إسلام ويب

رمضان شهر الخير والبركاتللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتبر رمضان بستان هذا الروح الذي يشم فيه عبير القربات، وتتنقل فيه بين أزاهير الطاعات، فالموفق حقاً من سابق إلى خيراته، ونافس في بركاته، وصيام هذا الشهر الكريم ركن من أركان الإسلام على من توافرت فيه شروط وجوب صيامه.

    1.   

    فضل رمضان ومعالم البركة فيه

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الإخوة في الله! روى الإمام النسائي رحمه الله تعالى في سننه، وصححه العلامة الألباني رحمهما الله جميعاً، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أتاكم رمضان: شهر مبارك، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتصفد فيه مردة الشياطين، ولله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم ).

    هذا الحديث العظيم جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله على المنبر في آخر يوم من شعبان، يبشر أصحابه، هكذا قال أبو هريرة رضي الله عنه واستدل به العلماء على مشروعية تهنئة المسلمين بعضهم بعضاً بمناسبة قدوم شهر رمضان المبارك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما سمعتم: ( أتاكم رمضان شهر مبارك )، وهذه الكلمة في لغة العرب تحتمل معنيين: تحتمل معنى الدعاء، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على المنبر ليدعو للناس أن يجعل الله شهرهم شهراً مباركاً، وتحتمل معنى الإخبار، وهو أن يكون مراد الرسول صلى الله عليه وسلم إعلام الناس أن هذا الشهر شهر مبارك، فما معنى مبارك؟

    البركة: تعني كثرة الخير، وليس الخير فقط، ولكنه الخير الكثير، ولذلك يسمي الناس المكان الذي يكثر فيه الماء: بركة، فالبركة تعني خيراً، ولكنه الخير الكثير، والرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الناس ويذكرهم بأن هذه الليالي والأيام المقبلة أيام وليالٍ جعل فيها الخير الكثير، ( أتاكم رمضان شهر مبارك )، واللازم من هذا: حث المسلمين على التماس هذه البركة، وحث المسلمين على السعي لأن تصيبهم هذه البركة، فإن المسلم مأمور بأن يطلب الخير في دهره كله، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( اطلبوا الخير دهركم كله )، فهذا شأن المسلم، البحث عن الخير، والسعي إليه في كل زمان، وفي كل مكان، ولكنه مطلوب منه أن يجد ويعزم على استغلال مواسم الخيرات الكثيرة: ( اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات رحمة الله )، هناك نفحات، أي: أيام تفتح فيها أبواب الرحمة بما لا تفتح فيما سواها، ومنها هذا الشهر الكريم، الذي وصفه الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الذي سمعت، بأنه: ( تفتح فيه أبواب السماء )، وفي حديث الصحيحين: ( تفتح فيه أبواب الجنة )، وفي رواية مسلم: ( تفتح فيه أبواب الرحمة ).

    فالأبواب كلها مفتحة، أبواب السماء مفتحة لقبول العمل، وأبواب الجنة مفتحة لتبشير المؤمنين، وأبواب الرحمة مفتحة لتشمل الطائعين والعاصين، إنه زمن ليس كغيره من الأزمان كما قال ابن الجوزي رحمه الله: مقام رمضان بين الشهور كمقام يوسف بين إخوته، فيوسف سيد إخوته وأفضلهم، وهكذا رمضان مع إخوته، لم يرتد البصر ليعقوب عليه السلام بشمه لأحد من أولاده، لكنه لما شم قميص يوسف رجع إليه بصره كما كان، وهكذا شهر رمضان إذا تنفس المؤمن رياحه، وإذا استنشق المؤمن عبيره، وإذا عاش المؤمن أيامه ولياليه عادت إليه روحه، إنه شهر مبارك، كثر فيه خير الدنيا وخير الآخرة، ولا شك أن خير الآخرة أولى وأفضل ما يفرح به المؤمن ويسعى لاغتنامه، كما أمرنا الله عز وجل بذلك فقال: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    مغفرة الذنوب في شهر رمضان

    ثم ما هي الخيرات التي بشر بها رسولنا صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر الكريم؟

