إسلام ويب

تفسير سورة الصافات [35-49]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يصف الله المجرمين وما أعد لهم من العذاب بسبب استكبارهم على الحق وإعراضهم عنه، كما يصف المؤمنين وما أعد لهم من النعيم والماء المعين والحور العين، ترغيباً للمسلم ليسارع في الصالحات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ...)

    قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ * بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ [الصافات:35-37].

    يذكر ربنا جل جلاله كفر هؤلاء الكفار المشركين، الضالين المضلين، الذين جازاهم وكافأهم بالعذاب الدائم المقيم، وأن ذلك كان لاستكبارهم وتعاظمهم على الله، وأنهم كانوا إذا قيل لهم: قولوا لا إله إلا الله، يستكبرون على خالقهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، ولا ثاني معه في ذات أو سلطات أو فعال، وفي تفسير ابن أبي حاتم المسند بالرواية: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني دمه وماله إلا بحق الإسلام وحسابه على الله).

    وما جاء الأنبياء والمرسلون منذ آدم أبينا إلى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم إلا بقول: لا إله إلا الله، ولقد قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه: (أفضل ما قلته أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله)، أي: لا إله حق، ولا إله موجود، ولا إله معبود إلا الله جل جلاله، فإن كل ما يدعي المدعون، ويشرك المشركون، ويجعلونهم لله أنداداً وشركاء لا وجود لهم، بل هي أسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان.

    فهؤلاء الظالمون لأنفسهم المشركون بالله جل جلاله كان إذا خالفهم أنبياؤهم وقالوا: لا إله إلا الله تكبروا وتعاظموا، وطلبوا من غيرهم أن يقول مثل قولهم من الشرك والكفر وعبادة الأوثان والأصنام، هذا في القديم، ولا يزال الأمر كذلك إذا أنت خاطبت ظالماً لنفسه كافراً بربه، وقلت له: قل: لا إله إلا الله، أخذ يسخر ويقول: نحن في حضارة وفي عصر منور مثقف، ومع ذلك لا نزال نعود لهذه الرجعيات القديمة، فهؤلاء ذهب الله ببصائرهم قبل أن يذهب بأبصارهم، وذهب الله بنورهم فتركهم في ظلمات يتخبطون فيها، إذا أخرج أحدهم يده لم يكد يراها.

    ولم يكتفوا بذلك بل زادوا فقالوا: وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات:36]، يعنون -عليهم لعنات الله- نبينا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وسيد البشر، كان إذا قال لهم: قولوا لا إله إلا الله أخذوا يسخرون ويقولون: أجعلت الآلهة إلهاً واحداً، أتريد أن نترك مجموع هذه الآلهة لنعبد إلهك وحدك، فلذلك قالوا عن وحيه، وعن الكتاب المنزل عليه: هو شعر، وقالوا عن دعوته ورسالته: هي جنون، ولذلك وصفوه بالشاعر المجنون، وما هو بشاعر: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69]، فما هو إلا وحي يوحى، إن هو إلا ذكر يتلى، إن هو إلا رسول أرسله الله ليدعو الخلق إلى عبادة الله، إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، فالله جل جلاله حكى عنهم هذا ثم سفه عقولهم، ثم أغفل كلامهم وقال: بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ [الصافات:37].

    جاء نبينا عليه الصلاة والسلام بالحق والصدق، جاء بالحق المبين، جاء بكتاب يدعو إلى الهدى والفلاح والصلاح، جاء بالصدق الذي لاشك فيه ولا ريب، جاء بالرسالة الحقة، جاء بكتاب الله الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

