إسلام ويب

تفسير سورة الزخرف [54-60]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الأمثال وسيلة للإقناع ولتقريب المعنى المراد، وقد ضرب الله في كتابه الكريم الكثير من الأمثال، ومما ضربه الله لمشركي العرب من الأمثال خلق عيسى عليه السلام واختلاف أتباعه عليه، فمنهم من عده الإله، ومنهم من عده ابن الله، ومنهم من عده ثالث ثلاثة، ورغم ضرب الله لهذا المثل إلا أن المشركين بسبب تعنتهم وصدودهم استمروا في جدالهم بلا دليل ظاهر ولا برهان قاطع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاستخف قومه فأطاعوه ...)

    قال الله جل جلاله: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [الزخرف:54].

    قال الله عن فرعون إنه كان ضالاً مضلاً، كافراً قذراً، ادعى الألوهية، ويدل هذا على فساد عقل وحرص على الكفر، وإصرار عليه، ولخفة عقول قومه وضياع نفوسهم آمنوا به وقبلوا كفره وتألهه فآمنوا به وهم يرونه إنساناً ولد من ذكر وأنثى، يجوع ويعطش، ويمرض ويصح، ويفرح ويحزن، وإنما لمجرد كونه ملك شبراً من الأرض تاه فيه وتجبر وظن وتوهم أنه بسببه سيستحق أن يكون رباً إلهاً.

    قال الله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا [الزخرف:55] أي: فلما أغضبونا وأسخطونا وتجاوزوا حدهم في الكفر والتعلق بالباطل والاستشهاد بالهراء من القول انتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:55]، أي: عاقبناهم وجازيناهم بما هم له أهل حيث ادعوا ما ليس لهم، فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [الزخرف:55] حيث كفروا بالله وادعوا ما ليس لهم من ألوهية ومن عبودية الناس لهم ومن باطل لم يدعه أحد في الأرض.

    وإذا بالله يغضب ويسخط عليهم ويغرقهم أجمعين، وذلك عندما خرج موسى وهارون وقومهما من أرض مصر، وإذا بـفرعون يصله الخبر فيخرج هو وجنوده وقومه ويسرعون في اتباعهم وفي الجري خلفهم، وإذا بالله الكريم يفعل لموسى وهارون وقومهما معجزة بأن يفتح لهم في البحر طريقاً يبساً ويصبح الماء كالجبال عن اليمين وعن الشمال فينجو موسى وهارون وقومهما ممن آمنوا بهما من بني إسرائيل، فلما رأى ذلك فرعون وقومه اغتروا بذلك ولحقوا بموسى وهارون، فلما احتواهم البحر وأصبحوا داخله أمر الله البحر عن اليمين والشمال بأن يعود كما كانا وأصبح فرعون وقومه غرقى داخل الماء فماتوا غرقاً وخنقاً، وسلم الله فرعون بجسده وأبقاه عبرة لمن جاء بعده، وأبقاه ليتعظ به وليكون عبرة للمعتبر، وهو لا يزال إلى اليوم في متاحف مصر، وإن كان مجهول العين ضمن مجموعة من الفراعنة المتألهين الماضين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين)

    قال تعالى: فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ [الزخرف:56]، أي: فجعل الله ما فعله بـفرعون وبقومه من نقمة وغرق -معاقباً لهم في دار الدنيا- سلفاً ومثلاً للآخرين ممن يمكن أن يأتي بعدهم وأن يكفر كفرهم ويعصي عصيانهم ويتمرد على نبيه، وفي ذلك إنذار لجزيرة العرب وللعجم ولكل من أرسل إليهم نبينا صلى الله عليه وسلم من مختلف أمم الأرض وشعوبها، وأنهم إذا خالفوا كما خالف قوم فرعون وفعلوا فعلهم وادعوا الألوهية الكاذبة لأصنام لهم وأوثان فسيقع عليهم ما وقع على أولئك.

    والسلف: جمع سالف، أي: ماض وسابق، فالله جعلهم بعد قوم تقدموهم وسبقوهم في لعنة الله عليهم وعقوبته لهم بأن عاقبهم عقاب من يعصي نبيه ويخرج عن أمر ربه ويكفر بما أمر بالإيمان به ويؤمن بالكفر من كل كافر ومن كل وثني ومن كل مدع على الله ومفتر كاذب، فالله جعل فرعون وقومه سلفاً لقوم بعدهم وجعلهم سبقوا غيرهم ليعلم من يأتي بعدهم ويفعل فعلهم بأنه يعاقب عقابهم فيحذر ويخاف أن يحصل له ما حصل لمن سبقه من الكذبة الطغاة والفجرة الذين جعلهم الله سلفاً.

