إسلام ويب

شرح كشف الشبهات [6]للشيخ : خالد بن عبد الله المصلح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شبه المشركين المنتسبين إلى الإسلام كثيرة، منها أن كفار قريش كانوا يعبدون الأصنام، وأما هؤلاء فهم يتوسلون إلى أنبياء وأولياء لا إلى جمادات وأصنام، متجاهلين أن دعاءهم لهم هو من العبادة؛ لأن الدعاء إما أن يكون دعاء مسألة أو دعاء عبادة وهما متلازمان وحصول أحدهما يعني بالضرورة حصول الآخر.

    1.   

    شبهة المشركين بأن الكفار قديماً كانوا يدعون الأصنام لا الصالحين

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    [فإن قال: هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟ أم كيف تجعلون الأنبياء أصناماً؟ فجاوبه بما تقدم فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة.

    ولكن أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكره، فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء:57]، ويدعون عيسى ابن مريم وأمه، وقد قال تعالى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [المائدة:75-76] واذكر له قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سـبأ:40-41]، وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ [المائدة:116]، الآية، فقل له: أعرفت أن الله كفر من قصد الأصنام، وكفر من قصد الصالحين وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ].

    هذه هي الشبهة الثانية، وملخصها أن الذين بعث النبي صلى الله عليه وسلم فيهم للإنكار عليهم ومحاربتهم وقتالهم قوم كانوا يعبدون الأصنام، والأصنام لا شبهة في عبادتها؛ ولذلك حاربتهم الرسل، أما هو -أي: المشرك- فيصرف العبادة إلى الملائكة والنبيين والصالحين الذين في عبادتهم نفع، وهو طلب جاههم وشفاعتهم، ففرّق بين الشرك بالأصنام والأحجار وبين الشرك بالملائكة والصالحين.

    قال رحمه الله: (فإن قال: هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام أم كيف تجعلون الأنبياء أصناماً؟ فجاوبه بما تقدم، فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة) ومقصدهم من قولهم: هؤلاء الآيات أي: الآيات التي فيها النهي عن الشرك، والتحذير منه، وبيان عاقبة أهله.

    وقول الشيخ رحمه الله: (فجاوبه بما تقدم) أي: في جوابك عليه في الشبهة الأولى، وملخصه أن المشركين إنما عبدوا من عبدوا لطلب الشفاعة والجاه، فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة، فبهذه الإجابة سقطت عنا الشبهة الأولى.

    الجواب على شبهة المشركين بأن الكفار كانوا يدعون الأصنام لا الصالحين

    ثم أجاب رحمه الله عن الشبهة الثانية فقال: (ولكن أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكر، فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو والأصنام، ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء:57].

    إذاً: القوم الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم وقاتلهم بل وقاتلتهم الرسل جميعاً هم قومٌ وقعوا في الشرك في الصالحين والأصنام وغيرها من أنواع الشرك الذين قال الله فيهم: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء:57]، هذه الآية فيها بيان أن الذين يدعوهم المشركون هم قوم يتعبدون لله سبحانه وتعالى، ويطلبون القربة إليه، وهم الملائكة والأنبياء والصالحون، وقد فسر ابن مسعود رضي الله عنه اسم الإشارة (أولئك) في الآية فقال: الجن، ورجح ذلك الطبري ، وذهب شيخ الإسلام وغيره إلى أن الآية تشمل الجن وغيرهم ممن دعي من الصالحين كالملائكة والنبيين وصالحي الجن، فالآية دالة على أن الذين بُعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعبدون الأصنام والصالحين والأولياء.

    ثم قال رحمه الله: (ويدعون عيسى ابن مريم وأمه، وقد قال تعالى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [المائدة:75-76]، واذكر له قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سـبأ:40-41]، وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ [المائدة:116] ).

    وفي هذا إثبات أن الذين بُعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعبدون الجن والشياطين، ويعبدون أيضاً الملائكة وبعضهم يعبد عيسى ابن مريم.

    ثم قال رحمه الله: (فقل له: أعرفت أن الله كَفَّر من قصد الأصنام، وكَفَّر أيضاً من قصد الصالحين، وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟) لكن المشبه الذي أشرب قلبه حب الشرك يُراوغ، [فإن قال: الكفار يريدون منهم، وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر، لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم. فالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواءٍ، واقرأ عليه قوله تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18]. واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضحها في كتابه، وفهمتها فهماً جيداً فما بعدها أيسر منها].

    قال رحمه الله: (وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار، لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم) ومعنى هذا ملخصاً هو تكرار الخطأ في الشبهة الأولى، وهو ظن أن التوحيد الذي يُنجيه هو إقراره بأنه لا نافع ولا ضار ولا مدبر إلا الله، والإقرار بهذا لا يزيد عن كونه إقراراً بتوحيد الربوبية، ثم إنه فرق بين ما وقع منه وما وقع من المشركين بقوله: (إن المشركين يريدون منهم) ولسان حاله يقول: وأنا أريد بهم؛ لأنه قال: (ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم) فهو يريد بهم، وأولئك يريدون منهم أي: أن الكفار يسألونهم ويطلبونهم جلب المنافع ودفع المضار، وأما هذا فهو يقول: أنا أريد بهم يعني: يتوسل بهم لتحقيق مطلوبه. والفرق بين الشبهة الأولى وبين هذه الشبهة: أنهم في الشبهة الأولى اعتمدوا على الجاه، وفي هذه الشبهة اعتمدوا على الشفاعة، هناك قال: إن الصالحين لهم جاه، وأنا مذنب ليس لي جاه، فهناك نظروا إلى الجاه، وهنا نظروا إلى الشفاعة.

    ثم قال رحمه الله: (فالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواء، فاقرأ عليه قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18])، هذا عين ما وقع فيه المشركون، ومن المشركين من كان يطلب منهم ويقصدهم، ومنهم من كان يطلب بهم، ولا فرق في ميزان الشارع بين أن تطلب به أو تطلب منه، فإن الله سبحانه وتعالى نهى العباد عن جميع صور الشرك وأنواعه.

    ثم قال رحمه الله: (واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم) فأنت إذا تأملت هذه الشبه الثلاث، وكان عندك معرفة بشيء من كتاب الله وشيء من هدي النبي صلى الله عليه وسلم تبددت هذه الشبهات، وصدق عليها قول الشاعر:

    وكل كاسر مكسور

    فليس فيها متعلق، وإنما هؤلاء -كما قيل- يتعلقون بأشعة القمر، فإنهم يبحثون عن أدنى متعلق يبررون به شركهم وما وقعوا فيه من عبادة غير الله، ويعتمدونه في مواقعة ما أشربت قلوبهم من الكفر بالله تعالى والإشراك به، وإلا فمن تدبر كلام الله سبحانه وتعالى يعلم أنه ليس فيها مستمسك، وليس عليها معول

    ثم قال رحمه الله: (فإذا عرفت أن الله وضحها في كتابه وفهمتها فهماً جيداً فما بعدها أيسر منها).

    1.   

    شبهة المشركين بأن دعاء الصالحين ليس عبادة

    ثم بدأ الشيخ في ذكر أنواع من الشبهات هي دون الثلاث الأول، فأول هذه الشبه التي تعتبر فروعاً عما تقدم هي ما قاله رحمه الله:

    [فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله، وهذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة، فقل له: أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة، وهو حقه عليك، فإذا قال: نعم، فقل له: بين لي هذا الذي فرض عليك، وهو إخلاص العبادة لله وحده وهو حقه عليك، فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها فبينها له بقولك: قال الله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55].

    فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة لله؟ فلابد أن يقول لك: نعم، والدعاء مخ العبادة، فقل له: إذا أقررت أنه عبادة لله، ودعوت الله ليلاً ونهاراً خوفاً وطمعاً، ثم دعوت في تلك الحاجة نبياً أو غيره هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلابد أن يقول: نعم، فقل له: فإذا عملت بقول الله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2] وأطعت الله ونحرت له هل هذا عبادة؟ فلابد أن يقول: نعم، فقل له: فإذا نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلابد أن يقر ويقول: نعم، وقل له أيضاً: المشركون الذين نزل فيهم القرآن، هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك، وإلا فهم مقرون أنهم عبيد الله وتحت قهره، وأن الله هو الذي يدبر الأمر ولكن دعوهم، والتجئوا إليهم للجاه والشفاعة، وهذا ظاهر جدّاً].

    الجواب على شبهة المشركين بأن دعاء الصالحين ليس عبادة

    قال رحمه الله: فإن قال: (أنا لا أعبد إلا الله، وهذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة) الشبهة هي قوله: أنا ألتجئ إليهم، والالتجاء والدعاء ليس عبادة فمناقشتهم ستكون كما يلي:

    قال رحمه الله: (فقل له: أنت تقر أن الله افترض عليك إخلاص العبادة وهو حقه عليك) أما دلالة هذا فلا أظن أحداً يؤمن بالله ورسوله ينكر أن الله افترض عليه إخلاص العبادة؛ لأن الله نص في كتابه فقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، وأما كون إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى حقه فكما تقدم معنا في حديث معاذ : (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً) فهي أمره وحقه سبحانه وتعالى.

    ثم قال رحمه الله: (فإذا قال: نعم. فقل له: بيِّن لي هذا الذي فُرض عليك وهو إخلاص العبادة لله وحده، وهو حقه عليك، فإنه لا يعرف العبادة ولا أنواعها) لا شك أن الذي يقول: إن دعاء غير الله سبحانه وتعالى ليس عبادة لا يعرف العبادة ولا أنواعها؛ ولذلك لم يترك له رحمه الله مجالاً للجواب فقال: (فإنه لا يعرف العبادة ولا أنواعها).

    بيان أن الدعاء هو العبادة

    ثم قال رحمه الله: (فبينها له بقولك: قال الله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55]) بينها له بما أنكر أنه عبادة، فإنه أنكر أن الدعاء عبادة، ونحن قد تقدم لنا ضابط العبادة فقلنا: العبادة هي كل ما أمر الله به ورسوله. انظر إلى هذه الآية، قال الله جل ذكره: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً وهذا فيه الأمر بالدعاء، فثبت بهذا أن الدعاء عبادة.

    واعلم -بارك الله فيك- أن الدعاء في القرآن يرد تارة ويراد به دعاء المسألة، ويرد تارة ويراد به دعاء العبادة، وهما متلازمان، فإذا ورد في موضع دعاء العبادة فإنه يتضمن دعاء المسألة، وإذا ورد في موضع دعاء المسألة فإنه يستلزم دعاء العبادة؛ ولذلك فسر كثير من أهل العلم الدعاء هنا بدعاء المسألة، وقال بعضهم: إن المراد هنا دعاء العبادة، ولا ضير إذ أن كلاً منهما يشمل أو يستلزم الآخر: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) فأمر الله سبحانه وتعالى بدعائه تضرعاً وانكساراً وخفيةً دون الجهر من القول.

    ثم قال رحمه الله: (فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة لله؟ فلابد أن يقول: نعم.) لماذا لابد أن يقول: نعم؟ لأن العبادة هي كل ما أمر الله به ورسوله، وهذا أمر ظاهر لا إشكال فيه، ونحن نقول: كل ما أمر الله به ورسوله يشمل أمر الإيجاب وأمر الاستحباب.

    ثم قال رحمه الله: (والدعاء مخ العبادة) هذا أيضاً في الاستدلال على أن الدعاء عبادة، وهذا الحديث رواه الترمذي وفيه ضعف، وأصح منه ما رواه الترمذي أيضاً بسند جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدعاء هو العبادة)، ففسر النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء بالعبادة، وهذا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة، فأما دعاء المسألة فهو: طلب جلب النفع أو كشف الضر أو دفعه، وأما دعاء العبادة فهو يشمل كل قربة يتقرب بها العبد إلى الله سبحانه وتعالى من صلاة أو زكاة أو حج أو صدقة أو غير ذلك من أنواع العبادات، فدعاء العبادة شامل لكل ما أمر الله سبحانه وتعالى به، وأما دعاء المسألة فهو طلب فعل الخير من الله سبحانه وتعالى أو دفعه.

    ثم قال رحمه الله: (فقل له: إذا أقررت أنه عبادة، ودعوت الله ليلاً ونهاراً خوفاً وطمعاً ثم دعوت في تلك الحاجة نبياً أو غيره هل أشركت في عبادة الله غيره؟) فلا شك أنه سيقول: نعم، إذ أنه صرف العبادة لغير الله، فمن دعا نبياً أو ولياً أو ملكاً أو جنياً فإنه قد صرف نوعاً من العبادة لغير الله، وهذا هو الشرك الذي جاءت الرسل بالنهي عنه والدعوة إلى تركه والتخلي عنه.

    ثم قال رحمه الله: (فلابد أن يقول: نعم. فقل له: فإذا عملت بقول الله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2]، وأطعت الله ونحرت له هل هذا عبادة؟ فلابد أن يقول: نعم. فقل له: فإذا نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلابد أن يقر ويقول: نعم) وهذا استدلال بما هو أظهر وأوضح؛ لأنه يناقش في مسألة الدعاء، فبعد أن قررنا أن الدعاء عبادة وأن صرفه لغير الله شرك قطعاً للمنازعة وقطعاً للإيراد، ضربنا في ذلك مثلاً واضحاً وهو الذبح، فإن الله سبحانه وتعالى قد أمر بالذبح له دون غيره فقال: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2] فإذا عملت هذا، وأطعت الله وذبحت له، أليس هذا عبادة؟ فسيقول: بلى هذه عبادة، فقل له: فإذا نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلابد أن يقر ويقول: نعم، وإلا فإذا كابر وقال: لا، فلا معنى للشرك إذا لم يكن هذا هو الشرك؟ ولذلك فلابد أن يُقر ويقول: نعم.

    ثم قال رحمه الله: (وقل له أيضاً: المشركون الذين نزل فيهم القرآن هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلابد أن يقول: نعم) لأننا قد أجبنا على شبهته وبينا له من كتاب الله وسنة رسوله أن المشركين الذين نزل فيهم القرآن كانوا يعبدون الملائكة، وكان منهم من يعبد الجن، وكان منهم من يعبد الصالحين وغير ذلك. وهذا هو الجواب على الشبهة الثانية.

    ثم قال رحمه الله: (فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك؟) لم تكن عبادتهم في غير ذلك، إنما كانت عبادتهم في هذه الأشياء، (وإلا فهم مقرون أنهم عبيد الله وتحت قهره) ولذلك كان إذا وجه لهم السؤال: من يملك ويدبر ويخلق ويرزق؟ كانوا يقولون: الله.

    ثم قال رحمه الله: (وأن الله هو الذي يدبر الأمر، ولكن دعوهم والتجئوا إليهم للجاه والشفاعة، وهذا ظاهر جداً) وليس بعد هذا الجواب جواب، فهو أظهر جواب في الرد على هذا المُلبِّس أو المُلبَّس عليه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016624238

    عدد مرات الحفظ

    723833548