إسلام ويب

المحرمات من النساءللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن تشريع الله مبني على الرفق واللين والمصلحة، ودفع المفسدة والمضرة عن العباد، ومن التشريعات الواضحة في ذلك ما ذكره الله تبارك وتعالى في تعداد من يحرم على الرجل الزواج بهن من النساء. وأعظم المفاسد عند مخالفة ذلك تتمثل في انتهاك الأعراض واختلاط الأنساب.

    1.   

    ذكر الحرام والحلال من النساء

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أيها الإخوة! سورة النساء بين فيها سبحانه وتعالى المحرمات من النساء، وما أباحه الله عز وجل منهن، فذكر سبحانه وتعالى أولاً المحرمات من النسب، يعني: من يلتقين معك في النسب: الأم، البنات، الأخوات، العمات، الخالات، بنات الأخ، بنات الأخت.

    ثم ذكر سبحانه وتعالى المحرمات بسبب الرضاع، فذكر ثنتين: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء:23]، والنبي عليه الصلاة والسلام زاد على هذا ما كمل به السبع السابقات، فقال: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ).

    ثم ذكر سبحانه وتعالى المحرمات بسبب المصاهرة، فذكر زوجات الأبناء: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ [النساء:23]، وذكر أمهات النساء، وذكر بنات النساء، فأمهات النساء يحرمن مطلقاً، يعني: سواء دخل الرجل بالزوجة أو لم يدخل بها، بمجرد العقد على البنت تحرم الأم، أما بنت الزوجة فلا تحرم إلا إذا دخل الرجل بأمها، كما قال: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [النساء:23].

    ثم ذكر سبحانه وتعالى في آخر الآية: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:23]، وفي الآية الأخيرة ختمها بذكر المزوجات من النساء، فالمرأة ما دامت متزوجة فإنها حرام على غير زوجها، قال تعالى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:24].

    هكذا عدّ سبحانه وتعالى المحرمات من النساء، وأباح ما عدا ذلك فقال: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ [النساء:24]، محصنين لأنفسكم ولفروجكم من الحرام، غَيْرَ مُسَافِحِينَ [النساء:24] يعني: غير طالبين للسفاح، والسفاح أصله من السفح وهو صب الماء، فيقول سبحانه وتعالى: من يريد قضاء الشهوة في غير الزواج الذي أباحه الله، إنما يريد فقط صب مائه كيفما توافق هذا الصب، لا يريد تحمل التبعات، والمؤمن مطلوب منه أن يكون بخلاف هذا.

    ثم ذكر سبحانه وتعالى في الآية التي تليها من لم يستطع الزواج فقال: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء:25] يعني: الذي لا يقدر أن يتزوج واحدة من الأحرار يتزوج واحدة من الإماء من العبيد، وهذا في الزمن الذي كان فيه عبيد: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ [النساء:25]، فمن خشي العنت، خشي المشقة، خشي الوقوع في الحرام يتزوج من الإماء، لكن من الإماء المؤمنات، تخفيفاً من الله تعالى.

    1.   

    القضايا الهامة التي ختم الله بها بيان الحلال والحرام من النساء

    انظروا كيف ختم الله عز وجل بعد هذا البيان العظيم لأنواع المحرمات وأنواع الحلال بالتعليق على هذه الأحكام بثلاث قضايا:

    بيان الله لسنة الأمم السابقة في الحلال والحرام من النساء

    القضية الأولى: بين سبحانه وتعالى فيها الحكمة من بيان الحلال والحرام من الأزواج والنساء، لماذا بينا لكم هذا البيان؟ قال: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [النساء:26] لستم الوحيدين الذين ضيقنا عليهم، أحللنا لهم أشياء وحرمنا عليهم أشياء، فإن الأنبياء كلهم جاءوا هكذا بحلال وحرام، يجوز لك هذا من النساء، ولا يجوز لك هذا من النساء، فهذه سنة الأنبياء وسنة الأمم والصالحين قبلكم، فلستم وحدكم، فنحن هنا بينا لكم طريقة من سلفكم باختيار الحلال وتجنب الحرام: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النساء:26]، هذه القضية الأولى.

