إسلام ويب

تفسير سورة الجاثية [24-28]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الكفار الملاحدة ينكرون البعث والجزاء، ويقولون إنما هي حياة واحدة لا بعث بعدها، وإذا جاءتهم الآيات البينات التي تدل على وحدانية الله وصدق رسله، كابروا وطلبوا إحياء آبائهم في الدنيا، فهؤلاء سيلقون جزاءهم يوم يجمع الله الخلق يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ...)

    المعنى الإجمالي للآية

    قال تعالى: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية:24].

    يخبر ربنا عن هؤلاء الذين كفرت بواطنهم قبل أن تكفر ظواهرهم، وكفرت ألسنتهم قبل أن تكفر حواسهم، حيث كفروا فلم يروا، وكفروا فلم يفقهوا، وكفروا فلم يسمعوا، واتخذوا الهوى إلهاً، ثم لم يكتفوا بالعمل فزادوا في القول طوام وبلاء فقالوا: مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا [الجاثية:24].

    قالوا: لا آخرة ولا بعث ولا نشور ولا حساب ولا عقاب.

    وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24] فليست الحياة في أنظارهم إلا الحياة الدنيا التي عاشوا فيها، فهذه الدنيا التي عاشوها فيها يحيون وفيها يموتون، ولا يكون الهلاك إلا بالأعمار وبالسنين، وبطول المقام في الدهر والعصر، فليس هناك آخرة ولا رسل ولا كتب.

    وهذا الكفر هو كفر الشيوعيين اليوم، وهو دينهم الذي نشروه بين الناس كتباً ونظريات، وجعلوه كتباً هي برامج في التعليم وبرامج في التربية تزيدهم كفراً على كفر.

    وهذا هو الكفر الذي يسمون أنفسهم به التقدميين، ويلمزون غيرهم بأنه المتأخر الرجعي الذي لا يأتي إلا بما طواه الدهر وأكل عليه وشرب، وها نحن نرى أن كفرهم هذا كان قديماً، كان منذ آلاف من السنين، فهم الذين رجعوا إلى الكفر الأول، فهم رجعيون؛ لقولهم: نحيا في هذا العصر ونموت في هذا العصر، ولا يهلكنا إلا طول الدهر وكثرة أيامه في الدنيا، أما أن يكون هناك حياة بعد الموت وآخرة وبعث ونشور فلا!

    فهؤلاء رجعوا إلى المقالة القديمة الكافرة، فصاروا دهريين، كما قال الله عنهم: وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24] فجعلوا من الدهر إلهاً، وجعلوا هواهم إلهاً وعبدوه من دون الله، ونسبوا إلى الدهر الحياة والموت.

    معنى قوله تعالى: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر)

    قال تعالى: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا [الجاثية:24] فليس هناك قضية ولا عمل إلا هذه الحياة التي نحياها نَمُوتُ وَنَحْيَا [الجاثية:24] يموت منا أقوام ويحيا منا أقوام، وقد رتبوا القول فقالوا: ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24] وهكذا ظنوا، وهكذا وهموا.

    والله لم يخلق السماوات والأرض إلا بالحق، وما خلق ذلك باطلاً.

    قال تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا [ص:27] وقال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]

    فهيهات هيهات أن يكون هذا الهراء من القول ديناً، وأن يكون علماً، فقد قال هذا كفرة في جزيرة العرب، وكفرة في أرض الروم، وكفرة في مختلف بقاع الأرض، قالوه وقت أن قال هذا ربنا وأنزله على نبينا، ولا يزال ذلك مقولاً في أفواه قائلين به مستمسكين به، وهذا مذهب الفلاسفة الملحدين، ومذهب المعطّلين، ومذهب الشيوعيين، ودين الكفرة الذين لا يؤمنون بالله، فهم زعموا أن الحياة الدنيا هي الأولى الآخرة، وأنه لا شيء في الأرض إلا أن يحيوا ويموتوا، فيموت الآباء ويحيا الأبناء، ويذهب الأبناء ويأتي الأسباط، وهكذا سلسلة خلف سلسلة.

    وهذا ما ورد في الصحيحين وفي السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار).

    ومعنى ذلك أن الدهر الذي ينسبون إليه هذا العمل ليس بيده شيء، فالدهر: هو معنى غير محسوس، فهو سنون وأوقات تمضي وتتبعها أوقات، فكيف بهذا المعنى يحيي ويميت ويرزق ويعطي ويعز ويذل؟! ولذلك جعل الله من يقول: (يا خيبة الدهر) شاتماً لربه؛ لأن الدهر ليس بيده شيء، ولا يملك أخذاً ولا عطاء، ولا حساباً ولا نشوراً.

