إسلام ويب

والمستغفرين بالأسحارللشيخ : عبيد بن سالم العمري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يبين الشيخ حفظه الله في هذه المادة أن قيام الليل شريعة ربانية، وسنة محكمة نبوية، ومدرسة تربوية إيمانية. إن قيام الليل شمعة كادت أن تخبو في زماننا هذا، لذا سرد الشيخ العديد من قصص السلف الصالح مع قيام الليل؛ علها توقظ العزيمة، وتجعل الناس يُقبلون على إحياء تلك الشعيرة. كما تحدث عن الوسائل التي تعين على قيام الليل.

    1.   

    أسباب الحديث عن قيام الليل

    حمد ربنا الكريم المتعال أحلى ما سجعت به بلابل الأقلام، وأغلى ما انتظمت فيه عقود البلاغة والانسجام بالكمال والإنعام.

    أحمده ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صاحب العز الذي لا يرام، والملك الذي لا يضام، كل خلقه يَفْنَى، وهو المتفرد بالبقاء والدوام، وكل خلقه يغفل ويسهو، وهو صاحب العين التي لا تنام.

    وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير الأنام، أزكى من صلى وصام، وحج وطاف بالبيت الحرام، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم النشور والمقام.

    أما بعد:

    إخواني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    في هذه الليلة المباركة نجتمع سوياً في هذا المسجد الطيب، مسجد الهرساني بـطيبة الطَّيِّبة؛ لنتذاكر حول موضوع طالما تشوقنا إليه، وأحببنا طرحه، ألا وهو موضوع قيام الليل.

    هذا الموضوع بساطٌ من بُسُطِ العلم والمذاكرة، ومائدةٌ من موائد الخير والمداركة.

    وسنتكلم إن شاء الله فيه حول نقطتين أو بابين:

    أما الأول: فإننا سنذكر على مسامعكم: نُتَفاً من فضائل قيام الليل، وشيئاً من أخبار أهله وذويه، عسى النفوس أن تشتاق وتتهيأ، وضمَمْنا إلى ذلك أعذب الشعر وأبلغه؛ لأنه مُهَيِّجُ النفوسِ إلى الخير.

    وأما الثاني من الأبواب التي سنتكلم عنها ونطرقها بالحديث، فهي: الأمور التي تسهل وتعين على قيام الليل، وما هي الطريقة لتربية النفس على هذه العبادة العظيمة.

    ونأمل غاية ما نأمل أن تجد هذه الكلمات منا جميعاً أُذُناً صاغية، وقَلْباً واعياً، وأن تؤثر في المتحدِّث قبل السامع، وأن تكون عوناً للجميع على أن يسابقوا في هذا الميدان، وأن يفوزوا برضا الرحمن تبارك وتعالى.

    أحبة الخير: لِأَهل الليل بين يدي ربهم ومولاهم دموعٌ وعَبَراتٌ وابتهالاتٌ، وتضرعاتٌ، وندمٌ على التفريط في الزلات، واستغفارٌ مِن التقصير والخطيئات، وافتقارٌ إلى فاطر الأرض والسماوات، آهاتٌ .. وزفراتٌ .. ونفثات!

    فتعالوا بنا جميعاً لنرحل إلى تلك القمم السامقات، ونسمعَ شيئاً من أخبارهم التي تتحرك لها الجبال الراسيات!

    أتاك حديث لا يُمَل سماعُهُ     شهيٌّ إلينا نثرُه ونظامُهُ

    إذا ذَكَرَتْه النفسُ زال عناؤهـا     وزال عن القلب المُعَنَّى قَتامُهُ

    إخواني: لماذا لا نتكلم عن قيام الليل؟

    أليس هو تلك الشريعة الربانية، والسنة المحكمة النبوية، وتلك هي خصال المدرسة السلفية؟ إنها مدرسة تربوية إيمانية!

    أليس هو تلك العبادة التي هي خلوة برب البرية؟ فيها سعادة نفسية، وفيها قوة بدنية، وأشواق تهيج إلى الجنان العلية!

    إن قيام الليل -يا إخوة الإسلام- شمعةٌ كادت أن تذوي وتنطفئ، وإن عُبَّاد الليل الذين كانوا يعمُرون الزمان والأمصار قد قلوا في هذا الزمان، فأين رهبان الليل، وفرسان النهار؟! وأين قُرَّاء القرآن بالتدبر والادِّكار؟! وأين المستغفرون بالأسحار؟! وأين مَن يسكبون العبرات في ظُلَم الليالي على ما اجترحوا من الذنوب والأوزار؟!

    وقد كانوا إذا عُدوا قليلاً     فقد صاروا أقلَّ من القليلِ

    جاء عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: [أول ما ينقص من العبادة التهجد بالليل، ورفعُ الصوت بالقراءة].

    فها هي محاولة وإسهام في التذكرة بهذه الشعيرة العظيمة، جمعتُ فيها بعض طرائف الكلام، وسِيَر السلف الكرام، وحَمَّلتُ ذلك من الأحاديث أصحها، ومن الأشعار أعذبها.

    وقد تطرَّق لهذا الموضوع -بكتُب مستقلة- كثيرٌ من العلماء والفضلاء!

    فهذا المروزي في كتابه قيام الليل قد أتى فيه بالعجائب والغرائب، وكذلك أخونا العفاني في كتابه رهبان الليل أتى فيه بشيء يشوق النفس، ثم جاء أخونا الصيعري في كتاب له بعنوان: كيف تتحمس لقيام الليل ؟ فأتى بما لا نرى مزيداً عليه، وقد استفدت منه كثيراً في هذه المحاضرة الطيبة.

    1.   

    الترغيب في قيام الليل

    إخواني: رغَّب نبينا صلى الله عليه وسلم كثيراً وكثيراً في قيام الليل، فهاكمُ بعض الأحاديث التي جاءت تحث على قيام الليل:

    جاء عن بلال رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء من الجسد) رواه الترمذي وصححه الحاكم .

