إسلام ويب

كتاب الطهارة [12]للشيخ : محمد يوسف حربة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التطهر بأسار الطهر محل نزاع بين العلماء بين مبيح بإطلاق ومانع بإطلاق، ومفرق بين الرجل والمرأة وكل له دليله. ومما تنازع العلماء فيه التطهر بنبيذ التمر، فذهب الإمام أبو حنيفة لجواز ذلك، وخالفه في ذلك فقهاء الأمصار.

    1.   

    أسار الطهر

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، نحمده ونستغفره ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد وسلم تسليماً كثيراً.

    وبعد:

    فدرسنا اليوم حول المسألة الخامسة: سؤر الرجل والمرأة المسلمين.. أي: باقي طهورهما، سؤرهم يعني: باقي ما يتطهر به الرجل أو المرأة، ما حكمه؟

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ اختلف العلماء في أسآر الطهر على خمسة أقوال:

    فذهب قوم: إلى أن أسآر الطهر طاهرة بإطلاق، وهو مذهب مالك ، و الشافعي و أبي حنيفة ، ورواية عن أحمد اختارها ابن عقيل كما في المغني.

    فقالوا: إن باقي الغسل أو الوضوء من الرجل أو المرأة طاهر، يجوز للآخر أن يتطهر به، فهذا مذهب الأئمة الأربعة.

    وفي المغني عن الإمام أحمد روايات، فمن هذه الروايات رواية وافق فيها الأئمة الثلاثة، وهذه التي اختارها ابن قدامة في المغني، جزء1، صفحة157.

    واختارها ابن عقيل ، كما ذكر صاحب المغني.

    والمذهب هو الأول: أن سؤر الرجل والمرأة طاهر، ولكل واحد أن يتطهر به، وهو مذهب مالك و الشافعي و أبي حنيفة ، وهي رواية عن أحمد اختارها ابن عقيل كما في المغني، جزء1، صفحة157.

    [ وذهب آخرون: إلى أنه لا يجوز للرجل أن يتطهر بسؤر المرأة، ويجوز للمرأة أن تطهر بسؤر الرجل ]، هذا قول في المذهب وهو مذهب ابن حزم ونسبه إلى عمر ، وبه قال سعيد بن المسيب و الحسن البصري و أحمد إذا خلت به.

    هذا المذهب الثاني.

    [ وذهب آخرون.. ] هذا مذهب ثالث [ إلى أنه يجوز للرجل أن يتطهر بسؤر المرأة ما لم تكن المرأة جنباً أو حائضاً ]، وهو قول ابن عمر و الشعبي و الأوزاعي .

    القول الرابع: [ وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز لواحد منهما أن يتطهر بفضل صاحبه إلا أن يشرعا معاً ] وهو رواية عن أحمد .

    المذهب الخامس: [ وقال قوم: لا يجوز وإن شرعا معاً، وهو مذهب أحمد بن حنبل ] هذه النسبة إلى أحمد غير صحيحة، والذي في المغني لـابن قدامة مخالف لهذا، وفيه: (وإذا شرعا فيه جميعاً فلا بأس) هذا قول أحمد ، يقول: ما يجب أن تغتسل به، لكن إذا شرعا جميعاً فلا بأس.

    سبب اختلاف العلماء في أسار الطهر

    [ وسبب اختلافهم في هذا اختلاف الآثار، وذلك أن في ذلك أربعة آثار:

    أحدها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من الجنابة هو وأزواجه من إناء واحد ) ].

    وهذا أخرجه البخاري و مسلم من حديث عائشة : (كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد تختلف أيدينا فيه)، وكذلك أخرج البخاري و مسلم من حديث أم سلمة قالت: ( كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة )، وأخرجه البخاري و مسلم من حديث ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم و ميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد ).

    إذاً: فهذه الثلاثة من الأدلة، ثم قال بعد ذلك:

    [ الثاني: حديث ميمونة : ( أنه اغتسل من فضلها ) ] وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه و أحمد و الطيالسي عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بفضل غسلها من الجنابة).

