إسلام ويب

تفسير سورة النجم [19-41]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى)

    قال تعالى:أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20]. سبق تفسير قول الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:13-18]. ثم قال تبارك وتعالى منكراً على المشركين عبادتهم الأوثان واتخاذهم لها البيوت مضاهاةً للكعبة التي بناها خليل الرحمن لعبادته تعالى وحده لا شريك له: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20]. قال ابن كثير : اللات صخرة بيضاء منقوشة، وعليها بيت في الطائف له أستار وسدنة -يعني خادماً- وحوله فناء معظم عند أهل الطائف وهم ثقيف ومن تابعها، يفتخرون بها -أي: باللات- على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش. قال ابن جرير : وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله تبارك وتعالى فقالوا: اللات، يعنون مؤنثة من لفظه تعالى، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. أي: زعم المشركون أن اللات -والعياذ بالله- مؤنث لفظة الجلالة (الله)، فهذا من افترائهم الذي نسبوه إلى الله سبحانه وتعالى، كما قالوا: عمرو وعمرة، فكذلك قالوا: الله، فزعموا أن اسم اللات مؤنث لفظ الجلالة. وقال الزمخشري : هي فعلة من لوى؛ لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون بالعبادة أو يلتوون عليها، يعني: يطوفون بها. وحكي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس أنهم قرءوا: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَّ وَالْعُزَّى [النجم:20] -بتشديد التاء- وفسروه بأنه كان رجلاً يلتُّ للحجيج في الجاهلية السويق، يعني: يعد للحجاج هذا الطعام ويقدمه لهم، والسويق طعام يتخذ من مدقوق الحنطة والشعير، سمي سويقاً لانسياقه في الحلق، ويقال: لتَّ السويق، يعني: خلطه بسمن وغيره، ويقال: لتَّ العجين، يعني: بلَّه بشيء من الماء، ومن كلام العرب: فلان يلُتُّ ويعجن، يعني: إذا كان ثرثاراً يبدئ ويعيد فيما يقول. فإذاً: من قرأ ( اللَّاتَّ ) بتشديد التاء فسره بأنه كان رجلاً يلت للحجيج في الجاهلية السويق، فلما مات عكفوا على قبره وعبدوه. وَالْعُزَّى: هي شجرة عليها بناء وأستار بنخلة، وهي بين مكة والطائف. قال ابن جرير : اشتقوا اسمها من اسمه تعالى: العزيز. وقال الزمخشري : أصلها تأنيث الأعز. وقوله تعالى: وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى هي: صخرة كانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها، ويهلون منها للحج إلى الكعبة، روى البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها نحوه. وقال ابن جرير : وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: اللات والعزة ومناة الثالثة أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها. وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: كانت بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر، تعظمها العرب كتعظيم الكعبة غير هذه الثلاثة التي نص الله عليها في كتابه العزيز؛ وإنما أفرد هذه بالذكر لأنها أكثر من غيرها. وقال ابن إسحاق في السيرة: وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجَّاب، ويُهدى لها كما يُهدى للكعبة، وتطوف بها -أي: العرب- كطوافها بالكعبة، وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها؛ لأنها عرفت أنها بيت إبراهيم عليه السلام ومسجده، فكانت لقريش ولبني كنانة العزى بنخلة، وكانت سدنتها وحجَّابها من بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم، وبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالداً وأمره بهدم العزى فهدمها رضي الله تعالى عنه، وجعل يقول: يا عزى كفرانكِ لا سبحانكِ إني رأيت الله قد أهانكِ وروى النسائي عن أبي الطفيل قال: (لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، فأتاها خالد وكانت على ثلاث سَمُرات -شجر السَّمُر المعروف- فقطع السَّمُرات، وهدم البيت الذي كان مبنياً عليها، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: ارجع فإنك لم تصنع شيئاً، فرجع خالد فلما أبصرته السندة -وهم حجبتها- أمعنوا في الحيل، وهم يقولون: يا عزى! -أي: يستغيثون بها كي تنقذ نفسها من أن يحطمها خالد أو يقتلها- فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها، فغمسها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: تلك العزى). فإن صح هذا فإنه يبين أن من الشياطين من يكون في هذه التماثيل وهذه المعبودات من دون الله سبحانه وتعالى، وقد يتكلم بكلام أو يفعل أشياء ليزيد فتنة الذين يعبدون هذه الأصنام، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم. ولذلك كان من الشعر الذي قيل في هذا الموقف: قول بعض السدنة لها: أعزى إن لم تقتلي المرء خالداً فموتي بإثم عاجل أو تنصري فأقبل خالد وجعل يهدمها وهو يقول: يا عزى كفرانكِ لا سبحانكِ إني رأيت الله قد أهانكِ قال ابن إسحاق : وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سدنتها وحجَّابها بني معتب، وقد بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب فهدماها، وجعلا مكانها مسجداً بالطائف. وقال ابن إسحاق : وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، فبعث إليها النبي صلى الله عليه وسلم أبا سفيان صخر بن حرب فهدمها، ويقال: علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ألكم الذكر وله الأنثى )

    قال تعالى: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى [النجم:21]. قال الزمخشري : كانوا يقولون: إن الملائكة وهذه الأصنام بنات الله، وكانوا يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله تبارك وتعالى مع وأدهم البنات أي أن قول الله سبحانه وتعالى لهم: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى يعني: أنهم كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله، وأن هذه الأصنام بنات الله، فلذلك كانوا أحياناً يئدون البنات لشدة بغض البنات، ويقولون: نحن نلحقهن ببنات الله، كي ينتقلن إلى جوار الملائكة؛ لأن هؤلاء بنات والملائكة بنات الله! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فكانوا يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله تبارك وتعالى مع وأدهم البنات، فقيل لهم: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى) ، يعني: أنتم تبغضون البنات -وحالهم في ذلك معروف- ومع ذلك رضيتم أن تنسبوا إلى الله سبحانه وتعالى أسوأ الحظين في نظركم! وإلا فإن بغض البنات جاهلية بغيضة، وليس من الإسلام على الإطلاق بغض البنات، وإنما هو من خصال أهل الجاهلية. ويجوز أن يُراد أن اللات والعزى ومناة إناث، وقد جعلتموهن لله شركاء، ومن شأنكم أن تحتقروا الإناث، وتستنكفوا من أن يولدن لكم وينسبن إليكم، فكيف تجعلون هؤلاء الإناث أنداداً لله وتسمونهن آلهة؟!. وفي قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20] (أرأيت) اسم فعل أمر بمعنى: أخبرني، واختلف العلماء في فعل الرؤية في قوله: ( أَفَرَأَيْتُمُ ) هل هو الرؤية البصرية أم أنها الرؤية العلمية؟ وكأن أصل التركيب: ألكم الذكر وله هن، أي: تلك الأصنام؟ وإنما أوثر هذا الاسم في قوله: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى لوقوعه رأس فاصلة، أي: لأنه في فاصلة الآية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( تلك إذاً قسمة ضيزى )

