إسلام ويب

تاريخ القرآن الكريم [1]للشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما تميز به القرآن عن الكتب السابقة أنه محفوظ من التحريف اللفظي، وأنه سهل الحفظ والتلاوة، فلا يوجد كتاب حفظ في الصدور سوى القرآن. وقد أشار القرآن إلى الحفظ بنوعيه: حفظ السطور، وحفظ الصدور، فاسمه الكتاب إشارة إلى حفظ السطور، واسمه القرآن إشارة إلى حفظ الصدور.

    1.   

    السبب في دراسة تاريخ القرآن

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    وبعد:

    قال الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل:1-5].

    ثم السلام على الآل الكرام، وعلى الصحب العظام الذين نقلوا لنا هذا الكتاب العزيز، ووصلنا كما سمعوه من النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

    ثم أما بعد:

    الحديث عن تاريخ القرآن حديث ذو شجون، وله أطراف متناثرة وتفريعات متكاثرة، وكما تشاهدون اليوم ما يلاقيه هذا الكتاب من الهجمة الشرسة التي نراها، وهي قد تكون من أشد الهجمات، لما نرى من انتشار وسائل الإعلام وإيصالها لمثل هذه الهجمات الشرسة إلى كل بيت.

    ومع هذه الهجمة الشرسة يقابلها بحمد الله عودة قوية كما نلاحظ أيضاً من المسلمين إلى كتاب ربهم، ترون عودة إلى قراءته وإلى حفظه وإلى تفسيره وإلى تدبره، ونحن بحمد الله نشهد عودة واضحة جداً في أقطار المعمورة وليس فقط في مكان ما، فهذه نعمة من الله سبحانه وتعالى من بها علينا، وهي نعمة تحتاج إلى شكر، ومن أكبر ما تشكر به هذه النعمة هو بثها والحرص عليها والمداوة، فمن كان له طرف فيما يتعلق بالقرآن، إما من جهة قراءته، وإما من جهة حفظه، وإما من جهة تفسيره وتدبره، وإما من جهة الإعانة على أي شيء يتعلق به فعليه أن يتمسك بهذا، وأن يداوم عليه فهذا هو شكر مثل هذه النعم.

    لما كان الأمر كما قلت خصوصاً مما يتعلق بتلك الهجمة الشرسة، وكان أيضاً بعض المناوئين وبعض الباحثين الذين اتخذوا مناهج علمية خاصة لتقويم تاريخ القرآن وهي مناهج فيها نظر، وإن كان بعض هؤلاء قد يكون عنده صدق النية في البحث العلمي إلا أنه ينقصه الكثير لتحرير مسائل تاريخ القرآن، لما كان الأمر كذلك لزمت الإشارة إلى قضايا مهمة في هذا الموضوع أطرحها بين يديكم، وإني أسال الله سبحانه وتعالى أن يسددني في القول، وأن ينفعني وإياكم بما نقول ونسمع.

    فشل المناوئين للقرآن

    مما يجب أن يعلم يقيناً أن دعاوى المناوئين والهجمات التي ذكرتها لكم، هذه المحاولات لإسقاط القرآن مهما بلغت في القوة فإنها ستبوء بالفشل قطعاً، ولا ريب في ذلك عندنا نحن المسلمين، يقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:41-42].

    وهؤلاء يصدق فيهم قول الشاعر:

    كناطح صخرة يوماً ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

    فهم كما قال الشاعر في هذا وعل يصطدم بصخرة عظيمة فتتكسر قرونه، وهذا هو الذي سيحصل.

    وهؤلاء القوم لو دخلوا القرآن لطلب الحق، كما قال الله سبحانه وتعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82]، لو كانوا يريدون الحق لوصلوا إليه بلا شك، ويكفي في ذلك الإقرار منهم بصحة هذا الكتاب، وبأنه نزل من عند الله سبحانه وتعالى، وأما مسألة الإيمان فهذه مسألة أخرى، وهي مرتبطة بهداية الله سبحانه وتعالى.

    وأقول يقيناً: من دخل وهو يريد أن يقرأ هذا الكتاب من هذه النظرة، فإنه سيصل إلى هذه النتيجة لا محالة، وقد علمنا من خلال القصص الكثيرة أن بعض هؤلاء قد دخل للطعن في القرآن فآل الأمر به إلى الإيمان بالقرآن، وأنه منزل من عند الله، وصار من المسلمين المؤمنين، ولله الحمد والمنة.

    بما أننا نحن أصحاب الحق، ونجزم يقيناً أن هذا القرآن حق، وأنه نازل من عند الله سبحانه وتعالى، فإنه يجب علينا أن نعرف هذا الحق الذي في كتابنا، والمتعلق بكتابنا أولاً، ثم نجتهد في توضيحه للناس، وإن أي مناقشة علمية فيما يتعلق بهذا الموضوع لا تعدو أن تكون من باب النظر في مسائل قد يدخلها الاجتهاد في بعضها، وليست محطات مرتبطة بثوابت، ولذا لا تثريب على من يتكلم من الباحثين في مثل هذا الموضوع، ولا خوف من ذلك، ما دام يملك الأداة التي توصله إلى مناقشة مثل هذا الموضوع.

    وأنا ألاحظ أن بعض طلبة العلم يتخوفون أحياناً من طرق مثل هذه الموضوعات، وهذا التخوف وإن كان جزء منه له ما يعضده إلا أن إغلاق الباب لا يصلح؛ لأن الباب قد كسر، ومن يفتح الإنترنت يجد من الهجمات على هذا الكتاب الشيء الكثير، وقد رأيت كثيراً منها، ولكن عندي من اليقين أن من يكتب هذا الكلام صاحب شبهة أو شهوة، لا يريد الوصول إلى الحق، فهو يثير غباراً سرعان ما ينقشع.

    لكن ما هو دورنا نحن؟ الكتاب كتاب الله، نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وقد تكفل الله بحفظه حيث قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، فهذا عندنا يقين لا شك فيه.

    لكن المسألة ترجع إلينا نحن ماذا نستطيع أن نقدم لهذا الكتاب؟ هذا الذي يجب أن نسأل أنفسنا وأن نعمل من أجله، وليس أن نتتبع الشبهات وأن نرد عليها؛ لأن كثيراً من هذه الشبهات كما قلت: أشبه بالغبار الذي يزول سريعاً ليس فيها شيء، ولعلي من خلال ما سأطرحه يتبين إن شاء الله رد كثير من هذه الشبهات، وإن كنت لن أعرض لها قصداً؛ لأنه ليس المراد من هذا الدرس أن نذكر الشبه، وإنما المراد أن نناقش قضايا علمية مرتبطة بتاريخ القرآن لنكون على يقين: كيف وصل إلينا هذا الكتاب!

    1.   

    المواضيع التي ستدرس في تاريخ القرآن

    فإذاً: المناقشة ستدور حول هذا وما يمكن أن يعرض منها فهو على سبيل الاستطراد، وليس من باب الأصالة في هذه المحاضرات التي سألقيها، لكني قد أذكر أحياناً بأن هذه الفائدة العلمية يرد بها على من يقول كذا، وهذه الفائدة العلمية يرد بها على من يقول كذا، وقد يظهر أيضاً من بعض ما سألقيه هذا، بل قد يكون وهذا لا شك عندي فيه قد يكون عند كثير منكم أشياء يمكن أيضاً أن تضاف.

    هذا الموضوع كما قلت له أطرف مترامية سأجتهد أن أتكلم فيه عن مقدمات عامة فيما يتعلق بالوحي وما يرتبط به، ثم سنناقش قضية القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان، ثم سنناقش في مرحلة عهد أبي بكر الصديق إلى عهد عثمان ، ثم سنناقش مرحلة عهد عثمان رضي الله عنه التي استقر فيها المصحف العثماني، ثم ما تبع هذه المراحل بإيجاز؛ لأن العقدة الكبرى هي في هذه المراحل الثلاث، وما بعد هذه المراحل الثلاث لا يأتينا إلا ما يتعلق بقضية القراءات واختلاف القراءات، وهذه إن شاء الله سنأتي إليها بشيء من التفصيل والتذليل بإذن الله.

    1.   

    مسائل متعلقة بالوحي

    تعريف الوحي

    لو رجعنا إلى القرآن لوجدنا أنه في أصله وحي أوحاه الله سبحانه وتعالى إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فنحتاج إلى أن ننظر فيما يتعلق بالوحي، ما هو الوحي؟

    الوحي تعريفاته كثيرة، لكن تجمع هذه التعريفات على أمرين:

    الأمر الأول: أنه إعلام.

    والأمر الثاني: أنه بخفاء.

    إذاً: الوحي هو: إعلام بخفاء، هذا الإعلام بخفاء هو: إعلام من الله سبحانه وتعالى لمن اصطفاه برسالته، يخبره فيه عن كل ما يريد أن يطلعه عليه، سواء كانت من الأمور المرتبطة بالشرائع أو المرتبطة بالعقائد أو مرتبطة بالتاريخ. فعندنا شرائع، وعقائد، وتاريخ.

    فأي شيء يتعلق بهذه الأشياء مما يخبر الله سبحانه وتعالى نبيه فإنه يعتبر من الوحي، لن نتطرق هنا إلى أنواع الوحي؛ لأننا سنأتي إلى تفصيلها، لكن نتكلم الآن نحن عن معنى الوحي جملة، أما الذي ينزل به الوحي؟ كيف يتلقى الوحي؟ فهذه قضايا سنأتي إليها إن شاء الله لاحقاً.

    لكن المقصود الآن هو الإشارة العامة إلى معنى الوحي؟

    فإذاً: الوحي هو صلة بين الله سبحانه وتعالى من جهة وبين المصطفى من رسله من جهة أخرى، إما بواسطة وإما بغير واسطة على حسب ما سيأتي إن شاء الله بالتفصيل.

    الوحي عند أتباع الشرائع وغيرهم

    هذا الوحي إذا نظرنا فيه فسنجد أن قضية الوحي أو الإيمان بالوحي أصلاً موجوداً في جميع الشرائع؛ لأنها قائمة على الوحي، بمعنى: أن النصراني الأصل عنده الإيمان بالوحي؛ لأنه يربط هذا النبي وهو عيسى عليه السلام برسالة من الله سبحانه وتعالى، وكذلك اليهودي يربط موسى عليه السلام، وكذلك من جاء بعده من أنبياء بني إسرائيل أيضاً برسالة من الله سبحانه وتعالى.

    فإذاً: الوحي يتفق في الإيمان به جميع أتباع الشرائع بغض النظر هل يؤمنون بالوحي الذي نزل على فلان أو بالوحي الذي نزل على فلان، هذه مسألة أخرى.

    لكن المقصود: أن قضية الوحي هذه قضية مستقرة عند أتباع الأنبياء.