    (وصدق المرسلين) صدق من جاء قبله من رسل الله؛ لأنهم أتوا بما أتى به، قالوا لأممهم، ولعشائرهم، ولشعوبهم: نحن مرسلون إليكم من الله، قولوا: لا إله إلا الله، وما كانت الرسالات في أصلها وفي دعوتها إلا رسالة واحدة، كل الأنبياء جاءوا بالتوحيد وعبادة الله الواحد، فإن رأينا النصارى تعبد مريم وعيسى، واليهود تعبد العجل، وغيرهم يعبد ويعبد، فلنعلم أنها أضاليل وأباطيل ما أنزل الله بها من سلطان، إن هو إلا إفك تواطئوا عليه، وائتمروا به، وما جاءوا بشيء يقبله عقل ولا منطق، ولا معه كتاب من الله وسلطان مبين، بل أضرب الله عن قولهم بأنه شاعر، بأنه مجنون، وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك، بل جاء بالحق من الحق، فرسالته حق، والكتاب المنزل عليه حق، والدعوة التي يدعو إليها حق، وصدق الحق الثابت من الأنبياء السابقين: (بل جاء بالحق وصدق المرسلين).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنكم لذائقو العذاب الأليم ...)

    قال تعالى: إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الصافات:38-39]، جزاءً وفاقاً في شركهم وكفرهم، وسفههم على رسول الله، وجحودهم الله ووحدانيته وقدرته جل جلاله، يقول الله لهم: إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ [الصافات:38]، يذوقونه، يعذبون العذاب الأليم في نار جهنم، تسعر عليهم تسعيراً، لا يموتون فيستريحون، ولا يعيشون فيطمئنون، فهم في عذاب دائم مقيم، كلما نجت جلودهم بدلهم الله جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، دائمون في العذاب، في اللعنة والغضب والسخط: إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا [الصافات:38] أي: ممسوسون، محترقون، داخلون إلى جهنم، إلى العذاب المهين، إلى العذاب الأليم.

    وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الصافات:39]، أي: وما كان العذاب الأليم وما كانت اللعنة الدائمة إلا جزاءً وفاقاً لأعمالهم السيئة، لشركهم، لكفرهم بالله، لتكذيبهم الأنبياء، كذلك جزاء كل كافر، كل من قل الأدب مع النبوات والرسالات، وكل من يقول ما لا يقال في الذات العلية جل جلاله وعلا مقامه: إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات:38-40]، جعلنا الله من هؤلاء الذين لا يعذبون، ولا يجزون على الشرك؛ لأنهم موحدون، هؤلاء العباد المخلصون، قرئ: المخلصون، والمخلصون، فقد أخلصهم الله لعبادته وطاعته، وأزال عنهم شوائب الشرك وشوائب الذنوب والمعاصي، فأخلصوا له، مخلصون: أي أخلصوا عبادتهم لله ولم يشركوا معه أحداً، ولم يراءوا ولم يسمعوا، بل كانت عبادتهم لله الواحد، خالصة له، لا يطلبون جزاء من إنسان أو دنيا، بل من الله في الدنيا والآخرة.

    إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات:40]، من هم هؤلاء المخلصون؟ أخذ الله جل جلاله يصفهم لنا، لكي لا تضيع المعاني بين الناس، ولكي لا يقول كل إنسان ما بدا له محرفاً للكلم عن مواضعه، من هم هؤلاء المخلصون؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك لهم رزق معلوم ...)

    قال تعالى: أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات:41-47].

    يصف الله هؤلاء المخلصين بأنهم عباد الله المكرمون، فيقول عنهم: أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ [الصافات:41]، أي: أولئك المخلصون في عبادتهم لله: لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ [الصافات:41]، صباحاً ومساءً، فلهم رزقهم متى اشتهوا ذلك، لهم من الأرزاق والخيرات في الجنان ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ [الصافات:41-42]، هذا الرزق هو فواكه متنوعة مما يريدون ويلذ لهم، وفيها من كل فاكهة زوجان، كما قال ابن عباس : وليس في الآخرة مما في الدنيا في الجنة إلا الأسماء فقط.