    بيان ماذا يريد الله بالحلال والحرام وما الذي يريده المعارضون

    القضية الثانية قال: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27]، لما بين الله الحلال والحرام، وأباح لنا محللات، وحرم علينا محرمات، لماذا فعل هذا ولم يترك لنا الباب مفتوحاً على مصراعيه، فيأتي الرجل أي امرأة شاء من النساء وتيسرت له؟ قال: لا، الله منعك من أشياء وأباح لك أشياء؛ لأنه يريد أن يتوب عليك، يعني: يريد لك النقاء، يريد لك التوبة والابتعاد عن الفاحشة، يريد لك البعد عن المعصية: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء:27]، ليست له مصلحة، لا تنفعه طاعة طائع، ولا تضره معصية عاصٍ، لا يضره بر البار كما لا يؤثر عليه فجور الفاجر، إنما التزامك أنت بالحلال منفعته تعود عليك أنت، وتجنبك لهذا الطريق لمضرته ترجع عليك أنت، الله يريد أن يبتعد بك عن طريق الفجور والفاحشة والحرام، ويدلك على طريق الهداية والتوبة والاستقامة؛ لأنه يعلم سبحانه وتعالى أن مصلحتك في هذا: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء:27].

    لكن انظروا في مقابل هذه الإرادة، إرادة الله تعالى، في مقابل ما يحبه الله، هناك فريق آخر يعمل على عكس هذا الطريق، قال: وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27]، هناك داعي الله يدعو إلى الحلال، وهناك داعي الشيطان وحزب الشيطان يدعونا إلى الحرام، هناك داعي الله يدعو إلى الفضيلة والحشمة والحجاب، وهناك داعي الشيطان يدعو إلى الفاحشة والرذيلة، وهتك الحجاب. والقصد من هذا كله: لماذا يفعلون كل هذا؟ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27]، هذا هو المقصود الوحيد، نحن الآن من نصدق؟ كثرت علينا الأقاويل، كثر علينا الكلام، مرة باسم الحرية، ومرة باسم تحرير المرأة، ومرة باسم ظلم المرأة، ومرة ومرة، هذه كلها كلمات حق يراد بها باطل، والله عز وجل أصدق من قال، قال سبحانه: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122]، وقال: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87].

    الله يا أخي! أعلم بهم مني ومنك، الله أعلم بماذا يريدون، ماذا يريدون من وراء إخراج المرأة لتكون سلعة رخيصة في متناول جميع الناس، ماذا يريدون من دعوة النساء والرجال إلى الاختلاط مع هتك الحجاب والتستر، مع هتك الحجاب والابتعاد عن الحشمة، ماذا يريدون من كل هذا؟ لا تسأل غير الله عز وجل، الله يبين لك ماذا يريدون: وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27]، الله يريد لكم الاستقامة، وهؤلاء يريدون بكم الاعوجاج.

    إذاً القضية الثانية: بيان ماذا يريد الله بالحلال والحرام، وماذا يريد الذين يعارضون الحلال والحرام الله يريد كذا، وهؤلاء يريدون كذا.

    إرادة الله التخفيف في امتثال أحكامه

    القضية الثالثة والأخيرة: قال سبحانه وتعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء:28]، معقول بعدما يمنعك من بعض النساء، ويحصرك في أطر ضيقة جداً، وباحتياطات معينة، وبشروط معينة، يقول لك هذا كله من أجل أن نخفف عنك: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء:28]، هذه حقيقة نحن قد نجهلها لقصور عقولنا البشرية، يظن الناس أنه فتح المجال للشهوات، يقضي الإنسان شهوته كيفما يشاء، بحيث يصير الواحد كالبهيمة، يأتي أي امرأة تيسرت له، يظن بعض الناس الذين انطمست بصائرهم، وغطى الله على قلوبهم أن هذا هو التخفيف، وهذا هو الحرية، وهذا هو الرفق، وهذا هو اللين، دع الناس يعيشون كما يحبون، الله يقول لك: لا، هذا ليس تخفيفاً، هذا هو العبء بنفسه، هذا هو الثقل بنفسه، عبء عليك في الدنيا، وعبء عليك في الآخرة.