    أما إذا نظرنا في غير أتباع الأنبياء، مثل: الفلاسفة أو غيرهم مثلاً من الهنود، ومن عاش في الصين وغيرها، ممن لم تنزل عليهم النبوات، فهؤلاء لا يأتيهم من الوحي إلا الأخبار، وليس عندنا من خلال التاريخ ما يثبت نزول الوحي أو عدم نزوله، لكن الظاهر من الأمر هو: أنهم لم يكونوا أصحاب نبوات، ونستدل على هذا بما ورد من تراثهم أنا لا نجد فيه أخباراً من أخبار النبوات إطلاقاً.

    فإذاً: هؤلاء الأقوام عاشوا كما أراد الله قدراً بلا نبوات، وهذه مسألة مرتبطة بالقدر، وهي ترجع في حكمها إلى الله سبحانه وتعالى، وليست إلى البشر؛ لأننا نعلم أحكام أهل الفترة وغيرها، وهذه قضية مسندة في النهاية إلى حكم الله سبحانه وتعالى، فلذا لا نشغل بالنا في مثل هذا الموضوع؛ لأنه موضوع مرتبط بقدر الله، والله سبحانه وتعالى هو الذي له الحكم في هذا الأمر، لكن المقصد من ذلك أن ننتبه إلى مثل هذه القضية.

    وهنا أحب أن ننتبه إلى مسألة متعلقة بقضية الوحي، وهي: أننا حينما ننظر في أخبار الأقوام كيف نستدل على أن عندهم خبراً من رسالة السماء ووصلهم وحي أو لم يصلهم، كما قلت سابقاً: نستدل من خلال الآثار، فمثلاً: الملك الذي كان في عهد يوسف عليه السلام، لما ذهب يوسف إلى مصر، هل كان هؤلاء القوم الذي ذهب إليهم يوسف عليه السلام هل كانوا أصحاب وحي أو لا؟

    إذا أردنا أن نستدل من نفس السورة، يعني: هل في السورة ما يدل على أن القوم الذين ذهب إليهم يوسف وصار خادماً عندهم أصحاب وحي أو لا؟

    فقوله تعالى: أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39]، مما يدل على أنهم كانوا أصحاب شرك. فإذاً: المقصد من ذلك أن نستطيع أن نستدل من خلال تاريخ القوم أنهم لم يكونوا أصحاب وحي بمثل هذه الاستدلالات.

    استحالة إنكار وجود وحي

    عندنا قضية فيما يتعلق أيضاً بالوحي أن الوحي واقع تاريخي لا يمكن إنكاره، فهو مرتبط بالنبوات بمعنى: أنه لا يمكن أن يأتي أحد الناس ويقول: لا يوجد نبوات، وكل ما يقال في النبوات هذا كذب؛ لأن هذا في الحقيقة لو حصل فهو عين السفسطة؛ لأن النبوات أمرها ثابت ثبوتاً يقينياً متواتراً، وعدم وجود النبوات في بعض الأقوام لا يعني عدمها الكلي، بمعنى: إنه ما يأتي واحد من اليونان ويحتج فيقول: لا يوجد نبوات؛ لأني أنا في طول عمري، وكذلك القوم الذين كانوا قبلي لا يعرفون النبوات، فنقول: عدم معرفتك بها لا يعني عدم وجودها، واليوم كذلك لا يمكن لأحد أن ينكر هذا.

    فإذاً: هناك نبوات قائمة، وهناك ديانات قائمة على أنها وحي من الله سبحانه وتعالى، فلا يمكن إنكار هذه، فإنكار هذا الأمر هو في الحقيقة نوع من السفسطة لا غير.

    عقيدة اليهود في الدين والرب

    الوحي أيضاً في الأديان الثلاثة الكبرى التي هي اليهودية والنصرانية والدين الإسلامي على ترتيبها التاريخي مرتبطة بفكرة الإله والنبوة عند كل هذه الديانات الثلاثة، فنلاحظ مثلاً: اليهود يرون أنفسهم شعب الله المختار، وبما أنهم يرون أنفسهم أنهم شعب الله المختار فلا يمكن أن يدخل أحد في هذا الشعب المختار.

    إذاً: النبوة خاصة والإله خاص، ولما ظهر عيسى عليه السلام فيهم وهو منهم كفروا به، بل وأرادوا قتله، وقتلوا شبيهه كما أخبر القرآن بذلك، فالآن اليهود لما كفروا بـعيسى عليه السلام ظهرت ديانة عيسى عليه السلام الديانة النصرانية قبل التحريف، حتى وصلت إلى حد التحريف.

    عقيدة النصارى في الدين والرب

    والمقصد من ذلك: في الموجود بين أيدينا إذا رجعنا إلى النصرانية نجد أنها مرتكزه على أن المسيح تعالى الله عما يقولون هو الإله، أو أنه ابن الله، ولهذا الأناجيل لما ترجع إليها خاصة المدونة المعترف بها، تجدها تدور حول شخصية المسيح لا غير، أخبار وأحداث حدثت له عليه الصلاة والسلام.

    وهذه الأخبار بنوا عليها فيما بعد عقيدة الفداء والتخلص من الخطيئة إلى آخره، وهذه كلها إنما حدثت بعد جيل أتباع عيسى عليه السلام، وليست في أتباع عيسى عليه السلام، فالذين آمنوا بـعيسى أول ما آمنوا لم يكن عندهم مثل هذه العقائد، وإنما كانوا يؤمنون بأنه نبي من الله سبحانه وتعالى، وأنه مرسل إليهم، وأن الله رفعه ونجاه من القتل.

    المقتول نيابة عن عيسى

    ومن باب الفائدة استطراداً أحب أن ننتبه إلى مسألة فيما يتعلق بالذي قتل، وصلب من هو؟

    الأناجيل الموجودة بين أيدينا تدعي خيانة أحد الاثني عشر، الذين اصطفاهم الله سبحانه وتعالى، وهم الحواريين، واصطفاهم الله سبحانه وتعالى لنبيه عيسى عليه السلام، وليس هناك في التحقيق التاريخي ما يدل على ذلك غير ما كتب في هذه الأناجيل.

    والذي يظهر عندي والله أعلم من باب الفرض وليس من باب اليقين أن الذي قتل هو الذي شبه بـعيسى عليه السلام، ولكنه شبه بـعيسى اختياراً وليس أنه شبه به اضطراراً، بمعنى: أن عيسى عليه السلام لما أخبر الحواريين بما سيحصل له، وأنه سيلقى شبهه على أحدهم فاختار أحدهم أن يكون هو، فصار هو المخلص في هذا الموضوع، ورفع عيسى عليه السلام وقتلوا شبيهه ظناً أنه هو وليس هو.

    إذاً: يكون هذا الذي قتل قد قدم لدينه خدمة وليس أنه خان، لكن الذي يبدو لي والله أعلم أن النصارى لما نظروا في الاثني عشر وجدوا أن واحداً منهم قد فقد، وعيسى عليه السلام غير موجود، أنه قد خان، وهذه قضية الخيانة جاءت فيما يبدوا والله أعلم متأخرة.

    فالمقصد من هذا الذي أقوله: أن سنة الله سبحانه وتعالى إذا اختار لنبيه أن يختار له الخلصاء الأوفياء، ولا يتصور أن يكون من خلصائه الحواريين خونة، وليس من عادة الله سبحانه وتعالى مع أنبيائه أن يكون أحد خلصائه الذين اختصهم الله لنفسه خائناً إلا عند من يزعم والعياذ بالله خيانة جبريل عليه السلام في هذا الموضوع، فهذا شأنه شأن آخر.

    عالمية الإسلام

    لكن إذا جئنا إلى الإسلام، فالرب رب الجميع والدين دين الجميع بلا استثناء؛ ولهذا انتشر هذا الدين سريعاً بما فيه من المبادئ التي تتوافق مع فطرة الإنسان، من حيث هو إنسان سواء كان في أدغال إفريقيا أو كان في الاسكيموا أو كان متحضراً أو كان متبدياً أينما كان، فإنه يستطيع أن يعبد الله بهذا الدين الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فإذاً: الدين هو دين الجميع.

    ونلاحظ أيضاً من باب الفائدة أن النصارى لم يكنوا حريصين على نشر دينهم إلا إذا أرادوا الكيد للإسلام، والدليل على ذلك أن كلونبوس لما ذهب إلى أمريكا أباد أبناء أمريكا الأصليين الذي كانوا قبله فهم جاءوا للإبادة، ولو كانوا حريصين على دعوتهم لدعوهم إلى النصرانية، لكن لو كان الذي دخلها المسلمون فسيدعون هؤلاء الأقوام إلى الدين؛ لأننا جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، والدعوة النصرانية التي نراها اليوم بقوة قوية جداً، هذه دعوة طارئة، ومحاولة العالمية التي ينشدها النصارى اليوم هي طارئة أما قبل فلم تكن هكذا إطلاقاً.

    المقصد من ذلك: أن ننتبه إلى أن دين الإسلام هو الدين الحق الذي ينتشر ولا يحتاج في نشره إلى قوة دائماً، بل القوة إذا جاءت فإنما هي لإزالة الباطل ولإزالة أولئك الناس الذين يقفون في وجه الحق؛ ولهذا لو رجعنا إلى تاريخ أندونيسيا وغيرها من الجزر، لعرفنا كيف دخلت في الإسلام؟ لم يشهر في وجوه أهلها سيف واحد باتفاق، أما لما ذهب النصارى إلى الفلبين ماذا فعلوا لينصروا المسلمين، ولينصروا من بقي من الأقوام الكافرة ؟ صارت مقاتل عظيمة جداً حتى رسخت قدمهم في هذه البلد التي أصولها مسلمة.

    المقصد من ذلك: أن ننتبه إلى الفروق في قضية ما يتعلق بالوحي.

    فإذاً: عندنا نصوص متكاثرة من القرآن ومن السنة في هذا التنبيه المهم جداً في عالمية هذا الدين.

    الوحي هو الطريق الوحيد لمعرفة مراد الله

    أيضاً مما يجب أن يعلم فيما يتعلق بقضية الوحي أنه هو الطريق الوحيد الموصل إلى الله سبحانه وتعالى، وقصدي بذلك في الطريق الوحيد الموصل إلى الله سبحانه وتعالى فيما يتعلق بالشرائع؛ لأن العقل قد يدرك توحيد الربوبية؛ لكنه لا يدرك كيف يعبد الله، فيجب أن نفرق بين الأمرين.

    وهذا الذي أوقع كثيراً من الفلاسفة في الشبهة، فلما رأوا أن العقل يستطيع أن يصل إلى توحيد الربوبية ظنوا أن النبوات لا حاجة لها، وأن الفيلسوف الذي يجاهد في علم الفلسفة أو غيره يستطيع أن يصل إلى مرتبة النبوة، وهذا ليس بصحيح.

    فإذاً نقول: الوحي اصطفاء، ولا يمكن أن يوصل إلى تفاصيل كيفية عبادة الله سبحانه وتعالى إلا من طريق الوحي، أما العقل فليس له مقام ولا مجال في هذا، وهذه قاعدة كلية يحسن أن نستحضرها ونحن نناقش مثل هذا الموضوع.