    قال تعالى: أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الصافات:41-43]، يكرمهم الله جل جلاله في الجنات وليست جنة واحدة، بل هي جنان، يحكى عن هارون الرشيد في سفرة من السفرات قالت له إحدى جواريه: إنك لن تدخل الجنة لظلمك وأذيتك، وهي تتدلل عليه، فقال: بلى سأدخل الجنة وليست جنة واحدة، فسأدخل جنتين بل جنات، وأقسم على ذلك بأغلظ الأيمان، وإذا به بعد اليمين يرتعب أن يكون قد أقسم يميناً باطلة غموساً، فأرسل في نفس الليلة إلى أبي يوسف القاضي ، صاحب أبي حنيفة وخليفته من بعده، فقال: يا أبا يوسف ! حصل معي كذا وكذا فما الحل؟ هل قلت حقاً أم قلت باطلاً؟ قال: إني سائلك يا أمير المؤمنين! أتخاف الله؟ قال: نعم، والله إني لأخافه، قال: فأبشر فقد قال الله: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، وقال الله تعالى: وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الصافات:42-43]، فإن كنت تخاف الله فلمن خاف مقام ربه جنتان، وليست جنة واحدة، وإذا كان مؤمناً حقاً فسيكرم بجنات لا بجنة واحدة: فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الصافات:43].

    والجنات: البساتين، الجنات بما فيها من أرزاق، وبما فيها من خيرات، وبما فيها من فواكه، ومن النعيم الذي يتنعمون به: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين:24] وبهاء النعيم، جعلنا الله من أهلها وسكانها.

    قال تعالى: عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الصافات:44]، في الجنة لا يرى أحد قفا أحد، بمعنى: لا خصومة ولا عداوة ولا أحقاد، لن يدبر أحد عن أحد ويوليه ظهره، بل يتقابلون الوجه بالوجه، شأن الإخوان في الله، شأن الأحباب والأشقاء، فقد جمعهم نعيم الله، وجنان الله، ورضا الله، فهم على ذلك إخواناً على سرر متقابلين، وهنا يقول ربنا: فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الصافات:43-44]، والسرر: جمع سرير، وهو الأريكة والفرش وأسرة النوم، فهم إذا جلسوا، إذا تناجوا، إذا تحاوروا لم يدبر أحد عن أحد، ولم يحقد أحد على أحد، ولم يبغض أحد أحداً، ولا يضمر له سوءاً، بل تجد في قلبه لكل إخوانه من أهل الجنة مودة وأخوة ومحبة، كما وصفهم الله بقوله: عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الصافات:44]، يقابل هذا هذا، ولا يدبر هذا عن هذا، ولا يوليه قفاه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يطاف عليهم بكأس من معين ...)

    قال تعالى: يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [الصافات:45-46].

    تقول العرب: كأس وإناء، ولا تقول: كأس إلا إذا كانت عامرة بشراب أي شراب كان ماءً أو خمراً، فإذا كانت فارغة فهي إناء لا كأس، كما يقال لمائدة الطعام إن كانت فارغة: الخوان، فإن كانت عامرة فهي: المائدة.

    فيطوف غلمان كأنهم لؤلؤ مكنون من الخدم والحشم والحاشية التي تقف على خدمتهم وهؤلاء يخلقهم الله في الجنة كما يخلق حور العين، وللمؤمن في الجنة من زوجات الدنيا زوجتان، ومن الحور العين سبعون حورية.

    قال: يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [الصافات:45]، معين: أي من الأنهار ذات الخمر الجارية جريان الماء المعين، من معين أي: ماء جار، أي: خمر جارية، وهو الحوض الذي بشر الله به نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:1-2]، فالله جل جلاله تفضل على نبيه وأعطاه الكوثر.

    والكوثر: هو الحوض، وصفه نبي الله عليه الصلاة والسلام أنه فيه من الأكواب عدد نجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، فالمؤمن يتناول من هذا الحوض خمراً كما وصفها الله في كتابه: بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لا فِيهَا غَوْلٌ [الصافات:46-47]، أي: ليس فيها ما يضر ويؤذي، وخمر الجنة أبيض من الحليب صفاءًَ، وألذ من العسل المصفى طعماً، ليس فيها غول، والغول: هو ما يغتال النفوس خفية، كما نقول: فلان قتل غيلة أي: قتل خفية، أي: غدراً، فالغيلة معناها في الأصل: الخفاء.

