إسلام ويب

تفسير سورة الزمر [23-29]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كلام الله خير الكلام وأبلغه وأفصحه، فهو كتاب يشبه بعضه بعضاً في البلاغة والفصاحة، وقد ضرب الله فيه الأمثال الكثيرة للمؤمنين والكافرين، وبين فيه جزاء كل فريق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله نزل أحسن الحديث ....)

    معنى قوله تعالى: (كتاباً متشابهاً مثاني)

    قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23] .

    في هذه الآية يبين الله لنا ما هو أحسن الحديث قال: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا [الزمر:23] أي: أحسن الحديث على الإطلاق القرآن الكريم، الذي هو آخر الكتب الموحى بها إلى الأنبياء، هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الحكم بين الناس، وهو دستور المسلمين وقانوهم، والشرف الذي إذا دانوا له وعملوا به كانوا سادة الأمم.

    وعندما كان هذا الكتاب إمامهم يرجعون إليه في الأحكام وفي الحلال والحرام، في الدولة والشارع والمعسكر، وفي الأحوال كلها الداخلية منها والخارجية، عزوا وسادوا وما استكانوا، وما وضع اليهود أقدامهم عليهم إلا بعد أن تركوا كتاب الله وراءهم ظهرياً.

    قال تعالى: مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزمر:23] أي: يشبه بعضه بعضاً، فهو يتشابه في البلاغة والفصاحة والحقائق، ويشبه بعضه بعضاً في أن الجميع وحي من الله، وحق منه، إذ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

    وليس معنى المتشابه هنا كمعنى المتشابه في قوله تعالى: آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7].

    والله لا يشبه أحداً من خلقه, ولا يشبهه أحد من خلقه، فمتشابه هنا معناها: تشابهت الآيات في كتاب الله في كونها جميعاً كلاماً حسناً وبديعاً حقاً ووحياً من الله، وجميعها دعت إلى الحق والنور والفلاح والصلاح، وإلى سيادة المسلم وجعله سيد الأرض وإمامها وأستاذها ومعلمها وداعيها إلى الله.

    فقوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر:23].

    أي: ذاك الذي دعانا الله إليه ووصف المؤمنين الصالحين بأنهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه، هو كلام الله، ومنه كلام رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذ هو شرح وبيان وتفسير له ولا يستغنى عنه.

    فمن ترك السنة ترك كتاب الله، ومن ألغى الحديث ألغى كلام الله؛ لقوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] .

    فمن كلام الله طاعة رسولنا وامتثال أمره واجتناب نهيه: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80] .

    قوله تعالى: (مَثَانِيَ): جمع مثنى، أي: هذه الآيات نزلت مثنى مثنى، يذكر النار وضدها الجنة، ويذكر الخير وضده الشر، ويذكر الإيمان وضده الكفر، يذكر الشيء وضده ليبين للناس الخير من الشر، ولكي تتميز الأشياء، فمن لم يعلم الشر لم يعلم الخير، ومن لم يعلم الكفر لم يعلم الإيمان.

    ولذلك يجب على الإنسان أن يعرف الشر ليتجنبه ويبتعد عنه، يحمد الله على أن هداه ووفقه وألهمه للخير الذي هو الإسلام والقرآن، والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    كذلك ذكرت قصص القرآن كقصة موسى مثلاً وكررت في أكثر من سورة، لتحفظ وتؤكد، وكما تقول أمثال العرب: الشيء إذا تكرر تقرر.

    فإذا تكرر الشيء أصبح قراراً وإلزاماً، ومن هنا يفيد التكرار في زيادة البيان والوعي والعلم والفهم.

    معنى قوله تعالى: (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم)

    قال تعالى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزمر:23] أي: تضطرب وتتغير وتصفر فيضطرب المؤمن خشية من الله وحينما يسمع القرآن تجده مضطرباً خوفاً من النار ورجاء الجنة، طمعاً في رحمة الله وخوفاً من عقابه وغضبه، وإذا سمع القرآن يكون على غاية من الاطمئنان والحضور الذهني بجميع حواسه ليسمع ما يلقى إليه.