    قال الله تبارك وتعالى: تِلْكَ إِذَاً قِسْمَةٌ ضِيزَى [النجم:22]. (تلك) إشارة إلى القسمة المفهومة من الجملة الاستفهامية في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى [النجم:19-21]، فهذا يفهم منه أن هناك قسمة هم قسموها، حيث جعلوا لهم الذكر وله الأنثى، فهذه القسمة فهمت من الجملة الاسمية. (قِسْمَةٌ ضِيزَى)، أي: قسمة جائرة غير مستوية، ناقصة غير تامة؛ لأنكم جعلتم لربكم من الولد والند ما تكرهون لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما ترضونه. وقال ابن جرير : والعرب تقول: ضِزْتُه حقَّه، بكسر الضاد، وضُزْتُه بضمها، فأنا أضيزه وأضوزه، وذلك إذا نقصته حقه ومنعته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ... )

    قال تبارك وتعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى [النجم:23]. ( إِنْ هِيَ إلا أسماء ) يعني: هذه الأصنام المذكورة باعتبار الألوهية التي يدعونها لها ليس لها من الألوهية إلا الأسماء المزعومة فقط؛ لكن ليس لها أي نصيب من الألوهية، فهي اسم بلا مسمى. قال الشهاب : والمراد من قوله تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا ، يعني: لا نصيب لها أصلاً ولا وجه لتسميتها بذلك، ولو كانت الألوهية متحققة بمجرد التسمية كانت آلهة، فهو من نفي الشيء بإثباته. أي: وإن كان ظاهر الآية إثبات أنها أسماء، لكن المقصود نفي حقيقتها، يعني: لولا أنكم أسميتموها آلهة -مع أنها لا حظ لها من الألوهية على الإطلاق، لما كانت شيئاً على الإطلاق، وإنما هي مجرد أسماء فقط أنتم زعمتومها، فهذا ادعاء محض لا طائل تحته. ( أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ )، يعني: سميتموها أنتم وآباؤكم بمقتضى أهوائكم وتقليد التابع للمتبوع وبدون وحي إلهي. ( مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ )، أي: من برهان يتعلق به. ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ )، يعني: إلا توهماً أن ما هم عليه حق. ( وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ )، أي: ما تشتهيه أنفسهم. قال ابن جرير : لأنهم لم يأخذوا ذلك عن وحي جاءهم من الله تبارك وتعالى، ولا عن رسول من الله أخبرهم به، وإنما هو اختلاق من قبل أنفسهم. ولذلك قلنا مراراً: دائماً يأتي الهوى والوحي متفاصلين، فالهوى ضد الوحي، والإنسان إما أن يتبع الهوى وإما أن يتبع الوحي الإلهي، والأدلة على ذلك كثيرة في القرآن الكريم أشرنا إليها مراراً، منها الآية التي في صدر السورة: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]، وقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ [القصص:50] يعني: للوحي فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [القصص:50]، وقوله سبحانه:يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ص:26] أي: بالوحي وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص:26]، ومنها أيضاً قول الله تبارك وتعالى في هذه الآية: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وهذا هو الهوى وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى وهو: الوحي، فالهوى يأتي في مقابلة الوحي، وعبر عن الوحي هنا بالمعنى. فهم لم يأخذوا ذلك عن وحي جاءهم عن الله ولا عن رسول من الله أخبرهم به، وإنما هو اختلاق من قبل أنفسهم، أو أخذوه عن آبائهم الذين كانوا من الكفر بالله على مثل ما هم عليه منه. ( وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى )، أي: الدليل الواضح والبيان بالوحي أن عبادتها لا تنبغي، وأنه لا تصلح العبادة إلا لله تعالى وحده. وقوله: ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى )، هذا تأكيد لبطلان اتباع الظن وهوى النفس وزيادة تقبيح لحالهم، فإن اتباعهما من أي شخص كان قبيح، وممن هداه الله تعالى بإرسال الرسول وإنزال الكتب أقبح. يعني: هم بنزول الوحي وبدون إعراض عن الوحي مذمومون مقبحون بالافتراء على الله سبحانه وتعالى واتخاذ ألأصنام أنداداً من دون الله عز وجل، فما بالك وقد قامت الحجة عليهم؟! ( وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى )، يعني: مع أنه قد جاءهم من ربهم الهدى، ومع أن الوحي نزل والرسول أرسل وبعث ودعاهم إلى توحيد الله أعرضوا، فلا شك أن هذا يكون أقبح. قال السيوطي في (الإكيل): استُدل بقوله: ( إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ .. ) إلخ، على أن اللغات توقيفية، ووجهه: أنه تعالى ذمهم على تسمية بعض الأشياء بما سموها به، ولولا أن تسمية غيرها من الله توقيف لما صح هذا الذم؛ لكون الكل اصطلاحاً منهم. واستُدل بقوله تعالى: ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ .. ) إلخ، على إبطال التقليد في العقائد واستدل به الظاهرية على إبطاله مطلقاً -يعني: سواء في العقائد أو في الأمور العملية الفقهية العبادية - واستدلوا به أيضاً على إبطال القياس، ولهم في ذلك وجه معروف. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر رضي الله عنه قال: (احذروا هذا الرأي على الدين، فإنما كان الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيباً؛ لأن الله كان يريه، وإنما هو منا تكلف وظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( أم للإنسان ما تمنى )

    يقول الله تبارك وتعالى: أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى [النجم:24]. يعني: ليس له ما يشتهيه من الأمور التي منها طمعه الفارغ في شفاعة الأنداد وتعنته في دفاع اليقين بالظن وتركه نفسه وهواها بلا شرع يقيده ولا علم يزعه، فإن ذلك من المحالات في نظر العقل السليم. فهذه الآية كقوله تبارك وتعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ [النساء:123]، وأماني أهل الكتاب مثلاً كقول اليهود لعنهم الله: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامَاً مَعْدُودَةً)[البقرة:80]، فيغرون أنفسهم ويخدعون أنفسهم بهذه الأماني، أو قول النصارى مثلاً: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً، وقول اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، أو قولهم: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة:18]، فكذلك ليس للإنسان ما يشتهيه من الأمور، فالأمور لا تأتي بمجرد التشهِّي أو التمنِّي. فهؤلاء المشركون يخدعون أنفسهم بالأماني الكاذبة، فمن هذه الأماني أنهم مع شركهم بالله واتخاذهم الأنداد يرجون أن تنفعهم هذه العبادة للأنداد، وأنها سوف تشفع لهم عند الله تبارك وتعالى، فينساقون وراء أهوائهم وضلالهم، ويرفضون ويتأذون أن يُقادوا بقيود الشرع الشريف والوحي الإلهي، فهذا من المحالات في نظر العقل السليم، فالإنسان ينساق وراء الهوى، ثم يمني نفسه بأنه ناجٍ، وأنه كذا، كما يفعل كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام ممن يكثرون من قولهم: يا بَخْتِنا بالنبي! وهم في أحوالهم وأوضاعهم وتضييع الصلاة وتلبسهم بالشركيات على حال لا يخفى، أو من يعبدون الموتى والأضرحة ويذبحون لها وينذرون ويطوفون بها، ويمنون أنفسهم أن هذا نافعهم عند الله، ويقولون نفس حجة المشركين: هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18]، يقولون لك: نحن لا نعبدهم، وإنما هؤلاء فقط نفوسهم طاهرة، وهم ناس صالحون، فهم وسائط عند الله سبحانه وتعالى! وهذه هي نفس حجة المشركين فيما مضى، فلا شك أن الحجة أقوم على من أتاه الوحي، كما قال تعالى هنا: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ، ولذلك قال بعض العلماء: إن هذه الجملة حالية من قوله ( يَتَّبِعُونَ )، يعني: يتبعون والحال أنه قد (( جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى )) ومع ذلك يعرضون عن الهدى ويتبعون أهواءهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( فلله الآخرة والأولى )