    اتفاق الأنبياء في نزول الوحي عليهم

    أيضاً مما يتعلق بقضية الوحي: أن كل الأنبياء يشتركون في أمر الوحي، فما دام موصوف بأنه نبي فإنه يوحى إليه، ومما ورد في القرآن قوله سبحانه وتعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً [النساء:163].. الآيات، فهذه فيها إشارة إلى أن قضية النبوة مرتبطة بالوحي، فلا نبوة بلا وحي.

    ومما يتعلق بقضية الاصطفاء في الوحي أيضاً أن الأنبياء عليهم السلام لما اصطفاهم الله سبحانه وتعالى لم يدع أحد منهم أن ما جاء به هو من عند نفسه، بل كلهم يتفقون على أنه من عند الله، وكلهم يتفقون على أنهم لا يأخذون على ما آتاهم الله سبحانه وتعالى من هذه النبوة ديناراً ولا درهماً، فلا يأخذون من متاع الدنيا أي شيء، وإذا رأيت حالهم إنما يقولون: أمر الله، نهى الله، قال الله، فكل فعل ينسبونه إلى الله سبحانه وتعالى في هذا، فهؤلاء الأنبياء كلهم يتفقون في مثل هذا الأمر.

    عدم قدرة العقل على تكييف الوحي

    ومن القضايا المهمة في هذا: أن الوحي لا يمكن تكييفه بالعقل، وهذه القضية: قضية تكييف الوحي بالعقل قضية يجب أن ننتبه لها؛ لأن بعض المعاصرين وهو محمد عبد العظيم الزرقاني رحمه الله تعالى في كتابه مناهل العرفان، وكذلك غيره اجتهد أن يوجد شبيهاً للوحي فيما يتعلق بالعلم المعاصر، وعنده عنوان في كتابه مناهل العرفان سماه الوحي من ناحية العلم، وهذا في الحقيقة أحد المزالق التي قد نقع فيها ونحن لا نشعر ولا ننتبه؛ ولهذا نقول قاعدة مهمة جداً في هذا الأمر: الوحي لا يمكن تكييفه بالعقل، وإلا فما قيمة أن يكون الدين مبنياً على الإيمان بالغيب: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:1-2]، أول وصف لهم الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3]، فإذاً قضية الإيمان بالغيب مرتكز أساس فيما يتعلق بالإيمان بالنبوات.

    قد يقول قائل: إذاً: كيف نستدل على أن هذا هو النبي؟ نقول: هذه قضية أخرى ستأتي في قضية النظر في الأحوال، والنظر في المقال، يعني: ماذا يقول؟ بماذا يأمر؟ هكذا استدل كثير ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في عهده وبعد عهده.

    فإذاً مسألة الإيمان بالنبي مسألة أيسر من أننا نبحث في محاولة تكييف الوحي بالنظر العقلي أو العلمي.

    والشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني رد عليه الدكتور محمد علي الحسن رداً جيداً في كتابه: المنار في علوم القرآن، يمكن أن يرجع لمناقشة ما ذكره، وكذلك أن يرجع لما تكلم به الدكتور محمد عبد العظيم الزرقاني رحمه الله تعالى؛ لأن محمد عبد العظيم الزرقاني ربط بين ظاهرة الوحي وبين ما يسمى بالتنويم المغناطيسي، وكان في عهدهم قد انتشر هذا، فكان منه رحمه الله تعالى أن ربط بين هذين الأمرين، وأيضاً هو جرب تجربة في هذا، وذكر كلاماً يطول في هذا، يمكن أن يرجع إليه في كتاب مناهل العرفان.

    لكن أقول: إن ظاهرة الوحي لا يمكن تكييفها بأي شيء من هذه التكييفات، وبناءً عليه فما يتعلق بظاهرة الوحي وكيفية نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن نعلم منها إلا الآثار فقط، أما الكيفية نفسها فهذه تدخل ضمن علم الغيب، وستأتي إن شاء الله إشارة إلى ما يتعلق بكيفية نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها مرتبطة بتاريخ القرآن.

    لكن من الآثار التي يمكن أن يستدل بها على أن الوحي لم يأت بما تستحيله العقول، وإن كان قد يأتي بما تستغربه العقول، يعني: تستغربه العقول شيء، وتستحيله العقول شيء آخر، لا يوجد في الوحي ما تستحيله العقول، يعني يقول: محال أن يحدث هذا والمقصود العقول الصحيحة السليمة، وإلا عقول السفسطة هذه لا حد لها، بل إن المسفسط يمكن أن ينكر وجوده وهو موجود، فيصل فيه الحد بطريقة الجدل أن ينكر أنه موجود وهو موجود، وينكر أنه متكلم وهو يتكلم، فنحن لا نريد أن نناقش أمثال هؤلاء إنما نناقش من كان له عقل، يمكن أن يناقش ويحاور فيه، أما هؤلاء فسيلغون خاصية العقل.

    فإذا تأملنا ما جاءت به النبوات فلا يمكن أن يرد في النبوات ما تستحيله العقول، أما أن يرد ما تستغربه فهذا طبيعي، وهذا مجال الإيمان بالغيب حينما يخبر النبي بكذا، أو بوقوع كذا، أو بأن لمن آمن به كذا، هذه أشياء تدخل مما لا تدركه العقول مباشرة، ولكنها تأخذه إيماناً.

    ما تدعو إليه النبوات خلافاً لقوانين البشر

    كذلك أيضاً إذا نظرنا فيما تدعو إليه النبوات، وهي تدخل ضمن قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، فهذه الآية تشمل القاعدة العامة في النبوات، يأمركم بالعدل، يأمركم بالإحسان، والإحسان أعلى مرتبة من العدل، بمعنى: أني ممكن أن أعدل معك، أنت مثلاً ظلمتني فأنا أرد مظلمتك كما هي، لكن الإحسان أن أعفو عنك، وقد أزيد في الإحسان أن أهديك هدية فوق العفو، فيكون هذا من باب الإحسان، أما العدل فهو القصاص المعروف.

    هذه الشرائع التي تأمر بالعدل والإحسان لا تحتملها عقول كثير من المشرعين الذين يشرعون للبشر، ولا تجد هذا موجوداً عندهم، ولا هو في ميزانهم، أما في ميزان النبوات فهذا موجود، ويكافئ الله سبحانه وتعالى عليه ويعطي عبده، ويراه في الدنيا كما يكون وعداً له في الآخرة، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

    أيضاً من قواعد العدل والإحسان: أنه حتى النبي نفسه تجده أيضاً ملتزم بهذا الشرع، ومعروف قصة سواد : ( لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصف جيشه في غزوة بدر، فـسواد رضي الله عنه قدم صدره وبطنه قليلاً على الصف، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان معه مثل العود الصغير فنخس بطن سواد وأمره بالتراجع قليلاً كي يكون في الصف، فـسواد افتعل الألم وقال: لقد أوجعتني يا رسول الله، وكان بطنه عارياً، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: اقتص يا سواد ! قال: ولكني كنت عاري البطن، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقبله سواد ، فقال: ما حملك على هذا؟ قال: أحببت أن يكون آخر شيء لي في الدنيا أن ألامس جسدك )، أو كما قال.

    فقصدي من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم طبق حتى على نفسه، وقال في مقولته المشهورة: ( لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ).

    فإذاً: هذا الشرع يأتي على الجميع حتى النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

    فهذا الأثر من الآثار التي تدعو العقل إلى اتباعه والاقتداء به حتى لو لم يقل: بأنه من النبوات، فالعاقل يتبع مثل هذا الأمر الذي يشترك فيه جميع الناس، ونحن الآن نسمع من يطنطن حول قضية الديمقراطية، ومحاكمة الرئيس، والرئيس على الملأ يتكلم عن نفسه، وناس يطنطنون في هذا، ويزعمون أن هذا من محاسن الديمقراطية، والإسلام أعلى وأجل من هذا كله، والنبوات التي جاءت عن الله سبحانه وتعالى أعلى بكثير مما ننظر اليوم فيه من أعمال البشر، لكن هكذا يريده الله سبحانه وتعالى فتنة للعباد أن يظهر لهم ما بين فينة وأخرى ما يكون فتنة وابتلاءً.

    وأختم ما يتعلق بالوحي بهذا فأقول: من الخطورة بمكان أن نكيف الوحي، لأن الوحي قضية غيبية نؤمن بها كما هي، ولا نجتهد في تكييفها وتقريبها إطلاقاً، وذكرت لكم مثالاً من فضلاء المسلمين الدكتور: محمد عبد العظيم الزرقاني رحمه الله تعالى في كتابه الكبير والشهير والمهم جداً وهو: مناهل العرفان، ولكن كما قيل: لكل جواد كبوة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر له، والمسألة في مثل هذا إن شاء الله يسيرة، فهو أراد خيراً ولكن لم يوفق إليه، وقد ذكر أمثلة أخرى لتقريب الوحي لكنها أيضاً ليست بسديدة.

    1.   

    إشارات الكتب السابقة إلى القرآن

    نأتي الآن إلى ما يتعلق بالقرآن الذي هو محط حديثنا، فنذكر أول قضية: هل أشارت الكتب السابقة إلى القرآن؟ هذا يحتاج في الحقيقة إلى بحث فيما يتعلق بكتب بني إسرائيل، وهناك إشارات من كتب بني إسرائيل سأذكر فقط مثلاً واحداً، وانطلق من الآية القرآنية في قوله سبحانه وتعالى في دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما قال في العرب: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:129] ، فلو تأملنا هذه الدعوة: وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة:129]، ولو تأملنا الكتاب، والحكمة، فالكتاب والحكمة مرتبط بنوبة كل نبي، على حسب الكتاب الذي عنده، وأما الحكمة فهي: الشريعة التي نزلت عليه، يعني: سنة ذلك النبي.

    فالنبي عنده كتاب إما منزل عليه، وإما مأمور باتباعه مثل أنبياء بني إسرائيل، وحكمة أي: سنة نازلة عليه هو يعمل بها ويعلمها من حوله، وهذه قاعدة النبوة.

    فإذاً: إبراهيم عليه السلام نزل عليه كتاب والدليل قوله سبحانه وتعالى: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى:18-19]، لكن قدر الله أنها مما جهل أمره فلا يدرى أين هي؟ ولذا بعض كتب الأنبياء موجود آثار منها، وبعضها مفقود، لكن المقصد من ذلك أنه نزل عليه وكان له شريعة، فالحج من شرائع إبراهيم الظاهر وهي الملة الحنيفية.

    وأيضاً من باب الفائدة ننتبه لها وهي: أن إبراهيم عليه السلام أذن كما قال الله سبحانه وتعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [الحج:27]، وهذا النداء الإبراهيمي الذي أمره الله سبحانه وتعالى به هل كان خاصاً بالعرب؟ وهل أتباع إبراهيم هم العرب فقط؟

    نقول: لا. بل كان أتباعه أيضاً أبناء إسحاق وأبناء يعقوب الذين صاروا فيما بعد بني إسرائيل، فنقول: إن هؤلاء الأنبياء قطعاً قد حجوا استجابة لنداء أبيهم إبراهيم، ولم يتخلف نبي عن أن يحج إلى هذا البيت، وعندنا أيضاً من آثار النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك، هذا من باب الفائدة فقط استطراداً.

