً موحدين؟ إن كان المقصود آباءهم فقد انتهوا، وإن كان المقصود من عاصر أنبياءهم فقد انتهوا، فكيف يسأل من عاصروه، والله قد حكى عنهم: أنهم عبدوا عيسى وعبدوا عزيراً وعبدوا مريم وقالوا ما قاله الوثنيون قبلهم يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا [التوبة:30]؟ وكيف يسأل النبي عليه الصلاة والسلام أقواماً كفرة فجرة جاء لتعليمهم وإخراجهم من باطلهم؟

    تبقى الآية كما هي: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا [الزخرف:45] أي: اسأل رسلنا: هل جاءهم الوحي أو أنزلت عليهم كتب أن يجعلوا دون الرحمن آلهة يعبدون؟

    فلقد سألهم رسول الله عليه الصلاة والسلام، فعندما أُسري به عليه الصلاة والسلام في ليلة الإسراء إلى بيت المقدس ( المسجد الأقصى ) -أعاده الله للمسلمين وطرد عنه القردة والخنازير- اجتمع عليه الأنبياء والرسل وأمره جبريل بأن يتقدمهم إماماً، ثم بلغه قول الله تعالى: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا [الزخرف:45]، هل جعل من دون الرحمن آلهة تعبد؟

    وفي رواية وهي الأصح والأشهر وهي رواية جمهور المفسرين والمحققين: أن النبي عليه الصلاة والسلام عندما قال له جبريل: سل، قال: لا أسأل أحداً، أنا مطمئن بقول ربي، عالم بما قال، ولا أسأل عنه أحداً، فما أرسل ربي نبياً إلا وأمره بعبادة الله الواحد، فبذلك آمنت وبذلك اطمأن قلبي دون حاجة إلى سؤال أحد.

    وقيل: إنه سألهم، ولم يصحح هذا المحققون من المفسرين.

    قال صليبي في مجلس عام فيه علماء ومسئولون: أليس في كتابكم أن تسألوا أهل الذكر؟ فنحن أهل الذكر، أليس في كتابكم أن تسألوا من أرسل إليهم من قبل؟ إذاً: أنتم مأمورون في شريعتكم بأن ترجعوا إلينا وتسألونا عما أنزل علينا.

    ولم يوجد في المؤتمر إلا منافقي العلماء، ومنافقي الحكام؛ لأنه لم يرد عليه قوله؛ وهكذا أصبحت الأرض مباحة لليهود يفعلون ما شاءوا، والنصارى يفعلون ما شاءوا، أما المسلمون فإذا تكلموا أو نطقوا كُذّبوا وسجنوا وقيل لهم: لا تتدخلون في السياسة، ولا سياسة في الدين، ولا سياسة في الإسلام؛ وهكذا انقلبت المفاهيم رأساً على عقب، وأصبحوا يمشون على رءوسهم بدلاً من أن يمشوا على أرجلهم، قال تعالى: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف:45] هل أمرنا أحداً من الخلق أو رسولاً من الرسل أن يعبد غير الرحمن؟ الجواب: لا.

    وقد قال عليه الصلاة والسلام بياناً للعشرات من الآيات والسور أن الله أرسل رسله، وأمرهم أن يعبدوا الله ويجتنبوا الطاغوت، وقال نبي الله عليه الصلاة والسلام: (نحن معاشر الأنبياء أبناء علات أبونا واحد وأمهاتنا شتى)، أي: رسالتنا واحدة وكتابنا واحد ولكن دعوتنا مختلفة، والشرائع مختلفة، ولذلك فإن الله تعالى جعل العقيدة والدعوة للعبادة هي دعوة واحدة لجميع الرسل منذ آدم إلى خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أما الشرائع فمختلفة، قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48] والشرعة هي: القوانين والأحكام التي تتغير بتغير الزمان والمكان والأقوام والمصالح، ومن هنا كانت شريعة الإسلام خاتمة الشرائع لا رسالة بعدها، وجاءت بالاجتهاد فيما لا نص فيه، وبالاجتهاد في النصوص المحتملة خصوصاً وعموماً ومطلقاً ومقيداً.

    ومن هنا كان المجتهدون في عصر رسول الله عليه الصلاة والسلام من الصحابة قد اجتهدوا في حياته، وقالوا أقوالاً اختلفوا فيها وكان المحكم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد موته صلى الله عليه وسلم اختلفوا تبعاً لاجتهاداتهم وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر).

    وقد اجتهد رجلان من الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنهما كانا في صحراء فلم يجدا الماء فتيمما فصليا بذلك التيمم ثم وجدوا الماء فأحدهما لم يعد الصلاة والآخر توضأ وأعاد الصلاة، فالنبي عليه الصلاة والسلام جعل أجرين لمن توضأ وأعاد الصلاة، وأخبر الآخر بأنه أصاب السنة.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3042119711

    عدد مرات الحفظ

    731328957