    فيا من تقاعس مع المتقاعسين، ورقد مع الراقدين! هيا بنا نتجول في وادي المتهجدين بالليل، فننتقل بين أنَّات المذنبين، وتسبيحات المتهجدين، وتضرعات السائلين.

    إن لقيام الليل -عباد الله- لذة وحلاوة، وأنس وبهجة، ومن ذاق عرف.

    قلت لليل هل لجوفك سرٌّ     عامرٌ بالحديث والأسرارِ

    قال: لم ألق في حياتي حديثاً     كحديث الأحباب في الأسحارِ!

    قال يزيد الرقاشي رحمه الله: ما أعلم شيئاً أقر لعيون العابدين في الدنيا مِن التهجد في ظلمة الليل.

    وقال ثابت البناني رحمه الله: [ما شيءٌ أجده في قلبي ألذ عندي من قيام الليل].

    كانوا يفرحون به، ويتلذذون به!

    ولذلك جاء عن بعض الصالحين أنه قال: ما أحزنني أمرٌ منذ أربعين سنة إلا طلوع الفجر.

    كان عمر بن المنكدر يصلي مِن الليل، فتقول له أمه: [إني لأشتهي أن أراك نائماً، فيقول لها: يا أماه! والله إن الليل لَيَرِدُ علي فيهولني، فينقضي وما قضيتُ إِرْبِي منه].

    بكى الباكون للرحمن ليلاً     وباتوا دمعهم لا يسأمونا

    بقـاع الأرض من شوق إليهم     تَحِنُّ متى عليها يسجدونا!

    إخواني: أنا أسألكم: كيف لا تتم اللذة؟! وكيف لا يكمل الابتهاج والأنس، والإنسان يخلو عن الخلق إلى الخالق؟! فيتذكر قول ربه تبارك وتعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء:217-220].

    إخواني: إن الله تبارك وتعالى يعجَب من عبده إذا قام يصلي بالليل، ويباهي بعبده ملائكته!

    وقد جاء عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عَجِب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحِبِّه إلى صلاته، فيقول الله عز وجل: أيا ملائكتي! انظروا إلى عبدي، ثار عن فراشه ووطائه من بين حِبِّه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي، وإذا عَجِبَ ربك من أحد رضي عليه وأرضاه) .

    إن قيام الليل مدرسة يتعلم فيها الإنسان المبادئ والقيم والمُثُل، التي ينبغي أن يكون عليها المسلم!

    قال الأستاذ وليد الأعظمي في ذلك:

    يا ليل قيامك مدرسةٌ     فيها القرآن يُدَرِّسني

    معنى الإخلاص فـألزمه     نهجاً بالجنة يُجلِسني

    ويبصرني كيف الدنيا     بالأمل الكاذب تغمرني

    فأشد القلب بخـالقه     والذكر الدائم يحرسني

    1.   

    رهبان الليل وأخبارهم

    أمة الإسلام: إن مما يهيِّج على قيام الليل: أن نتذكر اجتهاد خير البرية في قيام الليل!

    النبي صلى الله عليه وسلم وقيام الليل

    فهذه عائشة رضي الله عنها تقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام يصلي قام حتى تتفطر رجلاه، فقلت: يا رسول الله! أتصنع هذا وقد غُفِر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: يا عائشة ! أفلا أكون عبداً شكوراً؟!) متفق عليه.

    إنه تصوير للمشهد الرباني الذي يقول الله فيه: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً [الفرقان:64]، فصـلوات ربي وسلامه عليه، كان يعمل بالقرآن، كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18].

    وما أعذب شعر ابن القيم رحمه الله، فتعالوا لننظر إليه يوم أن يصف القائمين فيقول:

    القانتون المخبتون لربهم     الناطقون بأصدق الأقوالِ

    يحيون ليلهم بطاعة ربهم     بتلاوة وتضرع وسؤالِ

    وعيونهم تجري بفيض دموعهم     مثل انهمال الوابل الهطَّالِ

    في الليل رهبان وعند جهادهم     لعدوهم مِن أشجع الأبطالِ

    بوجوههم أثر السجود لـربهم     وبها أشعةُ نوره المتلالي

    قالت عائشة يوماً لـعبد الله بن أبي قيس : [لا تدع قيام الليل، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعداً] رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة.

    الصحابة وقيام الليل

    أمة الإسلام: ولما أدرك الصحابة والأئمة، والسابقون مثل هذا المعنى، كانوا يصورون لنا أروع الأمثلة في المحافظة على قيام الليل!

    فهذا الكُنَيِّف المملوء علماً ابن مسعود رضي الله عنه كان إذا هدأت العيون قام يصلي من الليل، وله دَوِي كدوي النحل.

    أما ابن عمر الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم العبد عبد الله لو كان يقوم من الليل!) كـان يقول: [يا نافع ! أأسحرنا؟ فيقول: لا. فيعاود الصلاة، فإذا قال: نعم. قعد ابن عمر يستغفر الله حتى يصبح] لأن له لذة لا تساويها لذة.

    والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت     إلا وحُبك مقرون بأنفاسي

    ولا جلستُ إلى قوم أحـدثهم     إلا وأنت حديثي بين جلاسي

    وهذا ابن عباس رضي الله عنه كان ابن عشر سنين، فجاء إلى بيت خالته ميمونة، ودخل ونام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قام يصلي من الليل قام ابن عباس فصلَّى إلى جنبه، فكان إذا أغفى أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذنه يفتلها، صلى وهو ابن عشر سنين، فما زال مواظباً على قيام الليل حتى لقي ربه.

    كان النبي صلى الله عليه وسلم يفرح إذا ما وقعت عيناه على رجل من أصحابه يقوم الليل، تقول عائشة رضي الله عنه: (تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فسمع صوت قارئ يقرأ، فقال: يا عائشة ! أصوت عباد بن بشر هذا؟ فقالت: نعم. فقال: اللهم اغفر له، اللهم ارحم عباد بن بشرعباد هذا له قصة في غاية الطرافة والروعة، فأرعها سمعك يا عبد الله!

    خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فانتُدب للحراسة هو وآخر، فلما قام يحرس أخذ يصلي في ظلام الليل، فجاء رجل من المشركين فلما رأى شخصَه عرف أنه حارس القوم، فرماه بسهم فوقع فيه، فنزعه عباد ومضى في صلاته حتى رماه بثلاثة أسهم، ثم ركع عباد وسجد، وأيقظ صاحبه فهرب المشرك، فقال له صاحبه: [ألا أيقظتني أول ما رمى؟ فقال: لقد كنتُ في سورة أقرؤها، فلم أحب أن أقطعها، والله لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراسته وإلا لَذَهَبَت روحي أو أكمل السورة] رواه أبو داود .

    لا إله إلا الله! ما أعظم هذا الإيمان! جسد يَتَقَطَّع، وسورةٌ لا تُقْطَع!

    همم الأبرار تحيي الرِّمَما     نفحة الأبرار تحيي الأمَما

    أئمة الإسلام وقيام الليل

    أمة الإسلام: وعلى ذلك درج الأئمة، ولهم في ذلك أخبار وأخبار!

    قال أزهر بن ثابت التغلبي رحمه الله: كان أبي من القوامين لله في سواد هذا الليل، فقال أبي ذات مرة: رأيت في منامي امرأة لا تشبه نساء الدنيا، فقلت لها: من أنتِ؟

    فقالت: أنا حورية من الحور العين.

    فقلت لها: زوجيني من نفسك.

    فقالت: اخطبني إلى سيدي وأمهرني.

    فقلت: ما مهرك؟

    قالت: طول التهجد بالليل.

    كان أحدهم يدَّعي أنه يخطب الحور، فنام ليلةًَ عن ورده من الليل، فجاءته حوراء تقول له في المنام:

    أتطلب مِثْلي وعَنِّي تنامُ     ونومُ المحبين عنَّا حرامُ

    لِأَنَّا خُلِقْنا لكل امرئٍِ     كثيرِ الصلاة بَراهُ القيامُ

    أمة الإسلام: إن مَن تأمل وتشوَّق إلى الجنة سَهُل عليه قيام الليل!

    انظروا إلى أبي إسحاق السبيعي، كان كبير السن، رقيق العظم، قد كثر فيه الشيب، يقول لأصحابه: إني لا أقدر أن أقوم، فيقيمونه حتى يستتم قائماً، فإذا استتم قائماً لم يركع حتى يقرأ ألف آية، لا إله إلا الله! وكان ربما قرأ أحياناً بسورة البقرة في ركعة واحدة.

    إنهم كانوا يتعبون؛ ولكنهم يعلمون بأن الميدان ميدان سباق، فهذه امرأة مسروق الأجدع تقول: ما كانتْ ليلة من الليالي يصبح فيها إلا وساقاه منتفختان من طول القيام، لا إله إلا الله!

    حتى في سفرهم، حتى في ضجرهم ما كانوا يتركون قيام الليل مثلنا.

    هذا طاوس بن كيسان شيخ التابعين، كان في سفر للحج في قافلة، فاعترض القافلة أَسَدٌ، فدك الناس بعضُهم بعضاً، فلما كان السَّحر ذهب الأسد، فألقى الناس بأنفسهم يميناً وشمالاً وناموا، وقام طاوس بن كيسان يصلي، فقال له رجل: [ألا تنام فقد أضنيت طوال الليل؟ فقال: سبحان الله! وهل ينام أحد في السحر؟!].

    إخواني: إنهم كانوا يجاهدون النفس، ويبذلون النفيس حتى يُحْيُوا هذا الليل بالصلاة والعبادة!

    يقول معمر بن راشد: كان إلى جانبي سليمان التيمي بعد صلاة العشاء، فقام يصلي، واستفتح سورة تبارك، فقرأ حتى بلغ قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الملك:27]، فجعل يرددها حتى خَفَّ الناس، فذهبتُ إلى منزلي، فلما جئت لأؤذن لصلاة الفجر فإذا هو قائم يردد: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الملك:27]، قام الليلة كلها بآية يرددها ويتأمل ما فيها، ويحرك القلب؛ لأن القلب إذا حُرِّك بالقرآن تحرك.

    وأعجب من هذا ما روي أن أبا سليمان الداراني كان يقول: ربما أقوم خمس ليالٍ متواليات بآية واحدة، أرددها حتى أصبح، وأطالب نفسي بالعمل بها، ولولا أن الله تعالى يَمُنُّ علي بالغفلة لما تعديت الآية الواحدة طوال عمري؛ لأن لي في كل تدبر علماً جديداً، والقرآن لا تنقضي عجائبه.

    هذه أخبارهم، وهذا حالهم يا سائلي عن حالهم!

    أرأيتم -يا إخواني- كيف أن البَوْن بيننا وبينهم شاسع.

    كرر عليَّ حديثهم يا حـادي     فحديثهم يجلو الفؤادَ الصادي

    هذه -أيها الحبيب- قطرة من بحر، وزهرة من بستان، ونفحة من شذا عبيرهم وشذاهم، وفي الجعبة الكثير والكثير والكثير من ذلك؛ ولكن أين السائر إلى ديارهم والسالك؟!

    امنع جفونك أن تذوق منامـا     وذر الدموع على الخدود سجاما

    واعلم بأنك ميتٌ ومحـاسبٌ     يا من على سخط الجليل أقاما

    لله قوم أخلصوا في حُبه     فرضي بهم واختصهم خدَّاما

    قومٌ إذا جن الظلام عليهم     باتوا هنالك سُجَّداً وقياما

    خُمْصُ البطون من التعفف ضُمَّر     لا يعرفون سوى الحلال طعاما

    يتلذذون بذكره في ليلهم     ويكابدون لدى النهار صياما

    فسيغنمون عرائساً بعرائسٍ     ويُبَوَّءون من الجنان خياما

    وتقر أعينهم بما أَخْفَى لهم     وسيسمعون من الجليل سلاما

    أمة الإسلام: إذا كان أولئك قد سبقونا، فما الذي خلَّفَنا وراء القوم؟! إنها والله الذنوب، وإنها والله -يا إخواني- الذنوب التي أقعدتنا عن القيام!

