إسلام ويب

تفسير سورة فاطر [13-18]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من وسائل القرآن التي يتبعها في مناقشة الكافرين المعرضين عن الله وعن دينه وسيلة المناقشة العقلية، فيلفت الله انتباههم إلى حال معبوديهم من دونه، فهم ضعفاء محتاجون إلى من يطعمهم ويسقيهم ويكلؤهم في ذوات أنفسهم، ثم إذا قدر الله عليهم الفناء كما قدره على سائر خلقه فإنهم لا يستطيعون دفعه ولا الفرار منه؛ لذا فهم أضعف وأهون من أن يعبدوا مع الله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يولج الليل في النهار ...)

    قال تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر:13].

    يقول الله جل جلاله وقد دعانا للتفكير في أنفسنا كيف خلقنا؟ وما أصلنا؟ وكيف انتقل التراب إلى نطفة والنطفة إلى زوجين ذكر وأنثى؟ ثم عمر من عمر ومات من مات وقصر عمره، ثم هذه المياه العذبة الفرات، ثم هذه المياه المالحة الأجاج وما نستخرج منها مما نغذي به أبداننا من لحم طري، ومن حلية وزينة يتحلى بها نساؤنا في السواعد والأقدام والآذان والأعناق وما إلى ذلك، وهذه البحار التي نجوبها للتجارة .. نجوبها للسياحة.. نجوبها طلباً للعلم ومعرفة لخلق الله في كونه وفي أرضه جل جلاله وعلا مقامه، وهنا يلفت أنظارنا للزمن.

    يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [فاطر:13]، يولج: يدخل، ويولج الليل: يدخله في النهار، ويدخل النهار في الليل، يختلفان زمناً فيطول هذا ويقصر هذا، وقد يستويان زمناً فيكون لليل 12 ساعة والنهار كذلك، ثم يقصر أحدهما ويصبح من ثمان ساعات إلى عشر ساعات وقد يصل إلى 11 ساعة، ولا يتجاوز الليل والنهار 24 ساعة، وإنما يزيد الليل على حساب النهار ويزيد النهار على حساب الليل، نرى النهار مشرقاً فإذا أقبل الليل مال النهار إلى الاصفرار، ثم يميل إلى العتمة وإذا بالظلام يأتي من الغرب مسرعاً حتى يدخل في النهار فيغطيه ويغمره، وعندما يلج الليل في النهار يذهب النهار، وعندما ينتهي الليل يلج النهار في الليل وإذا بالضياء منتشراً مع الفجر، فيراه الرائي يعلو قليلاً قليلاً إلى الفجر الصادق ثم أذان الصبح ثم الاصفرار إلى شروق الشمس، وللمرء أن يتساءل أين الليل إذا ذهب النهار؟ وأين النهار إذا ذهب الليل؟ من صنع ذلك؟ لو جعل الله الدنيا نهاراً دائماً لما وجدت سكينة ولا راحة، ولو كان النهار ليلاً دائماً لما استطاع المرء أن يضرب في الأرض، ولما استطعنا أن ندبر أمورنا، أو نقيم شعوبنا، أو نعمر دولنا.

    وهكذا تتجلى رحمة الله بالعباد حين جعل الليل والنهار، فجعل الليل لنسكن فيه والنهار لنعمل فيه، وكل يجري إلى أجل مسمى.

    وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [فاطر:13]، وهذه الشمس التي لا يستغني عنها كائن حي على وجه الأرض، لما لها من علاقة بالأجسام وصحتها، وبالشجر والنبات وبالمد والجزر في البحار.. كل ذلك من صنع الله وبديع خلقه، وهذا القمر الذي لا يستغني كذلك عنه الناس ولا النبات، وأثره على المد والجزر في البحر، وهكذا سخر الله لنا ذلك كله، جعله لصالحنا ولحياتنا كرماً منه وفضلاً جل جلاله وعز مقامه.

    أفلا نتساءل: من خلق الشمس؟ من خلق القمر؟ من أولج الليل في النهار والنهار في الليل؟ من خلق الإنسان؟ من خلق هذه المياه وأنبعها من الأرض؟ وهي التي لم تنته منذ خلق الله الكون؛ لأنها إذا انتهت انتهى الإنسان وفني ومات، فقد يصبر أحدنا عن الطعام أياماً ولربما أسابيع ولا يستطيع الصبر على الماء ساعات في أيام شدة الحرارة، وهكذا لن يستغني حي عن الماء وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ [الأنبياء:30].

    وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى [فاطر:13]، فالليل يتابع النهار، والنهار يتابع الليل، والشمس تتبع القمر، والقمر يتبع الشمس وكل ذلك يجري لأجل مسمى، وهذا الأجل المسمى عند الله هو يوم القيامة.. يوم ينتهي النهار وينتهي الليل، وتنتهي الشمس وينتهي القمر ويعم الفناء الأرض، ويعود الكون كما كان، فكما كان في عدم سيعود إلى عدم، قال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27]، يبقى الله كما كان لا شيء قبله ولا شيء بعده، ثم يحيي الله الناس، فيعيد الخلق إلى الحياة للحساب، ومن ثم إما إلى جنة وإما إلى نار، فهو قد خلق ذلك إلى أجل وزمن محدد مسمى عنده، أي: مسمى في أي سنة من التاريخ الهجري مثلاً: في ليل أو نهار، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن القيامة تقوم يوم الجمعة، فنحن قد علمنا يومها على الأرض ولكن متى تكون في صيف أو شتاء؟ في خريف أو ربيع؟ بعد سنة أو أكثر؟ كل ذلك لا يعلمه إلا الله، وفي الحديث عندما سأل جبريل نبينا عليه الصلاة والسلام: (متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل).

    فأمر الساعة مما استأثر الله بعلمه، وقد كرر الله هذا المعنى في القرآن في غير ما آية: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ [الأعراف:187]، فالله استأثر بعلمها فيما استأثر به، ولكن قد بين بعض العلامات كما في حديث جبريل الذي سأل فيه النبي عليه الصلاة والسلام: (وما علامتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان)، وهذه العلامات الصغرى قد رأيناها ورآها جميع الناس، وتبقى العلامات الكبرى مثل: خروج المهدي المنتظر، وخروج الدجال، ونزول عيسى من السماء، وخروج الريح الحمراء التي تخرج في عدن، وشروق الشمس من مغربها، وظهور الدابة، وهي عشر علامات قد ورد ذكرها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولن تنتهي الدنيا حتى تظهر هذه العلامات العشر الكبيرة، ولعلنا على أبوابها أو قريبون منها.

    التنوين في قوله تعالى: وَالْقَمَرَ كُلٌّ [فاطر:13]، هو تنوين العوض أي: كل الليل والنهار، والشمس والقمر تجري إلى أجل، فهي باقية ومتسلسلة ويجري بعضها خلف بعض إلى أجل مسمى عنده، وهذا الأجل هو يوم القيامة.

    قال تعالى: ذَلِكُمُ [فاطر:13]، تقدم غير ما مرة في أكثر من مناسبة أن الإشارة تكون مفردة، ولكن إذا أشير إلى المخاطبين تتغير الإشارة بتغير المخاطبين، فإذا خاطبت واحداً قلت: ذلك الله، وإن خاطبت اثنين قلت: ذلكما الله، أي: أشير للمخاطبين، وإن خاطبت رجالاً جمعاً أقول: ذلكم الله، وإن خاطبت جمع نساء أقول: ذلكن الله، والخطاب الآن للرجال والنساء ولكل الخلق، ومعلوم أنه إذا كان الجمع مشتملاً على ذكور وإناث يغلب جمع الذكور ذَلِكُمُ [فاطر:13] أي: ذاك الذي يقدر على هذا، فهو الذي خلق الإنسان من تراب، ثم من نطفة، ثم جعله بشراً سوياً من ذكر وأنثى، وهو الذي خلق لنا المياه العذبة الزلال من الأنهار أو الآبار والعيون، وخلق لنا مياه البحار المالحة المرة، وهيأهما جميعاً حتى استخرجنا منهما لحماً طرياً من أنواع الحيتان والأسماك، واستخرجنا منهما الحلية التي يلبسها نساؤنا من أنواع الجواهر وأنواع اللآلئ وأنواع المرجان، والذي جعل الليل والنهار وجعل الشمس والقمر، وكل يجري لأجل مسمى، من الذي خلق ذلك؟ ومن الذي صنع ذلك؟ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ [فاطر:13]، خالقكم ورازقكم ومحييكم ومميتكم، لا الأصنام التي يعبدها المشركون، ولا ماركس ولا لينين أو غيرهما مما يعبد المرتدون، ولا الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان من أنواع الجمادات وأنواع الأحياء، كل ذلك لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولن يخلق ذبابة وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73].