    قال تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا [الأعراف:204] وذاك شأن المؤمن.

    سمع عبد الله بن عمر عن إنسان من التابعين كان إذا سمع القرآن غشي عليه فقال: ليس هذا من الله ولكنه من الشيطان، لم يكن كذلك أصحاب محمد، كانوا يسمعون القرآن ويخشعون له وتدمع أعينهم ولكننا لا نغيب ولا يغمى علينا، بل نكون على غاية من الحضور ذهناً وإنصاتاً وسماعاً.

    وقالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا القرآن خشعوا ودمعت عيونهم، فقيل لها: إن هناك ناساً يغمى عليهم، قالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أي: لم يكن هذا في عهد الصحابة وهم أكثر تقوى ومعرفة بالله منكم.

    قيل لـعمر بن عبد العزيز : هناك إنسان إذا سمع القرآن أخذ يصيح؟ قال: بيننا وبين هذا أن نختبره، فنجعله على سور ونقرأ عليه القرآن، فإن اضطرب ووقع صدقناه، وإذا لم يضطرب ولم يقع كذبناه فهو شيء يصطنعه.

    وكثير من الناس في بعض الأقطار العربية والإسلامية عندما يسمع القرآن يتلى تجده يضطرب ويتصايح ويغشى عليه، وليست الآيات تدعو إلى التقوى ولا إلى الطاعة والامتثال، فقد تجده يصيح من آيات كثيرة وهو لا يعي ولا يفهم معانيها.

    وعندما تسأله: لماذا تبكي؟ يقول: أعجبتني هذه السورة، فهو لا يستمع لكتاب الله وما فيه من معان، وإنما للتغني به فقط، فهو لا يقرؤه مجوداً مرتلاً ولكن يقرؤه متغنياً به.

    وقد قال علماؤنا في سابق الزمان عن القرآن: المغاربة حفظوه، وأهل الشام جودوه، والمصريون تغنوا به؛ ولذلك من الأدب مع القرآن أننا إذا سمعنا من يقرؤه ويتلوه أن نكون على غاية من الأدب والإنصات والسكون، والصياح والهيجان يخالف الإنصات ويلهي الحاضرين، ومثل هذا لم يفعله السلف الصالح.

    جاء في الحديث عن العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إذا خشع القارئ واطمأنت أعضاؤه وهو يتلو كتاب الله تلك ساعة دعوة مستجابة فليدع الله، فقمن إذا دعا الله أن يستجاب له).

    قال تعالى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ [الزمر:23] هذه القشعريرة إذا حصلت عند تلاوة القرآن، وعند سماع ذكر الله، عند التفكر في خلق الله وفي قدرته ووحدانيته فهي حالة ربانية للمؤمن الصادق فقد قالوا: في تلك الساعة إذا دعا الله بأي اسم من أسماء الله الحسنى استجاب الله له.

    فقوله: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزمر:23] الجلود: جمع جلد، أي: يقشعر جلد الإنسان حتى ترى صفرة وجهه، واهتزاز بدنه واضطراب حواسه.

    معنى قوله تعالى: (ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله)

    قال تعالى: ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:23].

    ففي أول مرة تقشعر الجلود، وعندما يذكر الله بوحيه وبوحدانيته وقدرته تلين منهم الجلود وتتفتح، فتزول القشعريرة، وعندها تلين القلوب أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] .

    فيجد اطمئناناً في قلبه وانشراحاً في صدره وليناً في بدنه وراحة، ولذلك يجب أن نختبر أنفسنا قبل أن نُخْتَبَر، فحينما نسمع القرآن يتلى: هل ننصت إليه؟ هل نفكر في معانيه؟ إذا تلوناه سواء كنا مصلين أو تالين فقط هل تخشع جلودنا له؟ هل تطمئن قلوبنا به؟ هل ينشرح صدورنا لتلاوته؟ إن كان ذلك كذلك فليحمد المسلم ربه على ذلك، لأن فيه صفة صالحة من صفات المسلمين الحقة.