    قال تعالى: فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى [النجم:25]. أي: فمصير الأمر في الآخرة والأولى لله تبارك وتعالى لا للإنسان. فانظر إلى الربط بين هذه الآية وما بعدها، فقوله: أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى [النجم:24] أي: هل للإنسان الذي يظل يتمنى الأماني ويستمتع بأن يفترض ويتخيل ويمني نفسه بالأماني، هل له ما تمنى؟ الجواب: لا، لا ينال الإنسان الأمور بالأماني، بل لابد من العمل، فلذلك قال الله تبارك وتعالى: فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى ، يعني: مصير الأمر في الدنيا وفي الآخرة بيد الله تبارك وتعالى، وليس للإنسان من الأمر شيء، ولن تسير الأمور حسب ما تسول له نفسه الأمارة بالسوء؛ لأن الله سبحانه وتعالى لن يتبع أهواهم، ولن يتبع أمانيهم، كما قال عز وجل: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [المؤمنون:71]، ولذلك أرسل الله الرسل وأنزل الكتب قطعاً للمعاذير، وإقامة للحجة على هؤلاء الناس، وقد جاءتهم الحجة، ولذا قال: (( وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى )). ونبه الله سبحانه وتعالى الإنسان بالعقل على سبل السعادة التي لا تخفى على بصير، فمن أراد الحق مخلصاً يصل إليه، ويوفقه الله إلى هذا الحق، ولن يجد شيئاً يكبله ويحول دونه ودون الانقياد لهذا الحق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وكم من ملك في السماوات... لا يغني من الحق شيئاً)

    قال تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى * إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [النجم:26-28]. ثم يقول تبارك وتعالى توبيخاً لعبدة الأوثان، وإقناطاً لهم عما علقوا به أطماعهم من شفاعة أوثانهم: (( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ )) وكأن الله سبحانه وتعالى يقول لهم: إذا كانت الملائكة المكرمون الأطهار المعصومون لا يمكن أن يشفعوا عند الله إلا بإذن من الله، فكيف ستشفع لكم هذه الأحجار وهذه الأصنام عند الله تبارك وتعالى؟! فالملائكة كائنات حية عاقلة مبرأة من السوء ومن الإثم ومنقادة لأمر الله سبحانه وتعالى. ثم أشار تعالى إلى طغيان آخر للمشركين، فقال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى يعني: تسمية الإناث، وذلك أنهم كانوا يقولون على الملائكة: هم بنات الله، فالأنثى هنا بمعنى: الإناث؛ لأنه اسم جنس يتناول الكثير والقليل. وقيل في المعنى: تسمية الطائفة الأنثى، فلهذا أفردت. وقيل: منصوب بنزع الخافض على التشبيه، فلا تمس الحاجة إلى الجمعية. وقيل: أفرد لرعاية الفاصلة. وقيل: الملائكة بمعنى: استغراق المفرد، على أساس أن (ال) هنا للاستغراق في (الملائكة)، يعني: أنهم يسمون كل واحد منهم بنتاً، وهي تسمية الأنثى، على وزن: كسانا الأمير حلة، يعني: كسا كل واحد منا حلة، وهنا أفردت لعدم اللبس. ونلاحظ أن الله تبارك وتعالى علق هذا الأمر على عدم الإيمان بالآخرة، وفي هذا إشعار بالشناعة والفظاعة واستتباع العقوبة في الآخرة، بحيث لا يجترئ عليها إلا من لا يؤمن بها رأساً، يعني: لا يطاوع إنساناً قلبه أن يتفوه بهذا الزعم -وهو أن الملائكة بنات الله- إلا من كان كافراً بالله سبحانه وتعالى، ولا يؤمن أصلاً بالآخرة، ولذلك علقها الله تبارك وتعالى على عدم الإيمان بالآخرة، وبين أنه لا يطاوع امرءاً قلبه على أن يتفوه بهذا الكلام إلا كافر موغر في الكفر والإلحاد مكذب باليوم الآخر. ( وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ )، أي: ليس عندهم أثارة من علم على صحة ما يزعمونه وينسبونه إلى الله سبحانه وتعالى، ولذلك نفى عنهم العلم، وأثبت لهم اتباع الظن، فقال: (وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئَاً) . ( وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً ) يعني: لا يقوم مقام الحق، ولا يصلح بديلاً عن الحق، وذلك لأن حقيقة الشيء وما هو عليه إنما تُدرك إدراكاً معتداً به إذا كان عن يقين، لا عن ظن وتوهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ...)

    يقول تبارك وتعالى: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [النجم:29]. يعني: من هؤلاء الكفرة الذين يرون غاية سعادتهم التنعم بلذائذها لقَصْر نظرهم على المحسوسات؛ لأن هؤلاء الكفار لا يريدون الآخرة، وهم يعرضون عن ذكر الله، وما يريدون إلا الحياة الدنيا، ولا شك أن هذا واقع نلمسه في حياة الكفار أجمعين، إذ ليس لهم همٌّ إلا شهواتهم، وما يعمرون به هذه الحياة الدنيا. وكان في هذه الآية وحدها أعظم ما يقنع هؤلاء الذين ينبهرون بالكفار والملاحدة من الشرق والغرب، ويغترون بما هم عليه، مع أن الله سبحانه وتعالى قال: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ [آل عمران:196]، فكيف ننقاد ونتْبع هؤلاء حذو القذة بالقذة ونحن أهل التوحيد، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعناهم؟! فحصل من الناس الآن افتتان شديد جداً بما عليه الكفار، في حين أن الكفار ليس عندهم إلا الدنيا بغدرها وبمفاسدها ونحو ذلك، فهذه الآية تكفي في نهي المسلمين عن الانسياق وراء الكفار ووراء مذاهبهم ومناهجهم، وكأنهم لم يسمعوا بقرآن ولا بسنة! وكأنهم لا يعتزون بدينهم وهويتهم الإسلامية! ( فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا )، في هذا أمر لنا بالإعراض عنهم، ولكن كثيراً من الناس الآن يلهثون وراءهم لهثاً، ويركضون وراءهم ركضاً، تقليداً لهم واتباعاً لشأنهم وبحثاً عن كل ما يرضيهم ويستجلب استحسانهم. ويفهم من ذلك أن كل من تولى عن ذكر الله عز وجل لا يُتخذ صاحباً، ولا يُتخذ أسوة ولا قدوة، كما قال الله تبارك وتعالى: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطَاً [الكهف:28]، وقال الله عز وجل أيضاً لموسى عليه السلام: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [طه:15-16]، أي: تهلك مع هذا الهالك، فهؤلاء لا يصلحون أسوة، ولا يصلحون قدوة، ولكن مَن تبعهم قادوه إلى النار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعاة على أبواب جهنم؛ من أجابهم إليها قذفوه فيها). وفي هذه الآية غاية المذمة لمن جمع بين هذين الأمرين: لم يعش إلا للدنيا، وأعرض تماماً عن الآخرة، وأعرض أيضاً عن ذكر الله تبارك وتعالى. وقد فهِم الزمخشري فهماً باطلاً من هذه الآية الكريمة؛ فزعم أن معنى: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) يعني: أعرض عن دعوة من رأيته معرضاً عن ذكر الله، ولم يرد إلا الحياة الدنيا. والصحيح: أن المقصود من الإعراض هنا هجرهم هجراً جميلاً، وترْك إيذائهم، ولا تعني الآية بحال من الأحوال أمره بأن يكف عن دعوة هؤلاء المعرضين، لأن الصدع بالحق لا تسامح فيه على الإطلاق، لا سيما والدعوة للمعرضين، وهي تستلزم أن يحاجوا به بمنتهى الطاقة، فالله سبحانه وتعالى الذي قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) هو الذي قال: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادَاً كَبِيرَاً [الفرقان:52]، وهؤلاء نفس الكفار المعرضين، ومع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد أعظم الاجتهاد في تبليغهم الدعوة ومحاجتهم ومناظرتهم وإقامة الحجة عليهم، ونحو ذلك. فمعنى الآية: أعرض عن أذيتهم، واصفح عنهم، ودع أذاهم في مقابلة ما يجهلون عليك، مع الاستمرار في الدعوة، كما بين ذلك في مواضع من التنزيل، والقرآن يفسر بعضه بعضاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ذلك مبلغهم من العلم )