    وسب الدهر كثيراً ما يجري على ألسنة الناس، حتى المؤمنين، فإذا فات أحدهم شيئاً، أو رأى غيره أكثر حظاً منه في الحياة وأكثر رزقاً وأكثر جاهاً وأطول عمراً يذهب ويشتم الدهر.

    وقد أجمع العلماء إلا الظاهرية على أن الدهر ليس اسماً من أسماء الله الحسنى، وإنما معنى كلام النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي المروي عن الله جل جلاله أنه: يسبني عبدي ويؤذيني فيقول: (يا خيبة الدهر) فيشتم الدهر، وأنا الدهر بيدي الليل والنهار أقبضهما وأبسطهما، فمعنى ذلك أن هؤلاء الذين ينسبون إلى الدهر حياة ومماتاً وعطاء وأخذاً لم يعلموا أن الدهر لم يفعل ذلك، ولا يليق به ذلك، بل الله الذي يفعل ذلك، فمن يشتم الدهر يكون كمن شتم من فعل ذلك، والذي فعله هو الله جل جلاله.

    قال تعالى: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا [الجاثية:24]، فليست القصة، وليست القضية، وليست الرسالة بمجموعها إلا هذه الكلمات بزعم هؤلاء الكفرة الملحدين وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24] فما يهلك الإنسان بالموت إلا يومه وعمره، وطول أيامه وطول مكثه على هذه الأرض حتى يكل ويمل ويعجز عن القيام بشئون نفسه وبشئون الحياة، فيكون قد هلك ومات، وما ذلك إلا من طول دهره وطول أيامه وطول حياته وعصره.

    معنى قوله تعالى: (ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون)

    هكذا زعم هؤلاء وكذبوا، فقال الله عنهم: وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية:24].

    فهذا الذي قالوه قالوه عن غير علم، وعن غير فهم، وعن غير إدراك، وقالوه جهلاً واعتباطاً، فقالوا ما لا علم لهم به، ومن أظلم ممن يكذب على الحق، ويجعل من الباطل حقاً دون دليل ولا برهان ولا رجوع لمنطق من حق أو عقل أو نقل.

    قال تعالى: وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية:24] فليسوا هم إلا ظانين وإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [يونس:36]، فالظن لا يقوم به حق، والظن لا يبنى عليه حق، والظن لا تقوم عليه السماوات والأرض، إن هو إلا وهم من الأوهام قد يكون وقد لا يكون، والظن بهذا الاعتبار إذا دخل العقائد أفسدها وحولها من إيمان إلى كفر.

    فهؤلاء قالوا ما لم ينزل به كتاب ولم ينطق به عقل يعي ذلك ويفهمه، ولكنه أوهام توارثوها كما يتوارث أهل الباطل الباطل، وأهل الكفر والإلحاد الكفر والإلحاد.

    فكفرة اليوم عندما يقولون هذا القول بعينه كما قاله أولئك يكونون قد عادوا إلى ظنون وأوهام وأباطيل ما أنزل الله بها من سلطان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ...)

    قال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الجاثية:25].

    إن هؤلاء من تمام كفرهم وإصرارهم على هذا الكفر إذا أتتهم آيات الله وبراهين قدرة الله ووحدانية الله، وأن الله المحيي وأنه المميت، وأنه المهلك وأنه الذي يحيي الناس ويحيي الخلق بعد موتهم فهذا إلى الجنة وهذا إلى النار، إذا تتلى عليهم هذه الآيات وهذه البراهين وهذه الأدلة القاطعة التي لا ينكرها عقل إلا إذا كان به خلل أو مرض، ولا ينكرها مؤمن، إلا إذا كان قلبه مريضاً عليه غشاوة، وقد قضي عليه فلا يعي ولا يفهم ولا يفقه، وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيات الله بَيِّنَاتٍ واضحات ظاهرات كاشفات للحق، كاشفات للباطل، بها نعرف الباطل فنطويه ونكفر به، وبها نعرف الحق فنلتزمه ونؤمن به، إذا بهم يريدون أن يجادلوا بالباطل.

