فـأيوب السختياني رأى أنساً وروى عنه بعض الأحاديث، وقال المصنف: ما رأيت له إلا حديثاً واحداً عن أنس، وقال ابن حجر : أكثر من حديث.
فروى عن أنس، وقال العلماء: لم يسمع من أنس، فاتهموه بالتدليس، وكان هذا عنه نادراً، فلذلك وضعوه في المرتبة الأولى، ونحن أردنا أن نبين أن هناك صنفاً رابعاً اتهموا بالتدليس، وبعد التحقيق وجدنا أن الحق أنهم غير مدلسين.
أيوب السختياني الثقة الثبت الفحل الزاهد العابد الورع اتهموه بالتدليس؛ لأنه قالوا: رأى أنساً وروى عنه أحاديث ولم يسمع منه.
فرواية الراوي عن شيخه الذي لقيه، من كلام البخاري ، على أساس أنه اشترط اللقيا، فقال: الذي لقيه، ما قال: سمع منه، وأما على كلام مسلم ستقول: الذي عاصره، هذا الفرق بينهما، ووجه هذه المسألة: نقول: إذا قلنا بقول البخاري -وهي اللقيا- يكون هذا يُروى عنه تدليساً؛ لأنه معاصر له، نقول: الرد في هذا عن أيوب السختياني من وجهين:
الوجه الأول: تدقيق النظر في مسألة اللقيا ومسألة المعاصرة، فعند من يقول باللقيا فإنه سيقول: هذا تدليس، وعند من يقول بالمعاصرة سيقول: ليس بتدليس، بل يحمل هذا على التصريح بالسماع، وهذا كلام مسلم، وقلنا: إن هذا أوسع وأشمل، والعلماء رجحوا هذا القول: وإن قالوا: الأدق قول البخاري .
والوجه الثاني: نقول: هذا الذي حدث من أيوب إن قلنا: إنه لم يسمع من أنس ، فإن هذا ليس بتدليس، وإنما هو إرسال خفي وأنزلتموه أنتم منزلة التدليس؛ لأنه عاصر أنس ولم يسمع منه، ولا توجد رواية أثبتت السماع، ولا عالم من علماء الجرح والتعديل قالوا: إنه سمع مرة واحدة منه، وقد روى عنه بالعنعنة، فنقول: هذا يسمى إرسالاً.
إذاً: أنس عاصره أيوب ورآه، وأيوب هذا من صغار التابعين وليس من كبار التابعين، ونقول: إن اللقيا كثيرة مع أنساً ؛ لأن أنس من المعمرين، وأيوب السختياني من صغار التابعين رأى أنساً ، إذاً: المعاصرة موجودة، ولكنْ لم تثبت رواية واحدة يقول فيها أيوب: حدثني أنس ، إذاً: الإجابة من وجهين:
الأول: إما أن نتكلم عن اللقيا والمعاصرة ونرجح كلام مسلم، وإما أن ننظر فيها من الوجه الثاني: وهو أن تكون هذه رواية الراوي عن شيخ معاصر لم يسمع منه ما لم يسمع منه، وهذا يسمى إرسالاً خفياً، وبهذا يصح لنا أن نقول: أيوب أرسل عن أنس ولا نقول: دلَّس عنه.
فإذا سأل سائل: ما الفرق بين أن أقول: أيوب دلس عن أنس ، أو أيوب أرسل عن أنس؟
أقول: إن الحفظ غير العلم، الحفظ يثبت العلم، لكن الحفظ غير العلم، فالعلم شيء والحفظ شيء، إذاً: لا بد من التدريب على التطبيق، فالفقه الذي نحن نأخذه، أضرب لكم به مثلاً: رجل أراد التوضؤ، وأراد الاغتسال، وأراد أن يفعل كذا وكذا، حتى يكون تطبيقاً عملياً، وأنت إذا كنت تعلم الفرق بين الإرسال والتدليس، سوف آتي وأقول لك: ما الفرق بين الإرسال والتدليس؟
أنا أقول لك: أيوب قالوا عنه: يرسل عن أنس ، ويدلس عن أنس ، ما هو الفرق بينهما؟
الجواب: يتفقان ويفترقان، يتفقان إذا قلنا: إن أيوب قال: عن أنس ، في الإرسال والتدليس، إذاً أتى بصيغة توهم السماع، وهي (عن)، ويفترقان، إذاً لما أقول: أيوب دلس، إذاً أيوب سمع أحاديث عن أنس وثبت السماع له، وهناك أحاديث ثبت عدم سماعه لها، فأتى بها بالعنعنة بالصيغة الموهمة.