    وقال الطيالسي : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل أو قال: توضأ بفضل غسلها من الجنابة )، وهو حديث صحيح.

    وأخرج الإمام مسلم من حديث ابن عباس : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ واغتسل بفضل ميمونة )، وهذا الحديث يفيد جواز الغسل والوضوء بفضل المرأة.

    أما الحديث الثالث: [ فحديث الحكم الغفاري أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة)، أخرجه أبو داود و الترمذي ] وقال: حديث حسن.

    وأخرجه كذلك البخاري في التاريخ و البيهقي ، وهو حديث صحيح، صححه الألباني في الإرواء.

    إذاً فهذا الحديث فيه نهي الرجل أن يغتسل بفضل المرأة.

    الحديث الرابع: [ حديث عبد الله بن سرجس قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان معاً ) ] وهذا الحديث أخرجه ابن حبان و الطحاوي وهو حديث صحيح.

    فهذه أربعة أحاديث يصعب الجمع بينها.

    [ فذهب العلماء في تأويل هذه الأحاديث مذهبين: مذهب الترجيح، ومذهب الجمع في بعض والترجيح في بعض ] بعضهم سلك مذهب الترجيح، وبعضهم قالوا: نجمع بين بعض الأحاديث ونترك بعض الأحاديث؛ لأن التي جمعنا بينها أقوى، ومتساوية وممكن.

    [ أما من رجح حديث اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم.. ] وهو الحديث الأول [ مع أزواجه من إناء واحد على سائر الأحاديث؛ لأنه مما اتفق الصحاح على تخريجه ]: البخاري و مسلم ، وفيه: أنهما اغتسلا معاً، أنه كان يغتسل بفضلها وتغتسل بفضله، وهو أقوى الأحاديث، فهو يفيد ثلاثة أحكام: يغتسلان معاً، يغتسل بفضلها، تغتسل بفضله، والخمسة الأحاديث كلها دونه، وقال: هذا حديث ثابت في صحيح البخاري و مسلم وتلك الأحاديث لا تقاومه.

    [ ولم يكن عنده فرق بين أن يغتسلا معاً، أو يغتسل كل واحد منهما بفضل صاحبه؛ لأن المغتسلين معاً كل واحد منهما مغتسل بفضل صاحبه وصحح حديث ميمونة مع هذا الحديث ورجحه.. ] فحديث ميمونة يؤيد هذا الحديث؛ لأنه: ( اغتسل بفضل ميمونة )، وفي هذا الحديث يقول: يجوز للرجل أن يغتسل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل. [ وصحح حديث ميمونة مع هذا الحديث، ورجحه على حديث الغفاري ] الذي ينهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة. [ وقال: بطهر الأسآر على الإطلاق ] وهذا مذهب الأئمة الأربعة: الجمهور.

    [ وأما من رجح حديث الغفاري على حديث ميمونة ، وهو مذهب أبي محمد بن حزم ، وجمع بين حديث الغفاري وحديث اغتسال النبي مع أزواجه من إناء واحد بأن فرق بين الاغتسال معاً، وبين أن يغتسل أحدهما بفضل الآخر ] فقال: الاغتسال معاً. لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كما ورد في حديث الغفاري : ( نهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة )، وهذا ظاهر، ولكن اغتساله معها لا يوجد فيه مخالفة، فقال: قد عملت بحديث الغفاري وحديث ميمونة لأنه أقوى.

    وهذا مذهب ابن حزم ، فعمل بالحديثين فقط [ أجاز للرجل أن يتطهر مع المرأة من إناء واحد، ولم يجز أن يتطهر هو بفضل طهورها، وأجاز أن تتطهر هي من فضل طهره.

    وأما من ذهب مذهب الجمع بين الأحاديث كلها ما خلا حديث ميمونة ] الذي فيه جواز الاغتسال بفضل المرأة [ فإنه أخذ بحديث عبد الله بن سرجس ؛ لأنه يمكن أن يجتمع عليه حديث الغفاري ] وحديث عبد الله بن سرجس هو ( نهى أن يغتسل الرجل بفضل الرجل، والرجل بفضل المرأة )، فقال هذا فيه زيادة على حديث الغفاري ، والزيادة مقبولة، ولا يناقضه حديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم اغتسل هو وأزواجه، وما بقي معنا إلا حديث ميمونة : أنه اغتسل بفضلها، فهذا ضعيف ولا يقابل هذه الثلاثة، يعني قارب، وهو ليس ببعيد.

    [ وحديث غسل النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه من إناء واحد، ويكون فيه زيادة.. ] يعني: زيادة على حديث الغفاري [ وهو حديث خرجه مسلم ، لكن قد أعله كما قلنا بعض الناس من بعض رواته قال فيه: أكثر ظني، وأكثر علمي أن أبا الشعثاء حدثني ] فصار عنده شك هل حدثه أبو الشعثاء أو لم حدثه؟! وهذا الحديث فيه شيء.

    [ وأما من لم يجز لواحد منهما أن يتطهر بفضل صاحبه ولا يشرعان معاً، فلعله لم يبلغه من الأحاديث إلا حديث الحكم الغفاري وقاس الرجل على المرأة ] ولا يشرعا معاً، قال: لا يجوز لهذا، ولا يجوز لهذا، ولا يشرعا معاً.

    قال: [ وأما من نهى عن سؤر المرأة الجنب، والحائض فقط، فلست أعلم له حجة إلا أنه مروي عن بعض السلف أحسبه عن ابن عمر ].

    جمع الحافظ بين الأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل المرأة وإباحته

    أقول: نقل الحافظ في الفتح عن أحمد : أن الأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل المرأة، وفي جواز ذلك مضطربة، أي: مختلفة لا يمكن الجمع بينهما.

    ثم قال الحافظ : وقول أحمد هذا إنما يصار إليه عند تعذر الجمع وهو ممكن -الجمع ممكن- ثم حمل النهي فيها على التنزيه جمعاً بين الأدلة.

    قلت أنا: وهذا أقرب ما يقال فيها: أنه يكره أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، وأن تغتسل المرأة بفضل الرجل، ولكنهما إذا اغتسلا فذلك جائز.

    وجمع الحافظ أقرب الطرق في الجمع وهو أن النهي للكراهة، والأحاديث الذي فيها فعل ذلك لبيان الجواز، وهذا أحسن من العمل ببعض الأحاديث وترك بعضها ويكون جمع حسن.

    1.   

    الوضوء بنبيذ التمر

    [ المسألة السادسة: الوضوء بنبيذ التمر.. ] وفيها قول واحد.

    [ صار أبو حنيفة من بين معظم أصحابه وفقهاء الأمصار إلى إجازة الوضوء بنبيذ التمر في السفر لحديث ابن عباس : ( أن ابن مسعود خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل معك من ماء؟ فقال: معي نبيذ في إداوتي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اصبب، فتوضأ به، وقال: شراب وطهور )، وحديث أبي رافع مولى ابن عمر عن عبد الله بن مسعود بمثله، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثمرة طيبة وماء طهور )، وزعموا.. ] يعني: الحنفية [ أنه منسوب إلى الصحابة: علي و ابن عباس ، وأنه لا مخالف لهم من الصحابة، فكان كالإجماع عندهم ] يعني: أن الصحابة أجمعوا، والحديثان ضعيفان.

    مناقشة أدلة من يرى الوضوء بنبيذ التمر

    [ ورد أهل الحديث هذا الخبر ولم يقبلوه؛ لضعف رواته ] فالحديث ضعيف [ ولأنه قد روي من طرق أوثق من هذه الطرق: أن ابن مسعود لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ]، أخرجه الإمام مسلم .

    [ واحتج الجمهور لرد هذا الحديث بقوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43] ] يعني: ولم يقل: ماء ونبيذاً، قال: ((مَاءً))، ما جعل هناك شيئاً وسيطاً بين التيمم والماء. إذا لم يوجد ماء تيمم، ولم يقل إذا لم يوجد ماء توضأ بالنبيذ.