    نرجع الآن إلى ما يتعلق بمثال مما في كتب القوم، في سفر التثنية وهو منسوب إلى موسى عليه السلام يقول حاكياً عن الله سبحانه وتعالى: لهذا أقيم لهم نبياً من بين أخوتهم مثلك، وأضع كلامي في فمه، فيخاطبهم بكل ما آمرهم به، فيكون أن كل من يعصي كلامي الذي يتكلم به باسمي فأنا أحاسبه، وأما النبي الذي يتجبر فينطق باسمي بما لم آمره أن يتكلم به، أو يتنبأ باسم آلهة أخرى فإنه حتماً يموت.

    وإن سألتم في أنفسكم: كيف نميز الكلام الذي لم يصدر عن الرب؟ فإن كل ما يتنبأ به النبي باسم الرب ولا يحدث يكون ادعاءً منه لم ينطق به الرب، بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه، وهو يتكلم عن الأنبياء الكذبة هنا.

    ولو أرادنا أن نأخذ الإشارة إلى القرآن في هذا النص فإنها مأخوذة من قوله ( أضع كلامي في فمه )، وعقيدة أهل السنة والجماعة العقيدة الصحيحة في نزول القرآن، سيأتينا إن شاء الله أن جبريل عليه السلام سمعه من الله سبحانه وتعالى، ثم نزل به على محمد صلى الله عليه وسلم كما سمعه؛ ولهذا من عظمة هذا الدين أنك تقرأ كلام الله سبحانه وتعالى.

    فإذاً هذا من العظمة التي تختص بالمسلم، في أن الله سبحانه وتعالى يسر له وسخر له أن يردد كلامه سبحانه وتعالى الذي قاله فوق سماواته، وهذا أمر ليس باليسير، وهو يدل على عظمة هذا القرآن، ويلزمنا أيضاً بأن يكون عندنا تعظيم لهذا القرآن المجيد الذي هو كلام الله سبحانه وتعالى.

    ما يقوله الرسول في أمور الدنيا والدين

    أيضاً لما قال: أن كل من يعصي كلامي الذي يتكلم به باسمي، وهذه أيضاً ننتبه لها: أن كل ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم فهو نبوءة في النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يقل: افعلوا كذا؛ لأني أنا محمد القرشي، أو لأني أنا ابن عبد المطلب، وإنما كان يقول لهم: افعلوا؛ لأن الله أمرني.

    فإذاً: لم يأت محمد صلى الله عليه وسلم ولا كذلك غيره من الأنبياء بأمر يختصون به من عند أنفسهم. وإنما هو وحي من الله سبحانه وتعالى.

    فالقاعدة: أن كل عمل عمله النبي صلى الله عليه وسلم لم يصحح له من قبل الله سبحانه وتعالى سواء كان من أمر الدين أو الدنيا فإنه يدخل في باب الوحي، وإن كان هناك من يخالف في خاصة أمور الدنيا.

    على سبيل المثال: أحد الصحابة لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من وجد منكم العباس فلا يقتله )، غضب، وكانت نزعة شيطانية فهم منها أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا؛ لأنه عم الرسول صلى الله عليه وسلم، معناه: أن هذا مجرد قومية حمية فقط، فقال: والله لئن لقيته لألحمنه السيف، يعني: لأجعل السيوف في لحمه، ظناً منه رضي الله عنه في حالة غضب أن المسألة من النبي صلى الله عليه وسلم مسألة حمية وقومية، وليست كذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يفعل مثل هذا إلا وعنده وحي من الله سبحانه وتعالى، فهذا الصحابي جعل عذره أن يقتل في سبيل الله، وقتل في اليمامة رضي الله عنه، لكن المقصد من ذلك أن نعلم هذا.

    كذلك أيضاً: تأبير النخل، لا أطيل فقضية تأبير النخل لما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: ( أنتم أعلم بأمور دنياكم )، نقول: ظهر فيها ما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن على صواب فيما فعل، فوضح له من خلال الواقع، لكن ما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد مات، وقد ثبتت أخباره عندنا، فأي خبر صحيح عنه صلى الله عليه وسلم فإنه محط التبجيل عندنا، وهو مقدم حتى لو كان في أمور الدنيا.

    ولهذا بعض من اعترض فيما يتعلق بقضايا الطب؛ لأني قد قرأت بحثاً في ذلك أنه قضايا الطب لا يؤخذ قول النبي صلى الله عليه وسلم فيها وهذا ليس بصحيح إطلاقاً، بل إذا أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر ما من هذه الأمور فإن قوله مقدم على الجميع، ولكن المقصد من ذلك أن ننتبه إلى هذا الأمر الكلي وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلم من عند نفسه، وإنما يتكلم عن الله سبحانه وتعالى، هذا مثال لما ورد من إشارة للقرآن في الكتب السابقة.

    1.   

    الفرق بين القرآن والكتب السابقة

    وبما أن كتب الله سبحانه وتعالى متعددة فسننظر في الفرق بين القرآن وبين غيره من الكتب السابقة، وهل هناك فروق؟

    كلها وحي من الله سبحانه وتعالى هذا متفق عليه، ولا نتكلم في فروق الشرائع، لكن نتكلم فيما يتعلق بالقضايا الكلية في هذه الكتب.

    حفظ الله القرآن دون غيره من الكتب

    أي الكتب الذي تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه بخلاف غيره من الكتب؟

    فعندنا النص الواضح: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، أن الذي تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه هو القرآن، وهذا الظاهر، وإن شاء الله سنأتي إلى بعض الإشارات التي تدل على حفظ هذا الكتاب.

    أما غيره من الكتب فكما قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ [المائدة:44].

    فإذاً: هذه الكتب جعل حفظها للبشر، والقرآن تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه، والدليل قائم بين يدينا اليوم، فالقرآن نقرأه اليوم كما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، قرابة خمسة عشر قرناً لم يتغير منه حتى حركة، بخلاف غيره من الكتب كما سيأتي.

    عدم وقوع التحريف اللفظي في القرآن أما غيره من الكتب فوقع التحريف اللفظي والمعنوي

    كذلك أيضاً قال الله سبحانه وتعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ [البقرة:78]، وقال: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً [البقرة:79]، فإذاً دل على أنهم حينما يكتبون الكتاب قد يحصل لهم أن ينسبوا إلى الله سبحانه وتعالى ما لم يقله وسيأتي الدليل على ذلك في النقطة الثانية وهي نتيجة لهذه النقطة.

    وبما أن الله تكفل بحفظ القرآن فهل يتصور أن يقع التحريف اللفظي في القرآن؟

    هذه القضية الثانية، إذاً نقول: إن التحريف في الكتب السابقة كان في اللفظ والمعنى، أما في القرآن فلم يقع التحريف اللفظي إطلاقاً، ولا يمكن أن يقع، أما تحريف المعنى فقد وقع، وهذا سنأتي إليه.

    لكن المقصد الآن أن نتكلم عما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وعما نزل على الأنبياء.

    فالذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم من جهة اللفظ لم يقع فيه التحريف إطلاقاً، ولا يمكن لأحد كائناً من كان أن يسقط ولو حرفاً واحداً فقط، ولو أسقط حرفاً لتنبأ له المسلمون وعلموا به، وشواهد هذا ظاهرة في التاريخ.

    واليوم عندنا شواهد كثيرة مصاحف سحبت من الأسواق؛ لأنه ظهر فيها خطأ، بل إنه أحياناً قد تسحب من الأسواق أو تمنع ليس لأنه سقط حرف أو زاد حرف، بل لأجل ما يتعلق بضبط التجويد الذي هو الحركات نفسها، لو كان مقام الفتحة المنزلقة أو الفتحة المتراكبة على بعض فقد تسحب من السوق لأن فيه خطأً في هذا، يعني: أقل بكثير من الخطأ الأول، ومع ذلك يتنبه علماء المسلمين لمثل هذا.

    وإذا أرتم شاهداً عينياً وأنتم ذاهبون إلى المدينة النبوية مروا إلى مجمع الملك فهد رحمه الله وادخلوا بالزيارة المعتادة، وانظروا ماذا يقولون لكم، كيف يدققون في المصحف تدقيقاً متناهياً، حتى إنه لو وقع في بعض الأحرف زيادة حبر لا يكاد يرى بالعين المجردة فإنهم يسحبون هذه الورقة ولا تخرج، عناية فائقة، من الذي يسر هذا الأمر؟

    هو الذي قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    إذاً: قضية التحريف اللفظي لم ولن تقع في القرآن إلى أن يرفع الله سبحانه وتعالى هذا الكتاب.

    أما ما يتعلق بكتب بني إسرائيل فنعم، الدليل على ذلك اسم نبينا صلى الله عليه وسلم ورد صراحة في كتب بني إسرائيل، وقد قال الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ [الأعراف:157]، فهو منصوص عليه سواء باسمه أو بوصفه، قال: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157] .. إلى آخر الآية.

    وقال أيضاً سبحانه وتعالى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6]، ومن بحث الآن في كتبهم اسم أحمد فإنه لا يجده، إذاً هذا تحريف لفظي .

    أقسام التحريف المعنوي في الكتب السماوية

    أما التحريف المعنوي فيمكن أن نقسمه إلى قسمين:

    التحريف الأول: استبدال حكم شرعي بحكم وضعي، مثال ذلك: ما أشار إليه القرآن فقال: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:78]، فالله سبحانه وتعالى يصف هذا الفريق منهم بلي اللسان؛ ليظن السامع أنه من الكتاب وليس من الكتاب.

    الدليل على ذلك العملي الواقعي ما حدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من قصة اليهودي الذي زنى بيهودية، يقول ابن عمر رضي الله عنهما: ( إن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا ) ظناً منهم أن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم قد نزل فيها تخفيف في هذا الأمر، وليس حباً في النبي صلى الله عليه وسلم ولا في شرعه، ( فلما جاءوا إليه قال لهم: كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا: نحممهما ونضربهما -يعني: نسود وجوههم ونضربهم- فقال: لا تجدون في التوراة الرجم -وهو عليه الصلاة والسلام أدرى بما في كتابهم-؟ قال: فقالوا: لا نجد فيه شيئاً، فقال لهم عبد الله بن سلام : كذبتم و عبد الله بن سلام حبر كان من علماء اليهود يعرف ما عندهم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، قال: فوضع مدراسها يعني: الشيخ الذي يقرأ التوراة كفه على آية الرجم فطفق يقرأ ما دون يده وما ورآها ولا يقرأ آية الرجم، فنزل يده عبد الله بن سلام لأنه يعرف الكتاب قال: فنزع يده عن آية الرجم فقال: ما هذه ؟ قال: فلما رأوا ذلك قالوا: هذه هي آية الرجم، فأمر بهما فرجما ).. إلى آخر الحديث.