    (( ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ )) يعني: أمر الدنيا منتهى علمهم، فلا علم لهم فوقه، وما يريدون إلا الدنيا، وما يعلمون إلا الدنيا، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله يبغض كل جعظريٍّ، جواظٍ، صخابٍ في الأسواق، جيفةٍ بالليل، حمارٍ بالنهار، عالمٍ بأمر الدنيا، جاهلٍ بأمر الآخرة). فهو يعلم أسماء لاعبي الكرة، وأسماء فرق الكرة في كل مكان في العالم، ومن هو الكابتن، وكم أحرز هدفاً! وإلى آخر هذا الكلام، حتى اللون الذي يحبه، والأكل الذي يحبه، والثياب التي يحبها، ويقلدونهم! ويعرف أسماء الممثلين والمطربين والفنانين، وكذا وكذا! ولا يعرف الأسئلة الثلاثة التي سوف يُسأل عنها أول ما يوضع في قبره: من ربك؟ وما دينك؟ وماذا تقول في النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ فمع اجتهادهم وتسخيرهم العقول في كل ما يخدم الدنيا، لو صرفوا جزءاً يسيراً من عبادتهم وتبتلهم للدنيا لوجه الله سبحانه وتعالى لكانوا عباداً ورهباناً متبتلين؛ لكن انظر إلى اجتهادهم في الدنيا وتعظيمهم الدنيا، ومع ذلك يحاربون أهل الحق، ويريدون أن يطفئوا نور الله سبحانه وتعالى، ويجتهدون في ذلك ليل نهار بكل الأساليب، سواءً بذبح المسلمين، أو إذلال المسلمين، أو تجويعهم وغير ذلك مما نلمسه من أعداء الله في مشارق الأرض ومغاربها، هذا مع أنهم على الباطل، ومع أنهم لا يتبعون إلا الظن، وما يتبعون إلا الأهواء، وأصبحوا مفلسين، وما عندهم شيء يقدمونه للبشرية، فليس لدى أمريكا وغيرها من أعداء الله ما يقدمونه لإصلاح البشرية، ما لديهم إلا الفساد والانحلال وتحطيم الخير في هذه الأرض ونشر الفساد فيها! فقوله تعالى: ( ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ )، يعني أن الدنيا هي المحطة النهائية عندهم، ولا يوجد عندهم خط ثانٍ بعد هذا، (( ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ))؛ لأن المكان المعين وصلوه، فلا يوجد بعده مكان آخر. و( ذَلِكَ ) الإشارة فيه إلى أمر الدنيا الذي ورد في آخر الآية السابقة: (( وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا )).

    التحذير من تحريف النصوص الشرعية لخدمة الأمور الدنيوية

    والعجيب أن من مظاهر غربة الإسلام: أن علم الدنيا صار أشرف في نظر كثير من الناس من علم الدين! وهذا بلاء عظيم جداً، والرسول عليه الصلاة والسلام جعل من أشراط الساعة: (أن يقل العلم، ويظهر الجهل) أي: يقل العلم الشرعي الشريف ويظهر الجهل بالعلم الديني، كما هو الحال الآن! وللأسف، وإلا لو كان المقصود بالعلم -كما يزعمون- علوم الدنيا لانعكس الأمر الآن؛ لأن الظاهر أن الناس قد ظهر فيهم القلم، والناس تتعلم كثيراً جداً من علوم الدنيا، فهل يقال: إنه قد ظهر العلم في هذا الزمن، بمعنى: ظهر العلم الذي قصده النبي عليه السلام حينما جعل من علامات الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل؟! الجواب: لا. بل العلم المقصود به العلم الذي هو أشرف العلوم على الإطلاق وهو علم الدين، وأشرف علوم الدين هو علم التوحيد؛ لأن أي علم يُعرف شرفه بشرف معلومه، أي: المعلوم الذي تتعلمه من خلاله، فأشرف العلوم لا شك أنها علوم الدين. فهناك محاولات مستميتة لتسخير النصوص الدينية التي تحث على الآخرة وتحث على العلم الشرعي لخدمة الدنيا، فهي عملية استخدامٍ للدين من الذين يريدون أن يحولوا الدين إلى خادم، والمفروض أن الدين مخدوم، ولو أن واحداً -مثلاً- أراد أن ينظف أسفل نعله فما لقي مكاناً ينظفه فيه إلا خده، فنظفه بخده! فهذا إنسان سفيه؛ لأنه قلَب الخادمَ مخدوماً، فالوجه شريف يُخدم، والنعل -وبالذات أسفل النعل- المفروض أنه خادم، فأنت تحوله إلى مخدوم والمخدوم إلى خادم! فاستعمال نصوص الشريعة لتلميع مفاهيم دنيوية يعتبر مضادة لشرع الله تبارك وتعالى، فمثلاً: يدخل في هذا الذين يتكلمون عن العمل وزيادة الإنتاج، ويستدلون بقوله تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105]! صحيحٌ أن العمل من أجل الرزق أمر من الأمور التي حث الإسلام عليها؛ لكن هل هذا هو المقصود بقوله: ( اعْمَلُوا ) هنا؟! وهل هي تخاطب الشيوعيين والماركسيين والنصارى واليهود؟! فالآية تخاطب المسلمين المؤمنين، وقوله: ( اعْمَلُوا )، يعني: اعملوا صالحاً، (( فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ )). فأشرف العلوم على الإطلاق هو علم الدين وعلوم الآخرة، فإذا نظرت إلى موضوعها أو إلى ثمرتها ستجدها هي التي تجلب للإنسان السعادة والفلاح في الدنيا وفي الآخرة. إذاً: يجب ربط الدين بالنصوص، فإن العلم هو أقوى مؤيدات الإسلام، حتى العلم الحديث هو من أقوى مؤيدات الإسلام؛ لكن تركوه من جهة أنهم نسوا الخالق وذكروا المخلوق، حتى سموا أماكن معينة في جسم الإنسان بأسماء الخواجات، وكأنهم هم خلقوها! مثال ذلك: ما يسمونه بقناة استاكس، فأنا مسلم وفي جسمي حاجة اسمها: قناة استاكس باسم واحد كافر! وهكذا ما يُسمى بجزر لانجرهانز التي في البنكرياس، وهكذا صار جسم الإنسان مثل الشوارع التي تسمى بأسماء الكفار! فالشاهد: إذا كان هذا من أجل أن واحداً اكتشف، فما بالك بمن خلق وصنع؟! فالعلم الآن في حالة من الجحود والنكران لفضل الله ونعمة الله تبارك وتعالى على البشرية. من الذي خلقها؟! ولماذا لا ينسبونها إلى الله سبحانه وتعالى؟! ولماذا لا نقول: خلق الله في البذور قوة الإنبات، ورزقنا الله الماء كي تنبت البذور ويحصل كذا وكذا؟! وخلق الله الجمجمة وفيها من العظام كذا، وفيها ثقوب خلقها الله كي تمر من الأعصاب مثلاً، وكذا وكذا؟! ورتب كذا على كذا لأجل حماية كذا؟! فلماذا لا يُنسب الفضل لصانعه؟! ولماذا يمضي العلم بعيداً عن الله سبحانه وتعالى؟! وليس هذا فحسب، بل ربما أحياناً ينصب هذا العلم في تأييد مذاهب كفرية وإلحادية لا تقوم إلا على الظن وما تهوى الأنفس، وهي أبرأ ما تكون من العلم، كنظرية فرويد أو نظرية داروين أو غيرها من هذه النظريات التي سخرت لخدمة الإلحاد. فالعلم الآن صار يُستعمل آلة لخدمة الإلحاد، مع أنه أقوى ناصر ومؤيد للإسلام، وأوجه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وهكذا في السنة النبوية الشريفة، كقوله عليه الصلاة والسلام: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكان منها ...)، وشمل الحديث تقسيم الأرض إلى الأنواع الثلاثة المعروفة، فيفسرون الحديث لطلبة المدارس ويقولون لهم: أرض الطائفة الأولى التي حبست الماء وأنبتت العشب والكلأ الكثير فانتفع بها الناس هي هذه التكنولوجيا! فأصبح الحديث يفسر أن هذا حث على التكنولوجيا، وليس على العلم الشرعي. والأرض الأخرى هي التي أمسكت الماء فقط. والأرض الثالثة التي غورت الماء، وتركت الماء يذهب سدىً، لم يُحبس ولم يُنتفع به للزرع وغيره، فيقولون: هذا دليل على أنه لا يجوز للمسلم أن يسرف في استعمال الماء، ولابد من ترشيد استعمال المياه! وما علاقة هذا بذاك؟! هذا النوع بعيد جداً، صحيحٌ أن الإسرافَ محذور، لكن هذا الحديث لا يحثنا على التكنولوجيا، ولا يحثنا على ترشيد استعمال المياه، وليس هذا هو المقصود بالحديث، وإنما هذا تسطيح للمعاني الإسلامية الرفعية والعالية. فهذه الآية: ( ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) من أقوى ما يوضح أنهم توقفوا عند علوم الدنيا، أما أخطر قسم من العلوم وهو العلم الذي يترتب عليه خلود إلى الأبد في جنة أو في نار فلا خبر عندهم عن هذا العلم، ومن كان هذا أقصى معارفه فما على داعيه إلا الصفح عنه، والصبر على جهله، فمثل هذا لا يستحق أنك ترد على جهله بجهل مثله، وإنما تصفح عنه، وتعرض عنه، فهذا هو المقصود من قوله: ( فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا ) يعني: أعرض عن أذيتهم، ولا تقابل سفاهتهم بمثلها، بل استمر في دعوتهم، ولا تلقِ بالاً للترهات والأذية والجهل ونحو ذلك. وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبغض كل جعظريٍّ، جواظٍ)، الجعظري : الفظ الغليظ المتكبر، والجواظ: الجموع المنوع؛ يجمع المال ويبالغ في جمعه، ثم يمنع حقه من الصدقة والزكاة وغيرها. وقوله: (صخابٍ في الأسواق)، أي: يرفع الصوت بالجلبة والصياح. وقوله: (جيفةٍ بالليل، حمارٍ بالنهار)، يعني: لا يذكر الله سبحانه وتعالى، ولا يصلي صلاة عشاء ولا فجر ولا غيرهما فضلاً عن النوافل، وأما في عمل الدنيا فهو كالحمار بالنهار، وطبعاً إذا رأينا هذا المثال في هذا الحديث يطرأ إلى أذهاننا الناس الذين يتفانون في خدمة الدنيا كاليابانيين؛ فإنهم يفنون تماماً أثناء الخدمة، وما عندهم خبر عن موضوع الآخرة أبداً، بل تراهم يعملون مظاهرات؛ لأن الحكومة لا تريد تشغيلهم في يوم إجازة، إذ كيف يتوقفون عن العمل؟! ولذلك تاتشر في يوم من الأيام عيرتهم في تصريحات رسمية فقالت: أنتم شعب كائن مثل النمل، فرد وزير الخارجية الياباني وقال لهم: وأنتم الأوربيون كائنون مثل الصراصير، فتبادلوا الاتهامات، فحتى الأوروبيون لم يعجبهم اليابانيون، ويقولون: أنتم تعيشون مثل النمل، يعني: ما وراءكم غير الشغل فقط، وسبحان الله! من ذهب إلى اليابان يرى الأماكن التي ينامون فيها مثل الصناديق، يعني: الغرف مثل الصناديق، كالجثة موضوعة في قبر أو صندوق أو كذا. وقوله: (عالمٍ بأمر الدنيا، جاهلٍ بأمر الآخرة)، أي: تعلم من العلوم كثيراً مما لا ينفعه، والجهل به لن يضره، وفي نفس الوقت أعرض عن ذكر الله، وأعرض عن القرآن، وأعرض عن أن يتدبر في الغاية من خلقنا؟ ولماذا خلقنا؟ وإلى أين نسير؟ وكيف يجيب على هذا الامتحان الإجباري الذي سوف يُسأل عنه كل إنسان: (من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟)، وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فمن كان هذا قصارى علمه، فما على الداعية إلا الصفح عنه، والصبر على جهله. وقوله: ( ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ ) اسم مكان، وكأنه محل وقف فيه علمهم ادعاءً، والجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبلها من قصر الإرادة على الحياة الدنيا، ثم علل الأمر بالإعراض، فقال تعالى: (( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ ))، فهذا تعليل لقوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ، والسياق: (( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ )) تعليل للإعراض؛ لكن جملة: (( ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ )) جملة اعتراضية، فقوله: ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ يعني: أعرض؛ لأن رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ، وإذا كان الله أعلم بالفريقين فلابد أن يعاملهم بموجب علمه فيهم، فيجزي كلاً بما يقتضيه عمله. والله سبحانه قدم قوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيْلِهِ على قوله: (( بِمَنِ اهْتَدَى ))؛ لأن هؤلاء الذين ضلوا هم المقصودون أساساً من الخطاب، وسياق الكلام في شأنهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ... )