    وقد قال عليه الصلاة والسلام: (المؤمن من سرته حسنته وساءته سيئته) فالمسلم إذا عمل عملاً صالحاً تجده يبتهج ويقول: أحمد الله على ما وفقني إليه.

    وإذا ارتكب سيئة تجده يتألم على ارتكابه لها، ويندم على ما صدر عنه، إن كان كذلك فهو مسلم حق، يختبر نفسه ولا يختبره غيره.

    فقوله: ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:23] أي: تطمئن إليه وتنشرح به.

    قال تعالى: (ذَلِكَ) أي: سماع أحسن القصص وسماع أحسن الحديث، أي: سماع تلاوة القرآن فتقشعر منه جلود من المسلمين الذاكرين، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، أولئك الذين وفقهم الله لهذا.

    فقوله: ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ [الزمر:23] ذلك الذي سبق من الآية هو هدى الله الذي يهدي به من يشاء، ورحمته وتوفيقه وإلهامه، فهذه الهداية يهدي الله لها من شاء من خلقه ومن شاء من عباده الصالحين الطيبين.

    قال تعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23] ومن كان غير ذلك كان قاسي القلب، إذا سمع القرآن لا ينشرح له ولا يتفتح صدره ولا يخشع لذكره ولا يلين قلبه عند تلاوته، هذا ممن أضله الله، ومن أضله الله فلا هادي له.

    فهذا قد غير ما بقلبه، إذ كان قلبه منطوياً على غير ذكر الله وعلى غير اليقين في الله وفي دينه، قال تعالى: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا [الأنفال:70] أي: لم يكن في قلب هذا خير فلم يهده الله إلى خير ولم يوفقه له، لما علم من فساد قلبه ومن كذبه على الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب...)

    قال تعالى: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [الزمر:24].

    أي: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:24] خير أم الذي أتى آمناً من عذاب الله، مطمئناً لأنه جاء مؤمناً، فلا يخاف عذابه، واثقاً بوعد الله وبرحمته؟

    فقوله: أَفَمَنْ يَتَّقِي [الزمر:24] استفهام تقريري، (بوجهه سوء العذاب)، يسحب على وجهه في النار، وعادة أن العذاب يتقى، يتقيه من في النار بوجهه حين يسحب، ويذهب الوجه بما فيه من حواس بارزة، فيكون ذلك أشد عذاباً وإيلاماً ومهانة.

    أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:24] أي: يسحب على وجهه إلى النار، فهل هو خير، أم الذي يأتي آمناً من عذاب الله، مطمئناً على أنه قد جاء مؤمناً موحداً واثقاً بوعد الله في رحمته ودخول الجنان.

    قال تعالى: وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ [الزمر:24] أي: تقول الملائكة للظالمين الكافرين، والكفر أشد أنواع الظلم، إذ يظلم نفسه في عدم الإيمان وعدم الإسلام، فيكون المتسبب لعذابها وهوانها، فيكون في ذلك هو الظالم لها.

    قال تعالى: ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ يقال: فلان ذاق طعاماً، ذاق شراباً، ذاق عذاباً، أي: مسه عذاب كما مسه طعام أو شراب وتذوقه، ذاك تذوق لذته، وهذا تذوق ألمه وبلاءه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذب الذين من قبلهم ...)

    قال تعالى: كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * فَأَذَاقَهُمْ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [الزمر:25-26].

    فهؤلاء الذين كفروا، ألم يفكروا فيمن سبقهم من الكافرين الجاحدين؟!

    فقوله: كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: كذب أقوام قبل هؤلاء الكفار الجدد الذين كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبرسالته وبالكتاب المنزل عليه.