    قال تعالى: مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ[الجاثية:25] فيقولون: إن صدقتم في أن هناك حياة بعد الموت، كما يقول الأنبياء قبل، وكما يقول المؤمنون بعد، وكما يقول القرآن، وكما يقول نبينا عليه الصلاة والسلام والمؤمنون، إن كان هذا حقاً فأتوا بآبائنا الذين ماتوا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ[الجاثية:25] لنسألهم ماذا لقوا في قبورهم، هل رأوا جنة أو ناراً؟

    وهذا الذي قالوا باطل من القول ولغو؛ إذ لم يقل لهم بأن الأموات سيعودون إلى الحياة الدنيا، وإنما قيل لهم بأن الله سيعيد الحياة في الآخرة بعد انقضاء الدنيا وبعد محوها وبعد فنائها، أما أن يعيش الإنسان في الدنيا حياتين ويموت فيها موتتين فهذا لم يقله أحد، لم يأت به نبي ولا كتاب، ولا يؤمن به مؤمن.

    (وحجتهم) في قوله تعالى: (ما كان حجتهم): خبر كان مقدم على الاسم، وتقدير القول: ما كان حجتهم إلا قولهم: ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين، فقُدّم الخبر على الاسم للحصر والاختصاص، فهو مما يؤكد زعمهم وقولهم ذلك، واستمساكهم بهذا الباطل. فأتوا بشيء ظنوه حجة، وهيهات هيهات أن يكون كذلك، ما هو إلا جدال بالباطل، وما هو إلا قول لا دليل عليه، وما هو إلا كلام لا يقبله عقل ولم يؤكده نقل، ولكنهم فتحوا الأفواه فعووا كما يعوي الكلب دون فهم ولا إدراك ولا دين من الله ولا كتاب منزل ولا نبي مرسل، وما كان كذلك فهيهات هيهات أن يكون حجة، أو يكون قولاً يعتمد عليه ليجادل على طريقته ويجادل في سبيله.

    وما ذكر الله قوله: (حجتهم) إلا لكونهم اعتبروه حجة، وليس هو من الحجة في شيء، وإنما هو الجدال بالباطل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل الله يحييكم ثم يميتكم ...)

    معنى قوله تعالى: (قل الله يحييكم ثم يميتكم)

    قال تعالى: قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الجاثية:26].

    أي: قل يا رسول الله لهؤلاء المبطلين: قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [الجاثية:26] لا دهر ولا عمر ولا عصر ولا دنيا، فالدنيا مخلوقة، والدهر مخلوق، والأعمار كذلك، والله وحده المحيي المميت، ليس الأمر كما زعمتم أنه ما هي إلا الحياة الدنيا وما يهلككم إلا الدهر، بل الله المحيي المميت المهلك.

    فقل -يا رسولنا- لهؤلاء وعلمهم وهذّبهم وأصلح ألسنتهم وأصلح عقائدهم اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [الجاثية:26] أحيانا وقد كنا عدماً، فأين كنا قبل مائة عام؟! وأين من كان في الدنيا قبل مائة عام؟!

    لقد كنا عدماً وكنا أمواتاً فأحيانا الله وأخرجنا إلى هذا الوجود، خلقنا من ذكر وأنثى، كما خلق أبانا آدم من تراب وأمنا حواء من ضلع من أضلاعه، وخلق عيسى من أم بلا أب، وخلق سائر الخلق من ذكر وأنثى.

    قال تعالى: قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [الجاثية:26] وهذا شيء نراه بعين الواقع، فأين آباؤنا؟! وأين أجدادنا؟! وأين كبارنا؟! لقد ماتوا ولن يعودوا، وبادوا فيمن باد، وهذه الطريق طريقنا كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27] فمن فعل ذلك؟ ومن المحيي من المميت؟ إنه الله جل جلاله.

    معنى قوله تعالى: (ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه)

    قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ [الجاثية:26]:

    يجمعنا أحياء على سطح واحد في أرض المحشر نُعرض على الله في يوم كان مقداره كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47] في يوم كبير، ويوم فظيع، ويوم يشيب فيه الوليد، ويوم تُسقط فيه الحامل، ويوم يقول كل إنسان فيه: نفسي نفسي، فلا يفكر أب في ولد، ولا ولد في أب، ولا أخ في أخ، ولا قريب في قريب من شدة هول ذلك اليوم.

    قال تعالى: ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ [الجاثية:26] أي: نحيا حياتين، ونكون قد متنا موتين: الموت الأول هو العدم قبل خروجنا إلى الدنيا، وخروجنا هو الحياة الأولى، ثم نموت الموتة الثانية بالنسبة للعدم الذي كنا فيه قبل أن يخلقنا الله، ثم يعيدنا ويحيينا ويجمعنا للعرض والحساب، وهي الحياة الثانية في الدار الثانية الآخرة الدائمة.