    [ قالوا: فلم يجعل هاهنا وسطا بين الماء والصعيد، وبقوله عليه الصلاة والسلام: ( الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء إلى عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته ) ].

    والراجح مذهب الجمهور. لكن أراد أن يرفعهم ثم أسقطهم، أراد أن يرفعه من جهة ثم قال: أنتم أسقطتم أنفسكم. قال: [ ولهم أن يقولوا.. ] أي: الحنفية [ إن هذا.. ] أي: النبيذ [ قد أطلق عليه في الحديث اسم الماء ] قال: (وماء طهور)، أطلق عليه اسم الماء، إذاً فيدخل في قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً[النساء:43]، الماء المطلق والنبيذ؛ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]، فيقول: الحديث هذا -على فرض صحته- قد زادنا على الآية النبيذ.

    الآية تكلمت عن الماء، والحديث إذا كان صحيحاً زاد النبيذ.

    ومذهب الجمهور -غير الحنفية- أن زيادة السنة على القرآن إذا سكت عنها القرآن ولم يعارضها مقبولة.

    لكن قال: [ والزيادة لا تقتضي نسخاً.. ] لا تقتضي نسخاً عند الجمهور يعني. أما هم فيقولون: لا، الزيادة من السنة على القرآن تقتضي النسخ، والقرآن لا ينسخ بالسنة، فلا نقبل أي حديث -ولو صح- إذا كان يزيد شيئاً على القرآن.

    إذاً نقول لهم: لو صح معكم هذا الحديث فسيقبله الجمهور، وأنتم على قواعدكم لا يجوز لكم أن تعملوا به.

    فالجمهور لم يردوه من حيث أنه زيادة على القرآن وإنما ردوه؛ لأنه ضعيف.

    وهم قبلوه وهو ضعيف، أولاً: أنه ضعيف.

    وثانياً: أنهم خرموا القاعدة التي اتفقوا عليها في علم الأصول عندهم، وهي: أن الزيادة على القرآن تقتضي النسخ.

    ومن كلامهم في ذلك: أن الله سبحانه وتعالى أمر في الزاني والزانية المحصنين أن يجلدا، ولم يذكر في القرآن التغريب، ولكنه جاء في حديث صحيح: ( البكر بالبكر، جلد مائة وتغريب عام )، فقالوا: لا نقبله، وإن كان صحيحاً كيف ينسخ القرآن؟!

    قلنا: هذا القرآن ما قال: لا تغربوا، قال: الجلد مائة وسكت، وهذا زادكم حكماً، قالوا: لا، زادنا حكماً كيف ينسخ القرآن، كأن القرآن يقول: لا تغربوه.

    إذاً فيلزمهم من هذا الكلام أن نقول: أن النبيذ زاد حكماً لا نقبله.

    ومثل ذلك قوله سبحانه وتعالى في قبول شهادة الرجلين: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ [البقرة:282]، وسكت، فجاء الحديث: ( رجل ويمين..)، فقالوا: ما نقبله، قلنا لهم: هذا حديث صحيح، فقالوا: ما نقبله؛ لأنه ينسخ به القرآن.

    فإذاً لو فرضنا أن حديث النبيذ صحيح مائة بالمائة، وموجود في البخاري و مسلم فلا يجوز لهم أن يعملوا به، فنقول لهم: إذا علمتم به فستخرمون قاعدتكم التي أنتم بانون عليها أحكاماً فإن اعترض على هذه القاعدة بقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا[المائدة:38]، حيث لم يحدد لا نصاباً ولا حدداً، فقال: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا[المائدة:38]، لم يبين فيه الحد، وسكت عنه فبينه الذي هو القطع، ولكن هنا قالوا: بين الحد، فكأن القرآن قال: أن المائة كافية والحديث جاء وقال: أن المائة غير كافية!