    فهذا التحريف استبدال حكم شرعي بحكم وضعي، والرسول صلى الله عليه وسلم احتج عليهم وهذا من باب الفائدة استطراداً أيضاً: (احتج عليهم بما يؤمنون به آنذاك)، وهو موجود الآن بين أيدينا.

    ومن فقه هذا الحديث نستفيد: أنه يجوز لنا أن نستدل من كتبهم الموجودة بين أيديهم اليوم التي يؤمنون بها على صحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، فهذا منهج نبوي في الاستدلال على مثل هذه القضية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يقرأوا التوراة لينظر ماذا ورد فيها من الحكم.

    الأسلوب الثاني: صرف المعنى إلى دلالة لا تدل عليه، والنوع الأول أيضاً وقع حتى في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فعندنا الآن كما نعلم تحريف أو استبدال لشرع الله بقوانين وضعية كثيرة، وهذا واضح جداً، وكذلك عندنا أيضاً: صرف المعنى إلى دلالة لا تدل عليه، وهذا واقع حتى عند المسلمين، وتعلمون التأويلات الكثيرة المنحرفة التي يؤول بها القرآن، وقد يكون حتى التأويل أحياناً ممن يحسن بهم الظن فيقع عندهم خطأ في هذا.

    فإذاً: التأويل أو صرف الدلالة هذا قد لا يسلم منه حتى بعض الفضلاء.

    لكن المقصد من ذلك أننا نتكلم عمن يكون ديدناً له، من يكون الأصل عنده هو التحريف.

    ولو رجعتم إلى كتب النصارى التي يكتبونها اليوم واجتهادهم في الاستدلال على أن عيسى عليه الصلاة والسلام هو الموعود به في كتب السابقين لوجدتم من التحريف والتبديل الشيء الكثير، من صرف دلالات القصة أو المعنى إلى مثل هذا الأمر، حتى إنه قد يكون عندهم من هذا الصرف والتحريف ما يضحك الصبي الصغير، لكن بالنسبة لهم هو قائم على أمور يعتبرونها نوعاً من العلم، ولكن هذا النوع من العلم أصلاً مبني على مقدمات، وهي التي نبه إليها شيخ الإسلام وهي قاعدة مهمة جداً في العلم: اعتقاد شيء ثم الاستدلال عليه، فهم في تعاملهم مع نبوءات الكتب السابقة اعتقدوا أن عيسى هو الذي وعد به في النبوءات السابقة، فيجتهدون في لي النصوص هذه؛ لكي يثبتوا أن المراد بها عيسى عليه الصلاة والسلام، وإنما هي في محمد صلى الله عليه وسلم، أما طرائقهم في التحريف فكثيرة، أحياناً قد يسقطون كلمة أو جملة، وأحياناً قد يغيرون كلمة، وأحياناً قد يزيدون كلمة، والذي يساعدهم على ذلك أن هذه الكتب كلها ترجمات، فلا يوجد كتاب من كتب الله السابقة يقرأ بنفس اللسان الذي نزل على ذلك النبي إلا هذا الكتاب، ولكن نريد أن ننتبه.

    فساعدهم على التحريف أن اللغة التي نزل بها ذلك الكتاب غير موجودة اليوم إطلاقاً، ولا يمكن لأحد منهم كائناً من كان أن يقرأ بتلك اللغة؛ لأن اللغة ماتت، وإنما الموجود ترجمات عن هذه اللغة، وهذا ساعد في التحريف.

    والطريف في الأمر من باب أيضاً الاستطراد: من يقرأ في نسختين من الإنجيل: نسخة طبعت قبل ستين سنة، ونسخة طبعت الآن، يجد في بعض المواطن أموراً فيها تناقض وليس اختلاف تنوع.

    وأيضاً اسمحوا لي بهذا الاستطراد وهي قضية مهمة جداً في العلم: أن تعرفوا ما يمكن أن يكون من باب التنوع وإن لم يكن صحيحاً، لكنك؛ لكي لا تعترض عليه دائماً وما يكون من باب التناقض في الأخبار أو غيرها، هم أحياناً حينما يناقشوننا في ديننا يذكرون أمور التنوع على أنها من باب التناقض، وينسون أمور التناقض التي عندهم صريحة جداً جداً، فأنا لا أريد أن ننساق ونحن نناقشهم إلى أن ننتقد أمور التنوع على أنها من باب التناقض، بل يكون الأمر بالعدل، وينبه أن هذه قاعدة علمية، وهذا الأمر ليس فقط فيما يتعلق بعلم الشريعة، بل وأنت تناقش في التاريخ، وفي أسماء الرجال، وفي الأنساب.. إلى آخره.

    يعني على سبيل المثال: لما يأت واحد ينسب إلى جده، يقال: محمد بن عبد الله مثلاً ومحمد بن عبد المطلب فهذا رجل واحد، فما يأتي واحد ويقول: هذا غير هذا، هذا رجل وهذا رجل، هذا ما يسمى تناقضاً، فأقصد: أن تنتبهوا كمسألة علمية عامة إلى ما يمكن أن يدخل في باب التنوع، وما يمكن أن يدخل في باب التناقض في حال الجدال والمناقشة، أو حتى في حال طلب العلم؛ لأن هذا سيسهل عليكم شيئاً كثيراً.

    لا أريد أن نستطرد موضوع ليس هذا مجاله، لكن أردت أن أنبه إلى القاعدة الكلية هذه.

    تيسير تلاوة القرآن وحفظه خلافاً لغيره من الكتب السابقة

    أيضاً من الفروق المهمة جداً فيما يتعلق بالفرق بين كتابنا والكتب السابقة: تيسير تلاوته وحفظه لكل الناس، بخلاف الكتب السابقة، التي بقيت فترة من الزمن بأيدي الأحبار والرهبان لا يعرفها غيرهم، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ [البقرة:78]، يعني: أحسنهم حالاً من يعرف أن يقرأ، والقول الثاني في معنى (أماني) هو: التمني، فالمقصد من ذلك أن ننتبه إلى هذه الفائدة، فلا يمكن أن يوجد الآن من يقول: إنني أحفظ التوراة والإنجيل، لكن نحن نورد عشرة آلاف حافظ كأقل حد، وقد يزيد، إذاً: هذه أيضاً من الفروق المهمة جداً.

    القرآن مصدر أغلب علوم المسلمين

    كذلك نتج عن ذلك وهي قضية ننتبه لها فيما يتعلق بقضية التيسير والحفظ: أنه لا يوجد كتاب لقي العناية مثلما لقي القرآن الكريم إطلاقاً، فجل علوم المسلمين، بل هو الأغلب الأعم في علوم المسلمين قائم على هذا الكتاب، لأن هناك علوماً هي داخل في علوم المسلمين، لكنها ليست مرتبطة بالكتاب مباشرة، وقد يكونون أخذوها عن غيرهم لكنها تدخل في علومهم مثل: علم الجبر والهندسة وغيرها، لكن نتكلم نحن عن العلوم المرتبطة بالشريعة واللغة وما حولها، هذه قامت أصلاً على هذا الكتاب، ولو جمعت ما كتب عن القرآن فإنك لا تستطيع حصره إطلاقاً، ولا يستطيع البشر كلهم لو أرادوا ما استطاعوا حصره كثرة، ولا يوجد كتاب من كتب بني إسرائيل ينافسه إطلاقاً، بل ولا يقرب منه، ولا يقرب بقدر الذرة من العناية التي لقيها هذا الكتاب، ولا شك أن هذه كلها شواهد عقلية تدل على أن هذا الكتاب محفوظ، وأنه منزل من عند الله سبحانه وتعالى.

    كل هذا الذي ذكرت يدعونا إلى أن نقول: النتيجة من هذا كله أن هذا الكتاب منزلته في الكتب السابقة منزلة المهيمن، كما أخبر الله سبحانه وتعالى في ذلك قال: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ [المائدة:48]، بمعنى: أنه لم يأت بشيء يخالف التوراة والإنجيل أو كتب الأنبياء السابقين أبداً، وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [المائدة:48]، أي: مهيمناً على ما سبقه من هذه الكتب، فإذاً الهيمنة هي لهذا الكتاب.

    قال تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [المائدة:48]، فإذاً: المفترض أن يكون مرجع اليهود والنصارى، حتى لو لم يؤمنوا بدينك المرجع هو الإسلام يحتكمون إليه، هذا هو ما يريده الله سبحانه وتعالى، لكن الواقع غير ذلك، والذي نتكلم عنه هو ما يريده الله سبحانه وتعالى.

    وحين نقول: إن القرآن لم يأت بما يخالف هذه الأديان، قد يقول لك نصراني: نحن نؤمن بالتثليث، فأين التثليث في كتابكم؟

    فنقول له: أثبت أن التثليث موجود في الأناجيل التي تؤمن بها أولاً، ثم طالبنا بهذا، بل إن الأناجيل الموجودة اليوم تثبت التوحيد صراحة، ولا يوجد فيها نص واحد يدل على التثليث لا من قريب ولا من بعيد، ومع ذلك يؤمنون بالتثليث.

    1.   

    تعريف القرآن

    نأتي الآن إلى مسألة فيما يتعلق بقضية تعريف القرآن، سؤال: هل نحن بحاجة إلى تعريف القرآن؟ ثم إذا عرفنا القرآن هل في تعريف القرآن مشكلة؟

    وذكرت هذه التساؤلات؛ لأن بعض من تكلم فيما يتعلق بتاريخ القرآن ظن أن تعريفات للعلماء للقرآن بعيدة عن إطار القرآن نفسه، وطريقته من حيث الطريقة ليس فيها إشكال، لكن النتيجة التي أريد أن نصل إليها فيها إشكال، قال: بأن التعريفات بلغت تعريفات كثيرة منها كذا منها كذا، ثم أعرض عنها ثم ذهب إلى تعريف القرآن من خلال القرآن.

    نقول: المسلك الذي سلكه في تعريف القرآن من خلال القرآن صحيح، لكن الإشكالية في اعتراضه على جمهور تعريفات العلماء هؤلاء، وهؤلاء العلماء بل إجماعهم العام على تعريف القرآن بهذه الطريقة فيجب أن يكون معتبراً.

    ولهذا أقول: إنه من المشكلة في بعض الدراسات هذه التي تكلمنا قبل قليل في بداية المحاضرة عنها، أن بعض من درس تاريخ القرآن مشكلته أنه درسه بمنهجه الذي أختاره واصطفاه لنفسه، وحكم منهجه الخاص به على جميع مناهج العلماء السابقة، فلا يقبل منها إلا ما يتوافق مع منهجه.

    فإذاً: الدراسة من أساسها فيها إشكال، وإن كان قد ينتج عنها في بعض المواطن وهي مواطن قليلة شيء يكون صحيحاً.