    يقول الله تبارك وتعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31]. قوله: ( وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ )، في هذا تنبيه على سعة ملكه عز وجل وعظمة قدرته، وأن ما فيهما في قبضته، فلا يعجزه جزاء هؤلاء الفجرة، كما قال: ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى )، يعني: بالمثوبة الحسنى وهي الجنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ... )

    قال تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32]. ثم لما ذكر المحسنين وجزاءهم الذي هو المثوبة الحسنى بيَّن عز وجل صفات هؤلاء المحسنين، فقال عز وجل: ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ ) يعني: ما كبر الوعيد عليه من المناهي. ( وَالْفَوَاحِشَ )، يعني: ما فحش منها، والعطف: إما من عطف أحد المترادفين أو الخاص على العام. وقوله: ( إِلَّا اللَّمَمَ )، أي: إلا الصغائر من الذنوب. ومثله أبو هريرة بالقبلة والغمزة والنظرة، فيما رواه ابن جرير . وأصل معنى اللمم: ما قل قدره. ومنه لمة الشَّعَر؛ لأنها دون الظفرة. وقيل: معناه: الدنو من الشيء دون ارتكاب له. والاستثناء في قوله سبحانه: ( إِلَّا اللَّمَمَ ) منقطع، بمعنى: (لكن). واللمم أن يدنو الإنسان من الشيء؛ لكن لا يرتكبه، فهذا هو المقصود باللمم، يعني: إلا اللمم بما دون الكبائر والفواحش فإنه عفو، وهو أن يهم دون أن يفعل، وهو شيء أقل من الكبائر والفواحش، يدنو منه، ثم يعرض عن ذلك، فهذا يعفو الله سبحانه وتعالى عنه. وقيل: إن الاستثناء في قوله سبحانه: ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ) متصل، والمراد: مطلق الذنوب. وقيل: إنه لا استثناء فيه أصلاً، وإن (إلا) صفة بمعنى غير. وحكى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: أن معنى اللمم: ما قد سلف لهم مما ألموا به من الفواحش والكبائر في الجاهلية قبل الإسلام، وغفرها لهم حين أسلموا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً قال: هو الرجل يلم بالفاحشة، ثم يتوب ولا يعود، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن تغفر اللهم تغفر جماً، وأي عبد لك ما ألما؟!). وقال الحسن : اللمم أن يقع في الوقعة ثم ينتهي. يعني: ولا يعود إليها. وكل هذا مما يتناوله اللفظ الكريم، والأقوى في معناه هو الأول، يعني: الصغائر من الذنوب، ولذلك استُدل بالآيات على تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، فاجتناب الكبائر هو في حد ذاته كفارة للصغائر، والدليل الأصلح لذلك قول الله تبارك وتعالى في جملة شرطية: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]. ( إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ) أي: واسعٌ عفوه للمذنبين الذين لم تبلغ ذنوبهم الفواحش وكبائر الإثم. ( هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ )، قال ابن جرير : أي: أحدثكم منها؛ بخلق أبيكم آدم منها. فقوله: ( إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ ) الخطاب لنا والمقصود آدم عليه السلام، أي: إذ أنشأ أباكم آدم الذي هو أصلكم من الأرض. ( وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ )، أي: حينما أو حيثما يصوركم في الأرحام، فالله سبحانه وتعالى عليم بكم أيضاً في هذه الحال. ( فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ )، يعني: إذا كان الله سبحانه وتعالى عالم بكم حين أنشأ آدم من الأرض، وأعلم بكم ( إذ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ) فهو أعلم بكم فيما هو بعد ذلك، فقوله: ( فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ )، يعني: لا تشهدوا لأنفسكم بأنها زكية بريئة من الذنوب والمعاصي، والمراد به النهي عن الثناء تمدحاً أو رياءً، كالإنسان الذي يثني على نفسه، ويمدح نفسه، أو يرائي بإظهار العمل الصالح وإظهار أنه تقي، فهذه كلها من تزكية الأنفس، يعني: مدح النفس والثناء عليها، والتجمل للناس بغير ما هي عليه في الحقيقة. ( هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى )، أي: بمن اتقاه؛ فعمل بطاعته، واجتنب معاصيه، وأصلح، وهذا كقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلَاً [النساء:49]. وفي الصحيحين عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: (مدح رجل رجلاً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك! قطعت عنق صاحبك مراراً، إذا كان أحدكم مادحاً صاحبه لا محالة فليقل: أحسب فلاناً والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً، أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك)، يعني: تمدحه بما فيه، وتعلقه على هذا اللفظ: (أحسبه كذلك)، ولا تقطع ولاتجزم؛ لأن الله هو أعلم بحقيقة هذا الإنسان، وهو المطلع على قلبه، فلا ينبغي للإنسان أن يجازف في المديح؛ لأن ذلك يكون فتنة لمن يمدحه، وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يُحثى التراب في وجوه المداحين. ويدخل في تزكية الأنفس المنهي عنه في مثل هذه الآية: أن يُسمى الإنسان باسمٍ فيه تزكية، كما كانت زينب تُسمى برة، من البر، فغير النبي صلى الله عليه وسلم اسمها إلى زينب ، وقال: (الله أعلم بأهل البر منكم)، فينبغي للإنسان أن يتجنب التسميات التي يكون فيها مثل هذا المديح، ولذلك كان الإمام النووي رحمه الله تعالى يُلقب محيي الدين، فكان يقول: لا أجعل في حل -يعني: لا أسامح- من سماني محيي الدين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( أفرأيت الذي تولى ... ألا تزروازرة وزر أخرى)

    قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى * أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [النجم:33-38]. أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى [النجم:33]، يعني: تولى عن الذكر بعد إذ جاءه، كما قال تعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [القيامة:31-32]. وَأَعْطَى قَلِيلَاً وَأَكْدَى أي: قطع العطاء بخلاً وشحاً. (( أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى ))، يعني: حتى يراه؟! وحتى يحكم على نفسه بالتزكية والنجاة والفوز؟! أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم:36-37]، أي: بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه، كما قال تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124]. ثم قال تعالى: أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى أي: لا تؤاخَذ نفس بذنب غيرها، فكل نفس آثمة فإن إثمها عليها، وهذا كان في صحف إبراهيم عليه السلام، وأيضاً في صحف موسى. قال ابن جرير رحمه الله تعالى: إنما عنى بقوله: أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى الذي ضمن للوليد بن المغيرة أن يتحمل عنه عذاب الله يوم القيامة. يعني: كما رُوي أن الوليد بن المغيرة همَّ بالدخول في الإسلام، فأتاه رجل من المشركين عيَّره بذلك وقال: كيف تدخل في الإسلام، وتضل عن دين آبائك وأجدادك؟! ثم ضمن له هذا الرجل المعيِّر أنك إن أعرضت عن الإسلام وأعطيتني من المال كذا وكذا أضمن لك ألا تعذب في الآخرة. يعني: مثل نظرية (صكوك الغفران). فقالوا: إن هذا السياق في هذه الآيات هو في هذا الشخص، فقوله: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلَاً وَأَكْدَى [النجم:33-34]، أي: حيث أعطاه بعض المال الذي وعده به. قال ابن جرير : قيل: إن المقصود هو هذا الرجل الذي ضمن للوليد بن المغيرة أن يتحمل عنه عذاب الله يوم القيامة، يقول: ألم يخبر قائل هذا القول وضامن هذا الضمان بالذي في صحف موسى وإبراهيم مكتوب: أن لا تأثم آثمة إثم أخرى غيرها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ... الجزاء الأوفى)