    قيل لـإبراهيم بن أدهم : إني لا أقدر على قيام الليل، فصف لي دواءً، فقال: لا تعصه بالنهار، وهو يقيمك بين يديه بالليل، فإن وقوفَك بين يديه من أعظم الشرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف.

    ولذا كان بعضهم يندب نفسه!

    فهذا سفيان الثوري رحمه الله يقول: حُرِمْتُ قيام الليل خمسة أشهر بذنب أحْدَثْتُه.

    إذا ذكرتَ منك الذنوب فداوها     برفع يدٍ في الليل والليلُ مظلمُ

    ولا تقنطنَّ من رحمة الله إنما     قنوطُك منها من خطاياك أعظمُ

    فرحمته للمحسنين كرامةٌ     ورحمته للمسرفين تكرُّمُ

    أسرة صلة بن أشيم وقيام الليل

    إخواني: والآن أنتقل بكم إلى بيت من بيوت القائمين، وأسرة من أسر المتهجدين، نطلُّ فيها بالحديث على رب الأسرة، وعلى عمود البيت، وعلى عتبة الدار، نرى أول ليلة في عمر تلك الأسرة، وآخر ليلة في عمر تلك الأسرة، وأول ليلة زُفَّت فيها تلك الأسرة إلى الدار الآخرة!

    إنها أسرة ذلك التابعي الجليل: صلة بن أشيم العدوي ، العابد، الزاهد، الورع، التقي رحمه الله.

    كان من العُبَّاد الزُّهَّاد، فزُفَّت إليه امرأته التي تسمى: رابعة ، أو معاذة العدوية، فلما كان يوم زفافه أُدْخِل إلى الحمام ليغتسل، ثم أُدْخِل عليها في غرفة مطيَّبة منعَّمة، فلما دخل عليها قام يصلي، وقامت هي تصلي حتى طلع الفجر، فجاءه أخوها يسأله: كيف وجدتَ أهلك البارحة؟ فأخبره بما كان منه ومنها، فغضب عليه، وعاتبه، فقال له صلة بن أشيم : إنك أدخلتني بيتاً ذَكَّرني النار -يعني: الحمام وحَرِّه-، ثم أدخلتني بيتاً أَذْكَرَني الجنة، فما زلت طوال الليل بين رغبة ورهبة، وما زلتُ أفكر فيهما حتى أصبحتُ.

    تقول عنه زوجته التي تأثرت به غاية التأثر: ما كان يجيء من مسجد بيته إلى فراشه إلا يحبو حبواً؛ لأنه كان يقوم حتى يفتر، فلا يقدر على أن يأتي فراشه إلا حبواً.

    حتى في ساحات الوغى، حتى في الحروب والمعارك كان صلة بن أَشيم لا يترك قيام الليل!

    يقول جعفر بن زيد : خرجنا في غداة إلى كابل ومعنا صلة بن أشيم ، فنزل الناس بعد العَتَمَة، ثم اضطجع، فالتمس غفلة الناس حتى إذا قلتُ: هدأت العيون، وَثَبَ فدخل غيضة -وهي: المكان الذي فيه شجر ملتف- قال: فدخلتُ في أثره، فتوضأ، ثم قام يصلي، فافتتح الصلاة، وبينما هو يصلي إذ جاء أسدٌ عظيم، فدنا منه وهو يصلي، قال: أما أنا ففزعتُ من زئير الأسد، وصعدتُ إلى شجرة، وأما صلة فإنه استمر في صلاته، فاقترب منه الأسد، فقلت: الآن يفترسه، فأخذ الأسد يدور حوله ولم يُصِبْه بسوء، فلما فرغ من صلاته التفت إلى الأسد وقال له: أيها السبع! اطلب رزقك في مكان آخر، فولى الأسد، وإن له زئيراً تتصدع منه الجبال، قال: فما زال صلة يصلي حتى إذا قرب الفجر جلس، فحمد الله بمحامد -لم أسمع بمثلها- إلى ما شاء الله، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، ثم رجع رحمه الله إلى فراشه، فأصبح وكأنه نام على الحشايا نشيطاً، وأما أنا فرجعتُ إلى فراشي وبي من الكسل والنوم والخمول ما الله به عليم.

    استُشْهد -إن شاء الله- صلة بن أشيم ، فلما جاءوا ليعزوا زوجته قالت: إن كنتم جئتم لتعزوني فانصرفوا، وإن كنتم جئتم لتهنئوني فمرحباً.

    ثم بقِيَت هي تكابد الليل بعده تضرعاً وعبادة، وكانت إذا نعِسَت في صلاتها بالليل تقول لنفسها: يا نفسُ! النوم أمامك في القبر يكفيك، فلما حضرتها الوفاة بكت ثم ضحكت. واسمعوا -يا إخوة- إلى ما أبكاها وما أضحكها لتروا أن بيننا وبين القوم بَوْن شاسع!

    تقول: أما البكاء الذي رأيتم فإني ذكرتُ مفارقة الصيام، والصلاة، والذكر وأما الذي رأيتم من تبسمي وضحكي فإني نظرتُ إلى أبي الصهباء -وهي كنية زوجها صلة، وكان قد استشهد- تقول: نظرتُ إليه وقد أقبل من صحن الدار، وعليه ثوبان أخضران، في نفر والله ما رأيت لهم في الدنيا شبيهاً -تعني أنهم ملائكة- قالت: فضحكتُ لهم، ولا أرى أني بعد ذلك أدرك فرضاً من الفرائض. قال الراوي: فماتت تلك المرأة قبل أن يدخل وقت الصلاة.

    هذه نساؤهم، فأين نساؤنا من نسائهم؟!

    فلو كان النساء كمن ذكـرنا     لفُضِّلت النساء على الرجالِ

    فما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ     ولا التذكير فخْرٌ للهلالِ

    إلهي! لك الحمد! مَن الذي عاملك فلم يربح؟!

    هذه امرأة عاملتك وصَدَقَت معك فصَدَقْتَ معها، فلك الحمد! مَن الذي عاملك فلم يربح؟!

    ومَن الذي جاءك بكَرْبِه فلم يفرج؟!

    أي صَدْر صَدَر عن بابك ولم ينشرح؟!

    ومن ذا الذي لاذ بحبلك فاشتهى أن يبرح؟!

    مقتطفات من أخبار القائمين

    أخي الحبيب، أختي الغالية: هل أجبنا نداء السماء؟! وهل ناجينا ربنا في الظلماء؟! وهل نادينا فقلنا:

    ألا يا عين ويحكِ أسعديني     بطول الدمع في ظُلَم الليالي

    لعلك في القيامة أن تفوزي     بخير الدهر في تلك العلالي

    قام طفل صغير، وقال لأمه: يا أماه! إن الجذع الذي أراه هناك لا أراه اليوم.

    فقالت: يا بني! إنه ليس بجذع، إنه مِسْعر بن كدام ، كان يصلي طوال الليل، وقد مات.

    نعم يا إخوة، إنهم كانوا رهبان الليل، يفترشون دموعهم، ويراوحون بين وجوههم وأقدامهم.

    كان عند الحسن بن صالح جارية، وكانت تقوم الليل معه، فباعها، فلما صارت عند الذي اشتراها قامت في جوف الليل لتصلي، فأيقظت أهل الدار لقيام الليل، وقالت: الصلاة .. الصلاة!

    فقالوا لها: أوَقَد طلع الفجر؟!

    قالت: لا. أوَلَيس تصلون إلا المكتوبة؟!

    فقالوا: نعم.

    فلما أصبح الصباح رجَعَت إلى الحسن بن صالح ، وقالت: يا سيدي! إنك بعتني إلى قوم سوء، ليسوا يصلون من الليل، فرُدَّني إليك. فرَدَّها.

    إخواني: أوَلَم نسمع بأن ثلث الليل الآخِر يُرْفع فيه الحجاب، ويُسْمع فيه الخطاب، ويُعْطى فيه بلا حساب، فأيننا وأيننا وأيننا من ذلك الفضل العظيم؟!

    عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخِر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر) متفق عليه.

    يقول الأوزاعي : كان السلف إذا انصدع الفجر أو قبله بشيء كأنما على رءوسهم الطير، مقبلين على أنفسهم حتى لو أن حميماً لأحدهم قد غاب عنه حيناً ثم قدم عليه في تلك الساعة ما التفت إليه من عظيم اهتمامه.

    سبحان الله! فرقٌ بين سَحَرِنا وسَحَرِهم.

    يقول أبو الزناد : كنت أخرج من السَّحَر إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فلا أمرُّ ببيت إلا وفيه قارئ. هذا سَحَرُهم، أما سَحَرُنا فسل عنه القنوات الفضائية، وتلك القبائح والمخازي التي يندى لها جبين الحياة، إلا عند من رحم الله تبارك وتعالى.

    أخي: إن رياح الأسحار تحمل أنين المذنبين، وأنفاس المحبين، وقصص التائبين، ثم تعود برد الجواب ولا كتاب.

    أعلمتم أن النسيم إذا سـرى     حمل الحديث إلى الحبيب كما جرى؟!

    جَهِل الحبيبُ بـأنني في حبهم     سهر الدجى عندي ألذ من الكرى

    كان العبد الصالح علي بن بكار تفرش له جاريته فراشه، فيلمسه بيده ويقول: والله إنك لطيب، والله إنك لبارد، والله لا علوتك الليلة، ثم يقوم يصلي حتى يطلع الفجر.

    فرحم الله تلك الخدود، أماكن تعبُّدهم لفقدهم باكية، ومواطن تهجدهم لفقدهم شاكية.

    دخل معاوية بن حديج رضي الله عنه على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقت الظهيرة فظن أن عمر قائلاً، فقال له عمر : بئس ما ظننت، لئن نمت بالنهار لأضيعن الرعية، ولئن نمت بالليل لأضيعن نفسي، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية ؟!

    لا إله إلا الله! ما أعظم خشوع عمر! كان في وجهه خطان أسودان مثل الشراك من البكاء، وكان يمر بالآية من ورده بالليل، فيبكي حتى يسقط، ويبقى في البيت يُعاد يُظَن أنه مريض، وما به إلا تلك الآية قد أثرت فيه.

    لـو أنك أبصرتَ أهل الهوى     إذا غارت الأنجمُ الطُّلَّع

    فهـذا ينوح على ذنبهِ     وهذا يصلي وذا يركَع

    أما إذا جئنا إلى الخلفاء والأمراء، فهذا صلاح الدين الأيوبي ، الذي طرد الصليبيين، وحرر مسرى رسولنا الأمين صلى الله عليه وسلم، رضي الله عن صلاح الدين، ورزقنا مثله، كان يواظب أشد المواظبة على الصلاة، وخاصة صلاة الجماعة وصلاة الليل، وكان يقول عن نفسه: ما فاتتني صلاة الجماعة منذ سنين، كان يصلي الليل بقلب خاشع، ودمع غزير، وحزن عميق، كان يحمل هم الأقصى، فهو كالوالدة الثكلى، يجول بفرسه من مكان إلى مكان، ويحث الناس على الجهاد، وينادي: يا لَلْإِسلام! وعيناه تذرفان الدموع، ولم يطعم في اليوم الذي لاقى فيه الصليبيين طعاماً ألبتة، وقد أخبر بعض الأطباء أنه بقي من يوم الجمعة إلى يوم الأحد لم يتناول من الغذاء إلا يسيراً من فرط اهتمامه بأمر الأقصى، وقتال الصليبيين.

    نعم يا إخوة، بمثل هذا الهم رَزَقَ الله صلاح الدين ، ويسَّر عليه استرداد المسجد الأقصى، ونحن نجزم يقيناً بأنه لن يُصْلِح آخرَ هذه الأمة إلا ما أصْلَح أوَّلَها، ولقيام الليل تأثير بالغ في صلاح الناس، أنا أسائلكم: كم مِن صرخات! وكم من آهات! وكم من جراحات للمسلمين في كل مكان، في مشارق الأرض ومغاربها! فلماذا لا يتحرك لهم إخوانهم؟!

    رب وا إسلاماه انطلقت     ملء أفواه الصبايا اليُتَّمِ

    لامست أسماعهم؛ لكنها     لم تلامس نخوة المعتصمِ

    سعيد بن الحارث وقيام الليل

    أعجبتني قصة ذكرها ابن النحاس رحمه الله لأحد المجاهدين على أرض المعارك والغزو، فهاكموها يا إخوة، وأرعوها سمعاً وانتباهاً!

    يقول: عن هشام بن يحيى الكناني ، قال: غزونا أرض الروم، وعلينا مسلمة بن عبد الملك أميراً، وكنا رفقة من أهل البصرة، نتناوب الخدمة والحراسة ومعنا رجل يقال له: سعيد بن الحارث، يصوم النهار، ويقوم الليل، لا يفتُر عن ذكر الله ودراسة القرآن، فأدركتني وإياه النوبة ذات ليلة في الحراسة، ونحن نحاصر حصناً من حصون الروم قد استصعب علينا، فرأيت من سعيد تلك الليلة من العبادة ما احتقرتُ معه نفسي، فقلت له: يا أخي! ارفق بنفسك، فإنما هي أنت!

    فقال: يا أخي! إنما هي أنفاس تُعَد، وعُمْر يفنى، وأيام تنقضي، وأنا رجل أترقب الموت، وأبادر خروج نفسي.

    قال: فأبكاني جوابه، ثم قلت له: ألا تستريح؟!

    قال: فذهب إلى خيمة فنام وحده، وبقيت أنا أحرس، وفجأة سمعت كلاماً في الخيمة، فتعجبتُ وجئتُ، فإذا هو يضحك، ويتكلم وهو نائم، وكان فيما قال: ما أحب أن أرجع، ثم مد يده اليمنى كأنه يأخذ شيئاً، ثم ردها بلطف، ثم ضحك، ثم قال: فالليلة، الليلة، قال: ثم وثب من نومه وهو يرتعد، فاحتضنته وهدأته، فلما هدأ جأشُه، أخذ يهلل ويكبر ويحمد الله تبارك وتعالى، فسألتُه أن يقص علي الخبر، فأخبرني أن رجلين أتياه في المنام على أحسن هيئة، وقالا له: قم حتى نريك ما أعد الله لك من النعيم، قال: وظل سعيد يسرد عليَّ ما رآه من القصور، والحور، والجواري وترحيبهن به، حتى انتهى إلى سرير وعليه حوراء، كأنها اللؤلؤ المكنون، فقالت تلك الحوراء الجميلة: قد طال انتظارنا إياك.

    فقال لها: من أنتِ؟

    فقالت: أنا زوجتك الخالدة.

    قال: فمددتُ يدي إليها.

    فرَدَّتْها بلطف وقالت: أما اليوم فلا، إنك راجع إلى الدنيا.

    فقلت لها: ما أحب أن أرجع.

    قالت: لابد من رجوعك، وستقيم في الدنيا ثلاثة أيام، ثم تفطر عندنا في الليلة الثالثة إن شاء الله.

    قال: فقلت الليلة .. الليلة!

    فقالت: إنه كان أمراً مقضياً.

    ثم نَهَضَت من مجلسها، واستيقظتُ حينئذٍ من نومي.

    قال الراوي: ثم ذهب سعيد، فاغتسل وتطهر وتحنط، ولبس أكفانه، فلما كان الصباح هجم على الأعداء يقاتلهم ببسالة وضراوة، يطلب الموت في سبيل الله، فلما حل المساء وتوقف القتال أفطر وكان صائماً نهاره كله، وبات ليلته تلك يصلي لله.

    ثم صنع مثل ذلك في اليومين التاليين، فلما كان اليوم الثلاث قاتل قتال عاشق للموت، فلما دَنَت الشمس من الغروب رماه رجل من الروم بسهم، فخر صريعاً، فأسرعتُ إليه وقلت له: هنيئاً لك بما تفطر عليه الليلة، يا ليتني كنت معك، قال الراوي: فضحكَ والله في وجهي، ثم قال: الحمد لله الذي صَدَقنا وعده، قال: ثم فاضت روحه، فناديتُ بأعلى صوتي وقلت: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:61]، فاجتمع الناس حولي، فأخبرتهم بحاله، فبكوا وضجوا بالنحيب، ثم كبروا تكبيرة اضطرب لها العسكر، والناس مع ذلك يتذاكرون حديثه، فتجددت النيات، واشتاقت القلوب، فما أضحى النهار حتى فتح الله علينا ذلك الحصن.

    إخواني: كانوا بقيام الليل يهزمون الأعداء، ويدكون عروش الطغاة!

    فهذا هرقل يقول لِحَشَدِهِ: لماذا تنهزمون أمام المسلمين؟

    فقال شيخ من عظماء الروم: من أجل أنهم يقومون الليل، ويصومون النهار.

    أُخَيَّ!

    اصبر عـلى مضض الإدلاج في السحرِ     وفي الرواح إلى الطاعات في البُكَرِ

    لا تضجرن ولا يعجزك مطلبها     فالهم يتلف بين اليأس والضجرِ

    إني رأيت وفي الأيام تجربةٌ     للصبر عاقبةٌ محمودة الأثرِ

    وقَلَّ من جد في أمر تَطَلَّبَه     واستصحب الصبر إلا فاز بالظفرِ

    قام أحد العُبَّاد يصلي ويناجي ربه فكان مما قال: اللهم عجبتُ للخليقة كيف أنست بسواك! بل عجبتُ للخليقة كيف استنارت قلوبهم بذكر سواك! يا رب! قصَدَك عبدُك، روحه لديك، وقياده بيديك، واشتياقه إليك، وحسراته عليك، ليله أرق، ونهاره قلق، وأحشاؤه تحترق، ودموعه تستبق؛ شوقاً إلى رؤيتك، وحنيناً إلى لقائك، ليس له راحةٌ دونك، ولا أملٌ غيرك.

    وكان شيخ الشافعية أبو إسحاق السبيعي إذا قام من الليل يناجي ربه أنشد:

    لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا     وقمتُ أشكو إلى مولاي ما أجدُ

    وقلتُ: يا عدتي في كـل نائبةٍ     ومَن عليه لكشف الضر أعتمدُ

    أشكو إليك أموراً أنت تعلمها     ما لي على حملها صبر ولا جلَدُ

    وقد مددت يدي بالذل معترفاً     إليك يا خير مَن مُدَّت إليه يدُ

    فلا تردنها يا رب! خائبةً     فبحر جودك يروي كل مَن يرِدُ

    أُخَيَّ الغالي! يا كثير النوم! أما تنبهك المزعجات؟! الجنة فوقك تزخرف، والنار تحتك توقد، والقبر إلى جنبك يحفر، وربما يكون كفنك قد غزل، والغسال ينتظر، فإلى متى الغفلة؟! إلى متى الغفلة؟!

    أُخَيَّ: من لازم المنام لم يرَ في منامه إلا الأحلام.

    قال الحسن بن عرفة لـيزيد بن هارون : يا أبا خالد ! ماذا فعَلَت العينان الجميلتان؟!

    قال: ذهب بهما بكاء الأسحار.

    أُخَيَّ:

    قم في الدجى واتل الكتاب ولا تنم     إلا كنومة حائر ولْهانِ

    فـلربما تأتي المنية بغتةً     فتُساق من فرش إلى الأكفان

    يا حبذا عينان في غسق الدجى     من خشية الرحمن باكيتان

    رأى بعض السلف في منامه رجلاً يقول له: قُمْ فَصَلِّ، أما علمتَ أن مفاتيح الجنة بيد أصحاب الليل؟!

    لا إله إلا الله! إن قائم الليل لا يستقر له قرار على معصية الله؛ لأنه يعلم أن له رباً يراقبه، ويطلع على خفايا أمره، ولذلك جاء في المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: (إن فلاناً يصلي من الليل وإذا أصبح سَرَق، فقال: سينهاه ما تقول) يعني: سينهاه قيام الليل عن السرقة وعن غيرها.

    أخي: قد كان لك نصيب من الليل، وكنت تتهجد مع المتهجدين، فما الذي دهاك؟! وما الذي أقعدك مع القاعدين؟! وجعلك مع الكسالى والبطَّالين؟! أما سمعت بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا عبد الله! لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل).

    فيا أخي: قيام الليل يستوحش لك، ورياح الأسحار تنتظرك.

    عبادٌ أعرضوا عنَّا     بلا جرم ولا معنى

    أساءوا ظنهم فينا     فهلا أحسنوا الظنا

    فإن خانوا فما خُنَّا     وإن عادوا فقد عدنا

    وإن كانوا قد استغنوا     فإنا عنهم أغنى

    كان محمد بن المنكدر يجاهد نفسه على قيام الليل، ويكابدها ويقول: كابدتُ نفسي أربعين عاماً حتى استقامت لي.

    ويقول ثابت البناني رحمه الله: [كابدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة، وتلذذت به عشرين سنة].

    دخلت إحدى النساء على امرأة الإمام الأوزاعي، فرأت بَلَلاً في موضع سجوده، فقالت لزوجة الأوزاعي: ثكلتك أمك! أراك غفلتِ عن بعض الصبيان حتى بال في موضع سجود الشيخ، فقالت لها زوجة الأوزاعي: ويحك! هذا يصبح كل ليلة من أثر دموع الشيخ في سجوده.

    أصحاب المذاهب الأربعة وقيام الليل

    إذا جئنا إلى الأئمة وجدنا أمراً عجباً! وجدنا أن القلب يهتز طرباً من عبيرهم وأخبارهم!

    فقد كان أبو حنيفة رحمه الله يسمى: الوتد؛ من كثرة قيامه، كان يحيي الليل، وينتحب ويبكي حتى يرحمه جيرانه من كثرة بكائه.

    وأما مالك بن أنس إمام دار الهجرة: فهذا تلميذه أشهب بن عبد العزيز يقول: خرجتُ ليلة بعدما رقد الناس، فمررت بمنزل الإمام مالك بن أنس ، فإذا هو قائم يصلي ويقرأ: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:8]، فبكى بكاء طويلاً، وجعل يرددها ويبكي، فلم أزل قائماً وهو على حاله حتى طلع الفجر، فلما طلع الفجر انصرفتُ إلى منزلي، فتوضأت ثم أتيت المسجد، فإذا به في مجلسه والناس حوله، وإذا وجهه قد علاه النور.

    وأما الشافعي فهذا أخص تلاميذه الربيع بن سليمان المرادي يقول: كان قد جزَّأ الليل ثلاثة أجزاء:

    الجزء الأول: يكتب.

    والجزء الثاني: يصلي.

    والجزء الثالث: ينام.

    وأما أحمد فقد رويت عنه أخبار طارت بها الركبان، يقول إبراهيم بن شماس : كنتُ أرى أحمد بن حنبل يحيي الليل كله وهو غلام.

    وقد حدثنا بعض المشايخ: أن الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته استضافه ليلة، فسهر الشيخ في أمر ما، فخاف أن ينام عن ورده من القرآن، قال: فرأيت الشيخ يمشي في داره ويقرأ حزبه وهو يمشي حتى لا يغلبه النوم قبل أن يقرأ حزبه وورده كاملاً.