    قال تعالى: فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ أي: نتيجة كذبهم وتكذيبهم أتاهم العذاب وأتتهم اللعنة والغضب من حيث لا يشعرون، أي: من حيث هم مكذبون جاحدون، مشركون، لم يشعروا بالعذاب إلا وقد ماتوا، وجاء الملكان اللذان يسألان الكافر في القبر: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ وإذا به لم يعلم جواباً، ولم يوفق للجواب؛ لأنه لم يكن في دنياه يعلم جواباً.

    لأنه كان كافراً وكان غير مؤمن به ففوجئ به وذاق ذلك العذاب، وهو لم يشعر به وهو في حال الحياة، ولو شعر به لآمن واستغفر.

    قال تعالى: فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [الزمر:26].

    أي: نتيجة كذبهم وكفرهم أذاقهم الله الخزي في الدنيا، بأن أُسروا وقتلوا وشردوا، طردوا من بلادهم، وتشتتوا في البلاد شذر مذر، مع الخزي واللعنة والحقارة من جميع المؤمنين.

    قال تعالى: وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أي: لعذاب الله يوم القيامة أكبر من خزيهم في الدنيا لو كانوا يعلمون ذلك، ولو علموه لما فعلوه إلى أن ماتوا عليه، ولو علموه لانتهزوا فرصة حياتهم ووجودهم فآمنوا وتابوا ورجعوا عن الكفر، ولكنهم لم يعلموا إلا بعد أن أصبحوا في العذاب الشديد، فكان عذاب الآخرة أكبر وأشمل وأشد إيلاماً وهواناً وخزياً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ...)

    قال تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر:27-28].

    يقول الله لنا ونحن لا نزال في الحياة لنستدرك ما فاتنا أو فات بعضنا ليزداد المؤمن إيماناً، وليعود المنافق والكافر عن كفره وعن نفاقه إلى الإيمان: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ كما قال تعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38].

    فقد ضرب الله في كتابه الكريم أمثالاً للناس، والأمثال: التشابيه، ضرب لهم ما رأته أعينهم وسمعته آذانهم، ليأخذوا الغائب ويقيسوه على الحاضر، فيفهم الحقيقة كل حسب إيمانه وحسب وعيه وفهمه.

    فقوله: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي: أتينا بالأمثال نشبه بها، ونظهر بها المعاني التي دعوناهم إليها من توحيد وإيمان وتصديق رسل وعبادة وطاعة مدة حياتهم، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ [الزمر:21] فذاك مثل للحياة ومثل للممات بما نراه ونعيشه مدة حياتنا.

    وكذلك فعل النبي عليه الصلاة والسلام في بيانه وتفسيره وحكمته ودعوته، حتى إن بعض العلماء من السلف جمع لرسول الله عليه الصلاة والسلام ألف مثل في كتاب مستقل، وكما فسرت أمثال القرآن في كتاب مستقل من غير واحد من علماء التفسير.

    قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي: يتذكرون قرآناً عربياً غير ذي عوج.

    أي: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ هذا القرآن ولا يدعوه منسياً وراء ظهورهم، بل يتفكرون في أخباره وعقائده وإعجازه وبيانه وفصاحته، وفيما قص الله علينا من خبر الأمم السابقة مع الأنبياء السابقين، كذلك الكتب المنزلة عليهم لنأخذ عبرة وعقيدة، وليزداد إيماننا وتقوانا وعبادتنا.

    قوله: قُرآنًا عَرَبِيًّا أي: نزل بلغة العرب وفسر بلغة العرب، جاء على قواعدهم وبلغتهم وبلاغتهم، وجاء ببديع المعاني التي عرفت بها لغة العرب.

    وكان ذلك من اختيار الله للغة العربية من بين اللغات التي نطق بها خلقه، فكانت أشرف اللغات لاختيار الله لها لأشرف أمة اختارها الله تعالى أن تكون أمة الهادي وخاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، ولذلك نزل القرآن على سيد العرب بلغته وبلغة قومه، فلم يجدوا مشقة في فهمه؛ لأنه نزل باللغة التي يتحدثون بها، فهموا دواخله وبواطنه وظواهره، وفهموا أمثاله واستعاراته، فآمن من آمن، إلى أن تجمعوا مهاجرين وأنصاراً، ففهموا عن الله كتابه وعن رسول الله بيانه، وذهب المصطفى إلى الرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم، وكانت الجزيرة قد تم إيمانها وإسلامها واستسلامها لكتاب الله ولدينه.