    [ ولهم أن يقولوا: إن هذا قد أطلق عليه في الحديث اسم الماء، والزيادة لا تقتضي نسخاً فيعارضها الكتاب، لكن هذا مخالف لقولهم إن الزيادة نسخ ].

    يراد بهذا: أن المقرر في أصول الحنفية أنه لو جاء نص من السنة بزيادة حكم على نص في القرآن مسكوت فيه عن ذلك الحكم؛ فالزيادة التي في نص السنة تعد من قبيل النسخ، والمقرر عند الجمهور من أهل الأصول أن السنة لا تنسخ القرآن.

    الجمهور يقولون: لا تنسخ، فهم اتفقوا مع الجمهور أن السنة لا تنسخ القرآن، وبعدما اتفقوا مع الجمهور زادوا شيئاً، فقالوا: إن الزيادة من السنة تنسخ، والجمهور يقولون: لا تنسخ، فقال الجمهور: نحن معكم أن السنة لا تنسخ القرآن، لكن هذه ليست بنسخ، هذا حكم مسكوت عنه زادته السنة.

    الخلاصة: أن السنة لا تنسخ القرآن واتفق عليه الحنفية والجمهور، لكن الزيادة على النص هل هي نسخ أو غير نسخ؟

    الجمهور يقولون: لا نسخ، فتمشوا مع الجمهور وقالوا: نحن معكم يا جمهور على أن السنة لا تنسخ. لكن معنا شيء آخر؟ وهو أن القرآن إذا ذكر حكماً واحداً وجاءت السنة بزيادة، فهو نسخ، ولا تقبلوها، فقال الجمهور: لا، الزيادة مثل النسخ، فهم ردوا عليهم من كتبهم.

    فعند الجمهور لا تنسخ القرآن وبقاعدتهم -أي: الحنفية- هذه: أن الزيادة نسخت رد التغريب في حد الزنا، وقبول الشاهد واليمين الواردة في السنة؛ بحجة أنها زيادة من السنة على القرآن، والسنة لا تنسخ القرآن.

    فعلى هذا يقول ابن رشد :

    يلزم على قاعدتهم الأصولية: أن يكون ما في حديث ابن مسعود أن النبيذ ماء طهور، زيادة على القرآن، حيث قصر الماء على الماء المطلق في قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً [النساء:43]، والقرآن لا ينسخ بالسنة؛ فيلزم على قاعدتهم عدم قبول حديث ابن مسعود حتى ولو كان صحيحاً.

    لأن القرآن نص على الماء المطلق، والحديث نص: على أن النبيذ ماء.

    ولكن الحديث ضعيف؛ فلا يصلح أن يأتي بحكم جديد سكت عنه القرآن حتى على مذهب غيرهم من جماهير الأصوليين والفقهاء القائلين: بأن الزيادة لا تقتضي النسخ.

    الخلاصة: أنه أراد أن يستدل لهم بدليل، ولكن بدل ما استدل لهم، وقال: أن الحديث له زيادة على الآية القرآنية، لما استدل الجمهور بالآية القرآنية وأنه لم يجعل واسطة بين الماء المطلق والتيمم، أراد الشيخ ابن رشد أن يستدل لهم، فقالوا: لا، قال: بل واسطة، وهو ما ثبت في الحديث بأنه ماء طهور، بمعنى الماء المطلق ماء طهور، والنبيذ ماء طهور، لكنه بعد أن استدل لهم بهذا، قال: لا يصلح أن أستدل لهم وعندهم قاعدة: أن الزيادة على القرآن نسخ؛ إذاً سقط كلامهم. فالحديث ضعيف، ولو كان صحيحاً فلا يجوز لهم أن يستعملوه.

    فنحن لما قرأنا كلام ابن رشد وهو برقية، كلامه كالبرقيات الصغار.

    إنما يفهمه أهل العلم؛ لأنك لو اطلعت على هذين السطرين فما تدري ما يريد بهما، فأردت أن أشرح هذين السطرين حتى تفهموا ما يريده ابن رشد .

    وإلى هنا تنتهي..

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك اللهم ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007963490

    عدد مرات الحفظ

    720629369