    قال تعالى: ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الجاثية:26] أي: ليوم القيامة، وحروف الجر كثيراً ما ينوب بعضها عن بعض لا رَيْبَ فِيهِ [الجاثية:26] أي: لا شك ولا توهم ولا تردد، وإن رأيت شاكّاً أو رأيت متردداً فذلك الكافر الذي لا يؤمن بالله.

    معنى قوله تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

    قال تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الجاثية:26].

    فأكثر الناس منذ خلق الله آدم إلى موت آخر إنسان على وجه الأرض كافرون بالله وبالبعث، فلا يوقنون بأن يوم البعث حق، ولا بأن العودة إلى يوم القيامة حق، ولا يؤمنون بالجنة والنار، ولا يؤمنون بكتب الله، ولا برسل الله، ولا بقدرة الله وبوحدانيته، وذلك معنى قوله جل جلاله: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116].

    ولذلك فإن القول بالأكثرية والأقلية نظام يهودي؛ لأن الأكثرية ضالة، فأقاموا الندوات والبرلمانات ودور الشورى، وجعلوا القول والحكم للأكثرية، فما قاله الأكثر فهو الحق والصواب، وما قاله الأقل فهو الباطل!

    والله لم يقل هكذا، بل قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116] والأمر لا يزال قائماً، فلو أن أحدنا قام اليوم فقال: أريد أن أعمل موازنة لأعلم هل الأكثر في الناس المسلمون أم الكفار لخرج بنتيجة مفادها كثرة الكفرة من يهود ونصارى ووثنيين وشيوعيين.

    فلو اعتبر المرء الأكثرية لكان كافراً؛ لأنهم يزعمون أن الحق مع الأكثرية، وإنما يزعمونه لغيرهم، أما لهم فلا، ولو آمنوا بأن الأكثرية المحقة لوجب عليهم أن يتبعوا الأكثرية؛ لأنهم أقل الأمم وأقل الأديان، ولن يفعلوا أبداً، فإنك تجد اليهودي الواحد ضمن مائة مسلم أو أكثر، فتجده منذ طفولته وهو مستمسك بيهوديته، حتى لو أجبر على الإسلام أو داهن المسلمين فلا تثق به ولا تصدقه، فهو كافر العقيدة يهودي في باطنه لا يكاد يظهر لهم شيئاً، وهذا أمر رأيناه وعشنا في واقعه وعاش فيه سابقونا.

    قال تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الجاثية:26] فأكثر من في الأَرض من الأمم جميعها ومن الأقوام كلها سابقها ولاحقها لا يعلمون الحق، ولا يعلمون الصدق، ولا يعملون اليقين، ولا يؤمنون به ولا يؤمنون ببعث، ولا يؤمنون بحساب ولا عقاب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولله ملك السماوات والأرض ...)

    قال تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ [الجاثية:27]

    إن أولئك الذين ينسبون إلى الدهر ما ليس له، ويقولون: ما يهلكنا إلا الدهر، وما تهلكنا إلا الحياة الدنيا، فنحيا ونموت، ولا بعث ولا نشور، هؤلاء الكذبة الفجرة يرد عليهم بقوله تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الجاثية:27] فلله الدهر ولله العمر، ولله الحياة، ولله الممات، وبيده القبض والبسط، فليس الأمر لدهر كما توهموا، ولا للحياة ولا للموت كما توهموا، بل الحياة بيد الله، والممات بيد الله، والسماوات والأرض وما فيهما وما بينهما وما عليهما ملك لله خلقاً وتصرفاً وتدبيراً.

    يقول ربنا: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ [الجاثية:27] فيوم تقوم الساعة التي ينكرها الملاحدة والدهريون تظهر خسارة المبطلين الذين أبطلوا الحقائق، والذين آمنوا بالباطل، والذين كفروا بالله وبرسل الله، ففي ذلك اليوم يرون ما كانوا ينكرون، فيعيشون في واقع ما كانوا يكفرون به، ويومئذ سيشعرون بالخسارة، فقد خسروا دنياهم فلم يستفيدوا منها، إذ هي مزرعة للآخرة، وخسروا آخرتهم وقد جاءوا إليها كفرة فجرة غير مؤمنين بها ولا بما سيكون فيها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وترى كل أمة جاثية ...)