    وما ذاك إلا لأن الملك لله وحده، قال سبحانه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ [فاطر:13]، فله ملك السماوات السبع والأرضين السبع، له ملك الكون كله فلا يملك أحد معه شيئاً، ولذلك قال بعد ذلك: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر:13]، قوله: تدعون، أي: تعبدون، والدعاء مخ العبادة، والقطمير هو: القشرة الرقيقة التي تكون بين التمرة وبين النواة، والحفرة اسمها النقير، والعرب تضرب الأمثال في لغتها فيقولون: فلان لا يملك نقيراً ولا قطميراً، ونطق الله بهذه الفصاحة والبلاغة في كتابه، فبين أن هؤلاء لا يملكون حتى تلك الجلدة الرقيقة التي على ظاهر نواة التمرة في جوف التمرة، إذ هم أحقر من ذلك وأقل وأعجز. فهؤلاء الذين نسبوا لهم الألوهية والربوبية، ويجعلهم العابدون المشركون الوثنيون آلهة مع الله فنسبوا لهم الخلق والرزق، ونسبوا لهم الحياة ونسبوا لهم الموت، كل ذلك كذب وهراء وضلال مبين، إذ هم أعجز من أن يخلقوا حتى هذه القشرة التي بين النواة والتمرة.

    فالله هو المالك لكل شيء، وهو الخالق لكل شيء، وهو الرازق لكل شيء.

    قال تعالى: إِنْ تَدْعُوهُمْ [فاطر:14]، أي: بل أكثر من ذلك، هؤلاء الذين تدعون وتعبدون من دون الله، وهم لا يملكون نقيراً ولا يملكون قطميراً، إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ [فاطر:14]، أي: إن ناديتموهم مستغيثين مستجيرين لا يسمعوكم إن كانوا جمادات صماً.

    وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ [فاطر:14]، أي: ولو سمعوا كما تسمع الملائكة بالنسبة لمن يعبدها وللجن بالنسبة لمن يعبدهم، وللعبد النبي عيسى وللصديقة مريم بالنسبة لمن يعبدهما لم يستجيبوا لهم، ولم يلتفتوا إليهم، ولم يحققوا طلبهم لأنهم عاجزون عن ذلك، وليس ذلك فحسب بل سيتبرءون منهم يوم القيامة، قال تعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر:14]، ففي يوم القيامة تتبرأ هذه المعبودات الحية من شرك المشركين، وقد قص الله علينا قصة عيسى وهو يسأله ليقرع النصارى ويبكتهم ويكذبهم في زعمهم: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ [المائدة:116]، ليس لي أن أدعي ما ليس لي بحق إن أنا إلا عبد من عبيدك، حق العبودية لك، حق الألوهية لك، حق الربوبية لك، وكما قال ربنا للملائكة بالنسبة لعبادتهم: أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ [سبأ:40]، فكان الجواب: سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سبأ:41]، فتبرأ من عبادتهم من ينطق من الأحياء كالملائكة والأنبياء.

    وهكذا كل حي إن عبد، سواء كان امرأة أو رجلاً أو كان ملكاً أو إنسياً أو جنياً، إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر:14]، يجحدونه ولا يؤمنون به، ويقولون: ما أمرناهم ولا قبلنا ذلك منهم.

    وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14]، أي: لا ينبئك ويخبرك بالحقائق الماضية والحاضرة والآتية، (مثل خبير) والخبير هنا هو الله، فهو الخبير جل جلاله بخلقه، وهو الخبير بعباده، فهو الذي خلقهم ودبرهم ورزقهم وأحياهم وأماتهم، ثم بعد ذلك يحييهم، فهو يخبرنا جل جلاله وهو الخبير بخلقه أن هؤلاء المعبودين من دون الله لا يسمعون عابديهم، وإن وجد فيهم من يسمع فلن يستجيب، ولن يرزق ولن يغيث، ويوم القيامة يكفرون بهم وبشركهم ويتبرءون منهم ويقولون: إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ [الممتحنة:4].

    فالقرآن مليء بهذه المعاني، (ولا ينبِّئُك) وقرئ: (ولا يُنْبِئْك مثل خبير)، وقد نبأنا الخبير العليم جل جلاله وهو الذي قص علينا هذا، فمن اهتدى فبما أكرمه الله ومن ضل فإنما ضلاله على نفسه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ...)