    عُبَّاد ليل إذا جن الظلام بهم     كم عابد دمعه في الخد أجراهُ

    وأسْد غابٍ إذا نادى الجهاد بهم     هَبوا إلى الموت يستجدون رؤياهُ

    وكلهم بات بالقرآن مندمجاً     كأنه الدم يسري في خلاياهُ

    فالأذن سامعة والعين دامعة     والروح خاشعة والقلب أوَّاهُ

    يا رب! فابعث لنا من مثلهم نفراً     يشيدون لنا مجداً أضعناهُ

    هذا قليل من كثير، وغيض من فيض، أتيتك به من سِيَر القوم وأخبارهم، وكم وكم أعرضتُ وتركتُ! ويكفي في الحقيقة ما ذكرنا؛ لكي نهيج هذه النفوس ونشوقها؛ كي نسابق في ميدان المتهجدين.

    أخي: لولا أن الوقت ضيق؛ وإلا لكان لي ولك حديث طويل حول تربية النفس على قيام الليل، وما هي الأمور التي تساعدك وتعينك بإذن الله على أن تكون أحد الذين يصفُّون أقدامهم كل ليلة يناجون فاطر الأرض والسماوات، ولكن لضيق الوقت سنطرح هذا الموضوع من خلال بعض النقاط سرداً.

    1.   

    الوسائل المعينة على قيام الليل

    من الأمور التي تعينك على قيام الليل:

    أولاً: إخلاص النية لله تعالى في القيام، فلا تكون في نيتك إرادة شيء إلا مثوبة الله.

    ثانياً: أن تعلم أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يجتهد أبلغ الاجتهاد في قيام الليل، مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

    أخي: أنا أسألك: أنا وأنت هل نعلم أنه قد غفر لنا ذنب واحد؟!

    لا. فالاجتهاد في حقنا ألزم وأدعى.

    ثالثاً: أن نقرأ كثيراً في فضل قيام الليل، وجميل فوائده وعوائده.

    رابعاً: أن نعرف مدى اجتهاد الصحابة، والتابعين لهم بإحسان في قيام الليل، وأن نقرأ من أخبارهم، وأنبائهم؛ لأن سِيَر القوم لها تأثير على النفس؛ ولذلك يقول الإمام أبو حنيفة : سِيَر الصالحين أحب إلينا من كثير من الفقه.

    خامساً: التبكير بالنوم بعد العشاء مباشرة؛ لأن السهر يفوِّت عليك قيام الليل، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها.

    سادساً: أن ينام الإنسان وقد بيَّت نية القيام في قلبه، وعزم عزيمة صادقة على أن يقوم آخر الليل؛ لأنه إن قام حَصَّل الأجر، وإن نام كُتِب له ما نوى، وكان نومه صدقة تصدق الله بِها عليه، كما ثبت في الحديث.

    سابعاً: أن يكثر الإنسان من الضراعة، وأن يلهج لسانه بالدعاء، وأن ينادي ربه في الظلماء أن يعينه على قيام الليل، وأن يكثر من التوبة والاستغفار، وأن يلهج بهما، وأن يجعلهما هجيراه.

    ثامناً: أن يجتنب الذنوب والمعاصي، كبيرها وصغيرها، عظيمها وحقيرها؛ لأنها تحبس الإنسان وتقيده عن سائر الطاعات.

    تاسعاً: ينبغي على الإنسان أن يختار المكان المناسب لنومه، ويتخذ الوسائل المعينة على القيام، من شخص يوقظه، أو ساعة تنبهه، ويجتنب كثرة الأكل بالليل، ويتقصَّد الأكل من المال المباح؛ لأن المال الحرام ما نبت منه فهو سحت، وما كان من سحت فالنار أولى به.

    عاشراً: المحافظة على الأذكار المشروعة قبل النوم، وعند القيام من النوم.

    حادي عشر: التواصي بقيام الليل في المجالس، والمنتديات، وبين الأصحاب والأقران والأخدان، وإن قاموا أحياناً الليل جماعة فلا حرج إن لم يكن ذلك على سبيل العادة.

    ثاني عشر: أن تتذكر الموت، وأن تعلم هول المصير، وأن تعلم أن أمامك القبر وظلمته، والحشر وروعته، والصراط وزلته، وأن تعد لذلك عدته، فإذا علمت أن هذا هو المستقبل؛ هان والله عليك قيام الليل؛ لأنه من قام الليل هان عليه القيام بين يدي الله تبارك وتعالى يوم القيامة.

    ثالث عشر: زيارة الصالحين، والجلوس معهم، والتحدث إليهم، ورؤية أحوالهم؛ فإنها تشد العزيمة، وتوقظ الهمة إلى إدراك معالي الأمور.

    رابع عشر: التدرج في عدد الركعات، وطول القيام ووقته، فالإنسان الذي لا يقدر أن يقوم آخر الليل عليه ألا ينام حتى يصلي، ولذلك قال أبو هريرة : (أوصاني خليلي بثلاث: وذَكَرَ منها: أن أوتر قبل أن أنام).

    خامس عشر: الحرص على القيلولة بالنهار؛ لأنه من نام من النهار جزءاً كان ذلك أعون لجسده، وأنشط لجسمه أن يقوم إلى صلاة الليل.

    هذا ما فتح الله به علينا في هذا المجلس.

    وأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلني وإياكم من الهداة المهتدين.

    اللهم يسر علينا قيام الليل، واجعلنا من عبادك المتهجدين.

    اللهم إنا نسألك أن توقظنا بالأسحار، وأن تقبل منا التوبة والاستغفار، وأن ترزقنا الاستعداد لدار القرار.

    اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا ذنبنا العظيم، وأن تغفر لنا خطأنا الكبير، وأن تعافينا من كل بلاء، وأن تؤمننا من كل فتنة، وأن ترزقنا القرآن والحكمة، وأن تجعلنا يا رب العالمين من عبادك المؤمنين.

    اللهم يا عظيم! نسألك بعزك وذلنا، وغناك وفقرنا، وقوتك وضعفنا، أن تهدي قلوبنا، وأن تصلح أجسادنا، وأن تجعل قبورنا روضة من رياض الجنة.

    اللهم إنا دعوناك فأعطنا، وسألناك فأجبنا، وأنخنا مطايانا على بابك، فلا تخيب ظننا فيك.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046353747

    عدد مرات الحفظ

    735642688