الثاني: نقول: لا، الراجح أن أيوب أرسل عن أنس، معنى ذلك: أن أيوب أتى بالعنعنة برواية عن أنس وهو لم يسمعْ منه شيئاً البتة وكان معاصراً له، فنقول: أرسل عنه.
إذاً: الأصل في ذلك أن أيوب السختياني الصحيح أنه يوضع في مرتبة الذين يرسلون لا الذين يدلسون، ولا يصح اتهامه بالتدليس.
وقالوا أيضاً: كان يعلق لأمور أخرى، ليس نحن الآن بصدد تفصيلها؛ لأنه ليس الكلام على معلقات البخاري الآن، لكن الغرض المقصود أنه كان يعلق لأمور عنده، فقالوا: إن خضتم في اتهام البخاري بالتدليس في قوله: (قال) عن شيخ من شيوخه، فنحن نقول: إن لم يكن تدليساً في الإسناد فتدليس الشيوخ يلزم البخاري، قالوا: وقد دلس عن شيخه الفذ وهو الذهلي، كأن يقول: محمد بن عبد الله أو محمد بن يحيى أو محمد ويسكت ولا ينسبه، قالوا: وهذا يُعَدُّ تدليساً، والإجابة عن البخاري في مثل هذا، قد أجبنا عنه قبل ذلك، فهم قالوا: البخاري مدلس من وجهين: الوجه الأول: يروي عن بعض المشايخ بصيغة توهم السماع، فيقول: قال هشام بن عمار ، قال الحجاج بن منهال .
قلنا: أولاً: الحجاج بن منهال أو هشام بن عمار شيخان مباشران للبخاري ، فهو أخذ منهم، فلا يلزم أن نقول: إن البخاري دلس هذا الحديث ولم يسمعه منهم، بل يمكن أن يكون سماعه مذاكرة، أو يكون أتى لهذا الحديث متابعات، أو علقه البخاري لأمور أخرى عنده.
قالوا: إذاً: إذا فات عنه هذا، فيتهم من أمر آخر وهو تدليس الشيوخ؛ لأنه كان يقول: محمد ولا ينسبه، محمد بن عبد الله ولا يعرفه بـمحمد بن يحيى، فنقول: لا يتهم بتدليس الشيوخ، وقد أجبنا عن هذه المسألة قبل ذلك.
وقد كان البخاري متأولاً، فله تأويله، ولم يكن يطرح أحاديثه، بل كان يروي عنه ديانة، وهذا الإنصاف من البخاري، وكان يفعل ذلك ويعمي باسمه وبكنيته، لأنه لو ذكره باسمه لقالوا: قد عدلت الرجل، فيكون كلامه فيك صدقاً، فأنت إذاً تقول بخلق القرآن، فهو سيخشى على نفسه بتعديله له أن يصدق الناس كلامه في البخاري ، فكان يعمي عنه، وكان لا يطرح الرواية عنه ديانة منه.
واتهموا أيضاً عبد الرزاق ومعمراً، وستراجعون هذا في الكتاب، هذا هو الأولى.
وفي كل أسبوع سنأخذ راوياً من الرواة في مرتبة من المراتب نتكلم عنه في الترجمة، ونبين إن كان يدافع عنه أو يقال: إن عنعنته لا تمر.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر