إسلام ويب

شرح الورقات [11] - النسخللشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • النسخ مصطلح ورد ذكره في القرآن الكريم واستعمله الصحابة الكرام، إلا أن استعمالهم لهذا المصطلح يعتبر أوسع من استعمال علماء الأصول له، ولذلك اختلفوا في بيان حقيقة النسخ، وذكروا له أقساماً من حيث الناسخ، ومن حيث المنسوخ، ومما اختلفوا فيه نسخ السنة للكتاب، ونسخ الآحاد للمتواتر، وذكروا لذلك أمثلة اختلف علماء الأصول في توجيهها

    1.   

    تعريف النسخ وحقيقة خلاف الأصوليين فيه

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وآله وأصحابه أجمعين.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأما النسخ فمعناه لغة: الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، أي: أزالته، وقيل: معناه: النقل، من قولهم: نسخت ما في هذا الكتاب، أي: نقلته.

    وحده: هو الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم، على وجه لولاه لكان ثابتاً، مع تراخيه عنه.

    ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم ].

    قوله رحمه الله تعالى: (وأما النسخ فهو الإزالة) هذا معناه في اللغة، وقيل: النقل، والنسخ اسم ذكر في القرآن كما في قول الله تعالى: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة:106]، وعلماء الأصول تكلموا في الناسخ والمنسوخ، وتكلم فيه أيضاً أهل علوم القرآن، لكن عناية أهل الأصول في مسائل النسخ من جهة حد النسخ، ومن جهة الأوجه التي يقع عليها النسخ، وهي التي أجمل أبو المعالي رحمه الله ذكرها في هذه الرسالة، والنسخ هو: رفع الحكم الثابت بدليل متأخر عنه -أي: متراخ عنه- لولا هذا التراخي لكان ثابتاً، واستعمل الصحابة رضي الله عنهم هذا الاسم؛ لأن أصله في القرآن -كما ذكرنا- وإن كان استعمال الصحابة لاسم النسخ أوسع من الاستعمال الاصطلاحي عند الأصوليين؛ لأن جمهور أهل الأصول ولا سيما نظار الأصوليين ميزوا بين النسخ وبين التخصيص، مع أن التخصيص -تخصيص العام- يدخل على أنه وجه من النسخ من هذا الاعتبار في الحد، أي: عند اعتبار رفع الحكم بدليل متراخ لولاه لكان ثابتاً. فإن العام قبل التخصيص كان جميع أفراده متصلة بهذا الحكم، أي: المقول في النص العام، فلما جاء التخصيص خرج بعض أفراد العام، وهذا هو حقيقة التخصيص، فيجعل بعضهم إخراج بعض أفراد العام نسخاً لبعض أفراده، وبعضهم لا يجعله نسخاً.

    وعلى كل حال هذا اصطلاح، لكن في ظاهر كلام بعض المتقدمين أنهم سموا هذا نسخاً، وما أرادوا به النسخ على معنى النسخ عند نظار الأصوليين، إنما أرادوا به وجهاً من التخصيص، كما قال ابن عباس : هذه الآية نسخت هذه الآية. ما أراد النسخ على معناه الأصولي عند نظار الأصوليين، إنما أراد أن هذه الآية خصصت هذه الآية، فالنسخ من حيث الجملة ثابت باتفاق أهل الأصول، وإن كانوا مختلفين في حقيقته.

    والخلاف الذي يهم هنا هو الطرف الأخير أو النتيجة فيه، أما الطرف الأول أو بعض المقدمات فهذه مبنية على خلاف في علم النظر وعلم الكلام بين المعتزلة وجمهور المتكلمين في حقيقة النسخ، فهم كلهم يقولون بالنسخ، لكن اختلفوا في حقيقته فقط، وهذا الخلاف مبني على مقدمة وهي: هل لله سبحانه أحكام معينة في كل المسائل؟ أو إنما يكون هناك اجتهاد ويكون هو الحكم؟ هذه أيضاً مسألة متصلة بهذه المقدمة التي هي محل خلاف، وسنتحدث عن هذا لاحقاً بشكل أوسع عند التحرير لبعض المسائل الأصولية حتى يكون هناك لدى طالب العلم القدرة على التحرير في كتب الأصوليين والمقارنة وما إلى ذلك، ويبقى الشرح لأفراد المسائل على المتون المعروفة.

    1.   

    أقسام النسخ من حيث المنسوخ

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم ].

    قوله: (ويجوز نسخ الرسم) أي: اللفظ (وبقاء الحكم)، فيكون اللفظ منسوخاً والحكم باقياً.

    قال رحمه الله تعالى: [ ونسخ الحكم وبقاء الرسم ].

    أي: ويجوز نسخ الحكم وبقاء الرسم، ومما يذكرونه فيما نسخ رسمه وبقي حكمه: الرجم. ولهذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: (لا يقولن أحد: لا نجد الرجم في كتاب الله). فهذا نسخ رسمه لما ذكره عمر رضي الله عنه وغيره، وثبت في فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فهو ثابت بالسنة.

    ويذكرون له أمثله أخرى، كأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء مما مست النار، فهذا الحديث روي لكنه منسوخ بحديث جابر: ( كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار )، وبعضهم يجعل منه قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [النساء:43] على معنى أن الآية تدل على اعتبار التحريم حال الصلاة، وأن هذا نسخ بعموم تحريم الخمر، في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90]، فهل هذا يكون شاهداً مناسباً أم لا؟ هذا محل نظر، لكن على كل حال يقع هذا دون هذا، أو هذا دون هذا.

    قال المصنف رحمه الله: [ والنسخ إلى بدل وإلى غير بدل، وإلى ما هو أغلظ، وإلى ما هو أخف ].

    قوله: (والنسخ إلى بدل) أي: إلى حكم آخر أو يعود إلى الأصل، وقوله: (إلى غير بدل) (إلى) يعود إلى الأصل.

    1.   

    أقسام النسخ من حيث الناسخ

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب ].

    هذا التقسيم من حيث الناسخ، والتقسيم الأول من حيث المنسوخ، فما هو الناسخ؟

    الناسخ يكون بين النصوص إما نصوص الكتاب أو السنة، فالمصنف ذكر القسم الأول بقوله: (ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب) أي: القرآن بالقرآن.

    قال المصنف رحمه الله: [ ونسخ السنة بالكتاب ونسخ السنة بالسنة ].

    أي: ويجوز نسخ السنة بالكتاب، فيكون القرآن -الكتاب- ناسخاً لما هو من السنة، وكذلك نسخ السنة بالسنة، فهذه ثلاثة أوجه مقرةِ في علم الأصول في الجملة.

    وأما القسم الرابع وهو الذي تركوا القول فيه، وهو أن تكون السنة ناسخة للكتاب، فهذا محل خلاف، فالجمهور يتركونه، ولكن هذا الخلاف عند التحقيق يعتبر نظرياً؛ لأنه لم يثبت له شاهد صحيح أن السنة نسخت ما هو من القرآن، وكل ما جاء في هذا أو ذكروه مثالاً فهو عند التحقيق من باب التخصيص أو التقييد أو ما إلى ذلك.

    1.   

    نسخ المتواتر بالمتواتر

    قال المصنف رحمه الله: [ ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر، ونسخ الآحاد بالآحاد وبالمتواتر، ولا يجوز نسخ المتواتر بالآحاد ].

    إذاً: الأقسام الثلاثة في الناسخ وفي صفته مقرة عند العامة من أهل الأصول، نسخ الكتاب بالكتاب، نسخ السنة بالكتاب، نسخ السنة بالسنة.

    أما القسم الرابع فهو الذي تركه جمهورهم وأثبته بعضهم، لكن عند التحقيق لا شاهد له، وهو أن تكون السنة ناسخة للكتاب.

    وكذلك في صفة الناسخ من حيث التواتر والآحاد، فيجوز نسخ المتواتر للمتواتر، هذا قسم، كأن نقول: الآية نسخت آية أخرى، وكل القرآن متواتر، فينسخ المتواتر بالمتواتر على معنى المتواتر عند علماء النظر، وهو: ما يقتضي قطعاً، بخلاف الآحاد فإنه يقتضي ظناً، ولا يفيد علماً عند جمهور النظار، ونسخ الآحاد بالمتواتر ونسخ الآحاد بالآحاد هذا أيضاً يقع.

    1.   

    نسخ الآحاد للمتواتر

    أما الرابع فهو من جنس القسم الرابع السابق في تركه، وهو أن يكون الآحاد ناسخاً للمتواتر، فهذا يمنعه جمهور أهل الأصول، ويأتي أحياناً بعض المتجردين من علم الكلام وعلم النظر فيريد أن يصحح ذلك، وأن الحديث إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نسخ -ولو كان آحاداً- ما يقدر أنه متواتر، ويرى أن هذا أحرى بالتحقيق، والذي يظهر أن طريقة النظار فيها قدر من الزيادة، وهذه الطريقة فيها قدر من الزيادة، فأين الزيادة هنا، وأين الزيادة هنا؟

    أما الزيادة في طريقة النظار فهي أنهم فرضوا هذه المسألة كما لو أن لها شواهد من الشريعة، وكما لو أن جملة آحاد نسخت متواتراً من السنة، أو ما هو من القرآن وكله متواتر.

    وأما الزيادة في الطريقة الثانية: فإنها نفس الزيادة التي وقعت في هذه الطريقة، فقدّروا أن هذا مما يقع وجعلوا له شواهد ينازع أهل الكلام وأهل النظر فيها، وأولئك زادوا من حيث فرض المسألة عن النظار، وهؤلاء زادوا من حيث تقدير وقوع المسألة، المتكلمون زيادتهم في فرض المسألة، وهؤلاء زيادتهم في وقوع المسألة، والتحقيق: أن المسألة لا تقع، بمعنى: أنه لم يقع أن متواتراً في السنة نسخه آحاد، هذا ليس له مثال منضبط، قد يكون أكثر استفاضة منه لكنه لا يصل إلى حد التواتر والآحاد على ما يعرفونه.

    1.   

    نسخ الحديث الأكثر استفاضة بما هو دونه

    ولهذا فإن ما يكون الناسخ أقل استفاضة من المنسوخ نجد له مثالاً، لكنه لا يصل إلى رتبة التواتر والآحاد على حد علماء النظر للمتواتر؛ لأنه حد ضيق - كما هو معروف- وهو ما رواه جماعة عن جماعة إلى آخره، لكن أن تقول: إن هذا حديث أكثر استفاضة ونسخه ما هو أدنى منه استفاضة مع تحقيق ثبوتهما، فهل هذا يقع في الشريعة أم لا؟ الراجح: أنه يقع، وهذا لا إشكال فيه، ومن مثاله وشاهده ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس و أبي سعيد وغيرهما ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لوفد عبد القيس لما سألوه عن الإيمان قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمساً من المغنم. قال: ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت والمقير ) هذه أوعية نهى الشارع عنها في حديث ابن عباس وحديث أبي سعيد وغيرهما، ففي حديثها استفاضة، لكن لو طبقت عليه حد التواتر عند علماء الكلام ما سموه متواتراً؛ لأنه يرويه هؤلاء الأفراد من الصحابة فلم ينتظم على حد التواتر المقول في علم النظر، فهذه الأحاديث الصحاح: ( ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت والمقير ) ، جاء في حديث بريدة في صحيح مسلم وهو أدنى استفاضة من هذه الأحاديث -أحاديث النهي- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كنت نهيتكم عن الظروف، وإن الظروف لا تحل شيئاً ولا تحرمه، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكراً) هذا ظاهره أنه ناسخ لحديث: ( ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت والمقير )، وفي رواية: ( والنقير )، أي: المنقور، كلها أوعية يسرع إليها الإسكار، أي: يكون التفاعل فيها فيسرع الإسكار إلى ما كان نبيذاً أو نحوه؛ ولهذا قال لهم في حديث بريدة : ( كنت نهيتكم عن الظروف )، أي: ظروف معينة، حكم الشارع فيها أنه يسرع إليها الإسكار، قال: ( وإن الظروف لا تحل شيئاً ولا تحرمه، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكراً ) فهل هذا نسخ، أو ليس نسخاً؟ هذا محل خلاف بين الفقهاء، فمنهم من جعل حديث ابن عباس وأبي سعيد منسوخاً بحديث بريدة ، ومنهم من لم يجعله منسوخاً، وهذه طريقة طائفة من الأئمة لا يرون ذلك منسوخاً، ويجعلون ما جاء في حديث بريدة تخفيفاً وليس نسخاً، ويبقى هذا على مادة النهي، فهذا على كل حال مورد يقع تقديره في الشريعة، أما أنه متواتر بمعنى التواتر عند علماء النظر وينسخه آحاد فهذا لا وقوع له كمثال مقدر يصح اعتباره.

    وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وآله وأصحابه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    3038269177

    عدد مرات الحفظ

    728599770