    أول هذه الخيرات وأهمها وأعظمها: أن رمضان موسم مفتوح لعموم المغفرة، فإن أسباب المغفرة فيه متوافرة كثيرة أكثر من غيره، (فمن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، (ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، (ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، إذا فتحت كل هذه الأبواب للمغفرة، ثم مر رمضان وهناك عبد لم يغفر له، فإنما لم يغفر له لشقاوته، ولهذا جاء في الحديث: أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه: ( احضروا المنبر )، أي: اجتمعوا حول المنبر، قال: ( فاجتمعنا حول المنبر، فرقى رسول الله صلى الله عليه وسلم درجة، وكان منبره ثلاث درجات، رقى درجة فقال: آمين، ثم رقى الثانية فقال: آمين، ثم رقى الثالثة، فقال: آمين، فلما سئل عن ذلك قال: اعترضني جبريل عند الدرجة الأولى، فقال: من أدركه رمضان فلم يغفر له أبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين )، هذه دعوة خير أهل السماء يؤمن عليها سيد الخلق أجمعين، ( من أدركه رمضان ولم يغفر له أبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين )؛ لأن أبواب المغفرة تفتح على مصارعها، ويصل الإنسان إلى مغفرة الله بأدنى عمل.

    شهر مضاعفة الحسنات

    رمضان موسم تضاعف فيه الحسنات، العمل فيه ليس كالعمل في غيره، فحق أن يسمى شهراً مباركاً، العمل فيه يضاعف بما لا يضاعف في غيره، وقد سئل عليه الصلاة والسلام عن أفضل الصدقة، فقال: ( صدقة في رمضان )، وامرأة أرادت أن تحج لكنها تعطلت عن الحج معه عليه الصلاة والسلام بسبب مرض لها، وبسبب قلة النفقة، فأرشدها عليه الصلاة والسلام إلى عمرة في رمضان، وقال: ( عمرة في رمضان تعدل حجةً معي ).

    الصوم نفسه الذي يؤديه الإنسان في رمضان ثوابه لا يحصيه إلا الله، كما جاء في الحديث القدسي: ( كل عمل ابن آدم له يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به )، الصوم وحده لا يعلم أحد مضاعفة ثوابه إلا الله، ( إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به )، الصلاة في رمضان لها مذاقٌ آخر وثواب آخر، فإن قيام ليله يوجب مغفرة الله تعالى، فكيف بأداء الفرائض فيه، ( ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )، روى ابن خزيمة في صحيحه، يعني: أورده تصحيحاً منه لهذا الحديث، وإن كان تكلم فيه آخرون بأن: ( من أدى فيه نافلة كان كمن أدى فريضة في غيره، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ).

    إذاً: الثواب في رمضان ليس كالثواب في غيره، فحق له أن يسمى شهراً مباركاً، هذا الشهر جعله الله عز وجل موسماً للتزود بخير زاد، خير ما يتزوده الإنسان ويحرص على الاستكثار منه تقوى الله التي جعلها الله عز وجل مفتاحاً لكل خير، وتيسيراً لكل عسير: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4]، وقال عن الجنة: وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ [النحل:30]، فالتقوى مفتاح الخيرات في دنياك وفي آخرتك، وخير زمان تتزود فيه بالتقوى شهر رمضان، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، لعلكم تظفرون فيه بحظٍ وافر من التقوى، يعينكم على اجتناب ما حرم الله، وإتيان ما أمر الله في باقي العام.

    رمضان شهر القرآن

    هذا الشهر جعله الله عز وجل موسماً لإنزال كتبه، وهو سبحانه وتعالى لا يختار لإنزال الكتب إلا أشرف الأوقات وأفضلها، اختار رمضان فأنزل فيه التوراة وأنزل فيه الإنجيل وأنزل فيه صحف إبراهيم، كما صح بذلك الحديث، ثم ختم الكتب السماوية فأنزل القرآن في شهر رمضان، فقال جل من قائل: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ[البقرة:185]، هداية وبيان، وبه ينال الإنسان منازل الرضوان، قراءته عبادة، والحسنة بعشر أمثالها، ( لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف )، وسماعه عبادة، فإن الإنسان يجزى بسماعه للقرآن ثواباً عظيماً، وتدبره وتفكره إيمان وارتقاء في منازل الرضوان، جعل الله رمضان مبدأً لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، جاءه الوحي وهو يتحنث في الغار في شهر رمضان، وذلك إعلام للناس بشرف هذا الشهر ومنزلة هذا الشهر عنده سبحانه وتعالى، واجب المؤمن أن يسعى لاكتساب رضوان الله في كل دهر، ولكنه في مواسم الرحمة وفي أيام المغفرة ينبغي أن يكون أكثر حزماً وأكثر جداً لاغتنام هذه الساعات.