    قال تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى [النجم:39-41]. وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى . أي: وأنه لا يُجازى عامل إلا بعمله خيراً كان أو شراً، وظاهر السياق يُشعر بلزوم الآيات رداً على ما كانوا يتخرصونه ويتمنونه ويتحكمون فيه على الغيب لجاجاً وجهلاً، ولذلك فمفهومها الشمولي جلي. واستُدل بهذه الآية على عدم دخول النيابة في العبادات عن الحي والميت، يعني: لا يصح أن ينوب أحد عن أحد في صلاة ونحوها. واستدل به الشافعي على أن ثواب القراءة لا يلحق الأموات؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى . وقال ابن كثير : ومن هذه الآيات الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله ومن تبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته إليها، ولا حثهم عليها، ولا أرشدهم إلى ذلك بنص ولا إيماء. يعني: أن ثمة سنة تركية، فالشيء قد يكون مقتضاه موجوداً في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، والمانع غير موجود، ومع ذلك لم يشرعه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان مأموراً بالبلاغ، وأي شيء له علاقه بالدين يقربنا وينفعنا عند الله ويبعدنا من النار أمر به النبي، وما كتم شيئاً؛ فهو مأمور بالتبليغ، ومعصوم من الكتمان، وهل الموتى من المسلمين في حاجة إلى إحسان أقاربهم أو إخوانهم إليهم بقراءة القرآن ثم إهداء الثواب، أم ليسوا في حاجة إلى هذا؟ فالناس محتاجون إلى أن يقرءوا القرآن ويهدوا ثوابه إلى الموتى، فالزمان كان زمان تشريع، والرسول عليه السلام مأمور بالتبليغ، والوحي ينزل عليه، والداعي المقتضي موجود، والمانع مفقود، أي لا يوجد مانع يمنعهم من أن يشرع لهم ذلك، ومع ذلك لم يشرعه. فإذاً: السنة في هذا أن نترك ما تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن المقتضي كان موجوداً، والمانع غير موجود، ومع ذلك لم يشرعه، فدل على أنه ليس من الدين. إذاً: من تعبد ببدعة فهو يرهق نفسه بما لا طائل من ورائه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). هذا أنموذج من المسائل التي فيها مثل هذا الكلام، وهو موضوع قراءة القرآن وإهداء ثوابه إلى الموتى، لكن يُستثنى من هذا الابن مع أبيه، كما ذكر ذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى في كتابه المبارك: (أحكام الجنائز) فقال: يُستثنى الابن فقط، الابن يقرأ ويهدي الثواب لأبيه؛ لأن الابن من كسب أبيه. بل بعض العلماء يقول: إن الابن أصلاً لا يحتاج حتى لإهداء الثواب؛ لأن كل ما يعمله الابن من العمل الصالح يجازى الأب بمثله، وكل ما يعمله الابن من العمل يصل ثوابه إلى ميزان أعمال الأب؛ لأن الابن من سعي أبيه، فهو الذي تسبب في وجوده في هذه الدنيا. فهذا كما يقول ابن كثير : ومن هذه الآيات الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله تعالى ومن تبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم يُنقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وباب القربات يُقتصر فيه على النصوص -وإلا يُفتح باب الابتداع في الدين على مصراعيه- ولا يُتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذلك مُجمَع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما. فالأدلة أتت بأن الدعاء ينفع الموتى، والصدقة تنفع الموتى، وبعض العبادات تنفع الموتى، كالحج ونحو ذلك. وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم يُنتفع به)، فهذه الثلاث-في الحقيقة- هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث : (إن أطيب ما أكل الرجل من كده، وإن ولده من كده)، والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، فقد قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12]، والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضاً من سعيه وعمله. وثبت في الصحيح قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء). قال الرازي : المراد من الآية: بيان ثواب الأعمال الصالحة، أو بيان كل عمل. ونقول: المشهور أنها لكل عمل؛ فالخير مثاب عليه، والشر معاقب به، أي أن قوله هنا: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)، يعني: إلا سعيه وكسبه. و(ما) هنا مصدرية. فبعض العلماء يقول إنها تعم. وبعضهم يقولون: إنما تعني الأعمال الصالحة. يقول الرازي : والظاهر أنه لبيان الخيرات، يدل عليه (اللام) في قوله تعالى: (( لِلإِنسَانِ ))، فإن (اللام) لعَود المنافع، و(على) لعَود المضار، تقول: هذا له، وهذا عليه، وتقول: هذا يشهد له، وهذا يشهد عليه، في المنافع والمضار. وأيضاً مما يقوي هذا المذهب: قول الله تبارك وتعالى: ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى [النجم:41] فهذا قطع بأن هذا الفعل سوف يُجزى عليه الإنسان الجزاء الأوفى، والأوفى لا يكون إلا في مقابلة الحسنة، أما في حالة السيئة فإنما يجزى بالمثل أو دونه أو العفو عن الإثم بالكلية، كما قال تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:89-90]، وقد يعفو الله عن السيئة، بل قد يبدلها حسنات. وقوله تعالى: (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى) يعني: سوف يراه، ويُعرض عليه، ويُكشف له، مِن (أُريتُ الشيء). أو سَوْفَ يُرَى للخلق وللملائكة، ففيه بشارة للمؤمن وإفراح له، ونذارة للكافر وإرهاب له. أو هو مِن (رأى) المجرد، يعني: سوف يراه، كقوله تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105]. (ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى)، أي: يُجزى سعيه جزاءً وافراً، لا يُبخس منه شيء.

    1.   