    وذكر الله ذلك لقريش ثم لجميع العرب ثم لجميع شعوب الأرض بمختلف الملل واللغات فيما إذا خرجوا عن أمر نبينا عليه الصلاة والسلام وطاعة كتاب الله المنزل على نبينا ليعلموا أن لهم سلفاً ممن عوقب وانتقم منه كـفرعون وقومه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون)

    قال تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ [الزخرف:57]، أي: لما ضرب الله عيسى بن مريم مثلاً وذكره وجعله مثالاً للعبد الذي خلقه الله وجعله آية من الآيات لنبي إسرائيلي كآدم عليه السلام فقد خلق بلا أب ولا أم، خلقه من تراب ثم نفخ فيه من روحه فكان بشراً سوياً، وخلق عيسى لأم بلا أب، قال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59]، ضرب الله عيسى مثلاً لبني إسرائيل وللعرب ولمن أمر بأن يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء.

    والله تعالى أرسل عيسى نبياً وإذا قومه يعبدونه ويؤلهونه، فيقول قوم منهم: هو الله، ويقول آخرون: هو ابن الله، ويقول آخرون: هو ثالث ثلاثة كذباً على الله وافتراء، فانتقم الله منهم وأذلهم وجعلهم أسلافاً وأمثالاً لمن يأتي بعدهم، وضرب الله عيسى بن مريم مثلاً لقوم نبينا وهم قريش ليتخذوا منه عبرة وعظة وإذا بهم يصدون ويستكبرون ويجادلون الحق بالباطل، وقد قال الله لقريش بل ولقومه خاصة: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98]، قال الله لهم: أنتم وما ألهتموه من أوثان وشياطين وحيوانات فأنتم وإياها وقود جهنم أنتم لها داخلون وفيها مقيمون دائمون.

    وعندما قرأ النبي عليه الصلاة والسلام على قومه هذه الآية وهم جلوس فسكتوا وعجزوا عن الجواب وأفحموا، وقال كاذبهم الذي قتله النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر وهو عبد الله بن الزبعري: لو كنت حاضراً حديث محمد صلى الله عليه وسلم لقلت له: فنحن العرب نعبد الملائكة، والنصارى يعبدون عيسى، واليهود تعبد عزيراً، فكيف يكون هؤلاء في النار حصب جهنم هم فيها خالدون.

    والرد على هذا الكافر فيما يلي: أن الله عز وجل قال: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ [الأنبياء:98]، ولم يقل: ومن تعبدون، فإن من للعاقل وما لغير العاقل مما لا يعقل من حيوان أو جماد وما يشبه ذلك.

    وأما عيسى والملائكة والعزير فلا تستعمل معهم ما وإنما تستعمل من، فما أجهله بمراده.

    وقوله تعالى: يَصِدُّونَ [الزخرف:57] قرئ (يصِدُّون) بكسر الصاد، أي: يضجون ويصرخون ويجادلون بلا دليل ولا برهان، وقرئ (يصُدُّون) أي: يبتعدون عن الحق وعن الآيات الكريمة ولا يريدون معرفة الحقائق بجدالهم الباطل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا أآلهتنا خير أم هو...)

    قال تعالى: وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58].

    يخبر الله عنهم أنهم يجادلون بالباطل ويحاولون أن يدحضوا به الحق وهيهات هيهات! وقالوا: أآلهتنا خير إن كانت في النار أم عيسى والعزير والملائكة؟ وهم يقصدون بذلك مناة والعزى وبقية الأصنام، يقول الله جل جلاله: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58] أي: شديدوا الخصام بالباطل يجادلون بالباطل بلا دليل عقلي ولا نقلي، قال تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الفرقان:44].

    فكيف يوازن بين جماد وحيوان، وبين نبي من أنبياء الله أو ملك من الملائكة أو صديق من الصديقين وبين هؤلاء الأصنام؟

    وأي طريق أو برهان يمكن أن يوازنوا فيه بين نبي أو عبد أو صديق أو رسول وبين وثن وجماد لا يعقل ولا ينطق؟

    ولذلك يصفهم الله ويقول: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58]، أي: إضافة إلى الجدال والخصام بالباطل والاستدلال بالهراء والتمسك بما لا يصح عقلاً ومنطقاً ونقلاً إنما أرادوا أن يقولوا ما يعتقدونه في أنفسهم من باطل وضلال، والأمر كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (ما ضل قوم بعد هدى إلا وأعطوا الجدل)، أي: ما انتقل قوم من الهداية والنور إلى الضلال والردة إلا وأعطوا الجدل، ولذلك تجد أصحاب المذاهب المبتدعة الضالة التي لا حظ لها في الإسلام من أكثر الناس جدالاً وخصاماً ولعباً بالأدلة والبراهين وتأويلها والخروج عن ظاهرها والكلام عن بواطنها بما لا يقره صاحب منطق ولغة ولا يوجد له نظير.