    فإذاً نقصد من ذلك: أننا حينما نعرف القرآن ليس هناك مشكلة، هل نحن بحاجة لتعريف القرآن؟

    هذه يجب أن ننظر إليها، القرآن يعرف نفسه بنفسه، لكن أحياناً قد يكون من باب القضايا العلمية نحتاج إلى أن نعرف القرآن، بل سنلاحظ أن التاريخ كان له أثر في تعريف القرآن، القرآن كما قلنا إنه أشهر من أنه يعرف، نأخذ أمرين فيما يتعلق بالتاريخ: هل كان يطلق على القرآن قرآناً قبل أن يكتمل، وبعد أن اكتمل؟

    بمعنى: لما نأتي الآن إلى آيات القرآن التي نزلت في مكة وتنص صراحة على نزول القرآن، القرآن هذه (أل) تدل على المجموع، هل نحن لما نأتي نتعامل مع هذه الآية نقول: القرآن في هذه الآية فقط ما نزل قبلها، ولا يشمل ما نزل بعدها؟ لا. إنما القرآن الذي نزل قبلها والذي نزل بعدها؛ فمصطلح القرآن صار عليها كلها، فإذاً: ليس عندنا إشكالية فيما يتعلق بهذا الموضوع، لكن قد نستفيد أحياناً بعض الفوائد من هذا لكن ليس هذا مجالها، بمعنى: أننا نقول: القرآن ما نزل قبل هذه الآيات وما كان بعد هذه الآيات حتى صار كاملاً مفتتحاً بالفاتحة ومختتماً بالناس، هذا القرآن الذي بين الدفتين.

    فلما نعرف القرآن وأنه الذي بين الدفتين ما يأتي واحد ويعترض عليه بهذه القضية الذي هو النظر التاريخي، ويقول: قبل أن يكتمل ماذا يسمى نقول: يسمى قرآناً، يسمى كتاباً، ما كان فيه أي إشكالية في هذا، فلا يلبس علينا في مثل هذا الأمر.

    القضية الثانية فيما يتعلق بالتعريف: تاريخ الفرق كان له أثر في التعريفات الاصطلاحية للقرآن، والتعريف المشهور: هو كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المعجز بأقصر صورة، المتعبد بتلاوته، هذا التعريف مستنبط من القرآن ومن السنة النبوية؛ فكل شيء فيه مستنبط من هذا، ولا يقال: منزل، مستنبط من القرآن، فمن أين استنبط غير مخلوق نقول: لو لم يقل المعتزلة: القرآن مخلوق، فإن العلماء لم يكونوا بحاجة أن يقولوا: غير مخلوق.

    إذاً: قيد غير مخلوق مرتبط بقضية تاريخية، ذكر للرد، فلا تثريب على هذا التعريف، بل هو صحيح، والعلماء قد استخدموه، ولهذا عيبنا نحن حينما نبتعد عن مناهج العلماء ونفتعل لأنفسنا مناهج خاصة.

    أيضاً لما قال بعض العلماء: (منه بدأ وإليه يعود)، هذا أيضاً رد على المعتزلة الذين نفوا كلام الله سبحانه وتعالى، أو غيرهم أيضاً ممن تبعهم في نفي كلام الله سبحانه وتعالى.

    المقصد من هذا الذي أريد أن نصل إليه: صحيح أن عندنا في النظر التاريخي هذا الأمر الأول وهو ما كان يطلق على القرآن قرآناً قبل أن يكتمل، وبعدما اكتمل ما تغير الأمر، فالقرآن هو القرآن قبل أن يكتمل وبعد أن اكتمل.

    القضية الثانية: أن دخول بعض القيود في التعريفات بسبب بعض الاعتقادات الباطلة لا يؤثر لا من قريب ولا من بعيد على تعريف القرآن، ولهذا أنت لو قال لك واحد من النصارى: ما هو القرآن؟ فستقول له: هو الكتاب الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فيفهم أنه هذا الكتاب، أو ترفعه وتقول: هذا هو الكتاب، هذا هو القرآن.

    ففي كثير من الأحيان لا نحتاج في التعريفات الحدود الدقيقة دائماً، في كثير من الأحيان نحتاج فقط التمثيل، نقول: هذا، أو الكتاب الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، أو القرآن هو: وحي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم وقرأه على المؤمنين.

    تعريف القرآن للقرآن

    لكن من باب الفائدة دعونا ننظر إلى مسألة مهمة جداً، فيما يتعلق بحديث القرآن عن القرآن، يعني: كأننا نقول: إن القرآن عرف نفسه بنفسه، نسميه تفسير القرآن بالقرآن نحن الآن، الآيات المتناظرة وهي كثيرة جداً في تعريف القرآن، نجد أن القرآن عرف القرآن أحياناً بأوصاف، وعرفه بأسماء، ومن باب الفائدة كتب الشيخ البليهي رحمه الله تعالى كتاباً في هذا في أسماء القرآن وأوصافه، لكن أيضاً الموضوع كبير جداً ولا يزال يحتاج إلى بحث، الذي هو تعريف القرآن بالقرآن، وفيه بحوث موجزة، لكن ما زال يحتاج إلى بحث أكثر عمقاً، ولعل من يكتب في هذا البحث ينطلق من مثل هذه الشبه التي أثيرت حول هذا الموضوع، فيحاول أن يثبت الصحيح بطريق ليس بطريق السلب بأنه يذكر الشبهة ويرد عليها، وإنما بالتنبيه على ما في هذه الآيات من الإشارات المهمة جداً.

    نلاحظ لو جئنا إلى تسميته بالكتاب، كم الآيات التي سمت القرآن كتاباً؟ من باب الفائدة أيضاً الكتاب قد يراد به اللوح المحفوظ، وقد يراد به كتاب بني إسرائيل، وقد يراد به مطلق الكتاب، وقد يراد به مكاتبة العبد، لكن المراد عندنا هنا الكتاب الذي هو القرآن، يعني: الكتاب الذي يساوي القرآن، الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

    آيات كثيرة لعلي أسرد بعضها:

    يقول الله سبحانه وتعالى في سورة العنكبوت وهي مكية قال: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ [العنكبوت:47]، فالكتاب الأولى ما المراد به: القرآن، والكتاب الثاني المراد به: التوراة والإنجيل.

    وقال أيضاً: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت:48]، فالكتاب هنا مطلق الكتاب، يعني: ما كنت تقرأ أي كتاب سواءً كتب بني إسرائيل أو غيرها.

    وقال تعالى: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49]، وهذا المقطع من الآية يشير إلى نوع من أنواع الحفظ وهو الحفظ في الصدور، وهذه قضية مهمة ننتبه لها، ولهذا قالوا: من حفظ القرآن كأنما أدرجت النبوة بين جنبيه؛ لأنه حفظ ما كان يوحى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه نعمة لا شك عظيمة.

    قال بنفس الآيات: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [العنكبوت:51]، وهذه الآية في سورة العنكبوت وهي مكية لم ينزل بقية الآيات التي نزلت بعدها، وكذلك التي نزلت في المدينة.

    ويقول الله سبحانه وتعالى: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [الأنعام:154]، فالكتاب الأول كتاب موسى هو التوراة، ثم قال: وَهَذَا كِتَابٌ [الأنعام:155]، يقصد به القرآن، أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام:155] أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ [الأنعام:156]، السابق أيضاً، عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ [الأنعام:156-157]، نلاحظ الأوصاف، بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ [الأنعام:157]، إلى آخر الآيات.

    فإذاً عندنا الآن القرآن يبين الأسماء والأوصاف التي له.

    أيضاً قال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر:32]، وهذا أيضاً في السور المكية، وهذه الطوائف الثلاث التي اصطفيت هي طوائف المسلمين الثلاث:

    الأول: قال عنه: ظالم لنفسه، وهذا المتهالك في المعاصي.

    والمقتصد هو: المواظب على الطاعات الفرائض.

    والسابق بالخيرات هو: الذي يضيف إلى هذه الفرائض السنن.

    فإذاً المسلمون على مراتب ثلاث:

    مرتبة: الظالم لنفسه.

    ومرتبة: المقتصد.

    ومرتبة: السابق بالخيرات.

    ولا شك أن هذه من نعمة الله علينا نحن المسلمين، حيث لم يجعل الله سبحانه وتعالى مثل هذه القضية خطاً فاصلاً إما أبيض وإما أسود، بل الله سبحانه وتعالى فسح لنا، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى، ولهذا يرجو العبد المسلم أن ينال رحمة الله سبحانه وتعالى، لكن العبد مطالب بأن يكون دائماً في الأعلى.

    هذه بعض الآيات التي أشارت إلى بعض الأسماء والأوصاف وهي آيات كثيرة لكني أجتزئ لأجل الوقت.

    إشارة القرآن إلى حفظه في الصدور والسطور

    وتسمية القرآن بالكتاب يشير إلى حفظه في السطور، فعندنا حفظ الصدور وحفظ السطور، ونلاحظ القرآن من أول ما نزل؛ لأن هذه سور مكية وأنا قصدت أن أذكر سوراً مكية، فهو من أول ما نزل وهو يشير إلى نوعي الحفظ: حفظ السطور، وحفظ الصدور.

    فمن حفظ الصدور: الآيات الواردة في كونه مقروءاً، قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185]، وهذا فيه اسمه أيضاً، وبعض الأوصاف.

    وقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82]، وهذا في سورة مدنية.

    وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ [المائدة:101].

    قال أيضاً: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204]، وهذا أيضاً في سورة مكية.

    وقال تعالى: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:37].. الآيات.

    إذاً: عندنا مجموعة من الآيات المكية، فكونه مقروءاً فيه إشارة إلى حفظ الصدور، وعندنا آيات أخرى أشارت إلى أيضاً ما سيحفظ فيه في سورة البينة وهي قوله تعالى: رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً [البينة:2].

    أيضاً في سورة عبس على وجه التفسير المراد بها كتبة الوحي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ [عبس:11-13]، يعني : كأنه أشار إلى المادة التي سيكون فيها هذا الكتاب، إذاً هذه إشارات من القرآن نفسه إلى ما سيقع بعد ذلك فيه.

    وكما سيأتينا إن شاء الله من باب النظر التاريخي في مكة لم يذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عني بجمع القرآن من جهة الكتابة، أما من جهة الحفظ فالعرب كانوا أمة حفظ ما كانوا يتعبون في قضية الحفظ، لكن هناك إشارات قليلة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دون أو الصحابة دونوا، ولعلنا نأتي إليها إن شاء الله لاحقاً.

    لكن المقصد أنه في المدينة هو الذي كان ذلك، فهذه الإشارات التي كانت في القرآن صارت واقعاً حتمياً كما سنراه إن شاء الله.