    فأصبح العرب بعد ذلك رسل رسول الله إلى الناس كافة، فخرجوا عن هذه الجزيرة يحملون بيد كتاب الله وباليد الأخرى السيف، فالكتاب لمن سمع ووعى وأدرك وتلقى حقائقه، والسيف لمن عارض دعوة الله.

    ووقف في وجه الدعاة إلى الله، ابتداء من أبي بكر الخليفة الأول رضوان الله عليه، إلى أن ألقى الإسلام بجرانه أيام عمر ، فتوفي أبو بكر يوم توفي وجيوشه على أبواب أرض الشام، وإذا بـعمر يأتي فيضم إلى للإسلام بلاد الشام والعراق ومصر وأرض فارس والمغرب الأدنى.

    وهكذا تتالت الفتوحات، وكان الدافع لذلك هم هؤلاء الذين نزل القرآن بلغتهم.

    أما الترجمة اليوم التي يدعيها الكثير من الناس ويبذلون فيها مالاً ويظنون أنهم فعلوا خيراً فهي بدعة لا خير فيها، إذ خرج الإسلام بلغة العرب وبدعاة من العرب إلى البلاد الفارسية والرومية والقبطية والبربرية، وما إلى ذلك من بقية أجناس الأرض، فلم يدخل أحد منهم ينشر الإسلام بلغته، ولذلك ما مضى الجيل الأول حتى جاء الجيل الثاني وهو يتكلم لغة العرب كنطق العرب أنفسهم.

    فكان من غير العرب من أتقن لغة العرب ونشرها وعلمها، كالإمام سيبويه سيد النحاة على الإطلاق وهو فارسي، وأكثر علماء الفقه والحديث والتفسير، والكثير الكثير من علماء اللغة.

    خرج الصدر الأول ونشروا القرآن بلغته؛ لأن الله وصفه في غير ما آية: قُرْآنًا عَرَبِيًّا [يوسف:2]، قُرْآنًا عَرَبِيًّا [طه:113]

    فالترجمة قبل أن نقول حلال أو حرام، هي غير معقولة بل مستحيلة، وطالما جربنا وجرب غيرنا، مثلاً: القرآن الآن مترجم إلى لغات إسلامية غير عربية وإلى لغات كافرة، ترجم للغة الفرنسية عدة مرات، وللتركية عدة مرات، وللأوردية عدة مرات، ولو جمعت هذه التراجم فإنك لا تجد ترجمة تشبه الترجمة الأخرى.

    فإذا أخذ الإنسان يقول: أنا أقرأ القرآن بالتركية، وأقرأ القرآن بالفرنسية، فإنك تجد هذه الترجمة ترجع لفهم المترجم وحسب دينه وسعة علمه، فلذلك كثيراً ما يخطئ عن قصد أو عن غير قصد، نأخذ على سبيل المثال: قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ [الحجر:22] هذه في لغة العرب مفهومة، إذ تأتي الرياح فتهب على الأشجار فتصبح الأشجار ذات براعم، ثم تصبح البراعم أزهاراً، فتهز الرياح الأزهار، فيتنقل من شجرة لشجرة ومن برعم لبرعم، وتأتي النحلة فتقف على هذه الزهرة، ثم تنتقل إلى زهرة ثانية تحمل في أرجلها اللقاح، وهذا اللقاح يكون كاللقاح الذي يحدث من الذكر للأنثى، فكيف يترجم إلى لغة أخرى؟!

    فقوله: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ، أتكون هذه ترجمته؟ زوجنا الرياح بالشجر فتلقح، ولذلك فإن هذه التراجم عندما تقرؤها تجدها على غاية من الركاكة.