    وكما قال عليه الصلاة والسلام: (اختلفت اليهود على واحد وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستختلف أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: ما هي يا رسول الله؟! قال: ما أنا عليه وأصحابي)، وهؤلاء هم الذين طبقوا ما قال الله وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهدي النبوي وسلوك الأصحاب من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، فرضي الله دينه وعبادته ورضوا عن الله في جميع ما أكرمهم به وعاملهم به وقضى عليهم به.

    وقوله: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا [الزخرف:58]، أي: ما جعلوا ابن مريم مثلاً بالأصنام إلا جدلاً بغير منطق وعقل وغير حق وغير دليل وبرهان، لا من منطق عقول ولا من منطق نقول.

    وقوله: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58]، أي: بل هم قوم خصام وجدال وكلام بالباطل وبغير الحق، ولا يكون الحق إلا من عقل تشرق فيه أنوار الهداية، أما الكلام المقابل للمنطق والدليل فهو الهراء والجدال والخصام، وقد ورد النهي عن الجدال في الدين، أما المحاورة بالدليل والمناظرة بالبرهان والمذاكرة بما يثبت الحق ويدحض الباطل فذاك مطلوب، ويجب أن يكون ذلك في أهل العلم طلاباً وأساتذة ودعاة إلى الله، ويبقون كذلك حتى إذا انتقلت المحاورة والمناظرة من المنطق والحق والهداية إلى الخصام بلا دليل ولا برهان يجب على من يدير الحديث من أهل العلم أن يقطع الحديث؛ لأنه عندما ينتقل من الحوار بالحق إلى الجدال بالباطل فما هو إلا بعد عن الحق وإغراق في الباطل، وما ذكر عن فساد الجدال والخصام بالباطل هو بهذا المعنى.

    وقوله: وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا [الزخرف:58] هذا استفهام، أي: تلك الأوثان والأصنام من مناة والعزى ومن بقية الأحجار التي لا حراك بها ولا تشعر بباطل ولا بحق إن هي إلا جمادات لا تضر نفسها ولا تنفعها، فكيف بأن تنفع غيرها أو تضره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل)

    قال تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف:59].

    إن: نافية، أي: ليس هو إلا عبداً لله أنعم الله عليه بالنبوءة وبالرسالة وبالحكمة وجعله عبرة لقومه ومثالاً يحتذى ويطاع ويمتثل أمره ويجتنب نهيه ويتبع في نبوءته ورسالته وحكمته من قومه بني إسرائيل، فليس هو بإله كما زعم النصارى، وليس هو بكاذب أو ابن لـيوسف النجار كما زعم اليهود، فلعنة الله على اليهود والنصارى معاً.

    والقول الحق أنه كآدم، فكما خلق الله آدم بلا أب ولا أم جعل الله عيسى آية في بني إسرائيل وعبرة للخلق بعده فجعله من أم بلا أب، وليس كما زعم اليهود أنه جاء سفاحاً، ومعاذ الله أن يكون النبي الكريم والعبد المنعم عليه كما يزعمون ويفترون.

    فالنصارى أغرقوا بالدعوى الكاذبة أنه إله، واليهود أغرقوا في سب عيسى والتنقيص من منزلته ومقامه، فضل الأولون والآخرون، وقال المسلمون ما قاله ربهم: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ [الزخرف:59]، أي: ليس هو إلا عبداً من عباد الله كآدم وبقية الأنبياء في كونهم عباد الله المكرمين يفعلون ما يؤمرون، وأنعم عليه بأن أعطاه من النعمة بأن جعله نبياً ورسولاً من أولي العزم من الرسل.

    وقوله تعالى: وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف:59]، والله جعله عبرة وجعله مثلاً لبني إسرائيل ليزدادوا شكراً وحمداً لله على ما أكرمهم به من خاتم أنبيائهم وهو عيسى عليه السلام، ولكن اليهود عليهم لعنات تترى قتلوا الأنبياء بل وحاولوا قتل عيسى، قال تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157]، ولكنهم أصروا على أنهم هم الذين قتلوه واتبعهم في هذا الباطل وصدقهم النصارى من بني إسرائيل -وإن كان كلهم يهود- كالذي اتبع عيسى ثم كفر به وقال عنه أنه إله، والذي كفر بعيسى وقال عنه أنه ابن يوسف النجار ، وكل أولئك قد كذبوا النبي العبد المنعم عليه وقالوا قولاً وخصومة وجدالاً بلا دليل ولا برهان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون)

    قال تعالى: وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ [الزخرف:60]، سبق أن قال هؤلاء الكفار فيما مضى لنا من الآيات أنهم لا يؤمنون بمحمد نبياً ورسولاً وهو من البشر وخلق من المرأة والرجل، فلماذا لم يكن ملكاً رسولاً، أو كان معه ملك، أو جاء بجبال من ذهب، أو فجرت له جبال مكة عيوناً وأنهاراً أو جاء بقصور بما فيها من حور عين ومن فواكه وثمرات؟ فقالوا هراء من القول وزوراً من الكلام وما لا معنى له، وهل يتصف هذا القول وهذه الأماني السخيفة بالحق؟

    وإنما جعل الله أنبياءه بشراً لحكمة أرادها، ولو كانوا ملائكة لكان ينبغي للناس أن يكونوا كذلك؛ لأن البشر لا يؤمنون إلا برسول يرونه ويمتثلون أمره، وإن أرادوا رؤيته على حقيقته فأنى لهم ذلك وقد غطى الأفق؟ أو تكيف على صورة إنسان مثلهم فهو كذلك، فكيف يكون حالهم إذا رأوه وقد تغير وتحول من الصورة الآدمية إلى الصورة الملائكية؟

    ولكن من تمام الإكرام والإنعام على البشر أن جعل الله أنبياءهم منهم، يعلمون آباءهم وأنسابهم وأحسابهم ويفهمون عنهم ويعقلون قولهم، ويعلمون نشأتهم وتربيتهم فيطمئنون إلى سلوكهم كنبينا مثلاً عليه الصلاة والسلام، فقد عاش في قومه أربعين سنة لا يعرف فيهم إلا بالصادق الأمين، وكان موضع احترامهم وتقديرهم، ولم تصدر عنه كذبة على أحد من الناس، فكيف بعد أن بلغ الأربعين يكذب على الله ويقول ما ليس له بحق؟

    هل هذا منطق عاقل أو منطق إنسان يسمع ويفهم ويعي ويدرك، يقول الله: وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ [الزخرف:60] أي: لو أردنا وسبقت مشيئتنا لجعلنا منكم ملائكة، أو لغيرنا الأنبياء والرسل الآدميين إلى ملائكة، وجعلناهم في الأرض يخلف بعضهم بعضاً، أي: يذهب ملك ويأتي ملك كما يذهب نبي ويأتي نبي، فمثلاً: مات موسى وهارون وجاء من بعدهما عيسى ثم رفعه الله إليه وجاء بعده محمد عليه الصلاة والسلام، فلو شاء الله أن يجعل ذلك من الملائكة لفعل، ولكنه لو فعل لتغيرت الأمم والشعوب وأصبح القوم كلهم ملائكة وليسوا كذلك.

    فالملائكة هم جند الله المكرمون المعصومون من المعصية لا يحتاجون إلى نبي أو رسول، يحتاجون إلى كبير وإلى رئيس فلهم كبراؤهم ولهم رؤساؤهم يأمرونهم بما يفعلون عن أمر الله، فصفتهم أنهم لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، فهم ملائكة في السماء وملائكة في الأرض وملائكة عن اليمين والشمال عزين، وملائكة للجنة وملائكة للنار، والله جعل ملائكة تنزل عند الفجر فتتولى أمر ما أمرها الله به ثم تعود وتعرج إليه، فهم يتواردون عليكم بالليل والنهار، فيجدون العبد المستقيم يتلو القرآن فيعودون إلى ربهم، ويأتي من بعدهم فيجدونه يتلو القرآن أيضاً، ولمثل ذلك قال ربنا: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، فيقولون: يا ربنا! وجدنا فلاناً عندما نزلنا وهو يقرأ القرآن وغادرناه وهو يقرأ القرآن وأنت به أعلم.

    ولو جعل الله الأنبياء والمرسلين ملائكة لتغير وجه الأرض ولانتهت المعصية ولما كان هناك مذنب والأمر ليس كذلك، فقد جعل الله فيها برزخاً حين خلق أبانا آدم في الجنة، وبين أن الدنيا مزرعة الآخرة، فمن أحسن في الدنيا ربح الآخرة، ومن أساء في الدنيا خسر الدنيا والآخرة.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016864508

    عدد مرات الحفظ

    723867780