    أما في الدنيا فهناك مفسدتان: الأولى: ضياع الأعراض، فالأعراض منتهكة؛ لأن الواحد يرضى لنفسه أن يقضي حاجته من المرأة، لكن لا يرضى بأن تقضى هذه الحاجة من عرضه هو، والحرية تقول: لا، للناس كذلك كما لك عليك، أنت لك أيضاً عليك.

    ومن المعلوم أن الجاليات الإسلامية في الدول الغربية لا يستطيع الواحد منهم أن يحكم ابنته بعد البلوغ تفعل ما تشاء، كما لك أنت عليك أنت، فهذا عبء ضياع العرض.

    أنا قبل سنوات في آخر القرن الماضي سمعت أن أحد أمراء إنجلترا أراد أن يتزوج، فبذلوا جائزة كبيرة جداً لمن يأتي بفتاة بكر في سن الثامنة عشرة، لكن ليس هناك أبكار، فالأعراض ضائعة ومنتهكة: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [النساء:28]، هذه المفسدة الأولى.

    المفسدة الثانية: اختلاط الأنساب، هذه المرأة حل لهذا ولهذا ولهذا، وهنا اختلطت الأنساب، وأصبح الرجل يربي من ليس ولده، واختلط بمحارمه من ليس منهم، والله يريد خلاف هذا: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء:28]، والأمراض هذه التي تفشت اليوم هي بسبب الفاحشة، بسبب ارتكاب الناس لسلوك البهائم، كما وعد النبي عليه الصلاة والسلام: ( إلا فشت فيهم الأوجاع والأسقام التي لم تكن في أسلافهم )، مثلاً مرض الإيدز كم يحصد من أرواح، وكذلك غيره من الأمراض، كم تحصد من أرواح بسبب هذه الفاحشة: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء:28]، هذه العقوبات الدنيوية.

    أما العقوبات الأخروية فحدث عنها ولا حرج، قال عليه الصلاة والسلام: ( لأن يطعن أحدكم بمخيط حديد في رأسه أهون له من أن تمس يده يد امرأة لا تحل له )، والإنسان العاقل الذي يعرف العقوبة في الآخرة يقول: لو خير بين أمرين: إما أن يطعن بمخيط من حديد في رأسه، أو تمس يده يد امرأة لا تحل له، لو كان يعرف العقوبة الأخروية سيختار طعن المخيط؛ لأن طعن المخيط هذا أيسر من العقوبة التي تنتظره لو فعل الحرام، أما لو وقع في الفاحشة والعياذ بالله فهذا شأن آخر كما قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:68-69]، عذاب أليم، الله أراد أن يبعد عنك هذا كله لما أحل لك أشياء وحرم عليك أشياء.

    إذاً: بان بجلاء ووضوح مثل وضوح الشمس أن تشريع الله تعالى إنما يريد به سبحانه وتعالى الرفق واللين، والمصلحة، ودفع المفسدة والمضرة عن العباد، ولذلك ختم آيات المحرمات من النساء بقوله سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:24]، يعني: لما أحل ما أحل، وحرم ما حرم، هذا كله صادر عن علم ليس جزافاً، لا، عن علم بأحوال العباد وما يصلحهم: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا [النساء:24]، ومع هذا العلم حكمة، والحكمة: وضع الشيء في موضعه، كما قال العلماء، أو فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي. والله لما أحل ما أحل، وضع الشيء في محله، ولما حرم ما حرم أيضاً وضع الشيء في محله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:24].

    نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يرزقنا اتباع شرعه، وامتثال أمره.

    وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3029646610

    عدد مرات الحفظ

    726071598