    فعندنا هذان الاسمان من أهم أسماء القرآن لارتباطهما بمسألة كيف سيحفظ القرآن؟

    ومن الأسماء الواردة فيه الفرقان، قال الله تبارك وتعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان:1]، وقد ورد الفرقان في القرآن في غير ما موطن، وبعض المواطن قد يكون فيه خلاف، هل المراد بالفرقان القرآن أو كتاب الله سبحانه وتعالى الذي نزل على موسى على حسب مواطنه، أو المراد بالفرقان التفريق بين الحق والباطل، لكن هذه الآية نص صريح في القرآن.

    وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:41-42]، هذا في اسم الذكر.

    أيضاً قوله تعالى: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر:6]، وهذا يدل على أن اسم الذكر قد اشتهر عندهم، كذلك قال سبحانه وتعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    وقال أيضاً: أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ [ص:8]، وهذا تنبيه على أن الكفار كان عندهم أنه يسمى ذكراً.

    وكذلك قال سبحانه وتعالى: وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [القلم:51].

    إذاً: الذكر والفرقان والقرآن والكتاب هي أشهر الأسماء التي أطلقت على هذا الكتاب.

    يعنينا منها بالذات الأول والثاني في مجال الدروس التي سنلقيها؛ لأنها مرتبطة بما يتعلق بقضية الحفظ.

    1.   

    الأسئلة

    كون كلام النبي صلى الله عليه وسلم في أمور الدنيا وحياً

    السؤال: هل الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم في أمر من أمور الدنيا هل يتكلم بوحي أم لا؟

    الجواب: هذا واضح قضية تأبير النخل يعني: يجب أن يكون عندنا نظر للواقع الذي عاشه الرسول صلى الله عليه وسلم، فقضية تأبير النخل النبي صلى الله عليه وسلم كأنه اعترض عليهم لماذا يؤبرونه، فلما تركوه؛ لأنهم يتبعونه صلى الله عليه وسلم في كل شيء حصل ما حصل للنخل ولم ينتج، فلما قال لهم، قالوا: أنت قلت كذا، فقال: ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ).

    فإذاً هناك قضايا يمكن أن يعرفها الناس من خلال دنياهم ويعرفونها بين أنفسهم، لكن هناك قضايا لا يمكن أن يعرفوها، أقصد من ذلك أن ننتبه إلى أنه حينما يقول النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً في أمر الدنيا ولا يأتيه وحي ينقض ما قاله فإنما قاله صحيح بلا ريب؛ لأنه لا ينطق صلى الله عليه وسلم بما يخالف الواقع ويخالف الحق، هذا الذي أريده.

    الجمع بين قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) وكون بعض الشعوب لم يرسل إليها كالصين والهند ونحوها)

    السؤال: كيف نوفق بين قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء:15] ، وبين عدم إرسال الأنبياء إلى بعض الشعوب كالإغريق والرومان والصين والهند والمجوس والبربر والأفارقة وغيرهم من الشعوب؟

    الجواب: هذا كما قلت قبل قليل المسألة مرتبطة بقدر الله سبحانه وتعالى، لكن نحن علمنا الآن القاصر نقول: لم ترسل إليهم النبوات، ولم يأتيهم نذر بناءً على الموجود عندنا في التاريخ، قد يكون حصل وماتت هذه النبوات، لكن نحن يقيناً عندنا ما يسمى بأهل الفترة، هؤلاء أمرهم لله سبحانه وتعالى.

    فإذاً: لا تشغل بالك في مثل هذا الأمر؛ لأنه هذا أمر مرتبط بحكمة الله وبقدر الله سبحانه وتعالى، وإلا هناك أمة ستأتي تكون هي أغلب أهل النار وهم يأجوج ومأجوج ولا يؤمنوا بالله سبحانه وتعالى، فمثل هذه الأمور المسلم يجب عليه أن يوقف عقله عند حده ويكل أمرها إلى الله سبحانه وتعالى فهو الذي خلق وهو أدرى بخلقه.

    مدى صحة القول بأن القرآن نزل دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة

    السؤال: ما صحة ما ورد من القرآن أنه نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة ؟

    الجواب: هذا أثر صحيح عن ابن عباس ، ولا يمكن أن يقال إلا بالتوقيف، ومن الغريب أن بعضاً ممن نحبهم ممن يناقشون هذا الموضوع من طلبة العلم وأنا رأيتها، يقول: إن ابن عباس قد اشتهر أنه أخذ من بني إسرائيل، ولا يؤمن أن يكون أخذ هذا الخبر من بني إسرائيل، فأنا أتعجب كيف إنه يؤخذ خبر إسلامي من بني إسرائيل، هذا خبر إسلامي صرف لا علاقة لبني إسرائيل به لا من قريب ولا من بعيد، إنما نقول في الخبر الإسرائيلي هو: ما ورد في كتبهم ونقلوه لنا، أو قرأناه في كتبهم فهذا نسميه خبراً إسرائيلياً، أما هذا فهو خبر إسلامي بحت، وأنا أحب دائماً في مثل هذه الأمور أن المطلع على مثل هذا، لما يكون عنده إشكال يتبصر ولا يستعجل.

    المبالغة في رد الإسرائيليات

    ومن باب الفائدة أيضاً أقول: إنه في بعض البحوث المعاصرة التي كتبت فيما يسمى باسم الدخيل في كتب التفسير، فيها تعجل صريح وواضح جداً في نقض قضايا نحن في سعة من أمرنا فيها، وعلماؤنا السابقون قاطبة ما كانت عندهم هذه الأمور مشكلة، ولا كانت عندهم تمثل أزمة، ولا كانت تمثل دخيلاً، فلماذا نحن نستشكل ما لا يستشكله علماؤنا السابقون؟ هذا الحقيقة يدل على أن عندنا مشكلة نحن، فالتخوف الزائد وصل حتى إلى القضايا العلمية فأحدث عندنا خللاً في قضية معالجة بعض الأمور العلمية.

    فإذا قلنا إسرائيليات كأننا أمام بعبع خطير جداً على طلاب العلم وعلى العامة وعلى وعلى.. ، مع إني أقول يقيناً ولا زلت أقولها: أن ما أحدثه علم الكلام في كتب التفسير وغيرها أشد مما أحدثته الإسرائيليات، ومع ذلك لا تجد نقداً لعلم الكلام فيما يتعلق بكتب التفسير مثلما تجد الإسرائيليات، بل إن بعضهم قد يعترض عليك لما تنتقد ما يتعلق بعلم الكلام.

    فإذاً عندنا الحقيقة إشكالية يجب أن ننتبه لها حينما نعالج هذه الأمور، مناهج العلماء السابقين يجب أن تكون عندنا ونحن نناقش مثل هذه الأمور، هل الطبري رحمة الله تعالى على جلالته وقدره وسعة علمه يغيب عنه مثل هذه الأمور التي اكتشفناها نحن الآن، واكتشفنا مشكلة الدخيل ومشكلة الإسرائيليات والموضوعات و .. و .. إلى آخره؟ الجواب: لا شك، لا. لكن نحن لم نفهم مناهج هؤلاء وصرنا نتخوف أكثر.

    وأما الإسرائيليات بالذات فلا زلت أقول: إن الذي يظهر والله أعلم أن سبب هذه (الهجمة الشرسة ) -بين قوسين طبعاً- على الإسرائيليات مع أنني لا أؤمن بها، لكن أقول من باب المحاولة في هذا أنها تلك الغلبة اليهودية على فلسطين لا أكثر ولا أقل، ولو لم يكونوا غالبين ما حدثت أي مشكلة؛ فطوال الدهر ما سمعنا مشكلة لكن لما صاروا شوكة في حلوقنا صار أي شيء يأتي باسم اليهود أو الإسرائيلي نرده مباشرة، وصارت إشكالية عندنا، وإلا قبل أن يدخل اليهود إلى فلسطين كان الموضوع أيسر من ذلك.

    وليس معنى ذلك أنه يقبل كل شيء ورد عنهم، لكن قصدي أن معالجة موضوع الإسرائيليات ما كان بنفس الطريقة التي نعالجها اليوم.

    فمثلاً الشيخ محمد أبو شهبة والشيخ الذهبي رحمهم الله تعالى كتبوا في الإسرائيليات كتباً ناقدة نقداً شديداً، وقد حالفهم الصواب في كثير، ولكن المنهجية العامة في نظري القاصر فيها نظر تحتاج إلى إعادة.

    نعود إلى السؤال: ما ثبت عن ابن عباس صحيح لا إشكال فيه، ومن باب الفائدة أيضاً: هذا الخبر الذي قاله ابن عباس فيه فائدة واحدة يجب أن ننتبه لها وينقطع الأمر:

    الحكمة من نزول القرآن جملة غلى بيت العزة

    وهي أن الحكمة من إنزال هذا القرآن إلى بيت العزة هو تشريف هذه الأمة المحمدية، وإشعار الملائكة الذين لهم خصوصية بالوحي في السماء الدنيا بقرب رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، هذه الفائدة منه، إذاً هو أمر مرتبط بأهل السماء، لا علاقة لأهل الأرض به.

    معنى ذلك: أنه لما نزل إلى بيت العزة انتهى أمره، الملائكة لا يأخذون منه ولا لهم علاقة بهذا، بل يتكلم الله سبحانه وتعالى بالوحي كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فيسمعه جبريل سماعاً حقيقاً ثم ينزل به على محمد صلى الله عليه وسلم، ويسمعه محمد صلى الله عليه وسلم من جبريل ، ويقرأه على الصحابة، ويقرأه الصحابة حتى وصلنا اليوم كما تكلم الله سبحانه وتعالى به، ولا علاقة لما يتعلق ببيت العزة بهذا النزول إطلاقاً.

    وما وقع من شبهة عند بعض العلماء ومنهم بعض الأشاعرة رحمهم الله وعفا عنهم: أن جبريل كان يأخذه من بيت العزة، أو أن ملائكة بيت العزة كانت تنجمه لـجبريل، هذه شبهات الخبر فقط، وإلا الثابت واضح جداً لا إشكال فيه، ومسألة القول في القرآن مشهورة في كتب العقائد ومعروفة أقوال الناس فيها.

    لكن أنا أقول من باب التنبيه: أن ننتبه إذا وصلنا إلى هذا الحديث أن تعرف أنه آخر مقام لهم هو بيت العزة وبعدها انتهى، المقصود منه: تشريف هذه الأمة والتنبيه على أن هذه الأمة قرب زمانها، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم سيبعث.

    ليس كل الملائكة يعرف كل شيء، والدليل على ذلك أن جبريل عليه السلام لما كان يستفتح للنبي صلى الله عليه وسلم ملائكة السماء الدنيا يعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم سيمر عليهم لكن لا يعلمون متى؛ ولذلك في الحديث يقولون: (أوقد بعث؟ )، يدل على أن هؤلاء ملائكة موكلون بأمر معين لا يعرفون غيره، ومما وكلوا به أن الله أوحى إليهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم سيبعث، وأنه سيعرج به من عندهم، وهذا تشريف لهم.