    فقوله: لا فِيهَا غَوْلٌ [الصافات:47]، أي: ليس فيها من الأضرار الخفية المعروفة في الخمر، أنها تذهب بالعقول، أنها تصدع الرءوس وتوجعها، أنها توجع الأمعاء، أنها تكثر البول بشكل غير اعتيادي، وما حرمها الله تعالى إلا لما فيها من الأضرار.

    وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات:47]، أي: لا يسكرون، لا تغلب عقولهم، يقال: فلان نزف فهو نزيف أي: سكر فهو غائب عن عقله، وهو ضائع عن الحس والشعور، وكلمة (غول) هنا! هي الكلمة التي انتقلت في اللغات الأجنبية في الأرض، يقولون عن شراب: فيه (كول)، أو ليس فيه (كول)، وعن بعض العطور كذلك، فـ(كول) هي كلمة (غول) حرفت، ولذلك لا اشتقاق لها، وهي من الكلمات العربية التي تسربت في لغاتهم وما أكثرها، ولـعباس العقاد وهو من الأدباء الكبار كتاب عن الكلمات التي شاعت في جميع لغات الأرض وهي من العربية في أصالتها، وهي كثيرة جداً، وهذه منها.

    وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات:47]، لا يصيبهم بها الصرع والإغماء وضياع العقل، بل هي شراب لذيذ للشارب، أبيض كبياض الحليب، لا غول فيها ولا أذى ولا مرض، يشربها سكان الجنة، أكرمنا الله بنعيمها، وجعلنا الله منهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وعندهم قاصرات الطرف عين ...)

    ثم قال تعالى: وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات:48-49].

    ومع هذا النعيم الدائم والأرزاق في الجنة المعلومة، والفواكه المتنوعة، وشراب الخمر الذي لا غول فيه ولا أذى، ولا ضرر ولا سكر، مع ذلك: عِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ قاصرات: جمع قاصرة.

    والطرف: العين والنظر والبصر.

    عين: جمع عيناء، يقال: فلان أعين إذا كان واسع العين، شديد بياضها، وشديد سوادها.

    ويقال: امرأة عيناء إذا كانت واسعة العين، سوداء شعرها، فالحور العين عندهن من جمال الأعين ما لا تكاد تصل إليه عين، أو يصل إليه متمن أو راج في دار الدنيا، فجمالهن في الآخرة لا يكاد يوصف ولا يوصل إليه من جمال النساء في الدنيا شيء.

    وعند هؤلاء المكرمين المنعمين في الجنة، نساء يقصرن طرفهن على أزواجهن، فلا تنظر أعينهن لغير الزوج، وإذا رأين رجلاً لم يرفعن إليه طرفاً؛ عفة وطهارة وإخلاصاً للزوج، فهن قاصرات على الزوج في نظرهن ومقامهن، وكما وصفن في آية أخرى: حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72] أي: لا يتركن خيامهن، ولا يخرجن من دورهن، فلا يبصرن غير أزواجهن عشقاً ومحبة وتعلقاً بالأزواج، وهذا مما يزيدهن جمالاً، ويزيدهن أثراً ومقاماً عند أزواجهن.

    وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات:48-49].

    كانت العرب إذا وصفت جمالاً تقول: فلان أبيض، والبياض هنا المشوب بصفرة أو بحمرة قليلاً، ولقد كان كذلك بياض رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي أعطي الحسن كله، ولم يعط يوسف إلا شطره، فكانوا في الجمال كبيض النعام، وإذا وصف لون المرأة في لغة العرب فيقال: كأنها بيضة نعام، وهذا من ذاك، وكتاب ربنا نزل على لغة العرب ولهجة قريش: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات:49]، أي: كأنهن بيض النعام، وأجمل ما وصفت به المرأة في شعر العرب: أنها بيضاء مشوبة بصفرة أو حمرة وكذلك الحور العين كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات:49]، في جمال أوصافهن، في جمال ألوانهن.

    مكنون: مصون محفوظ، لا يرى ولا يرى، فهن مقصورات على أزواجهن في النظر، مقصورات على أزواجهن في المقام، وفي القصور وفي السكنى.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015400090

    عدد مرات الحفظ

    723636773