    فأنت تجد كثيراً من الآيات قد فسرت بالعربية عن طريق أئمة كبار، ومع ذلك تجدهم يختلفون في الترجيح، لكن يبقى التفسير تفسيراً وكلام الله هو كلامه، فيقولون: إن أخطأنا فمن أنفسنا، وإن أصبنا فمن الله.

    أما المترجم فيأتي بكلامه الذي ترجمه ويظن أن الله قد قال ذلك، وهذا كذب على الله وافتراء عليه، فتراه يحرف عن قصد أو عن غير قصد، ولذلك فإن الترجمة مستحيلة ولم يكن هذا عمل السلف، ولو صرف المال في تعليم اللغة العربية وبثها بين الناس لكان خيراً من الترجمة، وخاصة الشعوب الإسلامية التي لغة العرب في حقها واجبة؛ لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم.

    وما لا يتأتى الواجب إلا به فهو واجب، وتعلم كتاب الله واجب، وتعلم سنة رسول الله واجب، وتعلم الفقه واجب، وتعلم لغة العرب التي لا يجيء فهم كتاب ولا سنة ولا فقه إلا بها واجب.

    ومن هنا نجد الكثير من الزعماء الإسلاميين غير العرب ممن يجهلون العربية يخطئون أخطاء -فيما يزعمونه تفسيراً أو شرحاً للسنة- تخرجهم أحياناً عن الإسلام جهلاً وعدم فهم وهم لا يقصدون ذلك.

    فنحن قد كرسنا اللغات الأخرى وضيقنا اللغة العربية ولم يكن هذا عمل السلف، فقد دخل الإسلام الشام ولم تكن عربية، كانت لغتهم رومية، ودخل الإسلام العراق وكانت لغتها فارسية واختفت اللغتان.

    ودخل الإسلام مصر وكانت لغتها قبطية، ودخل الإسلام المغرب وكانت لغته بربرية، فهذه الأقطار منذ دخلها الإسلام ودخلها العرب الفاتحون الأول أصبحت أجزاء من أرض العرب والمسلمين.

    وقال ابن بطوطة الرحالة المغربي: وكان لغة العرب في القرن الثامن لغة جميع سكان الأرض من المسلمين يتكلمون بها، وإن لم يتكلم بها البعض فهو لجهله.

    فـابن بطوطة تجول في أرض المسلمين بالخصوص نحو ثلاثين عاماً، فسميت رحلته المشهورة برحلة ابن بطوطة ، ولم يكن يعرف إلا العربية، وهو من صنجة من المغرب، فجال الأرض مشارقها ومغاربها ولم يكن محتاجاً إلى غير لغته التي يتكلم بها، فكانت مقروءة ومفهومة وبها يتفاهم مع غيره.

    وتولى الإمارة والقضاء، وتولى أعلى المناصب في هذه الأقطار التي ذهب إليها، ولم يحتج إلى لغة أخرى غير لغته فقط.

    فـابن بطوطة لا يتكلم إلا العربية ولم يحتج لسواها، تجول وولِّي وحكم وقضى في جميع الأقطار الإسلامية، ولكن عندما جاءت وثنية الوطنية ووثنية القومية أخذوا يعلمونهم أن الفارسي يجب وطنيةً أو قوميةً أن يتعلم لغة قومه، وهكذا قالوا لفلان ولفلان وللشعوب الأخرى، مع أن فارس نفسها منذ مائة عام كانت تتكلم العربية كلها، وكانت تكتب هذه اللهجات بأحرف العربية، بعد الاستقلال مسخوا، فكانوا أقبح من الاستعماريين القدامى؛ فقد ألغوا الحرف العربي ووضعوا مكانه الحرف اللاتيني.

    وبهذا تحرفت القراءة وتغيرت، وعندما تقرؤها بالحروف اللاتينية تكون الحركات من ضمة وفتحة وكسرة والمدود متغيرة، وتقرأ العربية وأنت عربي بالحرف اللاتيني وكأنك فرنسي أعجمي، وكأنك ما عشت عربياً يوماً ولا قرأت العربية.