    فإذاً: يجب أن نفهم مثل هذه الأمور بهذه الطريقة، وأنا أقول: لا شك أن الإشكالات والشبه قد ترد، لكن هذا ليس خبراً إسرائيلياً لا من قريب ولا من بعيد، وأيضاً هذا نزل إلى السماء الدنيا وانتهى أمره لأهل السماء لا علاقة لأهل الأرض به، وهو من باب تشريف هذه الأمة كما قلت سابقاً.

    سبب تعريف القرآن مع أن القرآن معروف

    السؤال: لماذا اضطر المتكلمون إلى تعريف القرآن مع وضوحه وعدم التباسه بشيء، هل لبيان خصائصه ومزاياه التي لا يشاركه فيها غيره؟

    الجواب: التعريفات لها أسباب متعددة، ومرت على الأمة الإسلامية، ومن باب الفائدة خصوصاً في الأزهر الشريف فترة كانت التعريفات لها قيمة، وإذا صار التعريف والاحترازات من التعريف ونقد التعريف كانت عند بعض العلماء لها قيمة معينة، فكثرت قضية النظر إلى التعريف، والحد المنطقي الجامع المانع.. إلى آخره.

    فأقصد من ذلك أنه لو نحن نظرنا كنظر تاريخي أيضاً في قضية التعاريف فسنجد أنه كلما تقدمنا في الزمن وابتعدنا عن جيل الصحابة والتابعين وأتباع التابعين صار الحرص على التعاريف والتدقيقات أكثر.

    فالذين تكلموا في تعريف القرآن كل واحد منهم قد يكون له سبب من الأسباب التي أورثته أن يذكر بعض القيود.

    وذكرت أمثلة مما تكلم به عن القرآن من جهة الاعتقاد فاضطروا إلى وضع هذه القيود التي تدل على أنه منزل من عند الله سبحانه وتعالى، ومعناه لو قال: منزل فهذا منصوص عليه في الكتاب، لكن مخلوق هذه للرد على المعتزلة ومن قال بقولهم، فهذا يحتاج إلى بحث ما السبب في ذكر كذا؟ ما السبب في ذكر كذا؟ هذا يمكن أن يستقرأ من خلال البحوث.

    لكن كونه غير ملتبس، نلاحظ مثلاً الآن الصلاة، هل أحد منكم تلتبس عليه الصلاة؟ لكن لو قلت لواحد عرف الصلاة ... يتعب على شان يعرف الصلاة، يقولون: إن تعريف الواضحات من أشكل المشكلات، فلو قلنا لك: عرف الصلاة يمكن أن تتعب في تعريف الصلاة وتشكل عليك، لكن خذ أي واحد عامي وقل له عرف الصلاة إذا كان ذكياً الله معطيه فطنة، فسيقول تريد تعريف الصلاة؟ أبشر. ثم قال لك: الله أكبر! ويصلي ... ثم يقول لك: هذه الصلاة.

    فتعريفها صعب.

    وأيضاً لما يأتي الفقهاء رحمهم الله تعالى ويحاولون تعريفها بحد معين، تجدنا نتعب في حفظ هذا التعريف، مع أن الواحد يؤديها في كل يوم خمسة مرات، فإذاً يجب أيضاً أن ننتبه إلى مثل هذه القضية، والأمر في هذا إن شاء الله واسع، لكن جيد أن يبحث الإنسان عن السبب الذي دعاء إلى هذه التقييدات في التعريف، إلى ذكر هذا التعريف.

    موقع إسرائيلي اسمه قرآن نت

    السؤال: يقول: سمعنا قبل يومين أو ثلاثة موقع جديد اسمه قرآن نت وهو موقع الإسرائيلي؟

    الجواب: والله جاءتني رسالة عنه، ولكني لانشغالي بدورات علمية يميناً ويساراً ما استطعت أني أقرأ التعريف بهذا الموقع، لكن أنا أقول: أبشروا وأملوا واعملوا فقط، أنا عندي يقين وثقة بأن كل هذه الهجمات التي ذكرتها لكم قبل قليل ستبوء بالفشل؛ لأن الله سبحانه وتعالى تكفل بحفظه، لكن أين نحن من هذا الأمر؟

    هل نستطيع أن نقوم بما يقوم به هؤلاء وأن ندعو إلى كتابنا هذا؟ وإلا أنا أجزم يقيناً أن هذا الأمر سيبوء بالفشل، حتى لو لا سمح الله ضل به من ضل فهذا قدر الله سبحانه وتعالى، ونحن نعلم اليوم الضلال كثير، وفي ملاحدة باسم عبد الله ومحمد، وهذا قدر الله، وإن كنا نضيف لمثل هذا، لكن انظر لنفسك أنت ماذا قدمت؟ لا تسمع الأخبار وتتلاقاها فقط وأنت ساكت، قدم أي شيء لكتابك، على الأقل أن تتمسك به أنت، أن تقرأه، أن تحفظه، أن تقرأ تفسيره، أن تتدبر فيه، هذا بالنسبة لك يكفي إذا ما استطعت أن يكون عندك ما هو أعلى من ذلك، فإذا كان عندك المال ادعم مشاريع القرآن مثل هذه الدورات التي تقوم، مراكز التحفيظ، مراكز علمية للقرآن ادعمها، وهؤلاء يدعمون بالأموال الطائلة وإذا جئنا إلى بعض المسلمين ممن من الله عليهم تتقاصر هممهم في دعم مثل هذه الدورات وغيرها، وهذه والله مشكلة تدل على إشكالية كبيرة جداً، ولذا نقول: يجب أن يكون عندنا نوع من سعة أفق، وأيضاً تنوع في الأعمال، ما هو لازم عمل خير فقط بناء مسجد، والا عمل خير فقط بناء مدرسة، والا عمل خير فقط بناء مكان للأيتام أو غيره، لا. أعمال الخير متنوعة كثيرة جداً جداً.

    تعريف الوحي

    السؤال: يقول: تعريف الوحي هو: الإعلام الخفي السريع الذي يلقيه الله إلى الرسول بواسطة الملك؟

    السؤال: كلمة السريع هذه ليست لازمة دائماً، يعني: السرعة ليست لازمة، أهم شيء فيه الخفاء والإعلام، أما السرعة فهذه قيد ليس لازماً، فقد يكون سريعاً وقد لا يكون على حسب مقدار الوحي، لكن بعض من ذكره؛ لأنه يكون في وقت وجيز جداً فسماه السريع، وإلا ليست بلازمة .

    المقصود بالأثر وهل هو حجة

    السؤال: ما المقصود بالأثر حيث يقول بعض الناس: جاء في الأثر كذا وكذا وهل يعتبر حجة أم لا؟

    الجواب: إذا قيل جاء في الأثر في الغالب هذا الأسلوب يستخدمه الوعاظ أو العلماء، ويريدون في الغالب أنه يعني مما أثر، ولا يلزم فيه الصحة، لكن في الغالب يكون معناه صحيحاً، فليس حجة مطلقاً إلا إذا كان ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا قال: جاء في الأثر وأورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً صحيحاً، فهذا لاشك أنه حجة؛ لأنه عن النبي صلى الله عليه وسلم .

    كون السنة النبوية محفوظة

    السؤال: هل السنة المطهرة محفوظة إلى قيام الساعة؟

    الجواب: لا شك حتى لغة العرب محفوظة إلى قيام الساعة، أي شيء مرتبط بالقرآن فمن اللازم لحفظ القرآن حفظ ما يتعلق به، فالسنة بيان للقرآن، ولغة العرب هذه التي نجدها في المعاجم وغيرها محفوظة إلى أن يرفع الله سبحانه وتعالى العلم، فهذه واضحة جداً ما تحتاج إلى توضح.

    المفاضلة بين تفسير الطبري وابن عطية

    السؤال: من أفضل تفسير الطبري أو تفسير ابن عطية ؟

    الجواب: الأفضلية المطلقة هذه قد يكون فيها نوع من الصعوبة، لكن كل واحد عنده مميزات، شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لما سئل عن هذا جعل الأفضلية لتفسير ابن عطية وله حق أنه يكون كذلك؛ لأن الطبري رحمه الله تعالى كما قيل عنه: إمام المفسرين، ومن قرأ بعناية في هذا الكتاب يجد بالفعل هذه الإمامة المتقنة عند الإمام رحمه الله تعالى، لكن أنا أقول: لكي لا يجعلنا مثل هذا أن نقول الأفضل تفسير الطبري يجعلنا نغفل عن تفسير ابن عطية نقول: لا. انظر ما هي المميزات؛ لأنه أحياناً قد يتناسب معك تفسير ابن عطية أكثر من تفسير الطبري ، بل قد يتناسب معك تفسير معاصر أكثر من تفسير الطبري ؛ لأن تفسير الطبري تفسير متقدم، وليس كل واحد يستطيع أن يقرأ فيه، وأن يستفيد منه.

    ومن باب الفائدة: يتميز مثلاً تفسير ابن عطية باختصار القصص، فيذكر ما أجمله القرآن قريباً من القرآن ما يبتعد كثيراً.

    أما الطبري لما تجيء مثل هذه فيطيل في ذكر الآثار، حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان، ويذكر ما ورده من أخبار عن السلف هذا ميزة هنا تستفيدها أنت إذا كنت تريد مجرد مجمل القصة، لكن تقول: والله أنا أريد أن أحلل عبارات السلف، وأنظر ماذا قالوا؟ كيف تعاملوا مع الإسرائيليات، ففي مثل هذا ما يفيدك تفسير ابن عطية ، لازم تذهب إلى تفسير ابن جرير الطبري وتبدأ تحلل الإسرائيليات هذه بالطريقة العلمية.

    مثال آخر: لما تأت إلى التعليل للترجيح نقول لك: ابن جرير الطبري أكثر تعليلاً، إذا أردت أن تتعلم قواعد الترجيح، وتعليل الاختيارات، وتضعيف الأقوال فاقرأ في تفسير ابن جرير الطبري وستجد شيء كثير ونصوصاً واضحة جداً.

    إذا أردت مثلاً أن تنظر في التعليق على أقول السلف بنوع من الإبداع، والتنبيه على توجيه الأقوال: فهذا موجود في الطبري ولكنه أوضح عند ابن عطية ؛ لأن الطبري طريقته في الكلام قد لا يستطيع أن يستنبط منها من يقرأ، لكن عند ابن عطية واضحة. فيقول: قال أبو محمد رحمه الله تعالى: ثم يذكر لك التوجيه، وما قاله الحسن كذا كذا، فيكون واضحاً عندك، أما الطبري لما يتكلم فقد يورد العلة والتوجيه والترجيح معاً، فلا يدركها كل من يقرأ فيه لطول كلامه.

    لكن أقول من باب الفائدة: لا تبحث دائماً عن ما هو الأفضل على الإطلاق، ولكن أبحث ما هو الأفضل لك أنت؟ في أي مرحلة أنت؟ ماذا تحتاج؟ هذا لذي تبحث عنه، هذا الأفضل في ما يتعلق بهذا السؤال.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007964600

    عدد مرات الحفظ

    720687060