    الموفق أيها الأحباب! من شدّ العزيمة، وصدق الله النية، وسأل ربه أن يبلغه رمضان ليغتنم فيه الساعات واللحظات فيما ينفعه عند الله.

    إذا رمضان أتى مقبلاً فأقبل فبالخير يستقبل

    (إذا كان أول ليلة من رمضان نادى منادي الله: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر).

    الروحانية في رمضان

    من بركات هذا الشهر العظيم: ما يجده كل واحدٍ منا بالضرورة من ارتفاع الروحانية في نفسه، حتى ما يجده العصاة والمجرمون والمذنبون في أنفسهم من وازع ودافع يدفعهم إلى دخول المساجد، وإلى حضور التراويح، ويجدون فيه من لذة العبادة وأنس الطاعة والقرب من الله ما لا يجدونه فيما سواه من الأيام.

    زيادة الأرزاق في رمضان

    في رمضان اهتدى كثيرون، ورجع إلى ربهم كثيرون، وهذا من بركات هذا الشهر العظيم، حتى البركة الحسية كزيادة الأرزاق، فيعرف الموفقون كلهم أن في رمضان زيادة في أرزاقهم، وإن لم تكن هناك زيادة حسية فزيادة معنوية، مهما أنفق المؤمن في رمضان فإنه يلحظ بركة في رزقه، وقد جاء في الحديث عند ابن خزيمة الذي ذكرته من قبل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: ( يزاد فيه رزق المؤمن )، وإن لم تكن هذه الزيادة عددية، فإن الإنسان يلحظ فيه زيادة معنوية يلحظ فيه بركة في الإنفاق وتيسيراً في الرزق وسعة فيه، فالموفق من اغتنم هذه الليالي والأيام، فإن هذه الأيام إذا أخطأتك هذا العام ربما لن تعود.

    نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يأخذ بأيدينا إلى كل خير.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه.

    1.   

    شروط الصيام

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    إخوتي في الله! صيام رمضان ركن من أركان الإسلام، لا يقوم الإسلام ولا يكمل إلا به، قال عليه الصلاة والسلام: ( بني الإسلام على خمس، وذكر منها: صوم رمضان )، كتب الله عز وجل على الناس صيامه، كما قال في كتابه: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، فهو فريضة بإجماع أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، من اجتمعت فيه خصال وأوصاف وجب عليه أن يصوم هذا الشهر، كما قال الله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ[البقرة:185]، فمن كان بالغاً، عاقلاً، مسلماً، قادراً، مقيماً، -يعني: غير مسافر- والمرأة إذا كانت طاهرة من الحيض والنفاس، من اجتمعت فيه هذه الخصال وجب عليه أن يصوم شهر رمضان، والكافر لا صيام عليه؛ لأن الله إنما يتقبل من المتقين، والكفار غير مطالبين بفروع الشريعة في الدنيا، والصغير -يعني: غير البالغ- لا يجب عليه الصوم في نهار رمضان، وإنما إذا كان الصغير يطيق الصيام فيجب على الولي أن يعوده الصوم، كما يجب عليه أن يعوده الصلاة، قال عليه الصلاة والسلام: ( مروا أولادكم بالصلاة لسبع )، وقاس الفقهاء الصوم على الصلاة، فيجب على أولياء الأمور تعويد أبنائهم الصغار على الصوم، إذا كانوا مطيقين له، فإذا فرط الأب والأم في هذا فالإثم على الكبار لا على الصغار، فالصغير ليس عليه صوم واجب، والمجنون أو المعتوه أو الخرف الذي كبر سنه حتى غاب عقله أو نقص عقله فإنه لا صيام عليه، ولا بدل عن ذلك الصيام، فلا يجب عليه شيء ما دام العقل قد ذهب أو نقص، فإنه لا تكليف إلا بالعقل بإجماع علماء المسلمين.

    أما المسافر سفراً تقصر فيه الصلاة، أي: يبلغ ثلاثة وثمانين كيلو متراً أو أكثر من أطراف بلدته إلى أطراف البلدة التي يريدها، إذا سافر هذا السفر فإنه لا يجب عليه الصوم، ولكن إذا كان لا يشق عليه الصوم فالصوم أفضل، اغتناماً لشرف الزمان.

    ثم القدرة، فالمريض الذي يشق عليه الصوم لا يجب عليه أن يصوم، فإن كان يقدر على الصوم بعد رمضان وجب عليه أن يقضي ما فاته في رمضان، وإن كان المرض مستديماً، لا يرجى له برء ولا زوال، فإنه ينتقل من الصيام إلى الإطعام، فيطعم عن كل يوم مسكيناً، وهو مخير في هذا الإطعام: إما أن يطعمه كل يوم في يومه، وإما أن يؤخر الإطعام فيطعم في آخر الشهر أو بعد الأيام، ولا يجوز أن يقدم الإطعام.

    وآخر الأوصاف للمرأة الطهارة من الحيض والنفاس، فإذا كانت المرأة حائضاً أو نفساء حرم عليها الصوم، وإذا كانت طاهرة وتحققت فيها باقي الصفات الخمس وجب عليها أن تصوم كغيرها من الناس.

    1.   

    فضل الصيام

    هذه الفريضة -أيها الكرام- أعد الله عز وجل للقائمين بها أعلى المراتب، ووعدهم بأفضل الثواب، قال عليه الصلاة والسلام: ( الصيام جنة من النار )، وفي رواية: ( وهو حصن حصين من النار )، وفي الحديث الآخر وهو يتحدث عن صيام النافلة ناهيك عن الفريضة، يقول: ( من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً )، الصيام له باب لأصحابه يوم القيامة يكرمون به ويعلى شأنهم، ويرفع مقامهم، قال عليه الصلاة والسلام: ( إن في الجنة باباً يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق )، فجعل له باب ليرفع الله عز وجل شأن الصائمين، وليرفع قدرهم أمام العباد يوم القيامة.

    هذه الفريضة فرضها الله عز وجل لتحقيق مقاصد وتحقيق مكاسب ينبغي للمؤمن أن يحرص على أن يتأدب بآداب الصوم، الصوم ترك للحلال في شعبان، ليعودك الله اجتناب المحرمات، أما إذا كنت تصوم عن المباحات، ثم تفطر على أنواع المحرمات، فإنك لم تدرك حقيقة الصيام، ولم تعلم لماذا شرع الله عز وجل الصوم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ( من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه )، يعني: لا يقبل منه صومه، ولا يثاب على صيامه إذا كان يمسك عن الطعام والشراب، ويفطر بتناول أنواع المحرمات إفطاراً معنوياً، فالصوم لا يفسد بالمعصية، بل الصوم صحيح، ولا يطالب الإنسان بالقضاء، ولكن شأن المؤمن طلب الثواب وليس طلب الصحة وإبراء الذمة فحسب، الصوم فريضة جعلها الله عز وجل وسيلة لتكفير الذنوب، ولبلوغ مراتب الأماني، لكن هذه المرتبة لا يبلغها الإنسان إلا إذا أحسن الصيام، إن الله عز وجل يحب الإحسان، فمن صام فليتحر إحسان صومه، قال عليه الصلاة والسلام: ( فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يصخب، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني امرؤ صائم ) عودوا أنفسكم يا عباد الله! التحلي بمكارم الأخلاق، والصبر عن معصية الله، وتجنب ما حرم الله، فإنه شهر التقوى، شهر الصبر، والصبر ثوابه عظيم، لا يعلمه إلا الله.

    1.   

    عقوبة من أفطر في رمضان لغير عذر

    وليحذر من اجتمعت فيه الخصال الست كل الحذر من أن يجره الشيطان إلى إفطار يوم من رمضان، فإن تعمد الفطر في نهار رمضان من كبائر الذنوب، وقد جاء في الحديث الصحيح في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم لأصناف المعذبين، كما صححه الألباني ، قال عليه الصلاة والسلام: ( بينا أنا نائم أتاني رجلان فأخذا بضبعي -أي: إبطي-، فقالا لي: انطلق، قال: فانطلقت معهم، فأتينا على جبل وعر، فقالا لي: اصعد، قلت: لا أطيقه، قالا: إنا سنسهله عليك، فصعد عليه الصلاة والسلام الجبل قال: فلما كنت في سواء الجبل )، يعني: في وسط الجبل، ( إذا أنا بأصوات شديدة، قلت: من هؤلاء؟ قالا: هذا عواء أهل النار )، أي: هذا صياح أهل النار، ( قال: ثم انطلقا بي فإذا أنا بقوم معلقة عراقيبهم )، يعني: قد نكسوا، فرءوسهم إلى الأسفل، وعراقيبهم وأرجلهم إلى الأعلى وشققت أشداقهم، شققت أفواههم، ( تسيل أشداقهم دماً قلت: من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء الذين أفطروا قبل تحلة صومهم )، أفطروا قبل أن يحل لهم الفطر، يعني: أفطروا في نهار رمضان، فالفطر في رمضان تعمداً من غير عذر كبيرة من كبائر الذنوب، فليجاهد كل مسلم نفسه ابتغاء رضوان الله، وقد صدق الله في حديثه حين قال: ( إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به )، الصوم لله وحده، لا يراه أحد، ولا يطلع عليه أحد، ولا يعلم بسلامته أحد إلا الله، فإن الإنسان يتمكن من الإفطار إذا غاب عن العيون، وأسدلت حوله الستور، ولكنه لن يغيب عن مراقبة الله عز وجل وعلمه، ولهذا كان ثوابه لا يشابه ولا يضاهي ثواب غيره من الأعمال: ( إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به )، نحن على عتبات شهر رمضان يا كرام! فجدير بنا أن نستقبله بالتوبة، وأن نستقبله بالاستغفار، وأن نستقبله باللهج والاضطرار إلى الله، ونسأله أن يعيننا فيه على بلوغ رضوانه، وأن يعيننا فيه على اغتنام أيامه ولياليه بما يقربنا إليه سبحانه:

    رمضان نورك للورى يتراءى وعبير عطرك يملأ الأرجاء

    وتزف للدنيا بشارة ربها عفواً وفضلاً واسعاً وعطاء

    يا رب خذ بجباهنا وقلوبنا للزوم بابك ذلة ودعاء

    وأن نبلغ منك الرضا يا أرحم الراحمين! يا ذا الجلال والإكرام، يا رب العالمين! خذ بأيدينا إلى كل خير، اللهم بلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان، وبلغنا فيه ما يرضيك عنا يا أرحم الراحمين!

    اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا أرحم الراحمين! نسألك رحمة من عندك، اللهم إنا نسألك رحمة من عندك، تغفر بها ذنوبنا، وتطهر بها قلوبنا، وتعفو بها عن سيئاتنا، وتزكي بها نفوسنا، وتخلص بها نياتنا.

    يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! نسألك اللهم رحمةً من عندك تصلح بها ظاهر أحوالنا وباطنها.

    اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام، يا أرحم الراحمين، برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله، اللهم أصلح لنا شأننا كله، اللهم أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم اهدنا ويسر الهدى إلينا، اللهم اهدنا ويسر الهدى إلينا، اللهم اهد شبابنا وبناتنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أصلح أحوال المسلمين برحمتك يا رب العالمين! اللهم اجعل لهم من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاءٍ عافية، اللهم اجمع كلمة المسلمين على الهدى، وقلوبهم على التقى، وعزائمهم على خير العمل يا أرحم الراحمين! اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين.

    اللهم اغفر لمن حضر هذه الجمعة ولوالديه، وافتح للموعظة قلبه وأذنيه، أنت ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا أرحم الراحمين آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007963860

    عدد مرات الحفظ

    720653005