    فقوله: قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ أي: لا اعوجاج فيه، ولا اختلاف فيه ولا لحن ولا اضطراب، ولا كلام يلغي كلاماً آخر أو يخالفه أو ينازعه، وهذا من تمام الإعجاز، إذ كله متناسق في المعاني العلوية والسفلية، وكله جاء بحق وصدق في أخبار الأمم الماضية والأمم اللاحقة وعقائدهم.

    فلا تجد فيه لحناً ولا تغييراً، ولا يقال فيه: هذا خالف لغة العرب؛ ولهذا فإن الكثير من اللغويين والنحاة فسروا القرآن الكريم بالعربية والنحو فقط، ولم يهتموا بسوى ذلك، وقد أفادوا جداً.

    قال تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فهؤلاء أنزل إليهم القرآن لعلهم يتقون الله، ويخافونه، ويتقونه في العمل بأمره، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتقونه في ترك المحارم، ويتقونه في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء...)

    قال تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:29].

    ضرب الله مثلاً للكافر والمؤمن عبداً مملوكاً، واحداً تملكه جماعة: شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ، أي: متنازعون ومختلفون، فيهم شكاسة وشراسة في أخلاقهم.

    فهذا العبد يأتي إليه السادة المشتركون في ملكيته، فهذا يأمره بالشيء فيأتي الثاني فينهاه عن ذلك الشيء، وهذا يأمره بما يخفف عنه، وذاك يأمره بما يزيده عذاباً أو محنة وبما لا يطيق، فهو في عذاب أليم بين هؤلاء السادة المشتركين في ملكيته.

    قوله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا رجلاً: منصوب على أنه تفسير لمثل، وقيل: منصوب بنزع الخافض، أي: ضرب الله مثلاً في رجل والمعنى واحد.

    قال تعالى: وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ أي: وآخر لا يملكه إلا رجل واحد، وهو مسالم له، لا يحمله فوق طاقته، ولا يأمره بما يخالف أمره، ولا يأمره بما يناقض فهو مستريح معه.

    فالعبد الذي يملكه شركاء مشتركون هو المشرك الذي عبد أصناماً مختلفة من جن أو إنس أو جماد، فهو في محنة دائمة.

    ومثل الرجل الذي لا يملكه إلا شخص واحد العبد الموحد الذي عَبَّد نفسه لله الواحد، فهو يعيش ويحيا في سلامة وأمان، إذ لم يحملنا ربنا ما لا نطيق، قال تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] جل جلاله وعلا مقامه.

    حتى هؤلاء الشركاء غير متفقين، بل فيهم شكاسة وشراسة وسوء خلق، إذْ يأمرونه ويعذبونه بما لا يتفقون عليه.

    أما الآخر كما قال تعالى: وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ أي: مسالماً وموافقاً ومهادناً لا يحمله ما لا يطيق.

    قال تعالى: هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا هل يتساوى هذا وهذا في المثل؟ هل يشبه هذا هذا، فقوله: (مثلاً) أي: تشبيهاً.

    هل يستويان؟ استفهام تقريري، والجواب: هيهات أن يستويا، وهيهات أن يكونا في رتبة واحدة.

    إذاً (الحمد لله)، أي: يحمد المؤمن الله، فقد علمنا الله أن نحمده على أن كان هو المالك لنا والمعبود لنا وحده، ونحن معه في دنيانا وأخرانا، ففي دنيانا لم يحملنا ما لا نطيق، لم يعسر علينا أعمالنا وعبادتنا، ويوم القيامة يجازينا بالكثير على القليل رحمةً منه جل جلاله وتنفيذاً لوعده الكريم للمؤمنين المتقين.

    قال تعالى: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي: بل أكثر هؤلاء، والأكثر هنا أي: ممن مات على هذا.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017015378

    عدد مرات الحفظ

    723883071