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15]، خطاب لكل الناس: يا أيها الملوك والجبابرة والطغاة، يا أيها الأغنياء والفقراء، يا أيها الكافرون والمؤمنون، يا أيها الرجال والنساء، أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ [فاطر:15]، كلنا فقراء إلى الله لأن يحيينا .. فقراء لأن يكسونا.. فقراء لأن يرزقنا.. فقراء لأن يصح أبداننا.. فقراء لأن يكرمنا بالإيمان.. فقراء له في كل شيء، وما يملك فينا من يملك ولو ملك الدنيا فإنما هو تملك عارية فحسب، قد ملك اسكندر المقدوني الدنيا يوماً، وقد ملك سليمان ما استطاع به أن يطير في الأجواء على السجاد، ويستخدم الجن والحيوانات والطيور ومع ذلك ذهب بمفرده وبقي الجن لله والإنس لله والفضاء لله، وكل خلق الله لله.

    كل الناس فقراء إليه.. ذوو حاجة لفضله ولرزقه ولعطائه ولرحمته، ومن يدعي منهم سوى ذلك فهو كاذب، أين من بنى وشيد؟ أين من قال يوماً: أنا ربكم الأعلى؟ ها هي جثته مومياء بين موميات آثار مصر، بقيت لمن خلفه آية، لا يملك حتى جسد، أين من ادعى أنه رب شريك لله يخلق ويرزق ويعطي ويمنع؟ كذب على نفسه والله، بل الكل فقير إلى الله، وهذا مشاهد لا ينكره حتى الكافر ولو أنكره فإن العقل والسمع والبصر يرد عليه، والكفار حالهم كما قال الله: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179]، فهم أضل من الحيوانات بكل أشكالها، إذ كيف يمكن إنكار الله جل جلاله؟! أينكر قدرته وحكمته؟

    وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد

    ولذلك كان هؤلاء للحيوانية أقرب، بل الحيوانات أعقل منهم، فالحيوانات تدرك وتعقل وتملك الشعور بوجود الخالق الإله وهي فقيرة إليه، وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:24]، ثم نعت نفسه أمام فقر عباده فقال: وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15]، الله هو الغني غنىً مطلقاً، لم يحتج ولن يحتاج إلى أحد من خلقه والكل محتاج إليه، قد كان سبحانه ولا كون ولا زمن، فهو مكون الزمان وهو مكون الإنسان وهو مكون الأكوان، وهو خالق كل شيء، كان ولا شيء معه، وسيبقى ولا شيء معه، وهو على ما كان عليه جل جلاله، هو الغني عن عباده بل عن جميع خلقه، الحميد المحمود يحمده كل خلقه، هو رازقهم وهو محييهم، وهو معطيهم ومعافيهم، له كل أنواع المحامد، ونسبة الحمد للإنسان إنما هو استعارة وحمد نسبي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد)

    قال تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر:16-17]، نداء إلى هؤلاء الطغاة، المتألون على الله من يهود ونصارى ومشركين ووثنيين وكفاراً: اعلموا أن لو يشاء الله أن يذهبكم ويأتي بخلق جديد لفعل ولا راد لإرادته سبحانه، فلو شاء الله لأذهبهم وقضى عليهم وأفناهم وأتى بخلق جديد، والله يفعل هذا باستمرار، وإلا فأين آباؤنا وإن وجد من هم في أسنانهم؟ وأين أجدادنا؟ أين الدول السابقة؟ أين الملوك السابقون؟ أجيال انتهت وأتى الله بأجيال جديدة، وهذا يحدث باستمرار إلى يوم النفخ في الصور، قد كنا يوماً أجنة في بطون أمهاتنا، ثم أصبحنا أطفالاً، ثم شباباً وسيأتي يوم لا أحد منا موجود، أين من كان يحضر بيت الله الحرام منذ 1400 عام؟ أين رسول الله نفسه عليه الصلاة والسلام؟ أين أصحابه وتابعوه؟ أين الأئمة المجتهدون من السلف الصالحين؟ وأين غير الصالحين؟ أين كل أولئك؟ ذهب الكل وفني! الكل مات وأتى الله بخلق جديد لم يكونوا موجودين، ذهب الأوائل بمؤمنيهم وكفارهم، فهم بين يدي ربهم ينتظرون الحساب، ثم إما إلى جنة وإما إلى نار.

    إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [فاطر:16]، الجواب محذوف تقديره: فعل، والمعنى: إن يشأ الله أن يذهبنا فعل وأتى بخلق جديد، وقد يكون المعنى أعم من ذلك: إن يشأ الله أن ينهي هذا النوع البشري بالمرة فهو قادر على أن يأتي بخلق من نوع جديد، الله أعلم بشكله ونوعه، ولا شك أنه قد كان قبلنا خلق آخر، ولا شك أن الأفلاك فيها سكان من غيرنا قد أشار الله إليهم في كتابه فقال: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا [الشورى:29]، الأفلاك العلوية والأفلاك السفلية، وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [الشورى:29]، ولا يقال عن الملائكة: دابة؛ لأن الملائكة ذوو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وإنما الدابة: من يدب على وجه الأرض، ففي الأفلاك العلوية خلق من خلق الله تدب كما ندب، وهل تدب على رجلين أم على أربع أم على واحدة؟ الله وحده العليم بذلك، (وهو على جمعهم)، وأعاد الضمير بجمع العقلاء: وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [الشورى:29]، أي: إذا شاء الجمع بين دواب السماء وبين دواب الأرض فعل، ولغة العرب تقول: إن (إذا) إذا دخلت على الماضي حولته مضارعاً، وإذا دخلت على المضارع حولته ماضياً، فقوله: (وهو على جمعهم إذا يشاء) أي: إذا شاء، ومعناه: قد شاء وسبق هذا في علمه وسيكون يوماً، وهي الإشارة لمن يبحثون عنه في هذه الأيام، وهناك آثار ضعيفة ولكن المحدثين أجمعوا على أن الأحاديث الضعيفة بل الموضوعة إذا جاء زمن وحقت وصحت كان ذلك دليل على أن النبي قد قالها عليه الصلاة والسلام؛ لأن الكذبة والفجرة مهما كذبوا فلن يستطيعوا يوماً أن يقولوا ما سيكون بالفعل، بل ذلك لا يكون إلا للموحى إليه نبينا عليه الصلاة والسلام.

    والمحدثون عندما يقولون: فلان كاذب.. فلان خاطئ.. فلان واه، فإنما يعنون أنه كثر وهمه وكذبه، وعلى ذلك تركوا روايته، ولاحتمال أن يكون الصدق كذباً تركوا الرواية كلها، على أن الصدوق قد يكذب والكذوب قد يصدق يوماً، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي هريرة عن الشيطان في قصته المشهورة معه: (صدقك وهو كذوب)، وقد أخبر سبحانه وتعالى بأن إبليس صدق في ظنه من أن الكفرة سيتركون يوماً دينهم فيتركون ربهم ويلهيهم الشيطان ويفسدهم، فكان ظنه وتوهمه في هؤلاء صدقاً.

    ولذلك وردت أحاديث أن في الأرضين وفي الأفلاك نبي كنبيكم وشريعة كشريعتكم والأحاديث في ذلك لم تصح ولكن الآية تشير إلى أن هناك دواباً في الأفلاك العلوية كما في الأفلاك السفلية.

    قوله تعالى: وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر:17]، وما ذلك بصعب على الله، إذ لا يصعب عليه شيء.. الكل عليه هين، وإنما يقول للشيء كن فيكون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى ...)

    قال تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [فاطر:18].