    تفسير العلامة الشنقيطي لقوله تعالى: ( أفرأيت الذي تولى ... )

    يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآيات الكريمة: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى * أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى [النجم:33-41]. (تولى) أي: رجعل وأدبر عن الحق. ( وَأَعْطَى قَلِيلَاً ) : قال بعضهم: أعطى قليلاً من المال. وقال بعضهم: أعطى قليلاً من الكلام الطيب. ( وَأَكْدَى )، أي: قطع ذلك العطاء ولم يتمه، وأصله من أكدى صاحب الحفر، يقال: أكدى إذا ظل يحفر حتى اصطدم بصخرة لا يقدر على الحفر فيها، فينقطع عن الاستئناف وتكملة الحفر. وأصله من الكُدَية، وهي: الحجارة تعترض حافر البئر ونحوه، فتمنعه الحفر. وهذا الذي أعطى قليلاً وأكدى: اختلف فيه العلماء: فقيل: هو الوليد بن المغيرة ؛ قارب أن يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم فعيَّره بعض المشركين، فقال: أتركت دين الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه كذا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فرجع الوليد إلى الشرك، وأعطى الذي عيَّره بعض ذلك المال الذي ضمن، ومنعه باقي هذا المال، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ، يعني: بعدما كاد يقبل على الإسلام، وَأَعْطَى قَلِيلَاً وَأَكْدَى ، يعني: أعطى هذا الذي ضمن له أن يتحمل عنه عذاب الله يوم القيامة، ( وَأَكْدَى ) يعني: توقف عن استئناف العطاء وتكملة المال المتفق عليه. وقيل: (( وَأَعْطَى قَلِيلَاً )) من الكلام الطيب، كمدحه للقرآن واعترافه بصدق النبي صلى الله عليه وسلم، (( وَأَكْدَى )) أي: انقطع عن ذلك ورجع عنه. وقيل: هو العاص بن وائل السهمي ، كان ربما وافق النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور، وذلك هو معنى إعطائه القليل، ثم انقطع عن ذلك، وهو معنى إكدائه، وهذا قول السدي ، ولم ينسجم مع قوله بعده: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى ... [النجم:35] إلخ. وعن محمد بن كعب القرظي قال: إنه أبو جهل ، قال: والله! ما يأمرنا محمد -صلى الله عليه وسلم- إلا بمكارم الأخلاق. وذلك معنى إعطائه القليل، وقطعه لذلك معروف. يعني: فيما حصل منه من أذية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. فلا ينبغي أن نفرح حينما نجد كافراً من الكفار ينطق ببعض الكلمات التي فيها بعض الإنصاف للإسلام أو للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني: لا ينبغي أن نتجاوز بمثل هذا الإنسان قدره؛ لأنه حتى إذا أعطى قليلاً لكنه يُكدي، ولا يكمل الرحلة، فنجد بعض الناس يفرحون بقول بعض الكفار من الأمريكان في كتابه: العظماء مائة، أعظمهم محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهل نحن نقول: لا إله إلا الله، محمد عظيم، عليه الصلاة والسلام؟! ونشهد أن محمداً عبقري، وأنه أعظم مائة عرفهم التاريخ؟! وهل عظمة النبي عليه السلام وعبقريته محل خلاف؟! كل محور الخلاف هو: هل هو نبي يُوحى إليه أم لا؟! هذا هو جوهر القضية، فكل إنسان مهما نطق بمعسول من القول ولم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فهو من أعداء الله وأعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو باقٍ في الكفر، صحيحٌ أنه أحياناً ينفع الاستدلال بهذا الكلام؛ لكن أقول: الناس تجازف وتغالي في المدح والثناء في حين أنه ينطبق عليه هذه الآية، فهو حينما يمدح الإسلام فهو يقرر أمراً واقعياً، فهذا دين الله عز وجل وليس مذهباً أرضياً ولا مذهباً فكرياً، بل هذا نظام إلهي ووحي إلهي. فحينما يفعل كافر شيئاً من هذا أو تسمعون تصريحاً لكافر تذكروا دائماً هذه الآية، خاصة على هذا التفسير. أما الزمخشري فاقتصر على أن المقصود بالآيات -ولا حول ولا قوة إلا بالله!- عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال: روي أن عثمان بن عفان كان يعطي ماله في الخير، فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح -وهو أخوه من الرضاعة- يوشك ألا يبقى لك شيء! فقال عثمان رضي الله عنه: إن لي ذنوباً وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى، وأرجو عفوه. يعني: كأنه لم يستجب لهذا الكلام، كعادة الكريم؛ لأن الكريم لا يستفيد من التجارب، كما يقول البعض: الكريم لا تنفعه التجارب، ولا يستطيع أبداً أن يقاوم الرغبة في البذل والتضحية والإنفاق. فقال عبد الله : أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه، وأمسك عن العطاء، فنزلت الآية: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلَاً وَأَكْدَى [النجم:33-34]، يعني: لم يتم له العطاء. يقول: فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك وأجمل. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: ولا يخفى سقوط هذا القول وبطلانه، وأنه غير لائق بمنصب أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. أي: لا يليق هذا حتى وإن كان يمدح عثمان بالنفقة، لأن السياق يقول: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:35-39]؟! فهذا شيء لا يُقبل في شأن أمير المؤمنين وثالث الخلفاء الراشدين المهديين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، فهذا قول ساقط، ولا يمكن أن يصح.

    تضمن الآيات لسبعة أمور يدل عليها القرآن

    يقول العلامة الشنقيطي : تضمنت هذه الآيات الكريمة سبعة أمور: الأول: إنكار علم الغيب المدلول عليه بـ(الهمزة): ( أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ )، والمقصود نفي علمه بالغيب. الثاني: أن لكل من إبراهيم وموسى صحفاً لم ينبأ بما فيها هذا الكافر. الثالث: أن إبراهيم وفَّى، أي: أتم القيام بالتكاليف التي كلفه ربه بها. الرابع: أن في تلك الصحف: أنه لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى . الخامس: أن فيها أيضاً: أنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى . السادس: أنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى . السابع: أنه يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى، أي: الأكمل والأتم. وهذه الأمور السبعة قد جاءت كلها موضحة في غير هذا الموضع. أما الأول منها -وهو: عدم علمهم بالغيب- فقد ذكره تعالى في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى هنا: (( أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ )). وقال عز وجل أيضاً: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ [القلم:47]. وقال: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدَاً [مريم:78]. وقال: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [آل عمران:179]. وقال: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدَاً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن:26-27]. وقال: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]. الأمر الثاني: أن لكل من إبراهيم وموسى صحفاً لم يُنبأ بما فيها هذا الكافر، ولم يكن هذا المتولي المعطي قليلاً المكدي عالماً بها، قال الله تبارك وتعالى أيضاً: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى:18-19]. وأما الثالث منها -وهو أن إبراهيم وفَّى في تكاليفه- فقد ذكره الله تعالى في قوله: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124] يعني: وفَّى. وقد قدمنا أن الأصح في الكلمات التي ابتلي بها أنها التكاليف. وأما الرابع: وهو أنه لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، فقد قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [العنكبوت:12]. وقال تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)[فاطر:18]. أما الخامس منها -وهو أنه لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى فقد وضحه قوله تعالى: إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا [الإسراء:7]. وقال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحَاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت:46]. وقال: وَمَنْ عَمِلَ صَالِحَاً فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ [الروم:44]. وقوله عز وجل هنا: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) يدل على أن الإنسان لا يستحق أجراً إلا على سعيه بنفسه، ولم تتعرض هذه الآية لانتفاعه بسعي غيره بنفي ولا إثبات. وهذا ما نفصله -إن شاء الله تعالى- فيما سيأتي، والله أعلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007986530

    عدد مرات الحفظ

    720897459