    قال تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:28].

    ترى يوم القيامة كل أمة جاثية، والجثو: أن يقف الإنسان على ركبتيه، وتكون أصابع رجليه على الأرض، فيوم العرض على الله سيعرض عليه خلقه قائمين على الركب، وهم في رعب وهلع يقول كل منهم: نفسي نفسي، فلا يفكر أحد في أحد، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37].

    يقول تميم الداري ويقول سلمان الفارسي : يوم يقول كل أحد: نفسي نفسي، حتى إبراهيم يكون جاثياً على ركبتيه ويقول: يا رب! نفسي نفسي، لا أطلبك إلا نفسي، ويكون عيسى كذلك جاثياً على ركبتيه يقول: يا رب! لا أسألك إلا نفسي، لا أسألك حتى مريم التي ولدتني. فهو يوم عظيم يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2].

    ولكن الذي يبقى في هذا اليوم حاضر الذهن عظيم الرجاء والدعاء والضراعة هو شخص وحد، وهو الذي أقامه الله المقام المحمود، هو محمد سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يقول عليه الصلاة والسلام: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر).

    فالخلائق يومها جاثية على ركبها مطأطأة تفكر في العذاب والحساب فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، وتأتي الأمم إلى الأنبياء، فيأتون إلى نوح فإبراهيم فموسى فعيسى وكلهم يقول: نفسي نفسي، وبعضهم يقول: قد أذنبت وفعلت كذا وكذا، فتأتي الأمم كلها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: اشفع لنا عند ربك.

    فيقف صلى الله عليه وسلم ويقول: (أنا لها أنا لها) ثم يذهب إلى تحت العرش فيسجد ويطيل السجود، ويحمد الله بمحامد يلهمها، وهو من هو في قوله ومحاورته وخطابته.

    فيوم القيامة عندما يخر ساجداً لربه تحت سقف العرش يلهم دعوات أخرى بفصاحة وبلاغة أخرى بوحدانية لله فريدة، فيدعو الله ويضرع إليه، فيقال له: (ارفع رأسك، واشفع تشفّع، وسل تعط) ولا يكون هذا لأحد في هذا اليوم وفي هذا المقام العظيم إلا لخاتم أنبيائه وسيد رسله وأفضل خلقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أكرمنا الله بشفاعته، وأسعدنا بها، وأدامنا على دينه، وأحيانا عليه وأماتنا عليه إلى أن نجتمع به على الحوض.

    يقول تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً [الجاثية:28] يصف الله يوم القيامة يوم يخسر المبطلون، فهذا اليوم لو تراه يا رسولنا، وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً [الجاثية:28] وبهذه الكلمة سميت السورة سورة الجاثية، وهو من باب تسمية الكل باسم البعض.

    قال تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً [الجاثية:28] فكل الأمم من عهد آدم إلى أمتك تراهم جاثين على الركب على الأرض ينتظرون أمر الله إلى جنة أو إلى نار، ولا يستشفع عنده أحد إلا بإذنه فقبل شفاعته جل جلاله وعز مقامه.

    قال تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا [الجاثية:28] تدعى كل أمة إلى كتابها، فأمة القرآن تدعى إلى القرآن، وأمة التوراة تدعى إلى التوراة، وأمة الإنجيل تدعى إلى الإنجيل، ويقال لهذه الأمم: كيف كنتم مع هذا الكتاب المنزل عليكم؟ هل أحللتم حلاله وحرمتم حرامه وقمتم بحدوده؟

    وهل تأدبتم بآدابه واعتقدتم عقائده؟ وهل تلوتموه أم نسيتموه واتخذتموه وراءكم ظهرياً؟

    قال تعالى: الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:28] .

    أي: يقال لهم: الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:28]، فهذا يوم الجزاء، فالدنيا كانت مدارس، وكانت جامعات، والامتحان ليس في دار الدنيا، بل هو في الدار الآخرة، فمن جاء بكتابه بيمينه كان الناجح الفائز وذلك الفوز المبين، ومن جاء بكتابه بيساره كان الراسب الساقط، وعند الامتحان يعز المرء أو يهان، ولا عزة يوم القيامة إلا النجاة من عذاب الله ومن نار جهنم، ولا فوز يوم القيامة ولا نجاة كالفوز في الجنة والخلود فيها، جعلنا الله من أهلها، ومن سكانها بفضل الله وكرمه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017245649

    عدد مرات الحفظ

    723919719