    قوله: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر:18]، هذه الكلمة أصبحت دستوراً في كتاب الله، ومعنى: لا تزر، أي: لا تتحمل وزراً، والوازر: هو المذنب المسيء، والمعنى: لا تتحمل نفس وزراً ولا إثماً ارتكبه غيرها، أو لا تتحمل نفس مذنبة مسيئة ذنب غيرها من الأنفس وإنما تحمل كل نفس ما أذنبت وما أساءت، فلا يؤاخذ ولد بوالده، ولا والد بولده وإنما كل نفس مسئولة عن نفسها، على خلاف ما كان يفعل في الجاهلية، بل وإلى الآن ما انتهت الجاهلية وإنما ازدادت، يحاسبون الولد بالوالد ويحاسبون الوالد بالولد، والأمة والشعب بأمة مضت عليها قرون، وهكذا الظلم أنواع وفنون، ثم قال تعالى: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [فاطر:18]، قوله: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ [فاطر:18]، أي: إن تدع نفس أثقلت بالذنوب وبالأوزار وبالإساءات غيرها ليعينها في حمل أوزارها وآثامها لا يفعل ذلك، والحمل هو: ما يحمل على الظهر، وبالفتح: هو ما يكون حملاً للمرأة في بطنها، ويقال للشجر المثمر كذلك، فيقال: هذا حمل، أي: حمل على ظهره أو يده، والمعنى: لن تقبل نفس يوم القيامة أن تحمل أوزار غيرها بحال من الأحوال، ولو كان المطلوب والمرجو ذا قرابة، وقد قال تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37]، تأتي الأم يوم القيامة فتقول لولدها: يا بني! لقد أرضعتك من ثديي، ولقد حملتك في بطني وجعلته لك فراشاً ووطاء، فأعطني اليوم من حسناتك لعلها تخفف علي بعض أثقالي فيقول لها الولد: نعم كما قلت يا أماه لقد كنت لي نعم الأم براً وحناناً، ولكنني الآن في حاجة إلى حسنة مهما قصرت، نفسي نفسي يا أماه إليك عني، وكذلك يطلب هذا الأب، ويطلبه الولد، ويطلبه الزوج، وتطلبه الزوجة، ويطلبه الصغير، ويطلبه الكبير ولكن هيهات، لن يحمل أحد وزر أحد، وما يزعمه النصارى من أن عيسى سلم نفسه لليهود ليقتلوه وليصلبوه، وأنه إنما فعل ذلك عن رضا وطواعية من نفسه ليحمل أوزار أمته من النصارى، إنما هي أكاذيب وأضاليل أصلاً وفرعاً، فالرب لم يقتل، ولو كان عيسى كذلك لن يتغلب عليه اليهود، وإنما تلك أكذوبة وذلك ضلال مبين، قال تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157]، فهو لن يحمل أوزارهم، ولن يحمل أحد وزر أحد، ولكن هناك الشفاعة ولا شفاعة إلا بعد إذن الله، ولا شفاعة إلا في مؤمن أما الكافر فلا شفاعة عليه ولا شفاعة له، والمؤمنون يشفعون إن أذن الله لهم بالشفاعة، أما الشفاعة العظمى فهي خاصة بسيد البشر نبينا عليه الصلاة والسلام أكرمنا الله بشفاعته بفضله وكرمه.

    ثم قال تعالى: إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ [فاطر:18]، يا محمد! إن نذارتك ووعيدك ورسالتك إنما تفيد وتخوف الذين خافوا ربهم، وخافوا عذابه، وآمنوا بوحدانيته، وآمنوا بألوهيته، الذين أسلموا لساناً وآمنوا جناناً وحققوا القول بالعمل، وأقاموا الصلاة فلزموا عبادة الله في الصلوات الخمس صباحاً وظهيرة وعشية وغروباً وعند الشفق، مع مزيد من النوافل، (ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبهإِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ [فاطر:18] أي: يخافونه وهو غائب عنهم ولم يروا لا قيامة ولا جنة ولا ناراً، وإنما آمنوا بالغيب كما بلغهم بحقيقته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو إنما بلغهم ذلك عن قول الله وكتاب الله فآمنوا وصدقوا وأصبحوا في خشية من الله، وأصبحوا في عبادة لله تؤمن بها قلوبهم، وتنطق بها ألسنتهم، وتقيم شعائرها جوارحهم.

    قوله تعالى: وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ [فاطر:18]، أي: من فعل خيراً وأحسن فإنما يحسن لنفسه، ومن فعل ما يزكى عليه ويثنى عليه به بأن يكون عابداً مؤمناً صالحاً إنما يصنعه لنفسه، ومن أحسن فإنما إحسانه وصلاحه لنفسه، ولن يعطى ذلك لأحد غيره، فهو لن يعطي الحسنات كما لا يأخذ السيئات أحد منه وإلى الله المصير وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [فاطر:18] وعيد ونذارة وتهديد، والمعنى: يا هؤلاء المسيئون المسرفون على أنفسهم إلى متى وأنتم عن الله غافلون؟ وعن رسول الله معرضون؟ أما تعلمون أن مصيركم إلى الله، ألا فاعلموا أن الصيرورة والنهاية والعاقبة إلى الله، وسيحاسب كل نفس على أعمالها إن أحسنت فلنفسها وإن أساءت فعليها، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]، وكعادة الآيات بعد أن يبين الله ويوضح ويكلف رسوله عليه الصلاة والسلام بزيادة الشرح والبيان والتفسير يجمل ذلك بكلمات تنتهي بها الآية، تكون هي الجامعة والعبرة والمغزى من الآية.

    فقوله: وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [فاطر:18]، إعلام أن مصيرنا جميعاً أبرارنا وفجارنا.. مؤمنينا وكفارنا إلى الله، ومن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017294213

    عدد مرات الحفظ

    724050114